باحث نفسي لـ "شام": غياب المؤسسات يحوّل "الحرية" إلى سجن ثانٍ والناجي غير مُطالب ببطولة زائفة
أعادت حادثة انتحار الشاب محمد علي شلة، وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا، بعد إقدامه على إضرام النار في جسده داخل منزله المدمر في منطقة غرب الأوتوستراد بمدينة حرستا في ريف دمشق، تسليط الضوء على الآثار النفسية العميقة والصدمات التي تخلّفها تجربة الاعتقال في نفوس الناجين، والتي تستدعي متابعة حثيثة من المحيطين بهم، إلى جانب تدخلات علاجية متخصصة عند الحاجة.
وكان الشاب شلة قد أمضى فترة من الاحتجاز في سجن صيدنايا، المعروف بسمعته السيئة، حيث صدر بحقه حكم بالسجن لمدة عشرين عاماً، قبل أن يخرج يوم التحرير، وبحسب ما أفاد مقربون، فقد عانى من اضطرابات نفسية عقب خروجه، وحاولت أسرته مساعدته وعرضه على طبيب مختص، إلا أنه لم يتقبل ذلك، لتتفاقم حالته وصولاً إلى إقدامه على إحراق نفسه.
المعاناة النفسية بعد الخروج من السجن
عكست قصة الشاب محمد علي شلة جانباً من المعاناة النفسية التي عاشها ناجون من معتقلات النظام البائد، في ظل ما تعرضوا له من أساليب قمعية وانتهاكات جسيمة، شملت الضرب المبرح والتعذيب والإذلال، إلى جانب ظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية، تركت آثاراً عميقة في نفوسهم.
استُشهد بعض المعتقلين تحت التعذيب وخلف القضبان، فيما نجا آخرون، لكنهم خرجوا وهم يحملون ندوباً نفسية عميقة خلّفتها تجربة السجن القاسية، رافقتهم في تفاصيل حياتهم اليومية، وانعكست سلباً على سلوكهم وعلاقاتهم مع الآخرين، وأعاقت قدرة بعضهم على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.
الناجون من الاعتقال بين آثار القهر وفجوة الدعم المؤسسي
وفي هذا السياق، دعا ناشطون وأخصائيون إلى ضرورة الانتباه لأوضاع الناجين، وتقديم الدعم النفسي لهم، لمساعدتهم على تجاوز تلك التجارب القاسية واستعادة قدرتهم على العودة إلى حياتهم الطبيعية.
قال براء الجمعة، باحث ومختص في الصحة النفسية ومؤسس منصة "إصغاء"، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إنه لا يرى نفسه فقط "معالجاً" يرمم كسور الأفراد، بل شاهداً على عجز المنظومات المؤسساتية عن حماية الإنسان، مضيفاً أن دوره يتمثل في تسليط الضوء على تلك المساحة المنسية بين خروج الإنسان من القيد واستعادة مكانته في المجتمع كصاحب حق، لا كمتلقٍ للشفقة.
وأضاف أن ما يحدث في أماكن مثل صيدنايا لا يُعد تجربة قاسية فحسب، بل يُشكّل عملية منهجية لتفكيك النظم الداخلية للإنسان، فحين تغيب منظومة الدولة وتتحول المؤسسة إلى أداة للقهر، يُنكسر "العقد الاجتماعي" في صلب كيان الفرد.
وتابع أن الآثار ليست ذكريات مؤلمة فقط، إنما هي "تعطل بوصلة الأمان"، حيث يخرج الإنسان بجسد حر، لكنه يجد نفسه في مواجهة مؤسسات وجدانية ومادية غير مهيأة لاستقباله، والخلل هنا ليس في الناجي، بل في "البنية التحتية الإنسانية" التي لم توفر شبكة أمان تلتقط هذا الكيان المنهك لحظة سقوطه في "حرية" خاوية.
الناجون من الاعتقال: استعادة الحقوق والحياة اليومية
وأردف أنه بدلاً من التنظير الأكاديمي، يقول لكل ناجٍ: أنت لست مطالباً بإصلاح ما أفسدته منظومة كاملة بمفردك، ودعا إلى التصالح مع "اللا-فعل"، مؤكداً أن الناجي ليس مضطراً لأن يكون "بطلاً" أو منتجاً منذ اليوم الأول، وإنما يجب أن يستعيد ملكيته ووقته، وطريقة شربه للماء، ومشيه في الشارع، كخطوات أولى لاسترداد سيادته على ذاته.
وأشار براء الجمعة إلى ضرورة مطالبة الناجي بحقّه في الرعاية، مؤكداً أن المساندة ليست "جميلة" تُقدّم من أحد، بل هي حق مستحق على المجتمع والمؤسسات التي صمتت أو عجزت.
ونصح الجمعة الناجي بإعادة بناء روتينه اليومي، والبحث عن الأمان في تفاصيله الصغيرة والمألوفة، في حارته، وفي حديثه مع الجيران الذين يفهمون معنى الصبر، بعيداً عن صخب الشعارات.
الوقاية والدعم المؤسسي: أسس حماية الناجين
وأكّد المختص براء أن الوقاية من اليأس الحاد أو الانكسار النهائي لا تقع على عاتق الناجي وحده، بل تمثل واجباً على "الدولة" والمؤسسات الفاعلة، مشيراً إلى أهمية تفعيل شبكات الأمان المؤسساتية، وضرورة أن تتحول الرعاية النفسية من العيادات المغلقة إلى "سياسة عامة"، ولفت إلى أن غياب مراكز التأهيل المتخصصة والمجانية يترك الناجي فريسة لليأس.
وشدّد على ضرورة تأمين الكرامة المادية، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن توازن نفسي لإنسان يفتقر إلى السكن أو العمل، إذ يُعد الفقر بعد الاحتجاز بمثابة "سجن ثانٍ"، وأن الوقاية من الانتحار تبدأ بتأمين سبل العيش الكريم كحق أصيل.
وأشار إلى أهمية التدخل المبكر كسياسة، مؤكداً ضرورة وجود بروتوكول مؤسساتي يستقبل العائدين، ليس بالتحقيق، بل بالاحتضان المهني الذي يقيم احتياجاتهم قبل أن تصل الأمور إلى حافة اللاعودة.
دور المجتمع والأهالي
ونوّه المختص براء إلى أن المجتمع والأهالي يشكلون "المصد الأخير" في غياب الدولة، مبيناً أن دورهم لا يقتصر على ممارسة دور المعالج، بل يتجلى في توفير "البيئة الحاضنة" للناجي، وأكد على أهمية الاعتراف بالواقع، مشيراً إلى أن كسر الصمت حول ما حدث والاعتراف الجماعي بوجع الناجي يمثل أولى خطوات شفائه.
ودعا الجمعة المجتمع إلى تجنب "التنميط"، وحث أفراده على التوقف عن معاملة الناجين كأشخاص "محطمين" أو "ناقصين"، موضحاً أنهم بشر فُرضت عليهم ظروف غير إنسانية، وأن مهمة الوسط المحيط وأفراده تتمثل في إعادة دمجهم ضمن النسيج الاجتماعي كأعضاء فاعلين، لا كحالات إغاثية.
وفي ختام حديثه شدد على الضغط من أجل الحقوق، مؤكدا أنه يجب أن يتحول تعاطف المجتمع من "بكائيات" إلى ضغط جماعي لتوفير مؤسسات رعاية حقيقية، فالمجتمع الحي هو الذي يحمي أبناءه بالحقوق لا بمجرد العواطف الموسمية.