إعادة تأهيل "الشبيحة" والرماديين: طعنة في ظهر الثورة وذاكرة الضحايا
إعادة تأهيل "الشبيحة" والرماديين: طعنة في ظهر الثورة وذاكرة الضحايا
● آراء ومقالات ٣ فبراير ٢٠٢٦

إعادة تأهيل "الشبيحة" والرماديين: طعنة في ظهر الثورة وذاكرة الضحايا

في لحظةٍ يُفترض أن تمضي فيها سوريا نحو ترسيخ مبادئ العدالة الانتقالية وبناء دولة قائمة على قيم الثورة التي نادى بها السوريون منذ عام 2011، يُفاجَأ الشارع الثوري بعودة الوجوه التي ارتبطت بأبشع صور القمع والانتهاك - المعروفة بـ"الشبيحة" - إلى الواجهة، ومعهم يظهر من ظلّوا صامتين أو "رماديين" حين كانت البلاد تحترق، فاختاروا الحياد في زمنٍ لا يقبل إلا الوضوح.

كثير هي الأمثلة التي يمكن استعراضها في هذا السياق، وكثير هي الشخصيات التي باتت اليوم تتصدر المشهد العام في سوريا، كانت إلى وقت قريب تساند الجلاد بأي شكل من الأشكال، كما أن منهم من انتهج سياسة الصمت والرمادية أمام شلالات الدم التي أريقت، لكن اليوم يتم تصديره كواجهة في كثير من المؤسسات والمحافل واللقاءات والمؤتمرات والزيارات، يدعمه ممن هم المفترض أبناء الثورة سابقاً.

ينذر هذا "التعويم" المتعمد لهؤلاء بعواقب وخيمة على مستقبل سوريا كدولة تسعى إلى إعادة ترميم علاقتها مع شعبها، كما أن إعادة دمج تلك الشخصيات في مؤسسات الدولة، دون محاسبة أو حتى اعتراف بما ارتكبوه، يعيد إلى الأذهان صور الظلم ويزيد من حدة الغضب الشعبي، خصوصاً لدى ذوي الشهداء والمعتقلين الذين لم تُكشف حتى اليوم مصائرهم.

المؤلم أكثر، وربما الأخطر، أن بعض من يُفترض أنهم من أبناء الثورة - ممن رفعوا شعاراتها وتحدثوا باسمها - انبروا للدفاع عن هذا التوجه، محاولين تبريره تحت ذريعة "المصالحة الوطنية" أو "الواقعية السياسية"، وهؤلاء، بوعي أو دون وعي، يسهمون في طمس الحقيقة وتزييف التاريخ، ويمنحون غطاءً أخلاقياً لمن كانوا سبباً في إراقة الدماء، وانتهاك كرامات السوريين لعقدٍ من الزمن.

كما أن التعامل مع هذه القضية على أنها مجرد إعادة ترتيب للمشهد السوري هو تقزيم لجوهر الثورة التي بدأت أصلاً ضد القمع والفساد واللامحاسبة، فكيف يمكن بناء دولة جديدة على أنقاض الدماء، إذا ما كانت وجوه النظام القمعي نفسه تُعاد إلى الصدارة من بوابة "الواقعية"؟

الثورة لم تكن شعاراً عاطفياً ولا حدثاً مؤرخاً، بل هي منظومة قيم لا تقبل القفز فوق حقوق الضحايا ولا تبرير تمكين الجلادين، والمجتمع السوري، الذي خسر الكثير في سبيل كرامته، لن يقبل بسهولة أن تُغلق الملفات بهذه الطريقة، أو أن يُمنح من ساهموا في ألمه مقعداً جديداً في دولة يُفترض أنها تمثّله.

 

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ