معركة الذاكرة في زمن ما بعد السقوط.. الدراما وحدود الجرح المفتوح
معركة الذاكرة في زمن ما بعد السقوط.. الدراما وحدود الجرح المفتوح
● آراء ومقالات ١٩ فبراير ٢٠٢٦

معركة الذاكرة في زمن ما بعد السقوط.. الدراما وحدود الجرح المفتوح

مما لاشك فيه أن الدراما وسيلة مهمة في ترسيخ الوعي، ولكن لايمكن أن يكون كل موضوع صالحا لأن يتحول فوراً إلى عمل درامي، ولايمكن أن يكون كل جرح قابل لأن يُعاد تمثيله أمام الكاميرات وكأنه اكتمل شفاءه، فهناك مآسٍ لا تزال حيّة في ذاكرة السوريين، تتنفس في بيوت الأمهات، وتظهر في صور المفقودين المعلّقة على الجدران، وتُستعاد كل ليلة في كوابيس الناجين.

قضية السجون السورية لم ولن تكون حدثاً تاريخياً بعيداً يمكن التعامل معه ببرودة توثيقية، إنما هي تجربة قاسية ما تزال آثارها مستمرة، سياسياً ونفسياً واجتماعياً، لذلك فإن أي عمل فني يقترب منها لا يُقاس فقط بجودته الإخراجية أو قوة نصه، بل بوعيه الأخلاقي أيضاً.

أي عمل يتناول السجون السورية لا يولد في مساحة محايدة، بل يدخل مباشرة إلى واحد من أكثر ملفات الحرب في سوريا حساسية وتعقيداً، ملف المعتقلين الذين لم يكونوا أبطال نصوص مكتوبة، بل بشراً من لحم ودم، خرج بعضهم محمّلاً بآثار التعذيب في الجسد والروح، فيما بقي آخرون أسرى الغياب، معلّقين بين قوائم الانتظار وأمل العائلات.

القضية لا تتوقف عند براعة الممثل أو قدرته على تجسيد الألم، بل عند موقعه من ذلك الألم حين كان حقيقة يومية لا مشهداً تمثيلياً، فالفن ليس أداءً معزولاً عن سياقه، بل هو أيضاً موقف أخلاقي وانعكاس لوعي عام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم ارتبطت بأماكن صارت رموزاً لمعاناة لا يمكن اختزالها أو تجريدها من بعدها الإنساني.

المشكلة لا تكمن في تناول الملف بحد ذاته، فالفن كان دائماً وسيلة لفهم الألم الإنساني، لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول العمل إلى مساحة لإعادة ترتيب الصور، أو لإعادة تموضع شخصيات كانت جزءاً من المشهد العام زمن وقوع الانتهاكات، هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام مراجعة حقيقية أم أمام إعادة صياغة للذاكرة؟

كما أن الذاكرة الجماعية ليست صفحة بيضاء، والناس لا تنسى بسهولة من اصطف مع السلطة حين كانت تمارس أقسى أشكال القمع، ولا تتعامل بخفة مع محاولات الانتقال السريع من موقع الصمت إلى موقع البطولة التراجيدية، ولم تعد القضية تصفية حسابات، بل اتساق أخلاقي بين الموقف السابق والدور اللاحق.

عندما تتحول معاناة المعتقلين إلى مشاهد مصوّرة، فإن الخطر لا يكون في التمثيل ذاته، بل في اختزال الألم، أو في تجريده من سياقه السياسي والإنساني، فالسجون ليست ديكوراً، والضحايا ليسوا شخصيات ثانوية في حبكة قابلة للتعديل.

العدالة الانتقالية، إن أُريد لها أن تكون جدية، لا تبدأ فقط بمحاكمات، بل أيضاً بمحاسبة رمزية في المجال العام، ومن حق المجتمع أن يسأل، وأن يناقش، وأن يرفض إن شعر أن الذاكرة تُستخدم كأداة تلميع لا كأداة كشف.

بالتأكيد، الفن قادر على أن يكون مساحة للإنصاف، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مساحة لإعادة توزيع الأدوار بطريقة تُربك الضحية وتريح المتفرج، وبين هذين الحدّين يقف سؤال بسيط: هل يُنصف هذا العمل الحقيقة، أم يخفف وطأتها لتصبح أكثر قابلية للاستهلاك؟

لكن قضية المعتقلين ملف عدالة ما يزال مفتوحاً، وذاكرة شعب لم ينسَ بعد، والعدالة الانتقالية لا تبدأ فقط في أروقة المحاكم، بل أيضاً في وعي المجتمع، وفي قدرته على التمييز بين من دفع الثمن ومن اكتفى بالمشاهدة.

ليس المطلوب مصادرة الفن، ولا منع سرد الحكايات، بل الاعتراف بأن بعض القصص لا تزال ساخنة، وأن بعض الجراح لا تحتمل إعادة تموضع رمزي سريع، فالكاميرا قد تعيد توزيع الأدوار، لكن الذاكرة الجمعية لا تفعل بسهولة.

الحديث عن السجون يبدأ أولاً من سؤال بسيط ومباشر: أين كان الصوت حين كانت الأبواب تُغلق، ومن دون إجابة صريحة على هذا السؤال، سيبقى أي عمل يتناول تلك المرحلة محاطاً بالريبة، مهما بلغت حرفيته الفنية.

الإشكال ليس في تحويل المأساة إلى سرد بصري، فالفن لطالما اشتغل على الكوارث الإنسانية، لكن المعضلة تبدأ حين يتقدم إلى الواجهة من لم يُعرف لهم موقف واضح حين كان الصوت ضرورة، أو ممن اختاروا الحياد في لحظة لم تكن تحتمل الحياد، عندها يصبح العمل ساحة أسئلة لا منصة توثيق، ويتحول الخط الفاصل بين الإبداع وتبييض الصفحات إلى مسألة يصعب تجاهلها.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ