ناجيات ولكن: مبادرة لدعم الناجيات من الاعتقال وإيصال أصواتهن
عاشت آلاف السوريات تجربة الاعتقال في سجون النظام البائد خلال سنوات الثورة السورية، حيث تنوعت مصائرهن بين من فقدن حياتهن تحت التعذيب، ومن لا يزال مصيرهن مجهولاً حتى اليوم، وسط انتظار عائلاتهن لأي خبر يكشف الحقيقة ويبدد الغموض.
وفي المقابل، تمكنت أخريات من الخروج من المعتقلات، إلا أن آثار تلك التجربة القاسية ما تزال حاضرة في تفاصيل حياتهن اليومية، وتلقي بظلالها على أوضاعهن النفسية والاجتماعية.
إلا أن المعاناة لم تنتهِ بمجرد الخروج من السجن، بل بدأت مرحلة أخرى من التحديات التي واجهتها العديد من المعتقلات على مختلف الأصعدة، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المعيشية أو العائلية، وصولاً إلى التحديات الصحية، خاصة لدى من تعرضن للتعذيب أو الإخفاء القسري لسنوات طويلة، حيث تركت تلك التجربة آثاراً عميقة ما تزال تنعكس على حياتهن حتى بعد الإفراج.
خلال السنوات الماضية، انطلقت عدة مبادرات لدعم المعتقلات والناجيات من الإخفاء القسري، بهدف تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهن ومساعدتهن على إعادة الاندماج في المجتمع، ومن بين المبادرات المنطلقة مؤخراً برزت مبادرة "ناجيات ولكن" ضمن محاولات لتسليط الضوء على معاناة الناجيات وإيصال أصواتهن.
مبادرة "ناجيات ولكن" وتحديات ما بعد الخروج من السجن
وفي هذا السياق، قالت عائدة الحاج يوسف، مديرة جمعية القلوب البيضاء ومعتقلة سابقة وعضو بيت الإعلاميين العرب في تركيا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الحملة كانت تحمل في بدايتها اسم "لستِ لوحدك"، قبل أن يُقرَّر تغييره إلى "ناجيات ولكن"، بسبب وجود حملة أخرى تحمل الاسم ذاته على منصة "تويتر".
وأضافت أن فكرة الحملة انطلقت من وجود عدد كبير من الناجيات من الاعتقال المنضمات إلى الجمعية، حيث كانت هناك إمكانية لتقديم الدعم لهن، إلا أن هذا التعاون توقف لاحقاً بعد سقوط النظام السابق، نتيجة توقف معظم الجمعيات السورية في تركيا عن العمل.
وأشارت إلى أن الحملة تهدف إلى إيصال صوت الناجيات إلى الحكومة السورية، لافتةً إلى أن معظمهن حُرمن من استكمال تعليمهن بسبب الاعتقال، كما أن كثيرات منهن يفتقرن إلى مأوى.
ونوهت إلى أن عدداً من الناجيات خرجن من الاعتقال وهن يعانين من أمراض مزمنة، مشيرةً إلى أن نسبة كبيرة منهن مصابات بأمراض دموية، مثل اللوكيميا وسرطان الدم، في ظل ضعف الخدمات العلاجية داخل سوريا، ما يضطرهن لتحمل تكاليف مرتفعة لتلقي جرعات العلاج الكيماوي، إلى جانب نفقات الاستشفاء والإجراءات الطبية الأخرى.
وبيّنت يوسف في تصريح خاص لـ شام، أن الهدف الأساسي للحملة يتمثل في إيصال صوت الناجيات من الاعتقال إلى الحكومة السورية، ممثلةً بالرئيس الشرع ومكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، منوّهةً إلى أنهم تواصلوا مع مكتب السيدة هند قبوات، حيث تلقّوا وعوداً متفائلة.
وأعربت عن أمنيتها بأن تتمكن الحملة من إيصال صوت ناجيات من الاعتقال إلى الجهات المعنية، موضحةً أن الأولوية في المرحلة الأولى تتمثل بتأمين العلاج لهن، إلى جانب إنشاء مكتب حكومي يُعنى بمتابعتهن، ومنحهن بطاقات تتيح لهن تلقي العلاج على هذا الأساس.
وأضافت أن من بين الأولويات أيضاً إعادة دمج السيدات اللواتي انقطعن عن التعليم، بما يتيح لهن استكمال دراستهن، إلى جانب العمل على توظيف القادرات منهن وفقاً لشهاداتهن أو خبراتهن، مشيرةً إلى أهمية تأهيل من لا تمتلكن خبرة أو مؤهلاً علمياً عبر دورات تدريبية، مثل الخياطة والتمريض والكمبيوتر واللغة الإنجليزية، بما يساعدهن على دخول سوق العمل.
وأشارت إلى أن القائمين على الحملة هم في غالبيتهم من السيدات الناجيات من الاعتقال، مشيرةً إلى أن بعضهن يمتلكن خبرة سابقة في مجالي التوثيق والعمل المجتمعي المدني قبل سقوط النظام السابق، ونوّهت إلى أن عدد الناجيات كبير، إذ تُقدّر، بحسب متابعتها، بنحو 60 إلى 70 ألف ناجية، في حين يبلغ عدد المعتقلات اللواتي يتم التواصل معهن حالياً قرابة أربعة آلاف.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه الناجيات بعد الخروج من المعتقل، ذكرت، استناداً إلى تجربتها الشخصية، أن من أصعب ما يمكن أن تواجهه الناجية هو مسألة الاندماج في المجتمع السوري، موضحةً أنه لا يزال هناك حتى الآن ضعف في تقبّل فكرة الناجيات من الاعتقال، وأشارت إلى أن بعضهن تعرّضن للتخلي من قبل المجتمع، وأحياناً من الأزواج أو الأهل أو حتى العائلة.
وأضافت أن أغلب هؤلاء السيدات لا يمتلكن أوراقاً ثبوتية تُثبت تعرضهن للاعتقال، ما يشكّل تحدياً إضافياً أمامهن، إذ يعيق ذلك إمكانية تسجيل أوضاعهن بشكل رسمي أو متابعة قضاياهن، وأشارت إلى أن غياب هذه الوثائق يمنعهن أيضاً من توكيل محامين لاستخراج الأوراق اللازمة، إلى جانب ما يعانينه من صعوبات على الصعيدين المعيشي والصحي.
وبيّنت أنه على مدى أربعة عشر عاماً، كانت الجمعيات والمنظمات، إلى جانب الائتلاف والحكومة المؤقتة، تركز على جانب الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات، إلا أن هذا الدعم بقي، بحسب وصفها، محدود الأثر ومؤقتاً في كثير من الأحيان، مضيفة أن جهود استقطاب الدعم للناجيات لم تشمل سوى نسبة تقدّر بنحو 10% من إجمالي الحالات، ما يعكس حجم الفجوة بين الاحتياج الفعلي وما تم تقديمه من مبادرات.
ووجّهت عائدة الحاج يوسف رسالة إلى كل ناجية من السجون والاعتقال، قالت فيها: “لستِ لوحدك، نحن جميعاً معك”، مؤكدة أن الناجية بحاجة إلى دعم وقوة لمتابعة حياتها من جديد.
وأعربت في ختام حديثها عن أملها بأن تكون الحكومة السورية سنداً لهذه الفئة، وأن تعمل على حمايتها، وعدم السماح لأي جهات أو جمعيات أو منظمات أو أفراد باستغلال ملف الناجيات من الاعتقال بهدف كسب دعم أو تعاطف دولي من أي جهة كانت.