“أولادي من حقي”.. مبادرة تدعو لمنح الأمهات كامل الحقوق والقرار في حياة أطفالهن
في ظلّ تعقيدات الواقع الاجتماعي والقانوني، تبرز قضايا الحضانة والوصاية كأحد أكثر الملفات حساسية، خاصة مع غياب كثير من الآباء، ما يضع الأمهات أمام تحديات كبيرة في الحفاظ على دورهن في حياة أطفالهن، وبين نصوص قانونية لا تراعي دائماً هذه الظروف، وتجارب إنسانية قاسية، تتزايد الدعوات لإعادة النظر في هذه القوانين بما يضمن مصلحة الطفل ويعزز دور الأم.
وفي هذا السياق، جاءت مبادرة “أولادي من حقي” لتسليط الضوء على معاناة الأمهات، ونقلها إلى مساحة النقاش العام، بهدف الدفع نحو تعديلات قانونية أكثر إنصافاً للمرأة والطفل.
وقالت يافا نواف، ناشطة إعلامية وناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الهدف الأول والأهم من مبادرة “أولادي من حقي” هو أن تحصل الأم على حقوقها كاملة كمواطنة، بحيث يكون أطفالها من حقها وتكون لها السلطة الكاملة عليهم، خاصة في ظل غياب الآباء وفقدان الكثير منهم في المعتقلات
وأوضحت أن واقع الحال اليوم يجعل مصير الأم وأطفالها معلقاً بقرارات الجد أو العم وغيرهم، كما ورد في التعميم 17، مؤكدة أن الأم هي الأدرى بمصلحة أطفالها والأحق بتقريرها.
وأضافت أن عملها واهتمامها بقضايا النساء كان في جهة، بينما واقع النساء المتضررات من قوانين الأحوال الشخصية، لا سيما في ما يتعلق بالحضانة والوصاية، كان في جهة أخرى.
وبيّنت أنهم كانوا يناضلون من أجل تمكين النساء من استعادة قرارهن والوصول إلى مواقع صنع القرار، وكذلك من أجل حق الأم في منح جنسيتها لأطفالها، لكنهم كانوا يغفلون مرحلة أساسية ومفصلية، وهي مسألة الحضانة والوصاية.
وأكدت أن المرأة يُفترض أن تكون كاملة الحقوق، إلا أن الواقع مختلف، حيث تعاني النساء من الابتزاز بأطفالهن، ويُجبرن على التنازل عن حقوقهن مقابل البقاء إلى جانب أبنائهن، ومع ذلك لا يضمن لهن القانون هذا الحق، وشددت على أن الظلم يصل إلى حد أن الأم أصبحت تحارب بأطفالها باسم القانون.
وأشارت إلى أن هذا الواقع انعكس بشكل خطير على النساء، حيث باتت بعضهن تختار التخلي عن أطفالها خوفاً من فقدانهم بعد سنوات، خاصة أنها لا تملك أي سلطة فعلية عليهم، بل تُعامل فقط كحاضنة، بسبب قوانين لا تكفل لها بقاء الطفل معها.
وأضافت أن هناك نساء أخريات يفرغن غضبهن في الأبناء، مؤكدة أن تداعيات قوانين الحضانة والوصاية يدفع ثمنها الطفل أولاً، وتؤثر بشكل مباشر على علاقته بأمه.
وبينت أن الرسالة الأساسية التي تسعى المبادرة لإيصالها هي أن الأحقية الأولى والكاملة بالأطفال، خصوصاً بعد وفاة الأب، يجب أن تكون للأم، وأوضحت أنهم يريدون أن يسمع صناع القرار والمجتمع صوت هذه الأم التي تعاني وتُستغل وتُبتز بأطفالها، مؤكدة أن مصلحة الطفل تقتضي أن يكون مع أمه، وبما أنها الراعية لشؤونه، يجب أن يكون القرار لها أولاً، ومن ثم لبقية الأطراف، وشددت على أن هذا ليس منّة أو فضلاً، بل حق أساسي للنساء.
وذكرت أن فكرة “أولادي من حقي” انطلقت من معاناة شخصية، ثم توسعت عندما كانت تتابع قضايا في المحاكم، حيث التقت بنساء يعانين من المشكلة ذاتها، والمتمثلة في أن قوانين الحضانة والوصاية والولاية في القانون السوري لا تنصف الأم، ولا تراعي مصلحة الطفل الفضلى، ولا حتى الجوانب النفسية والاجتماعية. وأضافت أنها عانت شخصياً من هذه التجربة، ما دفعها إلى العمل للدفاع عن هذا الحق.
وأوضحت نواف أن الفئة المستهدفة من المبادرة تشمل النساء اللواتي فقدن أزواجهن، والمطلقات، والمتروكات، أي اللواتي سافر أزواجهن وتركوهُن، فيما تستهدف على الطرف الآخر صناع القرار، وعلى رأسهم أعضاء مجلس الشعب كسلطة تشريعية، إضافة إلى نقابات المحامين والحقوقيين كجهات مناصرة، وإدارة العدل والسلطة القضائية كجهات تنفيذية.
ونوهت في تصريح خاص لـ شام، إلى أن من أبرز الثغرات في القوانين الحالية عدم التعامل مع الأم ككيان كامل الحقوق، سواء في الحضانة أو غيرها من القضايا الأسرية، معتبرة أن ذلك يتعارض مع مبادئ العدالة.
وأضافت أن بعض هذه التشريعات يُقال إنها مستمدة من الشريعة الإسلامية، إلا أن تطبيقها لا يعكس بالضرورة روح الإنصاف، مشيرة إلى أن فقدان الأم حضانة أطفالها في حال زواجها بعد وفاة الأب يطرح تساؤلات حول مدى مراعاة مصلحة الطفل.
وتحدثت عن غياب محاكم أسرة متخصصة قادرة على تقييم كل حالة بشكل فردي، بما يضمن اختيار البيئة الأنسب لتربية الأطفال، بدلاً من الاعتماد على معايير جامدة، كما لفتت إلى مشكلة عدم قدرة المرأة السورية على منح جنسيتها لأطفالها في حال زواجها من أجنبي، معتبرة أن ذلك يعكس فجوة قانونية تمس مبدأ المساواة.
وأكدت، نقلاً عن مختصات اجتماعيات، أن التداعيات النفسية والاجتماعية لهذه القوانين عميقة وخطيرة، إذ قد تدفع بعض النساء إلى حافة اليأس، بل إلى التفكير بالانتحار في بعض الحالات، نتيجة شعورهن بأن فقدان حضانة أطفالهن يسلب حياتهن معناها. وبيّنت أن ارتباط الأم بأطفالها يشكل محور وجودها، وعندما يُنتزع هذا الحق، يتولد لديها شعور قاسٍ بالعجز والانكسار.
وأضافت أن الإصرار على الاستمرار في المبادرة في هذا التوقيت تحديداً يعود إلى اقتراب انعقاد مجلس الشعب، باعتباره الجهة المخولة بإصدار القوانين والدستور، مشيرة إلى أنهم يعملون على إعداد ورقة توصيات تتعلق بقوانين الأحوال الشخصية، بما يضمن أن تكون أكثر إنصافاً للمرأة والطفل، وأن هذا التوقيت هو الأنسب لطرح هذه المطالب.
وذكرت قصة مؤثرة لإحدى النساء التي حُرمت من رؤية ابنتها لسنوات بسبب اعتقالها، وبعد خروجها اضطرت لمغادرة البلاد خوفاً من إعادة اعتقالها. وأضافت أنه عند عودتها لمحاولة استعادة ابنتها، كانت الطفلة تعيش في ظروف قاسية لدى عائلة والدها، التي رفضت تسليمها، ما اضطر الأم لدفع مبلغ مالي والحصول على إذن سفر لتتمكن في النهاية من أخذ ابنتها ومغادرة البلاد مجدداً.
وأشارت إلى أن هذه القصة تعكس واقع العديد من النساء، خاصة في الخارج، ولا سيما الأرامل، اللواتي يخشين العودة خوفاً من التعرض للاستغلال أو الابتزاز عبر أطفالهن، ما يزيد من تعقيد معاناتهن.
وأوضحت أن من أبرز الحلول المقترحة تشكيل لجنة تضم حقوقيين وحقوقيات، مع التأكيد على أهمية دور النساء في نقل معاناة النساء بشكل أدق، على أن تعمل هذه اللجنة على صياغة توصيات وقوانين جديدة تراعي مصلحة الطفل وتمنح الأم الأحقية الأساسية.
وبيّنت أن الخطوات تبدأ من مجلس الشعب، مروراً باللجنة المكلفة بصياغة الدستور، وصولاً إلى إقرار قانون واضح وصريح ينص على أن الطفل القاصر تكون ولايته وقراراته بيد أمه، دون أي جهة أخرى، مع منع استغلاله كوسيلة للضغط أو الابتزاز.
وشددت في ختام حديثها على أهمية دور المجتمع في دعم هذه المبادرة، من خلال الانضمام إليها وإيصال صوتها إلى المعنيين، مؤكدة أن الحشد والمناصرة عنصران أساسيان لإحداث التغيير. وأضافت أن الأمهات عانين لسنوات طويلة بصمت، لكنهن اليوم قررن التعبير عن معاناتهن، ما يتطلب دعماً حقيقياً من الجميع.