تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟
تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟
● آراء ومقالات ٢١ مايو ٢٠٢٦

تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟

بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، تواجه سوريا تحدياً هندسياً واقتصادياً هائلاً يتمثل في ملايين الأطنان من الأنقاض والركام المنتشرة في المدن المتضررة، وهو ما يشكل أحد أكبر العوائق أمام مشاريع إعادة الإعمار وإعادة الخدمات.

وتقدّر تقارير أممية أن الحروب والكوارث تخلّف كميات ضخمة من مخلفات البناء والهدم تُعرف عالمياً باسم Construction & Demolition Waste (C&D Waste)، والتي تشمل الخرسانة والحديد والطوب والزجاج والإسفلت والأسلاك المعدنية.

لكن التطور السريع في تقنيات إعادة التدوير والذكاء الاصطناعي غيّر طريقة التعامل مع هذا الركام، إذ لم يعد يُنظر إليه كنفايات فقط، بل كمصدر مواد أولية يمكن إعادة استخدامها اقتصادياً وتقنياً.

الذكاء الاصطناعي يدخل قطاع إعادة التدوير

أحدث التحولات العالمية في هذا القطاع تعتمد على أنظمة فرز ذكية تستخدم الكاميرات والخوارزميات والروبوتات لفصل مواد البناء بشكل آلي.

وطوّر باحثون في جامعة "ستوني بروك" الأميركية نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل وفرز النفايات بسرعة أعلى بكثير من الفرز البشري، باستخدام كاميرات منخفضة التكلفة وخوارزميات قادرة على التعرّف على المواد المختلفة داخل أكوام الركام.

وتقوم هذه الأنظمة بتحديد الخرسانة والمعادن والبلاستيك والأخشاب تلقائياً، ما يقلل نسبة المواد المهدورة ويرفع كفاءة إعادة التدوير.

روبوتات قادرة على رفع معدلات التدوير 6 أضعاف

أظهرت دراسة هندسية حديثة من جامعة الدنمارك التقنية أن أنظمة الفرز الروبوتية يمكن أن ترفع معدل إعادة تدوير مخلفات البناء من نحو 5% في الأنظمة التقليدية إلى أكثر من 32% باستخدام الروبوتات والفرز الذكي.

وتعتمد هذه التقنيات على أذرع روبوتية مزودة بحساسات بصرية وتقنيات رؤية حاسوبية تستطيع التقاط المواد القابلة لإعادة الاستخدام بدقة عالية حتى داخل الركام المختلط.

كما تستخدم بعض الأنظمة تقنيات تصوير متعددة الأطياف تشمل الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء القصيرة لتحديد نوع المواد حتى لو كانت مغطاة بالغبار أو متضررة جزئياً.

دقة تصل إلى 99%

في الإمارات، طوّر باحثون نظاماً يعتمد على التعلم العميق لتصنيف مخلفات البناء والهدم باستخدام الصور والذكاء الاصطناعي، وحقق دقة وصلت إلى 99.5% في تمييز الخرسانة والخشب والسيراميك والمواد المختلطة.

ويعتمد النظام على كاميرات ميدانية وخوارزميات تعلم آلي قادرة على تحليل آلاف الصور بسرعة كبيرة، ما يفتح الباب أمام استخدام هذه التقنيات في مواقع الدمار واسعة النطاق.

كسارات متنقلة تعمل داخل المدن المدمرة

من أبرز التقنيات الحديثة أيضاً "الكسارات المتنقلة" (Mobile Crushers)، وهي معامل متنقلة تُنقل مباشرة إلى مواقع الدمار لمعالجة الركام دون الحاجة إلى شحنه لمسافات طويلة.

وتقوم هذه المعدات بطحن الخرسانة وتحويلها إلى حصويات تُستخدم في تعبيد الطرق أو صناعة الخرسانة منخفضة الكلفة، بينما تُفصل المعادن تلقائياً باستخدام أنظمة مغناطيسية.

وتسعى شركات عالمية مثل Holcim إلى توسيع استثماراتها في البناء الدائري وإعادة تدوير الأنقاض، حيث أعلنت الشركة أنها تستهدف إعادة تدوير 20 مليون طن من مخلفات الهدم سنوياً بحلول عام 2030، بعد أن أعادت تدوير 5.6 ملايين طن خلال أول تسعة أشهر من عام 2025 فقط.

طائرات مسيّرة لرسم خرائط الدمار

أصبحت الطائرات المسيّرة "الدرون" جزءاً أساسياً من عمليات إزالة الركام الحديثة.

وتُستخدم هذه الطائرات لإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد للأحياء المدمرة، وتقدير حجم الأنقاض بدقة، وتحديد الأبنية الخطرة قبل بدء عمليات الهدم أو إعادة التدوير.

كما تسمح تقنيات المسح الرقمي والذكاء الاصطناعي بحساب كميات الحديد والخرسانة القابلة للاسترجاع، ما يساعد في تخفيض كلفة إعادة الإعمار.

سوق عالمي بمليارات الدولارات

تشير تقديرات حديثة إلى أن سوق إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم عالمياً تجاوز 148 مليار دولار خلال عام 2025، مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات المقبلة نتيجة تشدد القوانين البيئية وارتفاع أسعار مواد البناء. 

كما بلغ حجم سوق أنظمة الفرز الروبوتي لمخلفات البناء أكثر من مليار دولار في 2024، وسط توسع الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية في أوروبا وآسيا. 

هل يمكن تطبيق هذه التقنيات في سوريا؟

يرى مختصون أن سوريا تمتلك فرصة للاستفادة من هذه التقنيات مستقبلاً، خصوصاً مع الحاجة إلى إزالة كميات هائلة من الركام في المدن المتضررة.

لكن تطبيق هذه الأنظمة يتطلب بنية تحتية تقنية، وتمويلاً كبيراً، إضافة إلى تشريعات تنظّم استخدام المواد المعاد تدويرها في مشاريع البناء.

كما أن وجود مخلفات حربية وألغام في بعض المناطق يشكل تحدياً إضافياً أمام عمليات الفرز والمعالجة الآلية.

من "أنقاض حرب" إلى مواد لإعادة البناء

في التجارب الحديثة، تحوّلت مخلفات الحرب من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي يدخل مجدداً في مشاريع الطرق والإسكان والبنية التحتية.

ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية، قد تصبح إعادة تدوير الركام أحد أهم القطاعات المرتبطة بإعادة إعمار المدن السورية خلال السنوات المقبلة، ليس فقط لإزالة الدمار، بل لتحويله إلى مادة خام لبناء جديد.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ