مجتمع
٢ سبتمبر ٢٠٢٦
بين الأمانة والمسؤولية القانونية.. ماذا تفعل إذا عثرت على مال أو ممتلكات مفقودة؟

يواجه من يعثر على مبلغ مالي أو مجوهرات أو قطع ذهبية أو غيرها من الممتلكات الثمينة موقفاً قد يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بالأمانة والضمير الشخصي، إلا أن المسألة لا تتوقف عند الجانب الأخلاقي، إذ ينظم القانون السوري التعامل مع الأموال والأشياء الضائعة التي تُعرف قانوناً بـ«اللقطة»، ويحدد الإجراءات التي يتوجب على من يجدها اتباعها.

ويضع القانون مسؤوليات على عاتق من يعثر على المال المفقود، بدءاً من تسليمه إلى الجهة المختصة وتوثيق واقعة العثور عليه، وصولاً إلى ترتيب عقوبات في حالات كتم اللقطة أو الادعاء الكاذب بملكيتها، بما يهدف إلى حفظ حق المالك وتنظيم مسؤولية الشخص الذي عثر عليها.

ما المقصود بـ«اللقطة»؟

قالت المحامية غالية هلال، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأموال والممتلكات المنقولة التي يعثر عليها شخص بعد فقدانها من صاحبها تدخل ضمن مفهوم «اللقطة»، موضحة أن التعامل معها منظم في التشريعات السورية، ومن بينها المرسوم التشريعي رقم 136 لعام 1940.

وأوضحت هلال أن المادة 831 من القانون المدني السوري أحالت تنظيم الحق في اللقطة إلى قوانين خاصة، مشيرة إلى أن المرسوم التشريعي المذكور وضع مجموعة من الأحكام المتعلقة بكيفية تسليم المفقودات وتسجيلها وحفظ حقوق مالكها ومن عثر عليها.

ماذا يجب أن تفعل إذا وجدت مالاً؟

بيّنت هلال أن من يعثر على مال منقول أو غرض ضائع يتوجب عليه عدم الاحتفاظ به بصورة شخصية، وإنما إيداعه لدى دائرة البلدية في المنطقة التي عُثر عليه فيها، أو لدى أقرب سلطة إدارية عندما يكون مكان العثور خارج نطاق البلديات، وفق الأحكام القانونية التي استندت إليها في حديثها.

وأضافت أن الجهة المختصة تسجل اللقطة في سجل خاص، يتضمن تاريخ تسليمها ورقمها المتسلسل وأوصافها وقيمتها التقريبية، إلى جانب بيانات الشخص الذي عثر عليها ومكان إقامته والظروف التي وجدها فيها، استناداً إلى تصريحاته.

وأشارت إلى أن الشخص الذي يسلم اللقطة يحصل على إيصال يتضمن البيانات المتعلقة بها، بما يوثق عملية التسليم ويثبت قيامه بالإجراء المطلوب.

سنة واحدة لاسترداد المال

أوضحت هلال أن صاحب المال الأصلي يستطيع المطالبة باسترداد اللقطة خلال سنة واحدة من تاريخ إيداعها لدى الجهة المختصة، شريطة أن يقدم ما يثبت حقه وملكيته لها.

وأضافت أنه عند استرداد المالك للمال، يدفع وفق الأحكام التي أشارت إليها رسماً يعادل 15 بالمئة من قيمة اللقطة، يخصص منه 10 بالمئة للشخص الذي عثر عليها، و5 بالمئة للبلدية، إلى جانب نفقات الإعلان.

الاحتفاظ باللقطة قد يرتب مسؤولية

حذرت هلال من أن العثور على مال ضائع لا يمنح الشخص حق الاحتفاظ به من تلقاء نفسه، موضحة أن عدم تسليم اللقطة أو إبلاغ الجهات المختصة قد يدخل ضمن جريمة «كتم اللقطة».

وأشارت إلى أن المادة 659 من قانون العقوبات، وفق النص القانوني الذي استندت إليه، تعاقب على كتم اللقطة بالحبس لمدة قد تصل إلى سنة، وبغرامة قد تصل إلى ربع قيمة الردود والعطل والضرر، على ألا تقل عن عشرة ليرات وفق القيمة الواردة في النص التشريعي.

ادعاء الملكية دون حق

نبهت هلال إلى أن المسؤولية القانونية لا تقتصر على الشخص الذي يعثر على المال ويكتمه، بل قد تشمل أيضاً من يتقدم للمطالبة باللقطة مدعياً ملكيتها وهو لا يملك حقاً فيها.

وأوضحت أن المطالبة باللقطة من شخص لا حق له بها يمكن أن تدخل، وفق المادة 641 من قانون العقوبات التي استندت إليها، ضمن أحكام الاحتيال، مع عقوبة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة تتراوح بين خمسين وخمسمئة ليرة وفق النص المذكور.

الإعلان لا يعني كشف جميع التفاصيل

يساعد الإعلان عن العثور على مال أو ممتلكات مفقودة في الوصول إلى أصحابها، إلا أن التعامل مع الإعلان يتطلب الحفاظ على معلومات تسمح بالتحقق من هوية المالك الحقيقي، بدلاً من كشف جميع أوصاف المفقودات بصورة تتيح لأي شخص الادعاء بأنها تخصه.

ويبرز هنا دور الإجراءات الرسمية في توثيق اللقطة وبيانات العثور عليها والتحقق ممن يطالب بها، بما يحفظ حقوق الأطراف ويحد من محاولات استغلال المفقودات أو المطالبة بها من دون وجه حق.

الأمانة تتجاوز الالتزام القانوني

يرى مختصون أن إعادة الأموال والممتلكات المفقودة إلى أصحابها لا تقتصر على الالتزام بالإجراءات القانونية، بل تعكس أيضاً مستوى المسؤولية الاجتماعية واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في تعزيز الثقة والتعاون داخل المجتمع.

وتظهر أهمية هذا السلوك بصورة خاصة في الحالات التي يعيد فيها أشخاص مبالغ مالية أو مقتنيات ثمينة رغم حاجتهم إليها أو ظروفهم الاقتصادية الصعبة، إذ تتحول إعادة الحقوق إلى أصحابها إلى نموذج يعزز مفهوم الأمانة والمسؤولية المجتمعية.

القانون يحفظ حق المالك والملتقط

يبقى التعامل مع الأموال المفقودة، وفق ما أوضحته المحامية غالية هلال، مسألة منظمة قانوناً وليست خاضعة للاجتهاد الشخصي، إذ تبدأ المسؤولية بتسليم اللقطة وتوثيقها لدى الجهات المختصة، بينما يحتفظ صاحبها بحقه في المطالبة بها ضمن المدة القانونية المحددة.

ويجمع هذا التنظيم بين حماية ملكية الشخص الذي فقد أمواله أو مقتنياته، وحفظ حقوق من عثر عليها والتزم بالإجراءات القانونية، في وقت يبقى فيه تسليم المفقودات إلى أصحابها سلوكاً يعزز الأمانة والثقة داخل المجتمع.

اقرأ المزيد
٢ سبتمبر ٢٠٢٦
«أنا بخير» ليست دائماً الحقيقة.. لماذا يخفي البعض معاناتهم النفسية؟

يخفي بعض الأشخاص خلف مظهر هادئ وحياة تبدو طبيعية ضغوطاً ومشاعر صعبة لا يجدون مساحة مناسبة للحديث عنها، وقد تتحول عبارة «أنا بخير» إلى وسيلة لإغلاق باب الأسئلة وإخفاء الألم، خصوصاً لدى من اعتادوا كتمان مشاعرهم أو يخشون نظرة الآخرين إليهم إذا تحدثوا عما يمرون به.

وتجعل هذه الصورة من الصعب على المحيطين بالشخص اكتشاف معاناته، إذ لا يظهر الضيق النفسي دائماً في صورة بكاء أو انعزال واضح، بل قد تكشف عنه تغيرات تدريجية في السلوك والمزاج والعلاقات والعادات اليومية.

معاناة خلف الأقنعة

قالت الأخصائية النفسية التربوية آمنة عمر إسماعيل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن طبيعة عملها تقوم على مرافقة الأفراد والعائلات في رحلة فهم الذات وتجاوز الأزمات، ما يجعلها تلتقي بصورة متكررة بأشخاص يظهرون أمام الآخرين بصورة متماسكة، بينما يعانون داخلياً من ضغوط وانهيارات لا يتحدثون عنها.

وأوضحت إسماعيل أن هذا التناقض دفعها إلى تخصيص جانب من عملها لما تصفه بـ«الصحة النفسية الصامتة»، أي معاناة الأشخاص الذين لا يعبرون عما يشعرون به، معتبرة أن عبارة «أنا بخير» تكون في كثير من الأحيان «درعاً» يستخدمه الشخص وليست وصفاً حقيقياً لحالته.

وأضافت أن البعض يلجأ إلى هذه العبارة لأن الاعتراف بالألم قد يغير نظرته إلى نفسه أو يثير مخاوفه من نظرة الآخرين إليه، فيما يستخدمها آخرون لإنهاء الحديث سريعاً، لشعورهم بأن شرح ما يمرون به سيكون مرهقاً، أو لاعتقادهم أن من حولهم لا يملكون الوقت أو الاستعداد لسماعهم.

لماذا يكتم البعض مشاعرهم؟

حددت إسماعيل ثلاثة أسباب رئيسية قد تدفع الأشخاص إلى إخفاء معاناتهم، أولها الخوف من الوصمة الاجتماعية، إذ يخشى البعض أن يُنظر إليهم على أنهم «ضعفاء» أو «غير أسوياء» بمجرد الإفصاح عن مشاعرهم أو طلب المساعدة.

وأشارت إلى أن السبب الثاني يرتبط بالخوف من عدم التفهم، إذ قد يتوقع الشخص أن يقلل الآخرون من مشاعره أو يواجهوه بعبارات جاهزة من قبيل «شد حيلك»، وهو ما قد يزيد شعوره بالألم ويدفعه إلى تفضيل الصمت.

وأضافت أن السبب الثالث يرتبط بصورة اجتماعية شائعة عن القوة، تقوم على ربط التماسك بكتمان الألم وربط البكاء أو الشكوى بالضعف، ما يجعل بعض الأشخاص يخشون أن يفقدوا مكانتهم أو صورتهم أمام الآخرين إذا تحدثوا بصراحة عن معاناتهم.

علامات لا تبدو واضحة دائماً

بيّنت إسماعيل أن اكتشاف معاناة شخص ما لا يعتمد بالضرورة على ملاحظة البكاء أو الانسحاب المباشر، إذ يمكن أن تظهر إشارات مختلفة أو حتى معاكسة للصورة المتوقعة.

وأشارت إلى أن التغير المفاجئ في الروتين قد يكون من العلامات اللافتة، سواء ظهر من خلال إهمال الشخص لنفسه ومظهره، أو عبر الانشغال المفرط بالمظهر في محاولة لإخفاء ما يشعر به داخلياً.

وأضافت أن الانعزال قد يحدث بصورة تدريجية، مثل تكرار الاعتذار عن اللقاءات والخروج أو قطع بعض العلاقات من دون أسباب واضحة، فيما يمكن أن يظهر التغير الانفعالي على هيئة غضب حاد تجاه أمور بسيطة، أو في صورة جمود عاطفي وبرود غير معتادين لدى الشخص.

الجسد قد يعكس الضغوط

لفتت إسماعيل إلى أن المعاناة قد تنعكس أيضاً على الحالة الجسدية، من خلال الشكوى المتكررة من الصداع أو الأرق أو فقدان الشهية، إضافة إلى ظهور حساسية مفرطة تجاه الأسئلة المتعلقة بالحالة النفسية أو الشخصية.

وأكدت أن وجود علامة منفردة لا يكفي وحده للحكم على ما يمر به الإنسان، إلا أن ملاحظة تغيرات متعددة ومستمرة عن سلوكه المعتاد تستدعي الانتباه والتعامل معها بهدوء.

مخاطر استمرار الكتمان

حذرت إسماعيل، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، من استمرار كتمان الضغوط والمشاعر الصعبة لفترات طويلة، مشبهة ذلك بـ«جرح يُغطى ولا يُعقّم»، ومشيرة إلى أنه قد يرتبط بتفاقم مشكلات نفسية مثل القلق المزمن والاكتئاب، وقد يصل في بعض الحالات إلى التفكير في إيذاء الذات.

وشددت على أن تشجيع الشخص على الحصول على الدعم لا ينبغي أن يبدأ بالنصائح الجاهزة أو الضغط عليه للكلام، وإنما بما وصفته بـ«الحضور الصامت»، أي إظهار الاستعداد للاستماع وتقديم الدعم من دون أحكام.

كيف نفتح باب الحديث؟

دعت إسماعيل إلى تجنب مطالبة الشخص بصورة مباشرة ومفاجئة بالذهاب إلى مختص نفسي، لأن طريقة الطرح قد تشعره بالخوف أو بأنه جرى تصنيفه بوصفه «حالة مرضية»، خصوصاً إذا كان متردداً أساساً في الإفصاح عما يشعر به.

واقترحت بدلاً من ذلك مشاركة الملاحظة معه بهدوء، وإخباره بأن التغير الذي طرأ عليه أصبح ملحوظاً، مع التأكيد على وجود شخص مستعد للبقاء إلى جانبه والاستماع إليه، ومنحه مساحة لا يضطر فيها إلى التظاهر بأنه بخير.

المساعدة خيار لا إدانة

أوضحت إسماعيل أن طرح فكرة الدعم المتخصص يمكن أن يتم باعتبارها خياراً للمساعدة على فهم ما يحدث، وليس حكماً على الشخص أو وصفاً له بأنه مريض، مع استخدام لغة تقلل شعوره بالعزلة وتجعله أكثر تقبلاً لفكرة الحصول على المساندة.

وأكدت أن الغاية ليست إجبار الشخص على الإفصاح عن مشاعره أو اتخاذ خطوة لا يريدها، وإنما إشعاره بأن الحديث متاح عندما يكون مستعداً، وأن طلب الدعم لا ينتقص من قيمته أو مكانته.

الاستماع قبل تقديم النصائح

يشير مختصون نفسيون إلى أن التعامل مع شخص يخفي معاناته يبدأ بتوفير مساحة آمنة للاستماع دون أحكام أو استعجال في تقديم الحلول، مع احترام اختياره للوقت الذي يشعر فيه بالاستعداد للحديث.

ويؤكدون أن استمرار المعاناة وتأثيرها بصورة ملحوظة في الحياة اليومية أو العلاقات يجعل الحصول على دعم متخصص خطوة مهمة، مع ضرورة تقديم هذا الخيار بطريقة داعمة تساعد الشخص على فهم ما يمر به والتعامل معه بصورة أفضل.

الهدوء لا يعني غياب المعاناة

تبقى ملاحظة التغيرات التي تطرأ على الأشخاص المقربين والتعامل معها بحساسية من أبرز الوسائل التي قد تفتح الطريق أمام الحديث وطلب الدعم، إذ لا تعكس الصورة الخارجية دائماً حقيقة ما يحدث في الداخل.

ويبرز في هذا السياق دور الأسرة والأصدقاء في الاستماع والابتعاد عن التقليل من المشاعر أو إطلاق الأحكام، بما يمنح الشخص مساحة أكثر أماناً للتعبير عما يمر به والوصول إلى المساندة المناسبة عند الحاجة.

اقرأ المزيد
١ سبتمبر ٢٠٢٦
من سوريا إلى الأمم المتحدة.. 19 كانون الأول يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الاثنين، مشروع قرار تقدمت به سوريا لإعلان 19 كانون الأول من كل عام يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين، في خطوة تنقل تجربة نساء حملن لسنوات عبء البحث عن ذويهن من نطاق المعاناة الفردية إلى اعتراف دولي بدورهن في حفظ الذاكرة والمطالبة بالحقيقة والعدالة.

ويأتي اعتماد القرار في وقت ما يزال فيه ملف المفقودين والمختفين قسرياً من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً في سوريا، فيما تطرح المناسبة الجديدة تساؤلات حول كيفية تحويل الاعتراف الرمزي بدور النساء إلى مشاركة فعلية في السياسات والآليات المرتبطة بالبحث عن المفقودين وكشف مصيرهم وإنصاف عائلاتهم.

اعتراف بدور النساء

قالت الحقوقية وعضو مجلس الشعب نور عبد الغني عربو (نور الخطيب)، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أهمية تخصيص يوم دولي للنساء الباحثات عن المفقودين تكمن في منح اعتراف واضح بدور نساء حملن طوال سنوات مسؤولية البحث عن أحبائهن، موضحة أن كثيرات منهن لم يخترن أن يصبحن ناشطات أو مدافعات عن حقوق الإنسان، إلا أن الاختفاء القسري دفعهن إلى ذلك.

وأضافت عربو أن هذا الاعتراف يؤكد أن ما قامت به هؤلاء النساء لم يكن مجرد بحث شخصي عن ابن أو زوج أو أب أو أخ، وإنما تحول إلى جهد إنساني وجماعي أسهم في إبقاء قضية المفقودين حاضرة، ومواجهة محاولات النسيان والإنكار.

من البحث الفردي إلى العمل المنظم

أوضحت عربو أن النساء شكلن، في كثير من الحالات، «العمود الفقري» لرحلة البحث عن المفقودين، إذ تنقلت أمهات وزوجات وأخوات بين السجون والمؤسسات والمحاكم، وواصلن السؤال وجمع المعلومات رغم ما رافق ذلك من مخاطر وضغوط.

وبيّنت أن هذا الدور تطور مع مرور السنوات من جهود فردية إلى عمل جماعي ومنظم، من خلال تأسيس روابط وجمعيات ومبادرات، والتواصل مع منظمات حقوق الإنسان والجهات الدولية، والمشاركة في حملات المناصرة والتوثيق والمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين وتحقيق العدالة.

ولفتت إلى أن أحد أبرز أدوار النساء تمثل في حفظ الذاكرة، إذ احتفظن في حالات كثيرة بالوثائق والصور والمعلومات والشهادات، ورفضن أن يتحول المفقودون إلى مجرد أسماء أو أرقام تُطوى مع مرور الزمن.

رحلة مثقلة بالألم والمخاطر

أشارت عربو إلى أن البحث عن المفقودين كان ولا يزال رحلة شديدة القسوة، معتبرة أن عدم معرفة مصير شخص قريب يمثل أحد أصعب أشكال المعاناة، لأنه يبقي الأسرة معلقة بين الأمل والخوف من دون إجابة حاسمة.

وأضافت لـ "شام" أن كثيراً من النساء واجهن خلال هذه الرحلة مخاطر أمنية واجتماعية واقتصادية، إذ تعرضت بعضهن للتهديد أو الاستغلال أثناء محاولات الحصول على معلومات، فيما اضطرت أخريات إلى تحمل مسؤوليات أسرية ومعيشية كاملة بعد فقدان المعيل.

وذكرت أن أعباء البحث شملت كذلك تكاليف التنقل والمحاولات المستمرة للوصول إلى معلومة، إلى جانب اضطرار نساء لم يسبق لهن العمل في المجال العام إلى التعامل مع المحاكم والمؤسسات ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية، وتعلم مبادئ القانون والحقوق والتوثيق.

النساء لسن مجرد ضحايا

أكدت عربو أن أهمية التكريم تكمن أيضاً في إعادة تقديم النساء الباحثات عن المفقودين بوصفهن فاعلات في مواجهة آثار الاختفاء القسري، لا مجرد متلقيات للمعاناة.

وأوضحت أن هؤلاء النساء حوّلن تجربة شخصية مؤلمة إلى فعل عام، ودافعن عن حقهن في معرفة مصير أحبائهن، وفي الوقت ذاته عن حق آلاف العائلات في الحقيقة والعدالة.

وأضافت أن هذه التجربة تعيد النظر في الصورة التقليدية للمرأة بوصفها ضحية فحسب، إذ كانت النساء، وفق وصفها، ضحايا وباحثات وموثقات ومدافعات وقائدات لمبادرات وحركات ساهمت في إبقاء قضية المفقودين ضمن النقاش العام والمحافل الدولية.

من التكريم إلى المشاركة

شددت الحقوقية على أن أفضل تكريم للنساء الباحثات عن المفقودين لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بقصصهن وتجاربهن، وإنما يجب أن يترجم إلى الاستماع إليهن ومنحهن دوراً حقيقياً في تصميم السياسات والآليات المرتبطة بالمفقودين.

وأكدت أن أي معالجة لهذا الملف تبقى ناقصة إذا صيغت بعيداً عن تجارب العائلات واحتياجاتها، داعية إلى ضمان مشاركة النساء وذوي المفقودين بشكل فعلي في مختلف مراحل البحث والكشف عن المصير.

دعم قانوني ونفسي واقتصادي

دعت عربو إلى توفير دعم قانوني ونفسي واجتماعي واقتصادي لعائلات المفقودين، ولا سيما النساء اللواتي تحملن لسنوات مسؤوليات إضافية نتيجة غياب أحد أفراد الأسرة.

وأكدت أن حق العائلات في معرفة مصير أحبائها لا يقتصر على كونه مطلباً إنسانياً أو عاطفياً، بل يمثل حقاً أصيلاً، معتبرة أن الوفاء به يتطلب جهوداً عملية لكشف المصير وحفظ المعلومات والأدلة وتحديد أماكن الاحتجاز والدفن وضمان المساءلة وجبر الضرر.

وشددت على أن أعظم تكريم يمكن أن يقدم للنساء الباحثات عن المفقودين يتمثل في الوصول إلى مرحلة لا تضطر فيها أم أو زوجة أو ابنة إلى قضاء سنوات من حياتها بحثاً عن إجابة عن مصير شخص تحبه.

تجربة حقوقية ممتدة

استندت عربو في حديثها إلى تجربة حقوقية امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً في توثيق الانتهاكات بحق السوريين ضمن عملها في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مع تركيز على ملفات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والمفقودين.

وأوضحت أن طبيعة عملها لم تقتصر على الجانب البحثي والتوثيقي، وإنما شملت التواصل المباشر مع الضحايا وذويهم والاستماع إلى شهاداتهم وتوثيق الحالات، والمشاركة في إعداد الدراسات والتقارير والمنهجيات وأعمال المناصرة المتعلقة بكشف مصير المختفين قسرياً وضمان عدم نسيانهم.

وأضافت أنها تتابع الملف حالياً من موقعها الحقوقي والبحثي، إلى جانب عضويتها في مجلس الشعب السوري، معتبرة أن ذلك يرتب مسؤولية إضافية للعمل من أجل تحويل معاناة الضحايا وذويهم إلى سياسات وتشريعات وإجراءات عملية تضمن معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة والإنصاف.

أكثر من 177 ألف مختفٍ قسرياً

أظهرت أحدث بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الصادرة في 30 آب 2026، أن ما لا يقل عن 177,021 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، ما يزالون في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار 2011.

ووثقت الشبكة، وفق تقريرها، مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، بينهم 45,038 شخصاً في مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد البائد.

وأكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تصريح سابق لشبكة شام الإخبارية، أن هذه الأرقام تمثل حصيلة موثقة بحد أدنى، ولا تعني أن العدد الحقيقي للحالات يقتصر عليها.

مناسبة دولية تنطلق من تجربة سورية

يمثل اعتماد 19 كانون الأول يوماً دولياً للنساء الباحثات عن المفقودين انتقالاً لتجربة سورية طويلة من البحث والمناصرة إلى إطار دولي أوسع، بما يمنح دور النساء في هذا الملف اعترافاً أممياً يتجاوز الحدود الوطنية.

ويضع هذا الاعتراف، في الوقت ذاته، مسؤولية إضافية على المؤسسات المعنية بتحويل رمزية المناسبة إلى أدوات عملية تضمن مشاركة العائلات والنساء في البحث عن المفقودين، وحفظ الأدلة، وكشف المصير، وتحقيق العدالة وجبر الضرر.

اقرأ المزيد
١ سبتمبر ٢٠٢٦
بين الواقع والصورة المثالية.. كيف تؤثر المنصات الرقمية في نظرة الطفل إلى نفسه؟

تؤثر المنصات الرقمية بصورة متزايدة في الطريقة التي يرى بها الأطفال أنفسهم والعالم المحيط بهم، إذ لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية بما تعرضه من صور ومقاطع تقدم نماذج مختلفة للمظهر والنجاح والحياة الاجتماعية، وهو ما قد يدفع الطفل إلى مقارنة نفسه بما يشاهده قبل امتلاكه القدرة الكافية على التمييز بين الواقع والمحتوى المنتقى أو المعدل.

وتثير المقارنات المتكررة عبر الشاشات تساؤلات حول انعكاسها على ثقة الطفل بنفسه وصورته عن جسده وقدراته، إلى جانب العلامات التي يمكن أن تساعد الأسرة على اكتشاف التأثيرات السلبية مبكراً، والدور الذي يمكن أن تؤديه في بناء علاقة أكثر توازناً بين الطفل والعالم الرقمي.

مرحلة تأسيس نفسي

قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة «نفسجي»، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الطفولة تمثل مرحلة «التأسيس النفسي» التي يبني الطفل خلالها ثقته بنفسه ويشكل صورته عن جسده، موضحة أن الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي قد يؤثر في هذه العملية عبر مسارات متعددة.

وأوضحت قرنفل أن أحد أبرز هذه المسارات يتمثل في ربط الطفل قيمته الشخصية بالأرقام، إذ قد ينتقل من بناء ثقته بنفسه عبر تفاعله الطبيعي مع أسرته وأقرانه إلى تقييم ذاته وفق عدد الإعجابات والمشاهدات والتفاعلات التي يحصل عليها.

وأضافت أن غياب التفاعل الرقمي قد يفسره الطفل بوصفه شكلاً من أشكال الرفض الاجتماعي، الأمر الذي يمكن أن يجعله، وفق تقديرها، أكثر عرضة للهشاشة النفسية وربط قيمته بمدى قبول الآخرين له عبر الشاشة.

متعة فورية مقابل التجربة الواقعية

أشارت قرنفل إلى أن الهاتف يوفر للطفل متعة فورية لا تتطلب في كثير من الأحيان مقدار الجهد الذي تحتاج إليه التجارب الواقعية، ما قد يقلل فرص خوضه تجارب المحاولة والخطأ والتعلم التدريجي منها.

ولفتت إلى أن الطفل عندما يعتاد الحصول على الإشباع السريع قد يجد صعوبة أكبر عند مواجهة تحديات تحتاج إلى الصبر والمثابرة، وقد ينسحب عند أول عقبة لشعوره بالعجز أو قلة الحيلة بدلاً من مواصلة المحاولة.

عندما يقارن الطفل نفسه بصورة معدلة

حذرت قرنفل من تأثير معايير الجمال التي تقدمها بعض المنصات الرقمية، ولا سيما مع الانتشار الواسع للفلاتر والصور المعدلة، موضحة أن الطفل قد لا يمتلك النضج الكافي لإدراك الفارق بين المظهر الحقيقي والصورة التي خضعت للتعديل.

وبيّنت أن مقارنة الطفل مظهره الطبيعي بصور مثالية أو معدلة يمكن أن تؤثر مبكراً في تقديره لذاته وصورته عن جسده، خصوصاً عندما يتعامل مع ما يشاهده باعتباره معياراً واقعياً ينبغي الوصول إليه.

المقارنة تبدأ مبكراً

أوضحت قرنفل أن المقارنة الاجتماعية تبدأ لدى الأطفال في سن مبكرة، ولا سيما اعتباراً من عمر ثماني سنوات، بوصفها جزءاً من تطورهم المعرفي ومحاولتهم تحديد مكانتهم ضمن محيطهم، إلا أن وسائل التواصل، بحسب رأيها، قد تسرّع هذه العملية وتقدمها بصورة مشوهة.

وربطت المقارنة الرقمية برغبة الطفل الطبيعية في الانتماء ومجاراة أقرانه والحصول على القبول، إلى جانب جاذبية المحتوى البصري، في وقت قد يصعب عليه إدراك أن ما يشاهده ليس الحياة الكاملة للآخرين، وإنما لقطات مختارة بعناية وقد تكون معدلة.

من عدم الرضا إلى الانعزال

لفتت الأخصائية النفسية إلى أن استمرار المقارنات قد ينعكس على صورة الطفل عن جسده ويزيد شعوره بعدم الثقة بمظهره، وقد يرتبط في بعض الحالات باضطرابات في الأكل أو ارتفاع مستويات القلق والمشاعر الاكتئابية.

وأضافت أن الطفل قد يبدأ بالانسحاب من الأنشطة الواقعية خوفاً من الفشل أو نتيجة شعوره بعدم القدرة على مجاراة الصور المثالية التي يشاهدها، فيما يمكن أن تظهر آثار أخرى في صورة تراجع الرضا عن الحياة والإحباط المستمر والشعور بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل منه أو يمتلكون أشياء يفتقدها.

علامات يمكن للأسرة ملاحظتها

ذكرت قرنفل أن التغيرات الحادة في مزاج الطفل بعد ترك الهاتف، مثل الغضب أو البكاء أو الإحباط الشديد، قد تكون من المؤشرات التي تستدعي انتباه الوالدين، إلى جانب تكرار شكواه من مظهره أو ملابسه أو المستوى المعيشي لأسرته.

وأشارت إلى أن تفقد الهاتف بصورة قهرية والقلق الشديد عند انقطاع الإنترنت قد يرافقان الاستخدام المفرط، كما يمكن أن يتراجع اهتمام الطفل باللعب مع أصدقائه أو قضاء الوقت مع أسرته.

وأضافت أن التأثير قد يظهر أيضاً من خلال اضطرابات في النوم أو تغير العادات الغذائية، بما في ذلك الأرق واستخدام الهاتف سراً أثناء وجود الطفل في السرير أو ملاحظة تبدلات في نمط تناوله للطعام.

قواعد واضحة لاستخدام الشاشات

أكدت قرنفل أهمية وضع الأسرة قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة والشاشات، وعدم إبقاء الهاتف متاحاً أمام الطفل بصورة مستمرة ومن دون متابعة، مشيرة إلى أنها تطبق في منزلها قاعدة تمنع استخدام الشاشات أثناء تناول الطعام وخلال الساعة التي تسبق النوم.

ودعت إلى تعزيز ثقة الطفل بنفسه من خلال التركيز على قدراته الواقعية وجهده وأخلاقه ومهاراته، بدلاً من جعل المظهر محوراً رئيسياً للثناء، كالإشادة برسمة أنجزها أو مساعدة قدمها للآخرين أو مهارة طورها.

تعليم الطفل «الوعي الرقمي»

شددت قرنفل على أهمية تعريف الطفل بمبادئ «الوعي الرقمي»، من خلال شرح كيفية استخدام الفلاتر وطبيعة الإعلانات والمحتوى المنتقى، ومساعدته على إدراك أن الصور والمقاطع التي يشاهدها لا تمثل بالضرورة الواقع الكامل لأصحابها.

وأوضحت أن فهم الطفل لطريقة صناعة المحتوى الرقمي يمكن أن يساعده على النظر إليه بوعي أكبر، بدلاً من التعامل مع كل ما يظهر أمامه بوصفه معياراً حقيقياً للمظهر أو النجاح أو أسلوب الحياة.

بدائل تعيد الطفل إلى العالم الواقعي

دعت قرنفل إلى توفير بدائل حركية واجتماعية تمنح الطفل فرصاً حقيقية للتفاعل واكتشاف قدراته، مثل ممارسة الرياضة والأنشطة الفنية والكشافة وغيرها من الأنشطة التي تساعده على الحركة والتواصل وتفريغ طاقته بعيداً عن الشاشة.

وشددت على أهمية دور الوالدين بوصفهما نموذجاً أمام الطفل، موضحة أن تنظيم استخدام الشاشات ينبغي أن يبدأ من الكبار أنفسهم، إذ يصعب مطالبة الطفل بالابتعاد عن الهاتف في الوقت الذي يرى فيه والديه منشغلين بأجهزتهما باستمرار.

علاقة أكثر توازناً مع العالم الرقمي

تتعدد، وفق ما أوضحته قرنفل، صور تأثير المحتوى الرقمي في الأطفال، بدءاً من المقارنة في المظهر والقدرات والمستوى المعيشي، وصولاً إلى تغيرات في المزاج والنوم والعادات اليومية والعلاقات الاجتماعية.

وتتركز سبل الحد من هذه التأثيرات في تنظيم استخدام الشاشات، وتعزيز تجارب الطفل الواقعية وثقته بقدراته، وتعليمه فهم طبيعة المحتوى الذي يشاهده، إلى جانب تقديم الوالدين نموذجاً متوازناً في التعامل مع الأجهزة الرقمية، بما يساعد الطفل على استخدام التكنولوجيا دون أن تتحول الصورة المثالية على الشاشة إلى معيار يقيس من خلاله قيمته ونظرته إلى نفسه.

اقرأ المزيد
١ سبتمبر ٢٠٢٦
انتهاء عقد الإيجار في سوريا.. متى يسترد المالك عقاره وما الحقوق التي يحتفظ بها المستأجر؟

تنتهي العلاقة الإيجارية، من حيث المبدأ، بانتهاء المدة المحددة في عقد الإيجار الخاضع لإرادة المتعاقدين، ما يرتب حقوقاً والتزامات متبادلة بين المالك والمستأجر، تبدأ بتسليم العقار وتسوية الأجور المستحقة، وقد تمتد إلى التعويض عن الأضرار وإعادة مبلغ التأمين.

وتثير مرحلة انتهاء العقد خلافات في بعض الحالات، ولا سيما عند رفض المستأجر تسليم العقار، أو مطالبة المالك بالإخلاء قبل انتهاء المدة، أو الاختلاف بشأن حالة العقار والتأمين المدفوع، ما يجعل معرفة طبيعة العقد والإجراءات القانونية المرتبطة به أمراً أساسياً لتحديد حقوق الطرفين.

عقود الإيجار وأحكامها

قال المحامي علي محمد اسكان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عقود الإيجار الحديثة في سوريا تنظم بموجب القانون رقم 20 لعام 2015، إلى جانب بعض الأحكام الواردة في القانون المدني السوري.

وأوضح اسكان أن تحديد الحقوق والالتزامات عند انتهاء الإيجار يتطلب بداية التمييز بين العقود الخاضعة للتمديد الحكمي والعقود المحددة المدة والخاضعة لإرادة المتعاقدين، مشيراً إلى أن انتهاء مدة العقد في الحالة الثانية يؤدي، من حيث المبدأ، إلى انتهاء العلاقة الإيجارية ما لم يتفق الطرفان على تمديدها أو يتضمن العقد نصاً يقضي باستمرارها.

ماذا يترتب على انتهاء العقد؟

بيّن اسكان أن المستأجر يلتزم عند انتهاء مدة العقد بإعادة العقار المؤجر، ما لم يوجد اتفاق على التمديد أو نص في العقد ينظم استمراره، كما يتوجب عليه تسديد الالتزامات المالية المتبقية في ذمته.

وأشار إلى أن المالك يملك، وفق ما أوضحه، حق المطالبة بإخلاء العقار واستلامه، إلى جانب المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به إن وجدت، وكذلك المطالبة بأجور المدة التي بقي فيها المستأجر داخل العقار بعد انتهاء العقد وحتى الإخلاء.

وأضاف أن المستأجر، في المقابل، يلتزم بتسليم العقار وفق الحالة التي يوجبها القانون والعقد، مع احتفاظه بحقه في استرداد مبلغ التأمين بعد تسوية الالتزامات والأضرار المستحقة، إن وجدت.

متى يحق للمالك استرداد العقار؟

أكد اسكان أن الأصل هو حق المالك في مطالبة المستأجر بإخلاء العقار عند انتهاء مدة عقد الإيجار المحدد، موضحاً أن المادة الأولى من القانون رقم 20 لعام 2015 أخضعت عقود الإيجار المشمولة به لإرادة المتعاقدين.

وأشار إلى أن المادة الرابعة من القانون ذاته نظمت إمكانية استرداد العقار عند انتهاء المدة بالاستناد إلى عقد الإيجار المسجل والمصدق، فيما توجد حالات أخرى تستمر فيها العلاقة الإيجارية إذا كان العقد من العقود الخاضعة للتمديد الحكمي، مستنداً في ذلك إلى المرسوم التشريعي رقم 111 لعام 1952.

ماذا لو رفض المستأجر الإخلاء؟

أوضح اسكان أن الإجراءات التي يستطيع المالك اتباعها عند رفض المستأجر تسليم العقار بعد انتهاء العقد تختلف تبعاً لوضع العقد من حيث التسجيل.

وبيّن أنه إذا كان عقد الإيجار مسجلاً لدى الدوائر المختصة بالتصديق والتسجيل، فإنه يكتسب، وفق القانون رقم 20، صفة السند التنفيذي، ويستطيع المالك مراجعة دائرة التنفيذ للمطالبة بإخلاء العقار بسبب انتهاء المدة، استناداً إلى المادة الرابعة، الفقرة «أ»، من القانون.

وأضاف أنه إذا كان العقد غير مسجل، فلا يتمتع بهذه الصفة التنفيذية، ويحتاج المالك عندئذ إلى إقامة دعوى إخلاء أمام المحكمة المختصة وفق الإجراءات القانونية المتبعة.

هل يستطيع المالك طلب الإخلاء قبل انتهاء العقد؟

أكد اسكان أن الأصل في العقد المحدد المدة هو عدم إلزام المستأجر بالإخلاء لمجرد مطالبة المالك باسترداد العقار قبل انتهاء المدة المتفق عليها، ما لم يوجد سبب قانوني يجيز الإخلاء أو فسخ العقد.

وأوضح أن العقد المحدد المدة ملزم للطرفين، ولا يستطيع المالك، وفق هذا الأصل، إنهاء العلاقة بإرادته المنفردة لمجرد رغبته في استرداد العقار قبل الموعد المحدد.

وأشار إلى أن المستأجر يملك في هذه الحالة حق التمسك بالعقد والاستمرار في تنفيذ التزاماته، بما فيها دفع الأجور المتفق عليها، كما يمكنه اللجوء إلى القضاء إذا اتخذ المالك إجراءات مخالفة للعقد والقانون، مثل محاولة إخراجه بالقوة أو تغيير أقفال العقار، مع إمكانية المطالبة بالتعويض عند وقوع ضرر.

متى يُعاد مبلغ التأمين؟

أفاد اسكان بأن مبلغ التأمين المدفوع عند استئجار العقار لا يعد أجرة، وإنما يمثل ضماناً مرتبطاً بالتزامات المستأجر، ولذلك يعاد إليه بعد انتهاء العلاقة الإيجارية وتسوية ما يترتب عليها.

وأوضح أنه في حال عدم وجود مبالغ مستحقة، مثل فواتير الكهرباء والمياه، وعدم ثبوت أضرار في العقار يتحمل المستأجر مسؤوليتها، فإن مبلغ التأمين يعاد كاملاً، أما عند وجود أضرار فيمكن حسم تكاليف إصلاحها بقدر الضرر الحاصل.

مسؤولية المستأجر عن حالة العقار

أشار اسكان إلى أن المادة 557 من القانون المدني السوري تلزم المستأجر برد العين المؤجرة عند انتهاء عقد الإيجار، فيما ترتبط المادة 558، بحسب توضيحه، بالحالة التي ينبغي أن يعاد بها العقار بعد انتهاء العلاقة الإيجارية.

وبيّن أن وجود أضرار يتحمل المستأجر مسؤوليتها يمكن أن يرتب مطالبات مالية عند التسليم، في حين يبقى تحديد المسؤولية وحجم الضرر محل إثبات عند وجود خلاف بين الطرفين.

القضاء عند تعذر الاتفاق

تبقى تسوية العلاقة الإيجارية عند انتهاء العقد مرتبطة بطبيعة العقد وشروطه ووضعه القانوني، وفق ما أوضحه المحامي علي محمد اسكان، فيما يمكن أن تتحول الخلافات المتعلقة بالإخلاء أو الأجور أو الأضرار أو إعادة مبلغ التأمين إلى نزاع قضائي إذا تعذر على المالك والمستأجر الوصول إلى تسوية.

وتبرز أهمية توثيق عقد الإيجار وحالة العقار والدفعات والالتزامات المالية عند بداية العلاقة ونهايتها، لما لذلك من دور في تحديد حقوق كل طرف وإثباتها عند نشوء أي خلاف بشأن تسليم العقار أو تسوية الالتزامات المترتبة على العقد.

اقرأ المزيد
٣١ أغسطس ٢٠٢٦
فضل عبد الغني لـ«شام»: ملف الاختفاء القسري لم ينتهِ بسقوط نظام الأسد البائد و177 ألف شخص ما زالوا مجهولي المصير

أكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن ملف الاختفاء القسري في سوريا لم ينتهِ بسقوط نظام الأسد البائد، موضحاً أن هذا الانتهاك يبقى قائماً ما دام مصير الشخص أو مكان وجوده مجهولاً، وأن التغيير السياسي لا يسقط حق العائلات في معرفة الحقيقة ولا ينهي مسؤولية البحث عن المختفين.

وأشار عبد الغني إلى أن اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 30 آب بموجب القرار 65/209، يمثل مناسبة للتذكير بحق الضحايا وعائلاتهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، فيما تبقى الحالة السورية استثنائية من حيث حجم الملف وتعقيده.

177 ألف مختفٍ قسرياً

كشف عبد الغني أن أحدث تحديث لقاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الصادر في 30 آب 2026، يظهر أن ما لا يقل عن 177 ألفاً و21 شخصاً، بينهم 4536 طفلاً و8984 سيدة، ما زالوا في عداد المختفين قسرياً منذ آذار 2011.

وأضاف أن الشبكة وثقت مقتل ما لا يقل عن 45 ألفاً و365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، بينهم 45 ألفاً و38 شخصاً داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد البائد، مؤكداً أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للحالات الموثقة ولا تعكس بالضرورة الحجم الفعلي للانتهاكات.

المفقودون أوسع من المختفين قسرياً

بيّن عبد الغني أن من الضروري التمييز بين المفقودين والمختفين قسرياً، موضحاً أن فئة المفقودين أوسع من الناحية القانونية، وقد تشمل أشخاصاً فقد أثرهم أثناء الأعمال القتالية أو النزوح والهجرة، أو على أيدي جماعات مسلحة، أو ضمن ظروف لا تتوافر فيها بعد معطيات كافية لتوصيف الحالة قانونياً كاختفاء قسري.

وشدد على أن أي سياسة وطنية جادة ينبغي أن تبحث عن جميع المفقودين دون تمييز، مع الاحتفاظ بالتوصيف القانوني الخاص بحالات الاختفاء القسري متى توافرت عناصره، لافتاً إلى أن هذا النهج ينسجم أيضاً مع نطاق عمل المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية.

من التوثيق إلى كشف المصير

أكد عبد الغني أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من مجرد توثيق حالات الاختفاء إلى بناء مسار منهجي لكشف المصير، موضحاً أن التحدي خلال سنوات نظام الأسد البائد كان يتمثل أساساً في إثبات واقعة الاعتقال أو الاختفاء وتحديد الجهة المسؤولة عنها.

وأشار إلى أن سقوط النظام أتاح وصولاً أكبر إلى مراكز الاحتجاز السابقة والأرشيفات والشهود ومواقع الدفن المحتملة، ما يفرض، بحسب قوله، الانتقال إلى البحث النشط عبر حماية الوثائق، وجمع السجلات وربطها، وتأمين مواقع المقابر الجماعية، وتطوير قدرات الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي، وإنشاء نظام معلومات قادر على ربط الأدلة بالحالات الفردية.

مساران متوازيان: كشف المصير والمساءلة

أوضح عبد الغني أن البحث عن المفقودين وتحديد المسؤولية عن جريمة الاختفاء مساران مختلفان وظيفياً لكنهما متكاملان، مشيراً إلى أن المسار الأول يجب أن يكون سريعاً وإنسانياً ومتمحوراً حول الأسرة، وألا يبقى مرهوناً باكتمال ملف جنائي.

وأضاف أن مسار المساءلة يبحث في المسؤولية الفردية والمؤسسية عن الاعتقال والإخفاء والتعذيب والقتل، مؤكداً أن التكامل بين المسارين ضروري، لكن مع حماية سرية بيانات العائلات وعدم نقل المعلومات من المسار الإنساني إلى المسار القضائي بصورة تلقائية أو من دون ضمانات واضحة.

تحول في البيئة.. ونتائج ما تزال محدودة

قال عبد الغني إن الجهود الحالية للكشف عن مصير المختفين والمفقودين تجري ضمن بيئة مختلفة جذرياً عما كانت عليه سابقاً، موضحاً أن أول تحول كبير حصل بعد 8 كانون الأول 2024 مع انتهاء احتكار أجهزة نظام الأسد البائد للمعلومات المتعلقة بمراكز الاحتجاز والأرشيف الأمني.

وأضاف أن الوصول إلى مواقع وسجلات ووثائق وشهود لم يكن الوصول إليهم ممكناً في السابق، سمح بإعادة تقييم عدد من الحالات، بما في ذلك نقل بعض الملفات من تصنيف الاختفاء القسري إلى الوفاة في الاحتجاز بعد ظهور أدلة كافية.

وأشار إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تمكنت، نتيجة الوصول إلى وثائق رسمية ومراكز احتجاز سابقة، من تحديث جزء مهم من قواعد بياناتها، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الغالبية الساحقة من العائلات ما تزال بلا جواب نهائي.

الهيئة الوطنية للمفقودين

ذكر عبد الغني أن إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين بموجب المرسوم رقم 19 لعام 2025 شكّل تحولاً مؤسسياً مهماً، إذ تشمل ولايتها جمع المعلومات والتحقق منها والعمل على كشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً، إلى جانب بناء إطار وطني للتعامل مع هذا الملف.

وأشار إلى وجود تعاون مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، لكنه أكد أن البلاد لا تمتلك حتى الآن منظومة وطنية مكتملة للطب الشرعي والحمض النووي وقواعد البيانات قادرة على معالجة ملف بهذا الحجم.

ورأى أن معيار نجاح المرحلة المقبلة يجب ألا يقاس فقط بعدد المؤسسات التي أنشئت أو حجم الأدلة التي جرى الوصول إليها، بل بعدد المصائر التي تُكشف بصورة نهائية، وعدد العائلات التي تتلقى إجابات موثوقة عن أبنائها.

حقوق العائلات والتزامات الدولة

أوضح عبد الغني أن سوريا ليست، حتى 30 آب 2026، طرفاً في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وبالتالي لا يمكن تقديم المادة 24 منها باعتبارها التزاماً تعاقدياً مباشراً على الدولة السورية.

وأشار في المقابل إلى أن سوريا طرف منذ عام 1969 في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وطرف منذ عام 2004 في اتفاقية مناهضة التعذيب، موضحاً أن هذه الاتفاقيات ترتب التزامات ترتبط بحقوق المختفين وعائلاتهم.

وبيّن أن الاختفاء القسري قد يمس، بحسب ظروف كل حالة، الحق في الحياة، وحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، والحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في الاعتراف بالشخص أمام القانون.

ثلاثة مستويات من الالتزام

حدد عبد الغني التزامات الدولة تجاه أسر المفقودين بثلاثة مستويات مترابطة، تبدأ بالبحث وكشف المصير، ثم كشف ظروف الانتهاك والتحقيق فيه، وصولاً إلى الانتصاف وجبر الضرر.

وأوضح أن المستوى الأول يتعلق بتمكين الأسرة، متى توافرت الأدلة العلمية والموضوعية، من معرفة ما إذا كان قريبها حياً أو متوفى، وأين يوجد أو أين توجد رفاته.

وأضاف أن المستوى الثاني يتطلب، حيث تسمح الأدلة، معرفة زمان ومكان وكيفية الوفاة، وما إذا كان الضحية تعرض للتعذيب أو القتل، وما الذي خلصت إليه التحقيقات.

وأشار إلى أن المستوى الثالث قد يشمل التعويض وإعادة التأهيل والدعم القانوني والنفسي والاجتماعي، إلى جانب تسوية المشكلات المدنية المرتبطة بالميراث والملكية والزواج وحضانة الأطفال، وضمانات عدم تكرار الانتهاكات.

دعوة للانضمام إلى اتفاقية الاختفاء القسري

دعا عبد الغني سوريا إلى الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتجريم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة في القانون الوطني، والاعتراف باختصاص لجنة الاختفاء القسري في تلقي الشكاوى الفردية بموجب المادة 31.

وشدد على أن حقوق العائلات يجب أن تُكفل دون تمييز على أساس الجهة المسؤولة عن الاختفاء أو الانتماء السياسي أو القومي أو الديني أو المناطقي للضحية، موضحاً أن العدالة الانتقالية تفقد مشروعيتها إذا اقتصرت على ضحايا طرف وأهملت ضحايا أطراف أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الكبيرة في حجم الانتهاكات وأنماطها والمسؤولية عنها.

الوثائق والمقابر مفاتيح أساسية

أكد عبد الغني أن الوثائق والسجلات ومراكز الاحتجاز السابقة والمقابر الجماعية تمثل البنية الأساسية لأي عملية جادة لكشف المصير، إلا أن الوصول إلى الحقيقة لا يعتمد غالباً على وثيقة واحدة، بل على الربط بين مصادر متعددة ومستقلة.

وأوضح أن سجلاً أمنياً قد يكشف تاريخ اعتقال شخص، فيما قد يظهر سجل آخر نقله إلى فرع أو سجن مختلف، وقد تتضمن وثائق المستشفيات العسكرية أو سجلات الوفاة معلومات لاحقة، بينما قد توفر شهادات الناجين أو الصور الجوية مؤشرات إلى أماكن الاحتجاز أو مواقع الدفن.

وأضاف أن ربط هذه المعطيات ببيانات ما قبل الوفاة وفحص الرفات والأنثروبولوجيا الشرعية وتحليل الحمض النووي يمكن أن يقود، في بعض الحالات، إلى تحديد علمي للمصير والهوية.

مخاطر العبث بالأدلة

حذر عبد الغني من فقدان الأدلة أو العبث بها، موضحاً أن الأرشيف الأمني قد يحتوي على آخر معلومة موثوقة بشأن شخص مختفٍ، إضافة إلى بيانات تربطه بمركز احتجاز أو مسؤولين عن اعتقاله ونقله.

ونبه إلى أن أي نبش عشوائي للمقابر الجماعية أو تحريك للرفات قد يدمر السياق الجنائي والطب الشرعي، ويجعل تحديد الهوية والمسؤولية أكثر صعوبة.

وأشار إلى أن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى اختصاصيين في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الشرعية والآثار الجنائية، ومختبرات جينية، ونظام وطني للعينات المرجعية من العائلات، إلى جانب قواعد بيانات قابلة للربط وضوابط صارمة لحماية البيانات.

التنسيق بين الجهات

أوضح عبد الغني أن المعلومات المتعلقة بالمفقودين موزعة بين جهات متعددة، معتبراً أن المطلوب ليس جمعها كلها قسراً في مؤسسة واحدة، وإنما وضع بروتوكولات تتيح المطابقة وتبادل الحد الأدنى الضروري منها، مع احترام السرية والغرض الذي جُمعت من أجله والموافقة على استخدامها.

وأكد ضرورة التمييز بين التحقق لأغراض كشف المصير والإثبات الجنائي، موضحاً أن الأسرة لا ينبغي أن تنتظر سنوات إلى حين اكتمال ملف قضائي إذا كانت هناك أدلة علمية موثوقة تكفي لإبلاغها بمصير قريبها.

معرفة المصير ليست الحقيقة كاملة

فرّق عبد الغني بين معرفة المصير والوصول إلى الحقيقة الكاملة، موضحاً أن معرفة المصير تجيب عن السؤال الأول بالنسبة إلى الأسرة، وهو ما إذا كان الشخص حياً أو متوفى وأين يوجد أو أين توجد رفاته.

وأضاف أن الحق في الحقيقة يتجاوز ذلك إلى معرفة ظروف الاختفاء ومكان الاحتجاز وموعد الوفاة وسببها، وما إذا كان الضحية تعرض للتعذيب، ومكان الدفن، والمسؤولين عن الاعتقال والنقل والاحتجاز.

وبيّن أن هناك مستويين للحقيقة، الأول فردي يتعلق بما حدث للشخص نفسه، والثاني بنيوي يبحث في الأجهزة والمراكز والسلاسل القيادية والآليات التي أنتجت عشرات آلاف حالات الاختفاء، معتبراً أن هذا المستوى ضروري للمساءلة وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.

كيف يُقاس النجاح؟

أكد عبد الغني أن نجاح أي سياسة وطنية في هذا الملف ينبغي أن يقاس بعدد العائلات التي تلقت إجابات موثوقة، وعدد الرفات التي جرى تحديد هويتها وإعادتها، وعدد الحالات التي خضعت لتحقيقات فعالة، ومدى قدرة المؤسسات على تفسير نمط الاختفاء ومنع تكراره.

وشدد على أن مشاركة العائلات يجب ألا تكون شكلية، بل جزءاً أساسياً من تصميم السياسات وتقييمها، معتبراً أن سوريا تحتاج اليوم إلى نظام وطني آمن لإدارة بيانات المفقودين، وحماية شاملة للأرشيفات والمقابر الجماعية، وقدرات واسعة في الطب الشرعي والحمض النووي، وآلية مؤسسية للتنسيق وتبادل المعلومات.

وأكد عبد الغني في ختام حديثه لشبكة شام أن العائلات السورية، بعد خمسة عشر عاماً، تحتاج إلى حقيقة موثوقة بشأن مصير أبنائها، وتفسير للظروف التي أنتجت اختفاءهم، وانتصاف فعلي عن الضرر الذي لحق بها، ومساءلة المسؤولين عندما تسمح الأدلة بذلك.

وكان أحيا العالم أمس، 30 آب، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، في مناسبة تسلط الضوء على حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة والمصير، وفي سوريا، لا يزال ملف المختفين قسرياً حاضراً بعد سنوات من النزاع، مع استمرار جهود البحث عن مصير آلاف الأشخاص الذين ما زالت عائلاتهم تنتظر إجابات بشأنهم.

اقرأ المزيد
٣١ أغسطس ٢٠٢٦
الخوف من الفشل عند الأطفال.. متى تتحول رهبة الخطأ إلى عائق أمام التعلم؟

يردد بعض الأطفال عبارات مثل «لا أستطيع» أو يتجنبون خوض تجارب جديدة خشية ارتكاب الخطأ، رغم امتلاكهم القدرة على التعلم وتطوير مهاراتهم، وقد يتحول هذا الخوف مع تكرار التجارب السلبية إلى عائق يؤثر في دافعيتهم وثقتهم بأنفسهم واستعدادهم للمحاولة.

وتلعب طريقة تعامل الأسرة والمدرسة مع الخطأ دوراً مهماً في تشكيل استجابة الطفل للفشل، إذ قد تساعده على النظر إليه باعتباره جزءاً طبيعياً من عملية التعلم، أو تدفعه إلى تجنب المحاولة خوفاً من النقد والمقارنة والنتائج غير المرضية.

«لا أستطيع» لا تعني غياب القدرة

قالت الأخصائية النفسية مروة السيد علي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن تكرار الطفل لعبارة «لا أستطيع» لا يعني بالضرورة أنه غير قادر على التعلم، موضحة أن أسباباً مختلفة يمكن أن تقف خلف هذه العبارة.

وأوضحت السيد علي أن تعرض الطفل للفشل بصورة متكررة من دون مساعدته على فهم الخطأ، أو مقارنته بإخوته وزملائه، أو تعرضه للنقد والسخرية، إضافة إلى ربط قيمة إنجازه بالدرجات وحدها، عوامل قد تدفعه تدريجياً إلى الشك في قدراته.

وأضافت أن بعض الأطفال قد يواجهون مهام تفوق مستواهم الحالي، أو لا يحصلون على الوقت الكافي لاكتساب المهارة بصورة تدريجية، ومع تراكم التجارب السلبية قد يبدأ الطفل بالانسحاب قبل المحاولة، مقتنعاً مسبقاً بأنه لن يتمكن من النجاح.

كيف يصنع رد فعل الكبار الخوف من الخطأ؟

بيّنت السيد علي أن طريقة استجابة الوالدين والمعلمين لأخطاء الطفل تؤثر في فهمه للفشل، إذ يمكن للصراخ والسخرية والتوبيخ والمقارنة أن تجعل الخطأ في نظره تجربة محرجة ومخجلة، فيتعلم بمرور الوقت أن تجنب المحاولة أكثر أماناً من احتمال الفشل.

وأشارت إلى أن التعامل مع الخطأ بوصفه معلومة تكشف ما يحتاج الطفل إلى تعلمه أو التدرب عليه، بدلاً من اعتباره دليلاً على ضعف قدراته، يجعله أكثر استعداداً لإعادة المحاولة والبحث عن طريقة مختلفة للوصول إلى النتيجة.

علامات تستدعي انتباه الأسرة

ذكرت الأخصائية النفسية أن الخوف من الفشل قد يظهر من خلال تجنب الطفل المهام التي يعتقد أنه لن ينجح فيها، أو انسحابه سريعاً قبل البدء، أو رفضه الإجابة خشية أن تكون إجابته خاطئة، إضافة إلى اعتماده المفرط على الآخرين في مواقف يستطيع التعامل معها بنفسه.

وأضافت أن الطفل قد يعاني توتراً شديداً أمام الواجبات والاختبارات، فيما يمكن أن تتجاوز التأثيرات الجانب الدراسي لتظهر في صورة حساسية متزايدة تجاه النقد، أو مقارنة مستمرة بالآخرين، أو التقليل من قيمة إنجازاته، أو فقدان الاهتمام بأنشطة كان يستمتع بها سابقاً، أو الابتعاد عن التجارب الجديدة.

ونبهت السيد علي إلى أهمية متابعة التغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل بمرور الوقت، موضحة أنه عندما يصبح الخوف من الفشل شديداً ومستمراً ويؤثر بصورة واضحة في حياته اليومية وحالته النفسية، يصبح من الضروري طلب المساعدة من أخصائي نفسي للأطفال.

خطوات صغيرة بدلاً من ضغط النتيجة

أكدت السيد علي أن مساعدة الطفل على تجاوز الخوف تحتاج إلى الصبر والهدوء، موضحة أن المهام الصعبة يمكن تقسيمها إلى خطوات صغيرة تتناسب مع مستواه، مع التركيز على الجهد والطريقة والتقدم الذي يحققه، بدلاً من حصر الاهتمام بالنتيجة النهائية.

وضربت مثالاً بأن يلفت الوالد أو المعلم انتباه الطفل إلى محاولته استخدام طريقة مختلفة في حل المشكلة، بدلاً من ربط الثناء حصراً بالحصول على درجة مرتفعة، بما يعزز لديه قيمة المحاولة والتعلم التدريجي.

وأشارت إلى أهمية توفير مساحة آمنة للخطأ، بحيث يُسأل الطفل عن الجزء الذي واجه صعوبة فيه والطريقة الأخرى التي يمكن تجربتها، بدلاً من توجيه السؤال إليه بصيغة لوم حول سبب ارتكابه الخطأ.

الكبار نموذج في التعامل مع الفشل

أوضحت السيد علي أن الطفل يحتاج إلى رؤية البالغين من حوله وهم يتعاملون مع أخطائهم بهدوء، لأن استجابتهم للفشل تقدم له نموذجاً عملياً لكيفية التعامل مع تجربته الشخصية، فيما يساعد تشجيعه على تكرار المحاولة رغم الخطأ في بناء ثقته بنفسه وإدراك قدرته على تطوير مهاراته بالتدريب والتعلم.

وشددت على أن التشجيع لا يعني ممارسة ضغط مستمر على الطفل لإثبات قدرته أو مطالبته بالنجاح في كل محاولة، بل يتطلب إشعاره بوجود من يساعده على فهم موضع الصعوبة والعمل معه على تجاوزه.

فهم الخوف قبل العودة إلى المحاولة

لفتت الأخصائية النفسية إلى أن الطفل قد يحتاج أحياناً إلى الاستراحة والتعبير عن مشاعره قبل إعادة المحاولة، إذ يساعد شعوره بأن إحباطه وقلقه مفهومَان على تخفيف الضغط وتهيئته للعودة إلى المهمة.

وضربت مثالاً بطفل يستعد لاختبار ويعبر عن خوفه من الفشل، موضحة أن الاستجابة الأفضل تبدأ بتفهم قلقه وتوجيهه نحو الاستعداد وبذل الجهد، مع التأكيد على أن وقوع الخطأ يمثل فرصة لمعرفة ما يحتاج إلى تعلمه، وليس حكماً نهائياً على قدراته.

عندما تتحول العلامة إلى حكم على الطفل

استذكرت السيد علي حالة واجهتها في المدرسة لطالب حصل على علامة منخفضة، إذ بادرت والدته إلى توبيخه ومقارنته بأحد زملائه، ووصفت سلوكه بالإهمال أمامه.

وبيّنت أن مثل هذه الرسائل قد تجعل الطفل يربط الدرجة المنخفضة بفشله الشخصي، وقد تدفعه إلى تجنب المادة الدراسية أو النفور منها، في حين يمكن التعامل مع النتيجة بالبحث عن موضع الصعوبة، سواء كان في فهم السؤال أو طريقة الحل، ثم اختيار جانب محدد والتدرب عليه.

وأكدت أن هذا الأسلوب يحول الخطأ من حكم على شخصية الطفل وقدراته إلى معلومة تساعد الأسرة والمعلم على تحديد ما يحتاج إليه في عملية التعلم.

الخطأ تجربة وليس حكماً نهائياً

شددت السيد علي على أهمية أن تساعد التربية الطفل على فهم الفشل والخطأ بوصفهما تجربتين مؤقتتين يمكن الاستفادة منهما، وليس حكماً دائماً على قدراته أو قيمته الشخصية.

ويبقى التعامل الهادئ مع أخطاء الأطفال، وفق ما أوضحته الأخصائية النفسية، إلى جانب توفير بيئة تسمح بالمحاولة والتدرج في التعلم وتجنب المقارنات والضغط المفرط، من العوامل التي تساعد الطفل على استعادة ثقته بقدرته على التعلم ومواجهة التجارب الجديدة بدلاً من الهروب منها.

اقرأ المزيد
٣١ أغسطس ٢٠٢٦
بين الأمل والغموض.. كيف يستنزف الاختفاء القسري عائلات المفقودين نفسياً واجتماعياً؟

تعيش عائلات المفقودين والمختفين قسرياً حالة مختلفة عن الفقد المرتبط بوفاة مؤكدة، إذ يبقى مصير الشخص مجهولاً، وتظل الأسرة عالقة بين احتمال عودته والخوف من فقدانه، ما يحول الانتظار الطويل إلى مصدر مستمر للضغط النفسي والاجتماعي، وقد ينعكس على قدرتها على مواصلة حياتها وإعادة ترتيب أدوارها الأسرية.

وتتجدد مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري معاناة آلاف العائلات السورية التي مضت سنوات على انتظارها دون معلومات حاسمة بشأن مصير أبنائها، فيما يزيد تداول الأخبار المتضاربة والشائعات عبر منصات التواصل من وطأة الغموض، ويضع الأسر أمام موجات متكررة من الأمل والانهيار.

«الفقدان الغامض».. غياب بلا نهاية واضحة

قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عدم معرفة مصير الشخص المفقود أو المختفي قسرياً يضع أسرته أمام حالة تعرف نفسياً بـ«الفقدان الغامض»، حيث يبقى المفقود حاضراً بقوة في وجدان العائلة رغم غيابه الجسدي.

وأوضح جمعة أن استمرار الانتظار لسنوات، كما في الحالة السورية، قد يدفع العائلات إلى حالة من «التأهب المزمن»، والترقب المستمر لوصول خبر أو عودة المفقود، ما يعوق قدرتها على ممارسة مسار الحزن والتكيف النفسي، ويصعب عليها إعادة تنظيم أدوار أفرادها ووظائفهم.

وأشار إلى أن استمرار هذه الحالة قد يراكم الإجهاد النفسي والجسدي والإنهاك العصبي، ولا تقتصر آثاره على الفرد وحده، بل يمكن أن تمتد إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة بأكملها.

حياة معلقة بين الأمل والخوف

بيّن جمعة أن الانتظار الطويل يربك البنية الأسرية ويجعل أفرادها عالقين بين الحفاظ على أمل عودة المفقود ومحاولة الاستمرار في تفاصيل حياتهم اليومية، معتبراً أن جانباً أساسياً من المعاناة يكمن في عدم وجود نهاية زمنية واضحة للانتظار.

وأضاف أن العيش بين احتمالي الحياة والوفاة يولد ما وصفه بـ«غموض الحدود الأسرية»، حيث لا تستطيع العائلة تحديد موقع الشخص المفقود ضمن بنيتها بصورة نهائية، ما قد يثير مشاعر متناقضة بين الذنب عند محاولة مواصلة الحياة، والعجز الناتج عن التمسك المستمر باحتمال العودة.

لماذا يختلف عن الوفاة المؤكدة؟

أوضح الأخصائي النفسي أن الفقدان الغامض يختلف بصورة جوهرية عن فقدان شخص تأكدت وفاته، إذ يسمح وجود حقيقة واضحة، رغم قسوتها، ببدء مسار الحزن واستيعاب الخسارة تدريجياً وإعادة تنظيم الحياة النفسية والاجتماعية للأسرة.

وأكد أن غياب اليقين في حالات الاختفاء القسري يجعل الحزن معلقاً، إذ لا تستطيع الأسرة التعامل مع الواقعة بوصفها فقداً نهائياً، ولا تستطيع في المقابل التصرف على أساس أن الشخص سيعود، ما يبقي الضغط النفسي قائماً لفترات طويلة.

وأشار جمعة إلى أن العقل يستطيع، بحسب توصيفه، التكيف مع الحقائق القاسية عندما تصبح مؤكدة أكثر من قدرته على التعامل مع احتمالات مفتوحة ومتضاربة، لأن استمرار الغموض يمنع الأسرة من رسم مسار واضح للتعامل مع خسارتها.

الشائعات تعيد تنشيط الصدمة

حذر جمعة من تأثير الأخبار المتضاربة والمنشورات غير الموثوقة المتعلقة بمصير المفقودين عبر منصات التواصل الاجتماعي، موضحاً أنها تضيف مصدراً جديداً للغموض، وتدفع العائلات إلى التأرجح بين ما وصفه بـ«الأمل الكاذب» والانهيار عند اكتشاف عدم صحة المعلومات المتداولة.

وبيّن أن هذا التذبذب العاطفي قد يعيد تنشيط أعراض الصدمة النفسية مع كل معلومة جديدة غير موثقة، كما يمكن أن يؤدي اختلاف أفراد الأسرة في تفسير الأخبار إلى خلافات داخلية وشعور متبادل بالذنب حول الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع مصير المفقود.

ولفت إلى أن التعرض المتكرر للشائعات والمعلومات المتناقضة قد يتحول إلى ضغط نفسي مستمر، إذ يعيد إحياء تجربة الفقد مع كل خبر جديد يفتقر إلى دليل واضح.

الحقيقة أول احتياجات العائلات

أكد جمعة أن المعلومات الدقيقة والموثوقة تأتي في مقدمة احتياجات أسر المفقودين، باعتبارها العامل الأساسي الذي يمكن أن يحسم حالة الغموض، إلى جانب حاجتها إلى الاعتراف المجتمعي بمعاناتها وتوفير الدعم لها، دون ممارسة ضغوط تدفعها إلى التسليم بوفاة المفقود أو التخلي عن الأمل بعودته من دون أدلة.

وأشار إلى أهمية منح العائلات المساحة التي تسمح لها بالأمل والحزن في الوقت ذاته، مع عدم مطالبتها بإغلاق ملف المفقود قبل ظهور معلومات موثوقة بشأن مصيره، لافتاً إلى أن التواصل مع عائلات خاضت التجربة ذاتها يمكن أن يساعد في تخفيف مشاعر العزلة والوحدة.

كيف يمكن التعامل مع الانتظار؟

أوضح جمعة أن الدعم النفسي في حالات الاختفاء ينبغي أن يركز على إدارة القلق والإجهاد الناتج عن عدم اليقين، من دون ربط الحصول على المساعدة النفسية بضرورة تقبل فرضية وفاة الشخص المفقود.

ودعا إلى إرشاد الأسر نحو المصادر الموثوقة للحصول على المعلومات، وتقليل التعرض المفرط للمحتوى العشوائي والشائعات على وسائل التواصل، بما يحد من دور الأخبار غير المثبتة في إعادة تنشيط مشاعر الخوف والصدمة.

وأشار إلى أهمية مساعدة الأسرة على بناء طرق للتكيف مع الغموض نفسه، بدلاً من استنزاف طاقتها في انتظار سلبي مفتوح، والعمل على استعادة أدوارها اليومية والاجتماعية والوظيفية، من دون اعتبار مواصلة الحياة تخلياً عن الشخص المفقود أو تنازلاً عن حق البحث عنه.

الدعم لا يعني النسيان

نوه جمعة بأهمية الاستفادة من منظومات القيم والمعتقدات التي تساعد الأسر على الصمود، إلى جانب توفير مجموعات ومساحات آمنة تجمع العائلات التي تتشارك تجربة فقد مماثلة، بما يسهم في الحد من الشعور بالعزلة.

وأكد في ختام حديثه لشبكة شام أن مساندة عائلات المفقودين تتطلب التضامن معها في رحلة البحث عن الحقيقة، بالتوازي مع مساعدتها على إدارة حياتها اليومية وحماية تماسكها الأسري في ظل استمرار عدم اليقين.

وشدد على أن الدعم النفسي لا يعني دفع العائلات إلى النسيان أو إغلاق ملف أبنائها، بل مساعدتها على بناء القدرة النفسية اللازمة لمواصلة الحياة والصمود، بالتوازي مع تمسكها بحقها في البحث عن المفقودين ومعرفة مصيرهم والمطالبة بالحقيقة.

اقرأ المزيد
٣١ أغسطس ٢٠٢٦
ميراث القاصر في القانون السوري.. من يدير أمواله وكيف تحمي الرقابة القضائية حقوقه؟

يكفل القانون السوري للطفل حقه في الميراث منذ ولادته حياً، إلا أن كونه قاصراً يفرض ضوابط على إدارة الأموال التي تؤول إليه، ويضع الولي أو الوصي تحت رقابة القضاء، بهدف حماية أموال الطفل ومنع التصرف بها بطريقة تلحق الضرر بمصالحه.

وتثير مسألة ميراث القاصرين تساؤلات لدى كثير من الأسر حول الشخص المخول بإدارة الأموال، وحدود صلاحيات الولي والوصي، ودور القاضي الشرعي في مراقبة عمليات الإنفاق والبيع، فضلاً عن الحقوق التي يستطيع القاصر المطالبة بها بعد بلوغه سن الرشد.

حق الطفل في الميراث

قالت المحامية رهادة عبدوش، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري يكفل حق الطفل في الميراث متى ولد حياً، ولو توفي بعد ولادته بلحظات، موضحة أن أحكام الإرث المطبقة عليه لا تختلف عن البالغ من حيث استحقاق الميراث، مع مراعاة الأحكام المتعلقة بالجنس والديانة والمذهب.

وأوضحت عبدوش أن إدارة أموال القاصر يتولاها الولي، وهو الأب، أو من ينصبه القاضي الشرعي ولياً، فيما يتولى القاضي الشرعي المختص مراقبة كيفية إدارة تلك الأموال، مشيرة إلى أن القاصر لا يستطيع التصرف بأمواله، بينما يمكنه إدارة أعماله اعتباراً من بلوغه سن الخامسة عشرة، وفق ما أوضحته.

رقابة قضائية على أموال القاصر

أكدت عبدوش أن الولي ملزم بتقديم بيان بأملاك الطفل إلى القاضي الشرعي، ولا يجوز، بحسب توضيحها، صرف الأموال الخاضعة للرقابة دون إذن القاضي، مع تقديم بيانات تبين أوجه صرف المبالغ، كما ينبغي أن يكون أي تصرف يتعلق ببيع عقار أو منقول محققاً لمصلحة الطفل.

وتنص المادة 167، وفق النص القانوني الذي استندت إليه عبدوش، على إلزام المأذون له بالإدارة بتقديم حساب سنوي إلى القاضي، الذي يأخذ عند النظر فيه رأي الولي أو الوصي، كما يملك صلاحية الأمر بإيداع الفائض من الدخل في صندوق المحكمة أو مصرف يختاره، ولا يجوز للوصي سحب الأموال المودعة إلا بإذن قضائي.

من يتولى الوصاية؟

تنص المادة 176، بحسب النص الذي أوردته عبدوش، على جواز أن يقيم الأب، والجد عند فقدان الأب، وصياً مختاراً للولد القاصر أو الحمل، مع إمكانية الرجوع عن الإيصاء، كما تكون الوصاية على أموال القاصرين بعد وفاة الأب للوصي الذي اختاره، حتى وإن لم يكن من أقاربهم، على أن تعرض الوصاية بعد الوفاة على المحكمة لتثبيتها عند استيفائها الشروط الشرعية.

وتوضح هذه الأحكام، وفق ما طرحته عبدوش، أن إدارة أموال القاصر لا تترك للتصرف العائلي بصورة مطلقة، وإنما ترتبط بضوابط قانونية ورقابة قضائية تهدف إلى المحافظة على الأموال إلى حين تمكن صاحبها من إدارة حقوقه بنفسه.

حساب سنوي عن إدارة الأموال

تشير المادة 185، بحسب النص المقدم، إلى إلزام الوصي بتقديم حساب سنوي مؤيد بالمستندات وفق الأحكام المقررة قانوناً، مع منح القاضي صلاحية إعفائه من تقديم الحساب إذا كانت أموال القاصر لا تتجاوز مئة ألف ليرة سورية.

وتكتسب عملية توثيق الإيرادات والنفقات والتصرفات المتعلقة بأموال القاصر أهمية في بيان كيفية إدارتها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأموال موروثة أو عقارات ومنقولات تحتاج إلى تصرفات قانونية خلال فترة القِصر.

مسؤولية الوصي عن الضرر

تنص المادة 193، وفق النص الذي أوردته عبدوش، على مسؤولية الوصي عن الضرر الذي يلحق بالقاصر نتيجة إخلاله بالواجبات المفروضة عليه قانوناً، وضمانه لهذا الضرر على غرار الوكيل.

وتمنح المادة ذاتها القاضي، بحسب النص المذكور، صلاحية إلزام الوصي بتعويض للقاصر لا يقل عن خمسين ألف ليرة سورية، أو حرمانه من أجره كله أو بعضه، أو عزله، إلى جانب ضمان الضرر، مع إمكانية إعفائه من بعض هذه الإجراءات أو جميعها إذا تدارك التقصير.

ماذا يحدث عند بيع عقار القاصر؟

لفتت عبدوش إلى أن التصرف في عقارات القاصر يخضع لضوابط تهدف إلى حماية مصلحته، موضحة أنه في حال بيع الولي عقاراً عائداً للقاصر، فإن للقاصر، بحسب قولها، حق المطالبة بتكملة الثمن بعد بلوغه سن الرشد، ويستمر هذا الحق لمدة ثلاث سنوات من تاريخ بلوغه الرشد.

وتبرز في مثل هذه الحالات أهمية الاحتفاظ بالمستندات وتوثيق الإجراءات والتصرفات التي جرت خلال فترة القِصر، لما لذلك من دور في تمكين صاحب الحق من مراجعة ما جرى على أمواله والمطالبة بحقوقه ضمن المدد والإجراءات القانونية المقررة.

المعرفة القانونية لحماية حقوق الأطفال

تساعد معرفة الأسر بالأحكام الناظمة لميراث القاصر وإدارة أمواله في الحد من التصرفات التي يمكن أن تمس حقوق الأطفال، ولا سيما عندما يتولى أحد أفراد الأسرة إدارة ممتلكاتهم نيابة عنهم.

وتبقى الرقابة القضائية وتوثيق التصرفات المتعلقة بالعقارات والأموال الموروثة من أبرز الضمانات التي أشار إليها الطرح القانوني، بما يتيح حماية حقوق القاصر خلال فترة عدم أهليته الكاملة للتصرف، ويمنحه لاحقاً إمكانية المطالبة بحقوقه وفق الأطر والمدد التي يحددها القانون.

اقرأ المزيد
٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
مياه الصرف تغمر أراضي لحايا بريف حماة.. أشجار يابسة ومعاناة مستمرة منذ عقود

تواجه قرية لحايا في ريف حماة الشمالي مشكلة مزمنة مع مياه الصرف الصحي القادمة من المناطق المجاورة، في ظل افتقار القرية إلى شبكة صرف خاصة بها، ما تسبب بوصول المياه إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتضرر أشجار الفستق الحلبي والزيتون، بالتزامن مع انتشار الحشرات والروائح الكريهة واستمرار مطالب الأهالي بإيجاد حل جذري للمشكلة.

وتكشف شهادات من أبناء القرية أن المشكلة تعود إلى عقود مضت، لكنها تفاقمت خلال السنوات الأخيرة نتيجة تضرر مسارات التصريف وارتفاع كميات المياه القادمة من المناطق المحيطة، لتتحول أجزاء من الأراضي الزراعية إلى مساحات يصعب استثمارها، وسط شكاوى من غياب الحلول رغم المناشدات والدراسات السابقة.

150 دونماً تحت تأثير مياه الصرف

قال خالد سمير الحسين، أحد أبناء قرية لحايا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القرية تفتقر إلى خدمة الصرف الصحي، فيما تصل إليها مياه الصرف المرتبطة بمورك وصوران، وتتسرب إلى الأراضي الزراعية نتيجة تضرر قنوات التصريف وانحراف مجرى المياه عن مساره.

وأوضح الحسين أن المساحة المتضررة تقدر بنحو 150 دونماً، تشكل الأراضي المزروعة بأشجار الفستق الحلبي والزيتون نحو 90% منها، فيما أصبحت قرابة 10% من المساحات المتأثرة غير صالحة للزراعة نتيجة انتشار مياه الصرف الصحي.

وأشار إلى أن المشكلة تفاقمت خلال سنوات النزوح منذ عام 2013، واستمرت دون معالجة، ما أدى، بحسب تقديراته، إلى خسارة نحو 2400 شجرة من الفستق الحلبي والزيتون، فضلاً عن تراجع القدرة على استثمار أجزاء من الأراضي المتضررة.

حشرات وروائح وأراضٍ متضررة

ذكر الحسين أن تدفق مياه الصرف أدى إلى انتشار نبات القصب على نطاق واسع، بالتزامن مع تزايد أعداد الحشرات، ولا سيما البعوض والذباب، إضافة إلى انبعاث الروائح الكريهة وتشوه المشهد العام للأراضي المحيطة بالقرية.

وطالب بإنشاء قنوات مخصصة تحت الأرض لنقل مياه الصرف بعيداً عن الأراضي الزراعية، ومكافحة الحشرات والآفات بالمبيدات المناسبة، إلى جانب دعم المزارعين المتضررين وتعويضهم بما يساعدهم على إعادة تأهيل أراضيهم واستئناف زراعتها.

وأشار إلى أن الأهالي وجهوا مناشدات عدة عبر وسائل الإعلام والجهات المعنية للمطالبة بالتدخل، إلا أنهم لم يتلقوا، بحسب قوله، استجابة تفضي إلى حل المشكلة حتى الآن.

المشكلة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي

وقال عبد الله محمد الصالح، مختار قرية لحايا، في تصريح خاص لشبكة شام، إن أزمة الصرف الصحي في قرية لحايا ليست حديثة، مؤكداً عدم وجود شبكة صرف صحي خاصة بلحايا، رغم تكرار الوعود وإجراء دراسات لمعالجة المشكلة دون تنفيذها على أرض الواقع.

وأوضح الصالح أن المشكلة بدأت بالظهور بصورة أكبر منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عقب إنشاء شبكات للصرف الصحي في مدينتي مورك وصوران وتصريف المياه باتجاه الوديان، لافتاً إلى أن الموقع الجغرافي للحايا ضمن وادٍ يعرف محلياً باسم «وادي الدورات» أدى إلى وصول مياه الصرف إلى أراضي القرية منذ عام 1981.

قساطل بيتونية لم تنه المشكلة

بيّن الصالح أنه جرى عام 1993 تمديد قساطل بيتونية ضمن الأراضي الزراعية بمحاذاة الأبنية في القرية، وعلى مسافة تقارب 50 متراً من المساكن في الجهة الجنوبية، إلا أن هذه الخطوة لم تنه المشكلة، إذ انتقلت المياه إلى أراضٍ أخرى.

وقدر الصالح امتداد الجزء المكشوف المتأثر بمياه الصرف بنحو أربعة كيلومترات، مشيراً إلى تضرر مساحات مزروعة بالفستق الحلبي والزيتون، وجفاف عدد من الأشجار وتقطع الأراضي الزراعية، بالتوازي مع انتشار الحشرات والروائح الكريهة التي وصفها بأنها «لا تطاق».

العودة من النزوح تكشف تفاقم الأزمة

أوضح مختار لحايا أن أهالي القرية نزحوا خلال سنوات الثورة لنحو 11 عاماً، وعندما عادوا إلى أراضيهم وجدوا أن المشكلة ازدادت سوءاً، مع اتساع رقعة الأراضي المتضررة وارتفاع كميات مياه الصرف، بالتزامن مع زيادة الكثافة السكانية في مورك وصوران.

وأضاف أن الأهالي خاطبوا جهات عدة معنية بقطاع الصرف الصحي والخدمات للمطالبة بالتدخل، إلا أن تلك المناشدات لم تفضِ، بحسب قوله، إلى معالجة فعلية للمشكلة.

وأشار الصالح إلى أنه اصطحب مسؤولين في قطاع الصرف الصحي بحماة، إلى جانب مسؤولين في البلدية ومكتب الخدمات بالمحافظة، للاطلاع ميدانياً على الواقع، موضحاً أن ظروف الحرب والدمار حالت، وفق تقديره، دون تنفيذ الحلول المطلوبة آنذاك.

مطالب بحل يحمي الأراضي الزراعية

يطالب أهالي لحايا اليوم بإيجاد حل دائم لمسارات مياه الصرف القادمة إلى أراضيهم، بعد سنوات طويلة من الأضرار التي طالت الأشجار والمحاصيل والبيئة المحيطة، مع التأكيد على ضرورة معالجة المشكلة من مصدرها بدلاً من الاكتفاء بحلول مؤقتة.

وتبقى تقديرات المساحات والأشجار المتضررة وحجم الخسائر الواردة في التقرير مستندة إلى شهادات أبناء القرية ومختارها، فيما ينتظر الأهالي تحرك الجهات المعنية لتقييم الأضرار ميدانياً ووضع حل فني ينهي وصول مياه الصرف إلى الأراضي الزراعية ويحافظ على ما تبقى من نشاط زراعي في المنطقة.

اقرأ المزيد
٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
التنازل عن الشكوى.. متى تنتهي القضية ومتى تستمر دعوى الحق العام؟

تُعد الشكوى من الوسائل القانونية التي يلجأ إليها المتضرر للمطالبة بحقه عند وقوع جريمة أو اعتداء بحقه، إلا أن التنازل عنها لا يعني بالضرورة انتهاء القضية، إذ تختلف النتائج القانونية المترتبة على ذلك تبعاً لطبيعة الجريمة، وما إذا كانت مرتبطة بالحق الشخصي وحده أم يترتب عليها حق عام يستوجب استمرار الملاحقة.

ويثير هذا الأمر تساؤلات حول الفرق بين التنازل عن الشكوى وإسقاط الحق الشخصي، ومدى قدرة المشتكي على إنهاء الإجراءات بعد تحريك الدعوى، إضافة إلى إمكانية التراجع عن التنازل لاحقاً، وهي مسائل تتحدد آثارها وفق نوع القضية والمرحلة التي وصلت إليها.

التنازل لا يعني دائماً انتهاء القضية

أوضح محمد معتز العلي، المحامي الأستاذ في نقابة المحامين بإدلب منذ عام 2019، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن الشكوى ترتبط بالقضايا الجزائية، ومنها قضايا السرقة والقتل والسلب وغيرها، مشيراً إلى أن تقديم المتضرر شكواه يؤدي إلى تحريك الدعوى العامة إلى جانب الادعاء الشخصي.

وبيّن العلي أن المشتكي يستطيع التنازل عن شكواه في مراحل مختلفة من القضية، بدءاً من التحقيق أمام الشرطة أو النيابة، وصولاً إلى مرحلة النظر فيها أمام القضاء الجزائي، إلا أن الأثر المترتب على هذا التنازل يختلف بحسب طبيعة الجريمة.

وأشار إلى أن إسقاط الحق الشخصي قد يكون كافياً لإنهاء الدعوى في بعض الجرائم التي لا تمس أمن المجتمع، ومن بينها السب والشتم وإساءة الأمانة، بينما يختلف الوضع في الجرائم التي تتصل بحق المجتمع وتترتب عليها دعوى حق عام.

جرائم تستمر ملاحقتها رغم التنازل

أكد العلي أن إسقاط المتضرر لحقه الشخصي لا يؤدي إلى إنهاء دعوى الحق العام في الجرائم التي تمس المجتمع، إذ تستمر الملاحقة بهدف ردع مرتكب الجريمة ومنع تكرار أفعال مماثلة.

وذكر أن من بين هذه الجرائم القتل والسرقة الموصوفة والمخدرات، موضحاً أن تنازل المتضرر في مثل هذه الحالات قد يكون له أثر في تخفيف العقوبة، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط الملاحقة أو إنهاء القضية.

هل يمكن العودة عن التنازل؟

أفاد العلي بأن المشتكي لا يستطيع الرجوع عن التنازل بعد تقديمه أمام القضاء، استناداً إلى مبدأ «الساقط لا يعود»، الأمر الذي يجعل معرفة النتائج القانونية المترتبة على هذه الخطوة ضرورية قبل اتخاذها.

وشدد على أهمية التمييز بين الحق الشخصي والحق العام، إذ يتعلق الأول بحقوق المتضرر المباشر من الجريمة، بينما يرتبط الثاني بمصلحة المجتمع وملاحقة الأفعال التي يرى القانون أنها تستوجب العقاب بصرف النظر عن موقف المشتكي.

معرفة أثر التنازل قبل اتخاذ القرار

يرى محامون أن تحديد النتائج القانونية للتنازل يتطلب أولاً معرفة الوصف القانوني للجريمة وطبيعة الحق المرتبط بها، إذ لا يمكن تطبيق نتيجة واحدة على مختلف الدعاوى الجزائية.

وينصحون بمعرفة الآثار المترتبة على إسقاط الحق الشخصي قبل الإقدام عليه، والاستعانة بمحامٍ لتحديد الخيارات القانونية المتاحة، خصوصاً في القضايا التي تتجاوز آثارها العلاقة المباشرة بين المشتكي والمشتكى عليه.

ويبقى أثر التنازل مرتبطاً في النهاية بطبيعة كل قضية والحقوق الناشئة عنها، فقد يؤدي في بعض الحالات إلى انتهاء الإجراءات، بينما تستمر في حالات أخرى دعوى الحق العام رغم إسقاط المتضرر لحقه الشخصي، وفق ما تقرره القواعد القانونية والجهات القضائية المختصة.

اقرأ المزيد
٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
غيرة الطفل بعد ولادة أخ جديد.. ما الذي يقف خلفها؟

مع قدوم طفل جديد إلى الأسرة، تتغير تفاصيل الحياة اليومية ويتوزع اهتمام الوالدين بطريقة مختلفة، وهو ما قد يلاحظه الطفل الأكبر ويؤثر في مشاعره وسلوكه، وقد تظهر لديه مشاعر الغيرة أو التعلق الزائد أو الغضب، خصوصاً إذا شعر أن المولود الجديد أخذ جزءاً من الوقت والاهتمام الذي كان يحصل عليه.

ولا تعني هذه المشاعر بالضرورة رفض الطفل لأخيه أو أخته، وإنما قد تكون تعبيراً عن حاجته إلى الاطمئنان إلى أن مكانته ومحبة والديه له لم تتغير، فكيف يمكن للوالدين فهم هذه المشاعر والتعامل معها بطريقة تساعد الطفل على التكيف مع وجود المولود الجديد؟

غيرة الطفل.. حاجة إلى الأمان

في هذا السياق، قالت الباحثة التربوية دعاء عتيق في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شعور بعض الأطفال بالغيرة بعد ولادة أخ أو أخت جديدة يُعد في كثير من الحالات استجابة طبيعية للتغير الذي يطرأ على البيئة الأسرية، ولا يعني بالضرورة عدم محبة الطفل لأخيه، بل قد يعكس خوفه من فقدان اهتمام والديه ومكانته لديهما.

وبيّنت أن الطفل الذي اعتاد قدراً معيناً من اهتمام والديه ووقتهما قد يلاحظ بعد قدوم المولود تغيراً في توزيع هذا الاهتمام، فينشأ لديه شعور بالقلق حول مكانته داخل الأسرة، وقد يتساءل بصورة واعية أو غير واعية: «هل ما زال والداي يحبّانني كما كانا؟ وهل ما زلت مهمًا بالنسبة إليهما؟».

وأكدت عتيق أن فهم هذا الجانب يساعد الوالدين على التعامل مع الغيرة بوصفها حاجة إلى الأمان والطمأنينة، أكثر من كونها مشكلة سلوكية ينبغي قمعها.

كيف تظهر الغيرة؟

أشارت الباحثة التربوية إلى أن الغيرة قد تظهر في صور متعددة، منها زيادة التعلق بالوالدين، وكثرة طلب الانتباه، ونوبات الغضب والبكاء، والعناد، وقد تظهر أيضاً في صورة سلوكيات ارتدادية، كأن يعود الطفل إلى طلب المساعدة في أمور كان قادراً على القيام بها بمفرده، أو يصبح أكثر انعزالاً وحزناً.

وأكدت أن السلوك الظاهر قد يكون رسالة عن احتياج عاطفي غير مُعبَّر عنه، ولذلك فإن التعامل معه يبدأ بمحاولة فهم ما وراء السلوك، وليس الاكتفاء بمحاولة إيقافه.

وحذّرت من توبيخ الطفل على مشاعره، أو وصفه أمام الآخرين بأنه «غيور» أو «أناني»، أو مقارنته بالمولود، أو مطالبته بأن يكون «كبيراً» وألا يحتاج إلى اهتمام والديه، كما نبّهت إلى أن إجباره على إظهار الحب تجاه أخيه قبل أن يكون مستعداً لذلك قد يزيد من مقاومته، مؤكدة أن المشاعر لا تُلغى بالأوامر، وإنما تُفهم وتُحتوى وتُوجَّه.

كيف يساعد الوالدان الطفل على التكيف؟

وأوضحت أن من أهم الأساليب التي تساعد الطفل على التكيف الحفاظ قدر الإمكان على روتينه اليومي، وتخصيص وقت خاص له بعيداً عن انشغال الوالدين بالمولود، والاستماع إليه باهتمام، وتعزيز سلوكياته الإيجابية، وإشراكه بصورة بسيطة في بعض تفاصيل استقبال المولود، دون تحميله مسؤوليات تفوق عمره.

وشدّدت دعاء عتيق في تصريح خاص لـ«شام» على أن طمأنة الطفل لا ينبغي أن تقتصر على الكلمات، بل يجب أن يلمس الحب في الممارسة اليومية من خلال الوقت والاحتضان والاهتمام والاستماع.

ومن المفيد أن يقول الوالدان له: «أفهم أنك تشعر أحياناً بأننا منشغلون بالطفل أكثر، وهذا قد يجعلك حزيناً أو غاضباً، لكن مكانتك عندنا لم تتغير»، مع منحه مساحة للتعبير عن مشاعره، مع وضع حدود واضحة تمنع إيذاء نفسه أو أخيه.

العلاقة بين الإخوة تُبنى مع الوقت

وأشارت دعاء عتيق إلى أن العلاقة بين الإخوة تُبنى مع الوقت، ولا تُفرض بالأوامر، وأن الهدف ليس أن يتوقف الطفل عن الغيرة فوراً، وإنما أن يشعر بالأمان، ويتعلم التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، ويدرك أن قدوم طفل جديد لم ينتقص من قيمته أو مكانته داخل الأسرة.

وأكدت أن السؤال الأهم عند ظهور الغيرة ليس: «كيف نجعل الطفل يتوقف عن الغيرة؟»، وإنما: «ماذا يحاول الطفل أن يخبرنا من خلال غيرته؟»؛ فالانتقال من الحكم على السلوك إلى فهم أسبابه واحتياجات الطفل الكامنة وراءه يمثل خطوة أساسية في بناء طفل أكثر أماناً وأسرة أكثر توازناً.

ومع اختلاف طريقة استجابة الأطفال لولادة أخ أو أخت جديدة، تبقى الغيرة من المشاعر التي قد تظهر خلال هذه المرحلة، وقد تتخذ أشكالاً مختلفة من طفل إلى آخر، ما يجعل التعامل معها مرتبطاً بعمر الطفل وشخصيته وطبيعة التغيرات التي طرأت على الحياة الأسرية.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١١ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد البائد.. العدالة الانتقالية أمام اختبار بناء دولة القانون في سوريا
أحمد نور الرسلان