"أماني العلي" رسامة كاريكاتير سورية توظف الفن لنقل واقع الشعب السوري ومعاناته خلال الثورة
عمل العديد من السوريين على إيصال معاناتهم والأحداث التي عاشوها خلال سنوات الثورة السورية بطرق متعددة، فاختار بعضهم الكتابة، وآخرون لجأوا إلى الشعر أو التصوير وغيرها، فيما اتجه آخرون إلى الفنون البصرية كوسيلة للتعبير والتوثيق.
ومن بين هذه الفنون، برز فن الكاريكاتير كأحد الأساليب التي جسّدت الواقع بطريقة ساخرة وبصرية مكثفة، ما جعله أداة فنية لنقل تفاصيل المعاناة والأحداث اليومية بأسلوب يصل إلى جمهور واسع ويعبر عن الواقع السوري بلغة مختلفة.
وفي هذا السياق، تبرز قصة رسامة الكاريكاتير أماني العلي، التي قدّمت خلال سنوات الثورة السورية العديد من اللوحات والأعمال المميزة، واستطاعت أن توصل رسوماتها إلى منصات ومعارض خارجية وصلت إلى العالمية، وما تزال مستمرة في عملها حتى اليوم.
وقالت أماني العلي، رسامة كاريكاتير، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تمارس فن الكاريكاتير منذ عام 2016 وحتى الآن، مضيفة أنها أقامت معارض في عدد من دول العالم، من بينها فرنسا التي شاركت فيها أكثر من مرة بنحو أربع أو خمس أو ست معارض، إضافة إلى بريطانيا حيث كان معرضها الأول، وكذلك في كندا وألمانيا.
ولفتت إلى مشاركتها في معارض فردية وأخرى مشتركة مع فنانين في ألمانيا وتركيا، إلى جانب معارض فردية في إيطاليا وكندا، فضلاً عن معرض في إدلب، لافتة إلى أنها تستعد حالياً لإطلاق معرضها الثاني في المدينة ذاتها.
ونوهت إنها كانت تميل إلى الرسم منذ طفولتها، معتبرة أن الرسم بالنسبة لها حالة تعبيرية أكثر من كونه مجرد هواية، إلا أنها لم تكن تميل إلى رسم الأشياء الجامدة أو الطبيعة، وأضافت أنه اندلاع الثورة السورية حيث اكتشفت أن هناك شيء اسمه فرع فن الكاريكاتير، مشيرة إلى أنها لم تدرس الرسم، وإنما درست معهد هندسة كمبيوتر، فلم يكن اختصاصها الرسم، وعندما بدأت العمل بعد التخرج فضلت أن تكون ٱنسة رسم على أن تعمل بشهادتها.
بعد اندلاع الثورة، تعرفت على فن الكاريكاتير، فوجدت شغفها بهذا الفن التعبيري وأحبته، خاصة أنه يوصل رسالة، ثم أُتيحت لها فرصة في جريدة “سوريتنا”، حيث كانت أول رسوماتها تُنشر فيها، وهنا وجدت هدفها وشعرت بأنها عثرت على ضالتها، فن الكاريكاتير، منوهة إلى أنها كانت تتابع أعمال كثيرة لرسامين عرب وأجانب.
وأوضحت أنها بعد عملها في هذا المجال، أدركت أن الصورة أو الرسم يوصل رسالة أكثر من ألف مقال، مثلا عن الثورة السورية أو عن معاناة الشعب السوري، فالمقال يحتاج إلى صياغة منمقة ومختصرة وأحياناً ترجمة لعدة لغات حتى يصل إلى الجمهور، وربما يصل وربما لا، بينما الرسم يصل مباشرة دون وسيط لغوي، حيث يحكي قصة أو يجسد معاناة بطريقة سهلة وسريعة.
وأضافت أنها وجدت في فن الكاريكاتير وسيلة تخدم قضية الشعب السوري بشكل سريع، وهو ما انعكس فعلياً على أعمالها ومعارضها، خاصة معرضها في إيطاليا، حيث أوضحت أن الكثير من الحضور لم يكن لديهم معرفة مسبقة بإدلب أو بسوريا أو حتى بالثورة السورية، لكنهم من خلال الرسومات تمكنوا من فهم ما يجري.
ولفتت إلى أن المعرض استمر لثلاثة أشهر، وكانت تتلقى خلاله رسائل عديدة من الزوار تؤكد أنهم فهموا الواقع السوري بشكل أوضح، وأنهم أصبحوا أكثر تضامناً مع الشعب السوري بعد مشاهدة الأعمال المعروضة.
وذكرت أن أبرز أعمالها خلال السنوات الماضية، ولا سيما خلال سنوات الثورة السورية، كانت متعددة ومتنوعة، مؤكدة أنها لا تستطيع حصرها في موقف واحد، إذ إن كل عمل من أعمالها يمثل رسالة أو قصة أو قضية تعكس جانباً من معاناة السوريين داخل البلاد.
وأضافت أن من بين أعمالها التي حظيت بانتشار واسع رسمة “ميساء”، والتي نالت جائزة عالمية وتم تداولها بشكل كبير، حتى إنها عُرضت في شوارع برلين، وتعود قصة العمل إلى فتاة نازحة من ريف حماة إلى ريف إدلب، قُتلت على يد زوجها الذي كان يعنفها ويضربها، ما دفعها إلى رسم لوحة نساء في المخيمات يتعرضن لقصف، يشبه القصف الروسي، فأحدثت ضجة في المجتمع أنها تشبه الرجال القذائف الروسية.
وأشارت إلى أن أكثر ما أثر فيها شخصياً هو اللوحة التي تتصف المرأة، مضيفة أنها عملت على الكثير من اللوحات إنصاف للمرأة السورية، مبينة أن السيدة السورية قدمت وضحت وتستحق.
ونوهت إلى أنها تختار الأفكار والمواضيع بناءً على الأحداث الجارية، موضحة أنها في الفترة الحالية ومنذ “تحرر سوريا” وحتى الآن باتت أقل إنتاجاً للأعمال، مرجعة ذلك إلى معاناة نفسية صعبة نتيجة ما عاشته خلال 14 عاماً في إدلب.
واعتبرت أنها ليست هي تختار المواضيع بل إن الواقع هو الذي يفرض الافكار، فكلما وقع قصف أو حدثت مجزرة كانت تجد نفسها ترسم عن ذلك تلقائياً، وكذلك عند سماعها عن انتهاكات أو رؤية اعتداءات على الأرض، مؤكدة أن الرسم يتحول إلى استجابة مباشرة لما يجري على الأرض.
وأضافت أنه في حالات العنف الأسري أو قتل النساء على يد الأقارب أو الأزواج، تعتبر أن من واجبها الفني والإنساني أن تعبر عن هذه القضايا من خلال الرسم، لافتة إلى أن البيئة التي عاشت فيها جعلت من الرسم انعكاساً مباشراً للواقع الذي يحيط بها.
وحول الرسالة التي تسعى لإيصالها، قالت إن الهدف الأساسي بالنسبة لها هو مظلمة الشعب السوري، ونقل صوته خلال سنوات الحرب الممتدة، خاصة أنها امتلكت فرصة للوصول إلى الجمهور الأوروبي بشكل أوسع من داخل سوريا.
وبينت أنها كانت ترسم ما يناسب المجتمع الأوروبي، موضحة أنه في حال إقامة معرض لطلاب في ألمانيا كانت تعمل على إيصال القصة من البداية، شعب مسالم خرج حاملاً الورد، ثم واجه دكتاتوراً ظالماً، وتعرّض للقنابل والضرب والقصف، منوهة إلى أنها كانت تدرك طبيعة الجمهور الذي تخاطبه، ثم تتحدث عن معاناة الشعب السوري.
وفيما يتعلق بحالة الانتقادات التي تعرضت لها ببدايات عملها في هذا المجال، أكدت العلي أنه بالأول كان هناك تأثير لرسوماتها على المجتمع المحيط فيها، إذ كان هذا المجتمع يتعامل معها بالاستخفاف ولم تعجبهم ويتعاملون معها بانتقاد وسخرية من فكرة أنها “لا تقدم شيء”.
لاحقاً، ومع وصول أعمالها إلى المجتمع الأوروبي، بدأت رسوماتها تُنشر في صحف أجنبية مثل “لوموند” وصحف إيطالية وبلجيكية، كما قدم عنها فيلم وصار لديها كتاب تم توزيعه في أنحاء العالم، وتم تصوير فيلم عنها ضمن مشروع تناول سبع نساء من العالم وكانت هي من بينهن.
وأشارت إلى أن هذه المرحلة شكّلت تحولاً في نظرة الناس لها، حيث انتقل التعامل معها من الانتقاد والاستخفاف إلى الاحترام والفخر، وهو ما لمسته أيضاً خلال مشاركتها في معارض داخل إدلب، حيث عبّر كثيرون عن فخرهم بها.
وذكرت أن أبرز التحديات قبل سقوط النظام، كان لديها هدف مرتبط بالمرأة، إذ لم تكن تهتم كثيراً بقبول المجتمع أو رفضه، خاصة أنها مستمر في مجالها، لكنها كانت ترى أن هناك ضرورة لوجود النساء في فن الكاريكاتير، وأوضحت أنها كانت المرأة الوحيدة التي تعمل في هذا المجال في شمال سوريا، وتشير إلى أن عدد رسامات الكاريكاتير في سوريا كان محدوداً جداً، وربما يكاد يكون غير موجود، وكان هذا الفن حكر على الرجال.
وأكدت أن هدفها قبل سقوط النظام كانت تسعى إلى أن يكون للنساء حضور أكبر في هذا المجال، وأن تدخل نساء شمال سوريا عالم الكاريكاتير، فقدمت تدريب في أعزاز، مضيفة أنه بعد سقوط النظام أصبحت ترى أن فن الكاريكاتير يمكن أن يصبح أكثر انتشاراً، وأن يكون للنساء فيه حصة كبيرة مع إمكانية إقامة معارض أوسع وتوسيع دائرة التعارف بين الفنانين.
وأعربت عن رغبتها في التعاون مع رسامين كاريكاتير من دمشق وحلب وحمص ومناطق أخرى، عبر معارض مشتركة وتبادل الأعمال وطرح وجهات نظر مختلفة حول القضايا، معتبرة أن كل فنان يقدّم رؤيته الخاصة للواقع، واختتمت بأن هذا المشروع ما زال يحتاج إلى وقت.