٢٤ مارس ٢٠٢٦
قبل أيام قليلة تداولت صفحات التواصل الاجتماعي فيديو يظهر محافظ إدلب السيد محمد عبد الرحمن وهو يلتقي بطفل صغير طلب منه شراء ملابس جديدة لعيد الفطر، فاستجاب المحافظ لرغبته، وذكر الطفل خلال المقطع المصور أن والديه قُتلا على يد نظام بشار الأسد.
أعاد هذا المشهد إلى الأذهان معاناة الأطفال الأيتام في سوريا، وفتح النقاش مجدداً حول ظاهرة اليتم التي تفاقمت خلال سنوات الثورة، ما وضع آلاف الأطفال أمام تحديات قاسية في ظل غياب أحد الوالدين أو كليهما، وعرّضهم لمصاعب نفسية واجتماعية ومعيشية متعددة.
وتعود زيادة أعداد الأيتام في البلاد إلى الظروف القاسية التي عاشها السوريون خلال سنوات الثورة، إذ تعرّض عدد كبير من الأشخاص للاعتقال على يد قوات النظام البائد، حيث استشهد بعضهم تحت التعذيب في السجون، بينما لا يزال مصير آخرين مجهولاً حتى اليوم.
كما أدت الهجمات والقصف المتكرر على المدن والأحياء السكنية إلى مقتل آباء وأمهات كانوا يعيلون أسرهم، إضافة إلى ارتقاء أشخاص شاركوا في المعارك ضد قوات النظام البائد، إلى جانب سقوط ضحايا بسبب الألغام والمتفجرات، وغيرها من الظروف المرتبطة بالحرب، ما ترك أعداداً كبيرة من الأطفال يواجهون مرارة فقدان الأم أو الأب أو كليهما.
ويواجه الأطفال الأيتام تحديات متعددة على المستويات النفسية والاجتماعية والمعيشية والتعليمية، إذ يترك فقدان الوالدين لدى الطفل شعوراً مستمراً بالوحدة والحزن، خاصة في حال غياب من يعوض هذا الفراغ أو يوفر له الدعم العاطفي، كما قد يتعرض بعضهم لصدمة نفسية نتيجة فقدان أحبائهم، الأمر الذي قد يقود إلى ظهور اضطرابات مثل القلق والتوتر والانطواء.
وتقول إسراء علي السليمان، وهي معلمة في إحدى مدارس ريف إدلب الشمالي، إنها خلال العام الماضي كانت تدرّس طفلاً في الصف الثاني فقد والده نتيجة القصف، ليعيش بعدها مع جدته المسنة، عقب زواج والدته من رجل آخر وتركها الطفل لدى أسرة والده الراحل.
وتوضح في حديث لشبكة شام الإخبارية أن الطفل كان يأتي إلى المدرسة بمفرده ويعود منها بالطريقة ذاتها، مضيفة أنها كانت تلاحظ مراقبته بحسرة لبقية الأطفال الذين يصلون برفقة أحد والديهم، كما كان يُظهر مشاعر حزن وانعزال عند أبسط المواقف، ويربط كثيراً من الأمور السلبية التي تحدث معه بكونه يتيماً.
ولا تقتصر معاناة الأطفال الأيتام على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب المعيشي أيضاً، إذ يعاني كثير منهم من الفقر، خاصة في ظل غياب مصدر دخل ثابت للأسرة التي فقدت معيلها، ما يحرمهم أحياناً من الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والملابس والدواء، وغيرها من الضروريات.
ودفعت هذه الظروف عدداً من الأطفال إلى العمل في سن مبكرة لمساعدة أنفسهم وأسرهم، الأمر الذي يحرمهم من طفولتهم الطبيعية ويؤثر في نموهم الجسدي والنفسي، كما ينعكس سلباً على فرصهم في الحصول على تعليم مستقر.
وفي السياق ذاته، يواجه بعض الأطفال صعوبات في متابعة تعليمهم، خصوصاً في حال غياب من يتابع مستواهم الدراسي أو يشرف على التزامهم المدرسي، إضافة إلى اضطرار بعضهم لترك الدراسة بسبب الفقر أو الانخراط المبكر في سوق العمل.
وفي مواجهة هذه التحديات، تلجأ بعض الأسر السورية إلى تبني نهج تكافلي لمساعدة الأطفال الأيتام، سواء كانوا من الأقارب أو من أبناء الجيران والمجتمع المحلي، حيث يقدمون لهم الدعم المادي والمعنوي، مثل توفير الملابس والوجبات الغذائية والمساعدة في متابعة التعليم، ما يخفف من وطأة فقدان المعيل ويمنح الأطفال قدراً من الشعور بالأمان والانتماء.
وتقول فاطمة العبد الله، 70 عاماً، تنحدر من ريف إدلب الجنوبي، إن ابنها محمود استشهد قبل عشر سنوات وترك ابنتين، بينما اعتُقل ابنها الآخر أسامة قبل 12 عاماً ولا يزال مصيره مجهولاً، وهو الٱخر أب لولد وبنت، ما ضاعف من شعورها بالحسرة على فقدان أبنائها.
وتضيف في حديثها لـ شام أن العائلة تحاول دعم الأحفاد الأيتام من خلال مساعدة أمهاتهم في تغطية النفقات المالية، والتواصل مع المدرسين لمتابعة أوضاعهم التعليمية، كما تحرص على دعوتهم إلى منزلها في كل عطلة وزيارتهم بشكل دوري للاطمئنان عليهم.
في المقابل، هناك العديد من الأطفال الأيتام الذين يفتقرون إلى هذا النوع من الدعم الأسري والاجتماعي، ما يجعل أثر الصعوبات والتحديات التي يواجهونها أشد قسوة وتعقيداً.
ويشير مختصون اجتماعيون إلى أنه في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الأطفال الأيتام في سوريا، تبرز الحاجة إلى حلول عملية ومستدامة، من بينها تبني نظام الكفالة لتأمين الدعم المادي المستمر، وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للتخفيف من آثار الصدمات التي تعرضوا لها نتيجة فقدان الوالدين.
كما يقترح المختصون توفير برامج دعم تعليمي ورعاية أكاديمية تساعد الأطفال على الاستمرار في الدراسة، إلى جانب تأمين المساعدات الغذائية والملابس والاحتياجات الأساسية، مؤكدين أن هذه الجهود تتطلب تعاوناً مشتركاً بين المنظمات الإنسانية والجهات الحكومية والمجتمع المحلي لضمان حياة أكثر استقراراً لهؤلاء الأطفال.
تُعد ظاهرة اليتم من أبرز الظواهر التي تفاقمت خلال سنوات الثورة السورية، نتيجة القصف والاعتقال والإخفاء القسري التي انتهجها نظام بشار الأسد في مواجهة السوريين، الأمر الذي أدى إلى فقدان آلاف الأطفال أحد والديهم أو كليهما، ليجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ في سن مبكرة.
٢٤ مارس ٢٠٢٦
افتتحت وزارة الداخلية السورية مؤخراً، معهد الشرطة النسائية في مدينة التل بريف دمشق، في خطوة وصفت بأنها محطة مهمة في مسار تطوير المؤسسات الأمنية وتعزيز مشاركة المرأة السورية في العمل الشرطي.
وجاء الافتتاح برعاية وزير الداخلية أنس خطاب، الذي أكد أن المعهد يشكّل مركزاً متخصصاً لإعداد وتأهيل الكوادر النسائية للعمل في مختلف المجالات الأمنية والشرطية، ضمن رؤية تهدف إلى تحديث بنية العمل الأمني ورفده بكفاءات جديدة قادرة على التعامل مع متطلبات المرحلة.
وتزامن الافتتاح مع وصول عدد من السيدات إلى مناصب قيادية، من بينها ترقية "هدى سرجاوي" إلى رتبة عميد، وهدى يوسف شمة إلى رتبة عقيد، في مؤشر على اتساع حضور النساء داخل المؤسسة الأمنية.
تواصلت شبكة شام الإخبارية مع العقيد هدى يوسف شمة، أستاذة ومحامية، من مواليد مدينة الدانا، حاصلة على إجازة في الحقوق والشريعة من جامعة إدلب، وماجستير في الشريعة من جامعة حلب (مرحلة الرسالة).
تنوعت مجالاتها ونشاطاتها بين التعليم والعمل الحقوقي والإنساني، حيث شغلت مناصب عدة، منها محاضرة في القانون الدولي والعدالة الانتقالية، وعضو رابطة تمكين المرأة السورية ورابطة المحامين السوريين الأحرار، إضافة إلى نشاطها الحقوقي والإغاثي منذ بداية الثورة السورية.
وتولت رئاسة القسم القانوني في عدد من المنظمات الحقوقية والإنسانية، وقدمت محاضرات في كليات جامعتي إدلب وحلب، وشغلت منصب رئيس قسم شؤون الطلبة في معهد إعداد المدرسين، كما عملت كموجهة تربوية في مديرية التربية بمحافظة إدلب.
وقالت إنها رُشحت من قبل نقابة المحامين في سوريا لتولي عضوية مجلس إدارة معهد الشرطة النسائية، وخضعت لسلسلة من الاختبارات الكتابية والسلوكية والتقنية والشفهية، وأضافت أنه بعد قبولها في مجلس إدارة المعهد، تلقت تدريبات مسلكية، بالإضافة إلى محاضرات توعوية ودورات قيادية قدمها أبرز المدربين والمحاضرين المحليين والدوليين.
وتابعت أنهم كإدارة قاموا بتحديد أهداف وسلوكيات ومدونة عمل المعهد، وتم إعداد هيكل تنظيمي للمعهد وتوزيع المسؤوليات وتحديد الأوليات، ومن ثم تم الاعلان عن فتح باب التطوع في المعهد، وقاموا باجراء الفحوص الطبية والمقابلات المسلكية وتحديد الناجحين وتقسيمهم على دفعات والتحضير للبدء باستقبال دورات ضباط وأفراد (الإناث).
وأشارت إلى أن إدارة المعهد عملت على تحديد أهداف وسلوكيات ومدونة عمل المعهد، إلى جانب وضع هيكل تنظيمي واضح وتوزيع المسؤوليات وتحديد الأولويات، ثم جرى لاحقاً الإعلان عن فتح باب التطوع في المعهد، وقاموا بإجراء الفحوص الطبية والمقابلات المسلكية للمتقدمات، واختيار الناجحات وتقسيمهن على دفعات، تمهيداً لبدء استقبال دورات ضباط وأفراد من النساء.
وأردفت أنه تم تكليفها حالياً برئاسة قسم شؤون الطلبة والمتدربين في المعهد، وهو القسم المعني بتنظيم أضابير الطلبة وضبط ذاتياتها، والإشراف على الامتحانات، والتنسيق بين أقسام ومكاتب المعهد من جهة، وبين المعهد والإدارات المختصة في الوزارة من جهة أخرى، إضافة إلى الإشراف على أرشفة وأتمتة أعمال المعهد بشكل كامل.
ونوهت إلى أن من أبرز التحديات التي واجهتها خلال العمل تمثلت في العقلية المتخلفة التي زرعها النظام البائد لدى شريحة واسعة من المكونات المجتمعية على مدى عقود، إضافة إلى موجة الانتقادات غير المبررة من قبل شريحة مستفيدة من الوضع الأمني غير المستقر في البلاد، ومحاولات مجموعات من الفلول المتعيشة على الفوضى لتشويه فكرة المعهد حتى قبل التعرف عليه، وذلك رغم المحاولات الحثيثة لاستقطاب مختلف شرائح المجتمع للانخراط في كوادر المعهد.
وأشارت إلى أن أهمية المعهد تتمثل في تعزيز حضور المرأة في القطاعات الأمنية، ودعم مفهوم الشرطة المجتمعية، وتحسين آليات التعامل مع قضايا النساء والأطفال، إضافة إلى مساندة جهود الدولة في بناء مؤسسات حديثة وفعالة، كما يسهم المعهد في حماية المرأة وتمكينها من أداء دورها في المجتمع والمشاركة في صنع القرار على نحو أمثل.
كما تتجلى أهمية المعهد في حماية المجتمع من بعض الحالات الشاذة بين السيدات التي قد تعرض أمن وسمعة البلاد للخطر، إلى جانب إعادة تأهيلهن ودمجهن في المجتمع بما يضمن كرامتهن وأمن وسلامة المجتمع.
وأشارت إلى أنه من أهم الآثار الإيجابية التي سوف يحققها معهد الشرطة النسائية على المجتمع إعداد ضباط إناث وعناصر شرطية مؤهلة قادرة على فرض القانون وتطبيقه بشكل مهني وحضاري، بما يضمن الحفاظ على حرية المرأة وصون كرامتها، وكذلك توعية المرأة السورية بضرورة المشاركة في العمل المجتمعي والحفاظ على القانون والعمل على بناء مجتمع مستدام.
وأعربت عن أمنيتها بأن يكون عملها في إدارة المعهد خالصًا لوجه اللّٰه تعالى، وموجَّهًا لتمكين المرأة السورية بمختلف انتماءاتها من المشاركة في بناء مجتمع خالٍ من الفوضى والشتات وعدم الاستقرار، وتعزيز قدراتها في حفظ الأمن وخدمة المجتمع من خلال تدريب كوادر شرطية نسائية مؤهلة علمياً ومهنياً وأخلاقياً.
وفيما يتعلق بانتقادات البعض بسبب عملها وهي ترتدي النقاب، تؤكد شمة أن النقاب ليس حرية شخصية فحسب، وإنما معتقد ديني وأخلاقي ومجتمعي راسخ منذ آلاف السنين، حفظه الشرع والدستور والمفاهيم الإنسانية.
وتساءلت ما الخطأ في أن تكون إحدى أهم الشرائح الدينية والمجتمعية (وأكبرها) ممثلة في هذا التنوع الذي تسعى دولتنا الناشئة لترسيخه، ومن المتضرر من ضابط منقَّب تسعى لتدريب وتخريج كوادر تحرص على حفظ ماء وجه المرأة السورية وعدم المساس بعفتها، والتعامل معها بشكل حضاري وإنساني وواعي، مردفة: إلى متى ستبقى حالة نبذ البعض للآخر وسعيهم لفرض ٱرائهم أيا كانت، على الآخرين؟
وتؤكد أن الحجاب لم يكن عائقاً أمام عملها سابقاً ولا حالياً كأنثى، وخصوصاً في هذا المجال، كون عملها معظمه إدارياً، وكون المعهد كله نساء.
وفيما يتعلق بكيفية التوفيق بين واجباتها الأسرية ومهامها في مجال الشرطة، أشارت إلى أن الأمر هو توفيق من الله تعالى أولاً، بالإضافة إلى أنها تنظم وقتها وترتب أولوياتها وتستعين بدعم الأسرة والوسط المحيط، خاصة أنها انتقلت من أسرتها الصغيرة إلى أسرة أكبر من خلال تكليفها بالعمل في معهد الشرطة النسائية، الذي تعتبره أسرتها الكبيرة، وتسعى لممارسة مهامها فيه كأم وأخت ومعلمة على أكمل وجه.
يمثل افتتاح معهد الشرطة النسائية خطوة مهمة في مسار تطوير المؤسسات الأمنية في سوريا، إذ يسعى إلى إدماج الكوادر النسائية بشكل أوسع ضمن العمل الشرطي، وتزويدهن بالتأهيل العلمي والمهني اللازم للتعامل مع التحديات الأمنية والمجتمعية.
كما يعكس المعهد توجهاً مؤسسياً نحو تحديث منظومة التدريب الأمني، من خلال تطوير البرامج التعليمية وتوفير بيئة تدريبية متخصصة تتيح إعداد كوادر نسائية قادرة على العمل في مختلف مجالات الشرطة، بما في ذلك المهام الميدانية والعمل المجتمعي والتحقيقات والقضايا ذات الطابع الاجتماعي.
وفي ظل الإقبال الكبير على الانتساب، والتخطيط لإطلاق دورات تدريبية متعددة، يبدو أن المعهد مرشح ليكون إحدى الركائز الأساسية في بناء جيل جديد من الشرطيات المؤهلات، القادرات على الإسهام في تعزيز الأمن وخدمة المجتمع، ضمن منظومة أمنية تسعى إلى التحديث والتطوير ومواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.
٢٤ مارس ٢٠٢٦
شهدت سوريا مؤخراً وقوع جرائم قتل ارتكبتها نساء بحق أزواجهن بطرق مختلفة وصادمة، إذ قامت سيدة في مدينة الدانا بقتل زوجها ثم تقطيع جثته بوحشية، كما تداولت الصفحات حادثة أخرى لامرأة باعت مصاغها الذهبي واشترت سلاحاً استخدمته في إنهاء حياة زوجها.
وفي مدينة حلب، اتُّهمت فيها امرأة بوضع مادة سامة ومخدِّرة في طعام زوجها قبل أن تحقنه بجرعات من الأنسولين، ما أدى إلى دخوله في غيبوبة انتهت بوفاته، لتثير هذه الحوادث موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعبّر متابعون عن مخاوفهم من تكرار هذه الجرائم التي تندرج تحت إطار مظاهر العنف الأسري، مطالبين بتعزيز الوعي المجتمعي وتوفير حماية قانونية أكبر للضحايا، في حين تناولها آخرون بأسلوب ساخر عبر التعليقات والمنشورات، ما أثار انتقادات من قبل مستخدمين رأوا أن السخرية من هذه الجرائم تمثل استخفافًا بخطورتها، بينما أرجع آخرون هذه الوقائع إلى آثار الحرب والأزمات الاقتصادية والنفسية المتراكمة، إلى جانب قسوة الظروف المعيشية التي تعيشها شريحة واسعة من السكان.
يقول الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي، وباحث وكاتب في مجالي التربية وعلم النفس التربوي، إن هذه الجرائم لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها أخباراً جنائية معزولة، بل هي مؤشرات إنذار اجتماعي ونفسي تستدعي التوقف والتأمل، فهي تعكس، في بعض الحالات، وصول العلاقات الزوجية إلى حالة من الانسداد، حيث تتآكل أدوات الحوار، وتنهار وسائل الاحتواء، ويتحوّل الخلاف إلى صراع حاد.
ويضيف في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية أنه من الضروري التأكيد علمياً أن هذه الحالات لا تمثل ظاهرة عامة، ولا يجوز تعميمها على النساء أو على الأسرة السورية، لكنها تكشف عن خلل في بعض البيئات الأسرية يستوجب المعالجة، ويشير إلى أن الأسباب التي قد تؤدي إلى تنامي هذه الحالات مركبة ومتداخلة.
ويردف أنه يمكن إجمال الأسباب في عدة محاور، أولاً الإرهاق النفسي المزمن الناتج عن الحرب، والفقد، والنزوح، وعدم الاستقرار، مما يضعف القدرة على ضبط الانفعال، ثانياً الضغوط الاقتصادية الحادة التي تولّد توتراً دائماً داخل الأسرة، ثالثاً ضعف مهارات إدارة الخلاف، كغياب الحوار الصحي، وسوء التواصل، والعجز عن احتواء الغضب.
ورابعاً تطبيع العنف نتيجة التعرض المتكرر له في الواقع أو الإعلام، مما يجعله خياراً مطروحاً عند بعض الأفراد، أما من حيث الدلالات، ينوه كنعان أن هذه الحالات تشير إلى تراجع وظيفة الأسرة كسكن ورحمة، وضعف الضبط الانفعالي، ووجود خلل في المنظومة القيمية والتربوية.
ومن جانبه يؤكد مصعب محمد علي، أخصائي علم نفس وصحة نفسية، في حديث لـ شام، أن هذه الجرائم تعكس ببعض الأحيان وجود اضطرابات نفسية، لكن عادة لا يكون الموضوع بهذه البساطة، ففي بعض الحالات يرى اضطرابات واضحة، لكن في حالات كثيرة ما يرى هو إنسان وصل لمرحلة إنهاك نفسي شديد، مع غضب متراكم، وشعور بالعجز، دون أدوات للتفريغ أو الفهم،
بمعنى آخر: ليس كل عنف هو مرض، لكنه غالباً مؤشر على خلل نفسي أو ضغوط غير محتملة.
ويردف أن الأسباب التي قد تدفع لحدوث ذلك داخل الأسرة في السياق السوري اليوم يلعب دوراً كبيراً، لاسيما بسبب وجود ضغط اقتصادي قاسي، شعور بعدم الأمان، إلى جانب تجارب فقد وصدمات، وتغيّر كبير في أدوار الأسرة، إضافة إلى ضعف ثقافة الحوار داخل العلاقة، ووجود تراكمات قديمة لم تُحل، ويعلق في النهاية ما يحدث هو أن التوتر لا يُدار، بل يتراكم، ثم يخرج بطريقة مؤذية.
ويشدد أنه برأيه الضغوط والخلافات المتراكم هي العامل الأهم، فنادراً ما تحدث هذه النهايات بشكل مفاجئ تماماً، غالباً تكون نتيجة مسار طويل من التوتر غير المعالج، فعندما يعيش الإنسان تحت ضغط مستمر، دون مساحة للتفريغ أو الفهم، يصبح أقرب لفقدان السيطرة في لحظة ما.
وينوه إلى أن المؤشرات المبكرة لوجود خطر داخل العلاقة، هناك إشارات واضحة ترى قبل التصعيد، مثل تصاعد الخلافات بشكل متكرر، واستخدام كلمات جارحة، إلى جانب انسحاب أحد الطرفين عاطفياً، أو تحوّل الحوار إلى هجوم، كذلك وجود تهديد، أو شعور أحد الطرفين بأنه غير آمن داخل العلاقة.
وفيما يتعلق بتناول هذه الأحداث بسخرية أو مزاح، يشير كنعان إلى أن هذا النوع من السلوك مرفوض أخلاقياً ونفسياً، لأنه يساهم في تطبيع الجريمة وإضعاف التعاطف الإنساني، مردفاً أن السخرية من المأساة ليست خفة ظل، بل مؤشر على تراجع الحس الأخلاقي، وتحويل الألم الإنساني إلى مادة ترفيه، وهو أمر بالغ الخطورة على وعي المجتمع.
ويؤكد الدكتور عماد أن المعالجة الفاعلة لا تكون بردود فعل آنية، بل بمنظومة متكاملة، تتمثل بـ التدخل المبكر عند ظهور مؤشرات الخطر الأسري، وتوفير خدمات الإرشاد النفسي والأسري بشكل ميسر، بالإضافة إلى تفعيل التحكيم الأسري الرشيد، ونشر مهارات الحياة الزوجية (الحوار، إدارة الغضب، حل النزاعات)، إلى جانب تطبيق القانون بحزم عند وجود تهديد حقيقي، والحد من التعرض للمحتوى العنيف، عدا عن توحيد الخطاب التربوي والإعلامي الرافض للعنف.
ويوصي الأزواج والزوجات بضرورة عدم الانتظار حتى تتفاقم الأمور، فالعنف لا يبدأ بجريمة، بل يبدأ بتراكمات صغيرة: كلمة جارحة، احتقار، تهديد، أو صمت مؤذٍ، وعندما يتحول البيت من مكان أمان إلى مصدر خوف، فهذه إشارة تستدعي التدخل الفوري، داعياً إياهم للتذكر بأن الزواج في أصله: سكن ورحمة، لا ساحة صراع.
كما يقترح المختص مصعب محمد العلي نصائحاً للأزواج لتجنب الوصول لهذه المرحلة، منوهاً إلى أن أهم نقطة أن لا يتركوا الأمور تتراكم، وأن التعبير المبكر عن الانزعاج أفضل بكثير من الانفجار لاحقاً مضيفاً أهمية التعلم التفريق بين “أنا منزعج من سلوك” و”أنا أهاجمك كشخص”، وإذا شعر الطرفان أن الأمور خرجت عن السيطرة، فإن اللجوء لمختص يصبح ضرورة ملحة.
ويردف أن طبيعة المجتمع ماتزال في مرحلة يتأخر في طلب المساعدة، ويميل لتحمّل الضغط حتى اللحظة الأخيرة، مشيراً إلى أن نشر الوعي بأن الصحة النفسية جزء من الحياة اليومية، وأن طلب الدعم أمر طبيعي يمكن أن يمنع الكثير من هذه النهايات.
ويوجه المختص مصعب رسالة توعوية مؤكداً أن الخلاف داخل الأسرة ليس المشكلة، بل طريقة التعامل معه، منوهاً إلى أنه عندما يتحول الصمت إلى تراكم، والغضب إلى كبت، تصبح العلاقة بيئة خطرة بدل أن تكون مساحة أمان، ولفت إلى أن الوعي، والحوار، وطلب المساعدة في الوقت المناسب، ليست أمور ثانوية، بل هي ما يحمي الأسرة من الانهيار.
وتعيد هذه الحوادث تسليط الضوء على تصاعد بعض أشكال العنف داخل الأسرة في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها المجتمع السوري، وما يرافق ذلك من نقاشات واسعة حول أسبابه وسبل الحد منه، خاصة مع تكرار وقائع مشابهة خلال فترات متقاربة.
٢٣ مارس ٢٠٢٦
غيّرت التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي تفاصيل الحياة اليومية واهتمامات الناس، ولم تقتصر هذه التأثيرات على الكبار، بل امتدت إلى الأطفال، حيث تغيّرت وسائل التسلية واللعب بين الماضي والحاضر، فاصطدمت الألعاب التقليدية بألعاب رقمية تعتمد على التطبيقات، مما أثر على تفاعلهم ونشاطهم.
تنوعت الألعاب القديمة التي اعتمد عليها الأطفال سابقاً في سوريا، ولم يكن هدفها محصوراً بالترفيه فقط، إذ ساهمت في تنمية مهاراتهم الجسدية والعقلية والمعرفية والمواهب، فمثلاً لعبة كرة القدم في الحي وسباق الركض وغيرها من النشاطات الرياضية، عزّزت الحركة والتعاون والنشاط الجسدي، بينما ساعد نشاط الرسم على تطوير الموهبة والإبداع.
كما ساهمت لعبة تقليد الكبار في أنشطتهم اليومية في تأهيل الأطفال لحمل المسؤوليات مستقبلاً، بينما ساعد نشاط تركيب المكعبات أو مسابقات تشكيل الكلمات (مثل نبات يبدأ بحرف معين) على تنمية مهارات التفكير، وحل المشكلات، وتحفيز العقل لدى الأطفال، وغيرها من الأنشطة.
مع انتشار الأجهزة الذكية، بات الكثير من الأطفال السوريين يعتمدون بشكل شبه كامل على الألعاب الموجودة عليها، بحيث أصبح الهاتف جزءاً أساسياً من وقتهم اليومي، وقد أثر هذا الاعتماد بشكل سلبي، خاصة أن بعض الألعاب غير مناسبة لعمرهم، مثل ألعاب القتال والحروب والعنف.
كما أن هذا النوع من الألعاب لا يتطلب حركة جسدية أو تفكير الإبداعي أو حتى تحفيز للخيال، بل يقتصر دور الطفل غالباً على الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشة، مما يؤدي إلى إجهاد العينين، قلة النشاط البدني، وتأخر بعض مهارات التفكير والإبداع.
عادةً ما ينجذب الأطفال إلى ألعاب الهاتف أكثر من الألعاب التقليدية، لأنها مليئة بالألوان الزاهية، الأصوات الجذابة، والحركات المستمرة، ما يجعلها أكثر إثارة، كما أن الهاتف متاح دائماً ولا يحتاج إلى تحضير أو مساحة كبيرة للعب، ما يسهل على الطفل قضاء وقت طويل فيه دون مجهود.
إضافةً إلى ذلك، تمنح بعض التطبيقات والألعاب مكافآت سريعة مثل النقاط والمستويات أو الجوائز الافتراضية، مما يحفز الطفل على الاستمرار في اللعب لفترات أطول
تقول يسرى المحمد، 55 عاماً من ريف إدلب، إنها ربت أربعة أبناء، كان اثنان منهم طفولتهم خالية من الأجهزة الذكية، بينما كبر الاثنان الآخران في ظل وجودها، تضيف أن أبنائها في السابق كانوا يخرجون من المنزل بانتظام، وكان نشاطهم الجسدي جيداً وتواصلهم الاجتماعي فعالاً، ودائماً ما كانوا يبتكرون أفكاراً ومبادرات جديدة.
وتردف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن أولادها الذين تأثروا باستخدام الأجهزة الذكية يميلون غالباً إلى البقاء في غرفهم، ويظهر عليهم نوع من الكسل والخمول، ولا يتواصلون مع أقاربهم، ولا يتركون الهاتف إلا وقت النوم.
يشير مختصون إلى أن استخدام الأطفال للهواتف لساعات طويلة قد يؤدي إلى عدد من الآثار الصحية، أبرزها إجهاد العين الرقمية الناتج عن التحديق المستمر في الشاشة لفترات طويلة، وهو ما قد يسبب جفاف العينين والصداع وتشوش الرؤية.
كما أن قضاء وقت طويل أمام الهاتف يقلل من حركة الطفل ونشاطه البدني، ما قد يسهم في زيادة الوزن وظهور مشكلات صحية مرتبطة بقلة النشاط، كذلك، فإن استخدام الهاتف قبل النوم قد يؤثر في جودة النوم، إذ إن الضوء المنبعث من الشاشات يمكن أن يؤخر الشعور بالنعاس ويصعّب عملية النوم.
يؤكد خبراء أن الحلول التوعوية لا تقوم على منع الهاتف بشكل كامل، لأن ذلك غير واقعي، بل على تنظيم استخدامه وتوجيه الطفل نحو بدائل صحية، ومن أبرزها تحديد وقت واضح لاستخدام الهاتف وفق قواعد يومية، حتى لا يتحول إلى النشاط الرئيسي في حياة الطفل.
يشجع المختصون الأهل على توفير بدائل واقعية ممتعة مثل الألعاب الحركية والأنشطة الإبداعية التي تحقق الفائدة وتبقى بعيدة عن الآثار السلبية المحتملة، ويرون أن مشاركة الوالدين أبناءهم في اللعب والأنشطة اليومية تقلل من لجوء الطفل إلى الهاتف بدافع الملل أو الوحدة.
كما ينصحون بمراقبة نوعية الألعاب والتطبيقات التي يستخدمها الأطفال، ومساعدتهم في اختيار ما يتناسب مع أعمارهم والابتعاد عن الألعاب العنيفة أو المسببة للإدمان، ويؤكد الخبراء أن التوعية بالحوار، لا بالمنع، تعد من أكثر الأساليب فاعلية، إذ إن شرح الأضرار للطفل بطريقة مبسطة يجعله أكثر تقبلاً لتقليل استخدام الهاتف.
مع تقدم التكنولوجيا، تحول ميل الأطفال في سوريا من الألعاب التقليدية إلى الرقمية، مع أن بعضها قد يكون غير مناسب ويؤثر سلباً على صحة الطفل ونشاطه الجسدي، لذلك يصبح من الضروري أن يشارك الأهل في متابعة ومراقبة استخدام أبنائهم للأجهزة، لضمان توازن صحي بين التسلية الرقمية والنشاطات الواقعية.
٢٣ مارس ٢٠٢٦
لم تستسلم كثير من النساء السوريات لظروف النزوح القاسية والعيش في مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، بل سعين إلى تحسينها وجعلها أكثر ملاءمة للعيش، من خلال ترتيبها وتزيينها، في محاولة لإضفاء مظهر مريح يساعد على توفير قدر من الشعور بالأمان والاستقرار لأفراد الأسرة.
في مخيمات شمالي غربي سوريا، توجد خيام وكرفانات وغيرها من المساكن المؤقتة التي تلفت الانتباه بترتيب الأغراض داخلها بعناية وتزيينها بلمسات بسيطة، ما يعكس ذوق صاحباتها وأناقتهن رغم ظروف النزوح القاسية.
في هذا السياق، تقول ربى رزوق، نازحة مقيمة في مخيم ببلدة دير حسان بريف إدلب الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه خلال فترة النزوح اشترى زوجها منزلاً مسقوفاً بشادر، مكوناً من غرفة صغيرة مع مطبخ، وتلفت إلى أن الجميع كانوا يعتقدون أنه لا يمكن العيش فيها.
تضيف أنه قبل الانتقال إليها قام زوجها بدهان الجدران بينما نظفت هي المكان بعناية، وأضافت لمساتها الخاصة بشراء ملصقات على شكل قلوب ملونة ووضعها على الجدران، وتركيب رفوف خشبية وضعت عليها مصحفاً ومزهرية، وتغطية الشباك بستارة بيضاء مع خيوط مذهبة، وفي كل زاوية وضعت باقة ورد اصطناعية تربط بينها بخيوط زينة، مؤكدة أنه بعد الانتهاء من ترتيب المكان لم يصدق أحد أنه نفس المنزل.
عادة ما تتوجه النساء لشراء أدوات التنظيف ومستلزمات الزينة والورود الاصطناعية والإكسسوارات بجميع أنواعها من الأسواق الشعبية التي تقام أسبوعيًا في المخيمات، حيث تعرض البسطات مجموعة واسعة من البضائع بأسعار مناسبة، لتتمكن من تجهيز مساكنهن المؤقتة وترتيبها بشكل لائق.
لم تقتصر جهود النساء على ترتيب وتزيين المساكن المؤقتة، بل امتدت لتشمل زراعة نباتات متنوعة حولها لإضفاء جمالية وحيوية أكبر، مثل الحبق والياسمين والورد الجوري والقرنفل وعطر الليل وغيرها، التي تضيف رائحة عطرية منعشة تساعد على تحسين المزاج وتخفيف شعور التوتر.
كما تتجاوز فائدة هذه المزروعات الشكل والجمال، فهي تساعد على تحسين جودة الهواء وإضفاء شعور بالانتعاش، كما تعمل رائحتها الطبيعية على تهدئة الأعصاب، ما يجعل البيئة المحيطة أكثر راحة وملاءمة للحياة اليومية.
ويشير هذا السلوك إلى دوافع عدة، أبرزها شغف النساء بالنظافة والتنسيق، ورغبتهن في الحفاظ على صورة العائلة أمام الضيوف، وإدراكهن أن المكان المرتب يعزز الشعور بالراحة النفسية، إضافة إلى السعي لتوفير شعور بالاستقرار والأمان لأفراد الأسرة، كما أن هذه الممارسات تساهم في ترسيخ القيم الاجتماعية التي تربط بين نظافة المنزل وشخصية ربة المنزل.
ويعكس ترتيب المساكن المؤقتة آثاراً إيجابية واسعة، حيث يقلل من شعور التوتر وتحسين المزاج العام للأسرة، كما تمنح الأطفال إحساساً أكبر بالاستقرار النفسي، إلى جانب نشر سلوكيات إيجابية في الأوساط المحيطة، إذ تشكّل النساء في كثير من الأحيان نموذجاً يُحتذى به، ما يدفع عائلات أخرى إلى الاهتمام بترتيب خيامها وتحسينها، ويخلق أحياناً نوعاً من المنافسة الإيجابية التي تدفع الجميع إلى الحفاظ على نظافة مساكنهم ومظهرها أمام الجيران والزوار.
يؤكد أخصائيون أن هذه الممارسات تندرج ضمن الأساليب التي يعتمدها النازحون لتحسين نوعية حياتهم النفسية والاجتماعية داخل المخيمات، إذ تُظهر أبحاث في علم النفس الاجتماعي أن محاولة ترتيب وتحسين البيئة المحيطة، حتى وإن كانت خيمة أو كرفاناً، تُعد من أشكال التكيف مع النزوح والصدمات، لأنها تمنح الفرد إحساساً بالسيطرة على جزء من حياته وتساعد في الحد من التوتر المزمن.
وتحمل هذه المبادرات دلالات رمزية عدة، أبرزها قدرة النساء السوريات على مواجهة الظروف القاسية والتكيف مع الواقع والموارد المتاحة دون الاستسلام، إلى جانب حرصهن على رعاية أسرهن والسعي إلى توفير أجواء من الاستقرار داخل المساكن المؤقتة.
وتسهم هذه الجهود في خلق بيئة نظيفة ومريحة بصرياً تنعكس إيجاباً على مزاج أفراد الأسرة وتمنحهم شعوراً أكبر بالراحة والطمأنينة، كما تعكس في الوقت ذاته ارتباط الترتيب والأناقة بالهوية الشخصية والثقافة الاجتماعية، وهو سلوك يستمر حتى مع تراجع الإمكانيات إلى الحد الأدنى.
٢٣ مارس ٢٠٢٦
يواجه المعلم عادة طلاباً ضعيفي المستوى في مادة ما أو في عدة مواد، فتكون مشاركتهم محدودة وعلاماتهم منخفضة، ما يؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي، فيلجأ إلى استراتيجيات تعليمية تهدف إلى معرفة سبب هذا الضعف ومعالجته بالطريقة المناسبة لضمان دعم تحسن مستواهم العلمي.
يعود تدني تحصيل الطلاب في مادة ما أو أكثر إلى عدة عوامل، منها ما قد يتعلق بالمعلم نفسه وطريقة تدريسه أو بأسلوب تعامله مع الطلاب، وربما يكون السبب مرتبط بالمادة الدراسية، وفي أحيان أخرى بمدى اهتمام الطالب في دراسته ورغبته في التحسن والحصول على علامات أفضل.
في هذا السياق، يقول ساري الرحمون، أمين سر في مدرسة ثانوية تلمنس للبنين في حديثه لشبكة شام الإخبارية، إن عدداً من الطلاب يعانون من ضعف في مواد معينة، وبعضهم في أكثر من مادة، لأسباب متعددة، أبرزها ظروف الحرب وانقطاع بعض الطلاب عن الدراسة لفترات متقطعة قد تطول أحياناً، بالإضافة إلى دراسة قسم منهم في دول غير عربية مثل تركيا ودول أوروبية، ما أثر سلباً بشكل كبير على تحصيلهم في مادة اللغة العربية على وجه الخصوص.
ويضيف، أن ميول الطالب نحو مادة معينة أكثر من غيرها تلعب دوراً في تحصيله إلى جانب قلة متابعة بعض الأهالي لأبنائهم دراسياً، وضعف أداء بعض المدرسين في مواد محددة ما ينعكس بشكل سلبي على الطلاب، مؤكداً أن هذه العوامل وغيرها أسهمت في تدني مستوى بعض الطلاب.
تروي ريهام، طالبة في الصف الثامن، لـ شام تجربة وصفتها بالقاسية حصلت معها ذات مرة في المدرسة، مشيرة إلى أن مدرس مادة الجغرافيا كان عصبياً وأسلوبه في تقديم الدروس يفتقر إلى الحيوية، مشيرة إلى أنه أحرجها ذات مرة أمام زملائها بسبب سؤال طرحته حول درس معين، واصفاً إياه بالسخيف، مما جعلها تمتنع عن طرح أي أسئلة لاحقاً، وتلجأ إلى الإنترنت أو زملائها للحصول على الإجابات، كما توقفت عن المشاركة في الحصص وتجنب الحديث مع المعلم.
غالباً ما يفضي ضعف الطلاب في المواد الدراسية إلى سلسلة من التأثيرات السلبية، أبرزها تراجع التحصيل الأكاديمي العام وانخفاض المعدل، إلى جانب شعور الطالب بالإحباط وتراجع ثقته بنفسه، ما ينعكس على سلوكه ومشاركته في الصف، حيث يصبح أقل نشاطاً خلال الحصص مقارنة ببقية زملائه، ويضطر المعلم في المقابل إلى تخصيص وقت إضافي واتباع استراتيجيات تعليمية لدعم هؤلاء الطلاب وتحسين أدائهم.
وفي إطار الحلول، يقترح الرحمون مجموعة من الاستراتيجيات للتعامل مع هذه الحالات، تشمل تفعيل حصص التعليم التعويضي للطلاب الذين أظهر سبرهم للمواد الأساسية حاجة إلى دعم، لتعويض النقص والضعف لديهم، إلى جانب إنشاء مراكز تعليمية خاصة بالطلاب العائدين من خارج سوريا، تقدم لهم دروساً مركزة تسد الفجوات وتساعدهم على اللحاق بمستوى زملائهم.
ويؤكد أيضاً على أهمية دعم المدارس باللوجستيات والوسائل التعليمية المناسبة، لما لذلك من أثر في تعزيز قدرة المعلم على الشرح وزيادة فهم الطلاب للمادة، منوّهاً إلى ضرورة أن تكون الاختبارات ضمن المنهاج، مع توصية إدارة المدرسة للمدرسين بمراعاة وضع هؤلاء الطلاب وتطبيق سلم تصحيح درجات مرن يتناسب مع احتياجاتهم.
ووجه الرحمون نصيحة لأهالي الطلاب بالتركيز على مواد الضعف من خلال تعليم أبنائهم في المنزل ومتابعة واجباتهم والتعاون مع المعلم، مشيراً إلى أن الأسر القادرة مادياً يمكنها توفير دروس خاصة لأبنائها أو الالتحاق بدورات تعليمية لتعويض النقص وتحسين مستواهم.
تؤكد منار زيدان، أم لثلاثة أطفال في مدينة الدانا بريف إدلب الشمالي، في حديثها لـ«شام»، أن تعامل المعلم مع الطلاب يكون غالباً سبباً في تعلق الطالب بالمادة أو نفوره منها، فالمعاملة اللطيفة تشجعهم على الاهتمام والمشاركة، والعكس صحيح.
وتوضح أن ابنتها تميل إلى مادة اللغة العربية أكثر من غيرها، نظراً لحرص المعلمة على التعامل مع التلاميذ وكأنهم أبنائها، ما يجعل الابنة تنتبه لترتيب دفترها، والالتزام بواجباتها، والسعي للحصول على العلامة الكاملة، مع المحافظة على هدوئها خلال الدرس.
ويشير أخصائيون نفسيون إلى أن انجذاب الطلاب أو نفورهم من مادة معينة غالباً ما يرتبط بعلاقة الطالب بالمعلم وطبيعة بيئة الصف، موضحين أن المعاملة الإيجابية والتشجيع المستمر يعززان الدافعية والتحصيل الدراسي، بينما يؤدي الأسلوب القاسي أو الإهمال إلى انخفاض التركيز وتراجع الثقة بالنفس وظهور مشاعر الإحباط والفشل، ويؤكدوا أن إدراك المعلم لأسباب ضعفش الطلاب والعمل على تقديم الدعم المناسب يسهم بشكل كبير في تحسين مستوى الأداء والتحصيل العام.
يعد ضعف الطلاب في مادة دراسية أو أكثر أحد التحديات البارزة التي يتعرض لها المعلم خلال مسيرته المهنية في مجال التعليم، إذ يؤثر على المستوى العام للطالب ويدفع المعلم للبحث عن أساليب واستراتيجيات فعالة تعزز فهم الطالب وتعالج قصوره تضمن تقدمه الدراسي.
٢٣ مارس ٢٠٢٦
يتميّز المجتمع السوري بتمسكه بعادات اجتماعية راسخة ترتبط بالمناسبات المختلفة، إذ تهدف هذه التقاليد إلى تنظيم شؤون الحياة اليومية وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع، إلى جانب إبراز هوية ثقافية واجتماعية متجذّرة في الوعي الجمعي.
وشهدت الفترة الأخيرة تزامن ثلاث مناسبات متقاربة في سوريا، تمثلت في عيد المعلم، تلاه عيد الفطر بما يحمله من طقوس وزيارات، ثم عيد الأم، حيث تحمل كل مناسبة التزاماتها الخاصة على المستويين المادي والمعنوي.
خلال عيد المعلم، اعتادت العديد من العائلات تقديم هدايا لمعلمي أبنائها تعبيراً عن الامتنان لدورهم في تعليم الأطفال ورعايتهم، إلا أن هذه العادة قد تشكل تحدياً للأهالي، خاصة في حال وجود أكثر من مدرس لكل طفل، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، في المقابل، يرى كثير من المعلمين أن أفضل تقدير يمكن أن يُقدَّم لهم يتمثل في تحسن مستوى الطلاب واهتمامهم بدروسهم، دون الحاجة إلى هدايا مادية.
وينطبق الأمر ذاته على عيد الأم، حيث يتوقع من الأبناء زيارة والداتهم وتقديم الهدايا لهن، إضافة إلى تكريم الحماة أو الأمهات الأخريات في العائلة، وهو ما قد يضع بعض الأشخاص أمام أعباء مالية إضافية، خصوصاً عندما يصعب عليهم شراء هدايا للجميع، ما قد يعرّضهم أحياناً لانتقادات أو عتب من بعض أفراد الأسرة، رغم تفهم آخرين لظروفهم.
أما عيد الفطر، فيرتبط بدوره بسلسلة من الطقوس الاجتماعية، أبرزها الزيارات العائلية وتبادل التهاني، وهي ممارسات تعزز الترابط الأسري، لكنها قد تصبح مرهقة في حال تباعد المسافات أو وجود التزامات عملية أو صحية تحول دون الالتزام بها، ما قد يعرّض الشخص للعتب ببعض الأحيان رغم إدراك المحيطين به لظروفه.
ولا تقتصر التزامات العيد على الزيارات فحسب، بل تشمل أيضاً تقديم "العيديات" للأطفال وأفراد الأسرة، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على من يعانون من ضائقة مالية، وقد يؤدي عدم القدرة على الالتزام بهذه العادة إلى شعور بالحرج أو التقصير.
وأدى تتابع هذه المناسبات في فترة زمنية قصيرة إلى زيادة الضغوط النفسية والمادية على بعض الأسر، إذ يشعر كثيرون بضرورة الاحتفال بكل مناسبة وتأدية ما يرتبط بها من التزامات اجتماعية، حتى وإن تجاوزت إمكاناتهم.
في المقابل، يلجأ بعض الأشخاص إلى حلول بديلة للتعامل مع هذه المناسبات دون تحميل أنفسهم أعباء تفوق قدراتهم، مثل اختيار هدايا بسيطة ذات طابع رمزي، أو الاكتفاء بالمبادرات المعنوية التي تعبّر عن التقدير والمحبة دون تكلفة مالية مرتفعة.
كما يعتمد البعض على وسائل الاتصال الهاتفي للاعتذار عن عدم القدرة على الزيارات خلال عيد الفطر، مع شرح الأسباب، وهو ما يساعد في كثير من الأحيان على تفادي الحرج والحفاظ على العلاقات العائلية.
تقول رنا المحمد، وهي مدرسة تاريخ، إنها كثيراً ما تتلقى في عيد المعلم هدايا متنوعة من طلابها، بعضها بسيط في شكله لكنه يحمل قيمة معنوية كبيرة، مثل باقة ورد من حديقة المنزل أو رسالة مكتوبة بكلمات صادقة وبطاقة شكر تعبّر عن امتنان حقيقي لجهودها.
وتضيف في حديثها لـ«شام» أنها تقدّر كذلك دعوات الأهالي لها وتحسن مستوى طلابها، معتبرة أن هذه المؤشرات تمثل بالنسبة لها أفضل أشكال التكريم، إلى جانب الاتصالات أو الزيارات الودية التي يقوم بها بعض الأهالي إلى المدرسة أو منزلها لشكرها بشكل مباشر.
من جهتها، تؤكد خالدية العلي (55 عاماً)، وهي أم لخمسة أبناء، تقيم في مدينة معرة مصرين بريف إدلب، أنها لا تعير اهتماماً كبيراً للهدايا في عيد الأم، مشيرة إلى أن أكثر ما يسعدها هو الاطمئنان على أبنائها ورؤيتهم مستقرين في حياتهم، مضيفة أن زيارة أو مكالمة هاتفية منهم كافية لإدخال السرور إلى قلبها في أي وقت من العام، وليس في هذه المناسبة فقط.
ويرى مختصون نفسيون أن الضغوط المرتبطة بالعادات الاجتماعية تزداد عندما يشعر الفرد بأنه ملزم بالالتزام بها حتى في حال عدم قدرته على ذلك، ما قد ينعكس في شكل توتر أو شعور بالذنب، ويشيرون إلى أن تعزيز ثقافة تفهّم الظروف الشخصية داخل الأسرة والمجتمع يمكن أن يسهم في تخفيف هذه الضغوط، ويساعد الأفراد على المشاركة في المناسبات بما يتناسب مع إمكاناتهم دون إحراج.
وتظهر هذه الوقائع أن العادات الاجتماعية، رغم دورها في تعزيز الروابط بين الأفراد، قد تتحول في بعض الأحيان إلى التزامات مرهقة، خاصة مع تتابع المناسبات في فترات متقاربة، ما يدفع بعض الأسر إلى البحث عن أساليب أكثر مرونة للتعبير عن التقدير والمحبة بما ينسجم مع ظروفهم الشخصية واقعهم المعيشي.
٢٢ مارس ٢٠٢٦
تركت التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي أثراً واضحاً في تفاصيل الحياة اليومية في سوريا، ولم يقتصر تأثيرها على مجالات العمل والتواصل فحسب، بل امتدّ ليشمل المناسبات الاجتماعية والدينية، ومنها عيد الفطر، حيث أثرت في طرق استقباله وإحياء طقوسه، وجعلت الاتصال بين الأهل والأصدقاء أسرع وأكثر تنوعاً عبر الوسائط الرقمية.
وفي هذا السياق، تضجّ الهواتف المحمولة خلال أيام العيد بسيل من رسائل التهنئة، بين تسجيلات صوتية وعبارات مكتوبة وصور ومقاطع فيديو للمعايدات، إلى حدٍّ قد يعجز معه البعض عن الرد على جميعها في وقت واحد، لتصبح هذه الوسائل الرقمية أبرز طرق التهاني خلال العيد، مقدّمة ببعض الحالات بديلاً افتراضياً للقاءات المباشرة التي اعتاد عليها السوريون لعقود.
طقوس العيد قديماً
ويبرز هذا التحول الفارق بين ممارسات العيد قديماً وحديثاً، إذ ارتبطت الأعياد في سوريا بطقوس اجتماعية تقليدية قائمة على اللقاءات المباشرة وتبادل التهاني وجهاً لوجه، حيث تبقى البيوت مفتوحة طوال النهار لاستقبال وتوديع وفود من الأقارب والجيران والضيوف، في مشهد يعكس دفء الترابط الاجتماعي وروح المشاركة التي شكلت جزءاً أساسياً من عادات العيد.
تقول مريم العمر، سيدة ستينية تقيم في إدلب، إنها في كل عيد تتذكر الطقوس القديمة، عندما كانت الزيارات تبدأ في الصباح الباكر مباشرة بعد صلاة العيد، وتلتقي العائلات بعضها ببعض لتبادل التهاني ومشاركة فرحة العيد، وتقدّم الأمهات لهم أنواعاً مختلفة من الأطعمة الشعبية والحلويات.
وتضيف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن المعايدات على الهاتف، رغم سرعتها وسهولة إرسالها، لا تحمل الدفء الذي تمنحه اللقاءات المباشرة، ولا تنقل شعور الفرحة ذاته، كما تفتقر إلى التفاعل الشخصي والعمق العاطفي الذي كان يميز الاحتفال التقليدي.
لكن ذلك لا يعني أن اللقاءات المباشرة والزيارات المتبادلة قد ألغيت تماماً، خاصة أن كثير من السوريين ما يزالون يحافظون عليها ويعلّمونها لأبنائهم كعادة اجتماعية متوارثة تعزز صلة الرحم وتوطد الروابط بين الأفراد، عدا عن كونها تعتبر نوع من أنواع البر.
كيف جعلت التكنولوجيا الاحتفال بالعيد أقرب رغم البعد؟
في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الإيجابي الذي قدمته التكنولوجيا للسوريين خلال مناسبات الأعياد، فهناك من يواجهون ظروفاً تمنعهم من إجراء الزيارات العائلية، مثل المقيمين في مدن بعيدة أو الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية، أو من لديهم انشغالات أخرى لا يمكن تأجيلها، ما جعل تطبيقات التواصل وسيلة أساسية لإرسال التهاني والشعور بالمشاركة في أجواء العيد رغم بعد المسافة.
يرى جمال الفياض، مقيم في إحدى مخيمات ريف إدلب الشمالي، أن التطبيقات الرقمية أصبحت بديلاً عملياً للقاءات المباشرة التي تتطلب أجور نقل وجهد سفر، خاصة عندما يكون الشخص مقيمًا في منطقة بعيدة عن عائلته وأقاربه.
ويضيف في حديث لـ شام أن الأمر يزداد صعوبة إذا كان متزوجاً ولديه أسرة ويجب اصطحابهم معه، ما يزيد التكاليف ويجعل التنقل أكثر مشقة، وهو ما دفعه إلى الاكتفاء بإرسال رسالة عبر الموبايل، مشيراً إلى أن أهله في القرية بريف إدلب الجنوبي يتفهمون وضعه ولا يلومونه على ذلك.
منصات التواصل الرقمي ملاذ السوريين في الغربة
في الوقت ذاته، شكّلت منصات التواصل الاجتماعي ملاذاً للسوريين، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي شهدتها البلاد خلال سنوات الثورة، بما في ذلك النزوح والسفر إلى دول أخرى وتشتت العائلات، حيث أصبحت هذه التطبيقات وسيلة أساسية للتواصل مع الأحبة البعيدين وإشعارهم بحضورهم في أجواء العيد رغم بعد المسافة وصعوبة اللقاء المباشر.
يقول إسماعيل جابر، سوري مغترب في ألمانيا، في حديثه مع شبكة شام الإخبارية، إنه في أول يوم من العيد يتصل بوالديه عبر محادثة عبر واتساب، حيث لا يستطيعان كبح دموعهما عند الحديث معه، ما يترك داخله أثراً نفسياً عميقاً، ويتبادل معهم الحديث حول تحضيرات العيد والضيوف وكل التفاصيل اليومية، ليشعر وكأنه يشارك أجواء العيد معهم رغم بعد المسافة.
ويضيف إسماعيل أنه يرد أيضاً على اتصالات أشقائه وشقيقاته ليشاركهم تفاصيل يوم العيد، مؤكداً أن لولا تطبيقات التواصل لمرّ العيد بطريقة أقسى، وكانت الضغوط النفسية على أهله أشدّ، ما يبرز الدور الكبير لهذه التطبيقات في الحفاظ على الروابط الأسرية وإشعار الجميع بحضور العيد.
وسائل التواصل الرقمي لا تحل محل اللقاءات المباشرة
يؤكد الأشخاص الذين التقت بهم شبكة شام الإخبارية أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تغني عن الزيارات العائلية المباشرة، التي تشكل الأساس في الاحتفال بالعيد، إلا أن البعض يضطر إلى الاعتماد عليها كوسيلة لمعايدة الآخرين وتهنئتهم بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية وبعد المسافة، أو أي ظروف أخرى تمنع اللقاء المباشر، ما يجعل هذه الوسائل الرقمية جزءاً مهماً من الاحتفال في غياب القدرة على التواصل وجهاً لوجه.
ويشير المختصون إلى أن اللقاءات المباشرة خلال العيد توفر تفاعلاً عاطفياً فورياً وإمكانية ملاحظة تعابير الوجه ولغة الجسد، كما تعزز الروابط الأسرية والاجتماعية، وتعمل على نقل قيم الترابط الأسري واحترام العادات والتقاليد للأجيال القادمة، مما يمنح الفرحة المشتركة صدقاً ودفئاً لا توفره الرسائل النصية أو مكالمات الفيديو.
بين اللقاءات المباشرة ورسائل الهواتف، يظل عيد الفطر في سوريا مناسبة تجمع بين التقاليد الاجتماعية المتوارثة والابتكار الرقمي، لتعكس قدرة السوريين على الحفاظ على الروابط الأسرية وفرحة العيد رغم بعد المسافات والتحديات.
٢٢ مارس ٢٠٢٦
خلال عيد الفطر، تتغير العادات الغذائية لدى كثير من الأشخاص بشكل مفاجئ، إذ ينتقل الطعام من نظام الصيام المنظم إلى أجواء مليئة بالزيارات والولائم والحلويات، ما يضع الجسم أمام تحدٍ سريع للتكيف مع كميات وأنواع متعددة من الطعام خلال فترة قصيرة.
وفي سوريا، يرتبط العيد ارتباطاً وثيقاً بالزيارات العائلية، حيث يُستقبل الضيوف بالقهوة والحلويات المعدّة خصيصاً للمناسبة مثل الكعك والمعمول وغيرها، ومع كثرة الزيارات يواجه الشخص صعوبة في التحكم بكميات الطعام والحلويات، ما قد يؤدي إلى اضطرابات صحية بعد فترة الصيام الطويلة التي سبقت العيد.
أسباب الإفراط في الطعام خلال العيد
وتعود أسباب عدم الالتزام بالتوازن الغذائي غالباً إلى قلة إدراك أهمية التدرج بعد شهر من الصيام، إذ اعتاد الجسم على نمط محدد من الطعام خلال السحور والإفطار، وفي الوقت ذاته يميل البعض إلى مكافأة أنفسهم بعد فترة الصيام، أو يجدون صعوبة في مقاومة الإغراءات العديدة من الحلويات والأطعمة المتنوعة، ما يجعل الإفراط في الطعام أمراً شائعاً خلال زيارات العيد.
كما أن رفض الضيافة عند زيارة أحد المنازل يعد أمراً غير مستحب وفق العادات والتقاليد السورية، فقد يعتبره أهل البيت تقليلاً من جهودهم أو نوعاً من البخل، ما يضع الزائر في موقف محرج ويزيد من صعوبة التحكم في كميات الطعام المستهلكة.
المخاطر الصحية المرتبطة بالإفراط الغذائي
ويؤكد الأطباء أن الإفراط في تناول الحلويات والأطعمة الدسمة خلال العيد قد يؤدي إلى اضطرابات في الجهاز الهضمي، وارتفاع مستويات السكر في الدم، إضافة إلى شعور بالإرهاق وزيادة مؤقتة في الوزن، كما قد تتفاقم بعض الحالات المزمنة مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم لدى المصابين بها.
ويشيرون إلى أن التغيير المفاجئ في النمط الغذائي بعد شهر الصيام غالباً ما يسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي مثل الإمساك، الانتفاخ، المغص، الإسهال المزمن، وأحياناً تشنجات البطن، ما يعكس حاجة الجسم للتدرج في العودة إلى النظام الغذائي المعتاد.
نصائح الأطباء لتجنب "متلازمة العيد المعوية"
ولتجنب تلك المشكلات، ينصح الأطباء بتجنب الولائم الكبيرة قدر الإمكان، أو في حال حضورها تناول الطعام بطريقة معتدلة، إلى جانب الحد من الحلويات والسكريات، خصوصاً لدى مرضى السكري، والتدرج في مواعيد الوجبات وصولاً إلى النظام اليومي الجديد، مع تجنب الإفراط في شرب القهوة أو التدخين.
وأظهرت دراسة نُشرت عام 2020 في «مجلة التغذية والأيض» (Journal of Nutrition and Metabolism) أن تناول كميات كبيرة فجأة من الكربوهيدرات المكررة والدهون بعد انتهاء فترة الصيام قد يؤدي إلى تقلبات حادة في مستويات السكر بالدم واستجابة الإنسولين، ما يترتب عليه شعور بالخمول والتخمة، وفي بعض الحالات قد ينتج عن ذلك ما يُعرف باسم "متلازمة العيد المعوية".
فرحة الأطفال بالعيد مرتبطة بالحلوى
ويُعد الأطفال من بين الفئات الأكثر تأثراً خلال العيد، إذ ترتبط المناسبة لديهم بالحلويات والسكريات كجزء من الفرح والمتعة، ما يدفعهم إلى الإفراط في تناولها، ما قد يؤدي إلى إصابتهم اضطرابات معوية ونوبات من فرط الحركة يعقبها خمول مفاجئ، إضافة إلى تأثيرات محتملة على النوم والمزاج، ما يستدعي متابعة الأهالي لتوجيه أطفالهم نحو الاعتدال.
كبار السن بين العادات الغذائية والإرهاق الاحتفالي
وفي المقابل، يكون كبار السن أكثر عرضة للجفاف واضطراب توازن الأملاح في الجسم عند الانتقال من نمط الصيام إلى أجواء العيد المليئة بالزيارات والنشاط، وفق دراسة نُشرت عام 2021 في «Journal of Geriatric Medicine»، لذلك يُوصى بمتابعة مستويات السكر وضغط الدم لديهم بانتظام، مع منحهم فترات راحة كافية بين الزيارات لتفادي الإرهاق المرتبط بكثافة الأنشطة الاحتفالية.
إرشادات التغذية المتوازنة خلال العيد
وينصح أخصائيو التغذية بالتحكم في كمية النشويات والدهون المستهلكة خلال أيام العيد، وزيادة تناول مصادر الألياف مثل السلطات والخضروات، وجعل الوجبات غنية بالبروتين مع تقليل النشويات مثل الخبز والمعكرونة والبطاطا، إلى جانب الحد من الحلويات والكيك واستبدال بعضها بالفواكه الطازجة، مع التقليل قدر الإمكان من المشروبات الغازية والسكر اليومي، وعدم الإفراط في القهوة.
ويبقى العيد مناسبة تجمع بين الفرح والاحتفال بالعلاقات الأسرية والاجتماعية، لكن الإفراط في الطعام قد يفرض تحديات صحية تحتاج إلى وعي وتوازن، ومع مراعاة التدرج في النظام الغذائي والاعتدال في الوجبات والاختيار الذكي بين الأطعمة، يمكن الاستمتاع بالعيد مع الحفاظ على الصحة، ليصبح الاحتفال متكاملاً بين التقاليد والعادات الصحية.
٢١ مارس ٢٠٢٦
يحتفل العالم في الحادي والعشرين من مارس من كل عام بيوم الأم، وهي مناسبة عالمية خُصصت لتكريم الأمهات وتسليط الضوء على دورهن في الأسرة والمجتمع، والتعبير عن الامتنان لما يقدمنه من رعاية وتضحيات في تربية الأبناء وبناء الأجيال.
وظهرت فكرة تخصيص مناسبة للأم في المجتمعات الغربية بعد أن لاحظ المفكرون أن الأبناء في بعض هذه المجتمعات لا يولون أمهاتهم الرعاية والاهتمام الكافي، فكانت الغاية من هذه المناسبة تذكير الأبناء بأهمية الأم ودورها في حياتهم.
ومع مرور الوقت، توسعت رقعة الاحتفال بالمناسبة لتشمل مزيداً من الدول والمدن حول العالم، وغالباً ما يُقام الاحتفال بها في شهر مارس من كل عام، إلا أن موعد الاحتفال بهذا العيد يختلف من دولة إلى أخرى، ففي العالم العربي يصادف يوم 21 مارس، بينما تحتفل النرويج به في 2 فبراير، والأرجنتين في 3 أكتوبر، وجنوب إفريقيا في الأول من مايو، وفي الولايات المتحدة وألمانيا في الأحد الثاني من مايو، أما في إندونيسيا فكان الاحتفال في 22 ديسمبر.
وأقيم أول احتفال رسمي بعيد الأم عام 1908 في الولايات المتحدة عندما نظمت آنا جارفيس، ناشطة أميركية وُلدت عام 1864، ذكرى لوالدتها، لتبدأ حملة تهدف إلى جعل عيد الأم مناسبة معترفاً بها رسمياً، بعد أن كانت والدتها دائماً تقول: "في وقت ما، وفي مكان ما، سينادي شخص ما بفكرة الاحتفال بعيد الأم.
في سوريا، تكتسب مناسبة عيد الأم أهمية خاصة، إذ تتحمل الأم مسؤوليات واسعة تشمل رعاية الأبناء وتربيتهم وتعليمهم والاعتناء بشؤون المنزل، وتستمر في أداء هذا الدور حتى مع تقدّمها في العمر وتراجع صحتها أحياناً، محافظة على حضورها ودعمها لأبنائها وأفراد عائلتها حتى آخر مراحل حياتها.
إلا أن الظروف القاسية التي شهدتها البلاد أظهرت أن الأم لم تعد ركيزة أساسية في الأسرة فحسب، بل أصبحت شاهدة على سنوات من التحولات التي فرضت عليها أدواراً ومسؤوليات مضاعفة، فلم تعد التحديات التي تواجهها تقتصر على الحمل وآلام الولادة أو أعباء الأبناء والمنزل، بل أضيفت إليها أعباء أشد قسوة فرضتها الأوضاع الاستثنائية، ما جعل حياتها اليومية أكثر صعوبة وتعقيداً على المستويين الجسدي والنفسي.
ففي ظل القصف المتواصل، اضطرت الأمهات إلى أداء واجباتهن وسط الخوف والرعب، فكن يحاولن حماية أبنائهن وتأمين سلامتهم، إضافة إلى توفير الطعام والمأوى ورعاية الأسرة وتهدئة الخوف والرعب الذي يسيطر على الأطفال، ما أثقل كاهلهن جسدياً ونفسياً وجعل حياتهن اليومية مليئة بالتحديات المستمرة.
كما عانت آلاف الأمهات من تبعات النزوح، حيث أقامت العديد منهن في مخيمات أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستقرار والأمان، واضطرت أخريات للهجرة خارج البلاد، متحملات تبعات التشرد والبعد عن منازلهن وأحبتهن.
ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ تجرعت العديد من النساء مرارة فقدان أبنائهن، سواء نتيجة استشهادهم في المعارك، أو اعتقالهم قسراً على يد قوات النظام البائد، أو فقدان البعض أثناء محاولات اللجوء والهجرة، تاركين فراغاً نفسياً وألماً عميقاً في حياتهن.
كما اصطدمت أمهات كثيرات بتبعات الاختفاء القسري، إذ لا يزال آلاف الأبناء مجهولي المصير حتى اليوم، ولا يُعرف ما إذا كانوا أحياءً أو قضوا، ولا مكان دفنهم في حال وفاتهم، مما أثقل كاهلهن وزاد شعورهن بالقلق المستمر، ليصبح ألم فقدان الأبناء حاضراً دائماً في حياتهن.
ولا تقتصر التحديات التي واجهت الأمهات السوريات خلال سنوات الثورة على هذه الحالات، بل تشمل عقبات متعددة لا يمكن حصرها أو عدها، تراوحت بين الضغوط المعيشية والفقدان بأنواعه والخوف والدمار وغيرها.
مع حلول عيد الأم، يبرز الحديث عن دور الأم السورية التي تحملت مسؤوليات مضاعفة وصعوبات كبيرة خلال سنوات الثورة، مؤكدة صمودها وتضحياتها اليومية في رعاية أبنائها والحفاظ على تماسك الأسرة وسط تحديات النزوح، فقدان الأحبة، وغيرها من الظروف القاسية الأخرى.
=========
٢١ مارس ٢٠٢٦
يصادف السبت اليوم، 21 ٱذار/مارس، عيد النوروز، أحد أهم المناسبات الاجتماعية والثقافية لدى الشعب الكردي، التي تمثل رمزاً للحياة والتعايش والتكافل الاجتماعي، ويُعد جزءاً أصيلاً من التراث الكردي، ومن مظاهر التنوع الثقافي الذي يثري المجتمع السوري ويمنحه مزيداً من الجمال والغنى.
ويُعتبر هذا العيد من أقدم المناسبات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إذ تمتد جذوره لآلاف السنين، وقد احتفلت به شعوب عدة كالفُرس والكُرد وبعض شعوب آسيا الوسطى باعتباره بداية عام جديد وفق التقويم الشمسي. ويحمل اسم “نوروز” دلالة “اليوم الجديد”، في إشارة إلى انطلاق دورة جديدة في الطبيعة والحياة.
ترتبط مناسبة “نوروز” بالعديد من الحكايات والأساطير الشعبية، من أبرزها الرواية الكردية التي تروي قصة الحداد “كاوا”، الذي تمرّد على الملك الظالم “الضحّاك”، والذي كان، بحسب الموروث الشعبي، يقتل الأطفال لإطعام الأفاعي التي تنمو على كتفيه.
تذكر الأسطورة أن “كاوا” نجح في القضاء على “الضحّاك”، وأشعل النيران فوق قمم الجبال إعلاناً للنصر وبداية مرحلة جديدة من الحرية، ومنذ ذلك الحين غدا إشعال النار في ليلة “نوروز” رمزاً للغلبة على الظلم واستقبال حياة جديدة.
لطالما واجه الأكراد أشكالاً من القمع خلال حكم نظام الأسد فيما يخص الاحتفال بمناسبة “نوروز”، إذ كانت الأجهزة الأمنية للنظام السابق تتعامل مع هذه الفعاليات بحساسية بالغة، وغالباً ما تعكر أجواء الاحتفالات وتمنع التجمعات المرتبطة بها.
سبق أن تعرّض عدد من المواطنين الأكراد للملاحقة الأمنية خلال سنوات حكم نظام الأسد، نتيجة مشاركتهم في احتفالات “نوروز” أو رفع الرموز الثقافية الكردية.
بعد سقوط النظام البائد، زالت العقبة التي كانت تمنع الأكراد من حقوقهم، وأفسح المجال لهم لممارسة طقوسهم الاجتماعية والثقافية، وفي هذا السياق أصدر الرئيس أحمد الشرع، في منتصف الشهر الأول من العام الجاري، المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، الذي نصّ على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة.
وأكد المرسوم التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم، في إطار السيادة الوطنية ووحدة البلاد، كما أقرّ اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، سواء ضمن المناهج الاختيارية أو في إطار النشاطات الثقافية والتعليمية.
وشمل المرسوم إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتّبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.
ونصّ المرسوم أيضاً على اعتبار عيد النوروز (آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء الجمهورية، بصفته عيداً وطنياً يعبّر عن الربيع والتآخي بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري.
أحدث ذلك المرسوم صدى واسعاً لدى المجتمع الكردي في سوريا، إذ اعتُبر خطوة تاريخية نحو الاعتراف بهويتهم الثقافية واللغوية وحقهم في ممارسة تراثهم بحرية، فاعتبار عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يحمل دلالة رمزية قوية على الاعتراف بالوجود التاريخي للأكراد في النسيج الوطني السوري وتقدير مساهمتهم في التنوع الثقافي للبلاد.
ورحب كثير من الأكراد بهذا القرار باعتباره إنصافاً تاريخياً بعد عقود من التجاهل والتهميش، وأكدوا أن الاعتراف بالمرسوم يعكس إرادة الدولة في تعزيز التعايش والتنوع الثقافي.
كما اعتبر المجتمع الكردي أن هذا الإجراء يعزز الهوية الوطنية الموحدة مع احترام خصوصيات المكوّنات الثقافية المختلفة، ويتيح لهم الاحتفال بعيد النوروز بوصفه مناسبة وطنية وحقاً مكتسباً ضمن إطار الدولة، بعيداً عن أي قيود أو ممارسات تمييزية كانت قائمة سابقاً.
ويحمل الاحتفال بعيد النوروز هذا العام أهمية خاصة، كونه أول احتفال بعد الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة السورية بهذا العيد، ما يمنح الأكراد شعوراً بالاعتراف بهويتهم وتراثهم ولغتهم، ويعزز انتماءهم للمجتمع السوري، كما يتيح لهم الاحتفال بشكل علني، ما يخلق شعوراً بالحرية والمساواة بعد سنوات من التهميش بسبب الأسد.
٢١ مارس ٢٠٢٦
تحتلّ العيدية مكانة بارزة ضمن طقوس عيدي الفطر والأضحى في المجتمعات العربية، ومن بينها سوريا، إذ اعتادت العائلات على تقديمها على شكل مبالغ مالية أو هدايا رمزية بين أفراد الأسرة والأقارب والمعارف، في تقليد اجتماعي متوارث يعكس المودة ويضفي على أيام العيد مزيداً من البهجة.
وعلى مستوى الأفراد، ينتظر الأطفال هذه الأعياد بفارغ الصبر لتلقي العيدية من البالغين، ليجمعوا ما يحصلون عليه من مبالغ ينفقونها لاحقاً على الحلوى والألعاب وغيرها من الأمور التي تستهويهم في هذه المرحلة العمرية، أو يخبئونها عند أمهاتهم ليستخدموها لاحقاً لشراء ما يحتاجونه.
ولا تقتصر فرحة العيدية على الصغار فقط، إذ تشعر بها أيضاً الأخوات والزوجات والبنات، خاصة أنها لفتة تعبّر عن الاهتمام والتقدير، فضلاً عن كونها فرصة لتلبية بعض احتياجاتهن الشخصية.
كما تتفاوت قيمة العيدية تبعاً للقدرة المالية للشخص الذي يقدمها، إضافةً إلى مكانة المتلقي في العائلة أو المجتمع ووضعه المادي، فغالباً ما يحصل الأطفال الصغار على مبالغ بسيطة أو هدايا رمزية، في حين قد تُمنح مبالغ أكبر للكبار، بما يعكس طبيعة العلاقات الأسرية ومستوى الإمكانات المتاحة.
وتختلف عادات تقديم العيدية في سوريا بحسب كل عائلة وإمكاناتها، فبعضها يقدم النقود، بينما تمنح أخرى الحلويات، كما يختلف أسلوب تلقيها بين الأطفال؛ فبعضهم يفضل البقاء في المنزل لاستلام العيدية من الضيوف، بينما يخرج آخرون في جولات جماعية لزيارة المنازل والحصول عليها مباشرة من أفراد العائلة والجيران، ما يعكس تنوع الممارسات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بهذه الطقوس.
ومن زاوية إنسانية، تُعد العيدية وسيلة يستغلها البعض لتقديم الدعم المالي والمساعدة للفئات التي تعاني من صعوبات اقتصادية، دون المساس بكرامتهم أو إحراجهم. وبهذا تتحول هذه اللفتة إلى رمز للتكافل وروح المشاركة، بعيداً عن البعد المادي فقط، ما يعزز قيم التضامن والتعاون داخل المجتمع خلال أيام الاحتفال.
ومع ذلك، قد يسبب هذا التقليد شعوراً بالحرج لبعض الأشخاص، خاصة من يعانون من ظروف اقتصادية صعبة تحول بينهم وبين تقديم العيديات للأطفال أو البالغين، ما يضعهم في موقف صعب، رغم رغبتهم في المشاركة في رسم البهجة والفرح خلال أيام العيد.
ولفهم أصول هذه العادة وامتدادها عبر الزمن، تشير المصادر التاريخية إلى أن العيدية ليست مجرد تقليد معاصر، بل تمتد جذورها لمئات السنين، حيث لعبت دوراً اجتماعياً يعكس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويجسد روح التكافل والمشاركة في المناسبات الدينية.
في هذا السياق، ينوه المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه إتحاف الحنفاء بأخبار الخلفاء إلى أن أول من أرسى تقليد توزيع العيدية كان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، حينها كان يمنح الدنانير الذهبية والهدايا الثمينة لكل من رجال الدولة وعامة الشعب، في إطار تجسيد فكرة الدولة الراعية لمواطنيها، كما تحدث كتابه الخطط المقريزية عن تفاصيل هذه الممارسات، التي شكّلت جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية في تلك الفترة.
وبعد انتقال الحكم إلى المماليك، استمرت هذه العادة، وكانت تُمنح للجنود والعلماء ضمن ما يُعرف بـ"الجامكية"، وهو تقليد يشبه الرواتب والهبات التي تُقدم في المناسبات والأعياد، وفي كتاب تاريخ الدولة المملوكية، يوضح المؤرخ ابن تغري بردي، أن العيدية لم تكن محصورة فقط على الجنود والعلماء فقط، وإنما شملت الفئات الفقيرة وشرائح متنوعة من المجتمع، ما أضفى منح العيد بُعداً اجتماعياً عبر عن التلاحم والقيم الاجتماعية المتأصلة في المجتمع خلال تلك الفترة.
وفي عهد الدولة العثمانية، يذكر المؤرخ منصور عبد الحكيم في كتابه عن السلطان سليمان القانوني حرص الحاكم على رفاهية الشعب، الذي عمل على توسيع نطاق تقليد العيدية، فلم تعد مقتصرة على رجال الدولة فقط، بل أصبحت تُمنح للأطفال والفقراء، ليصبح العيد مناسبة عامة يسودها الفرح، ويُوزّع خلالها الدعم المالي الذي يساعد الفقراء على تغطية نفقات الاحتفال.
وبقي تقليد العيدية محافظاً على رونقه خلال الأعياد، غير أن بعض التغييرات طرأت عليه مع مرور الزمن، فحالياً في سوريا يُقدَّم بطرق متنوعة، سواء نقداً باليد، أو عبر التحويلات المالية والهدايا الرقمية، لا سيما مع تطور النظام المالي وانتشار التكنولوجيا.
ويعكس الحفاظ على طقوس العيدية في سوريا عدة أبعاد مهمة، أهمها الحرص على استمرارية التراث الثقافي، إذ تُظهر أن المجتمع السوري بسعى لنقل عاداته وتقاليده عبر الأجيال، رغم التحديات والتغييرات التي تطرأ على المجتمع، مما يظهر قدرة المجتمع السوري على صون هويته الثقافية والدينية في أجواء الاحتفال بالأعياد.
ومن جانب إنساني، تحمل العيدية قيم التكافل الاجتماعي، إذ تهدف إلى مساعدة الفقراء وتمكينهم من المشاركة في فرحة العيد وتغطية التزاماته، ما يظهر روح التضامن والتعاون بين الناس.
وتبقى العيدية واحدة من العادات المميزة المرتبطة بالأعياد في سوريا، التي ورثناها عن أجدادنا، حيث تُقدَّم للأطفال والكبار بطرق متنوعة، لتجمع بين الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والثقافية، وتؤكد قيم المودة والتلاحم والتكافل التي تميز المجتمع السوري.