جريمة كتم المعلومات بين الإطار القانوني والدوافع النفسية وتداعياتها على المجتمع
جريمة كتم المعلومات بين الإطار القانوني والدوافع النفسية وتداعياتها على المجتمع
● مجتمع ١١ مايو ٢٠٢٦

جريمة كتم المعلومات بين الإطار القانوني والدوافع النفسية وتداعياتها على المجتمع

قد يعتقد بعض الأشخاص أن الامتناع عن الإبلاغ عن الجرائم سلوك عادي لا يترتب عليه أثر قانوني، خاصة إذا لم يكونوا طرفاً مباشراً في الجريمة أو لم يتعرضوا لضرر منها، إلا أن هذا التصور لا يعكس الواقع القانوني، إذ إن الامتناع عن إبلاغ السلطات المختصة عن جريمة يعلم بها الشخص، ولا سيما إذا كانت تمس أمن الدولة أو حقوق الأفراد، قد يُعد فعلاً مجرّماً تحت ما يُعرف بجريمة كتم المعلومات.

 ويقوم هذا التوصيف القانوني على أكثر من مجرد الصمت فحسب، بل يرتبط بتوافر العلم بوقوع الجريمة واتجاه الإرادة إلى عدم الإبلاغ عنها، بما يجعل من هذا السلوك محل مساءلة قانونية في بعض الحالات.

في هذا السياق، قالت المحامية رنيم رفعت سلوم، الناشطة المدنية الحقوقية وأستاذة في نقابة المحامين (فرع دمشق)، في حديث لشبكة شام الإخبارية،إن القانون السوري يعرّف جريمة كتم المعلومات (أو عدم الإخبار) بأنها امتناع الشخص عن إبلاغ السلطات المختصة عن جناية أو جنحة علم بوقوعها أو التخطيط لها.


ولفتت إلى أن معرفة القانون هي الدرع الأول لحماية حقوق الأفراد والمجتمع، وأن أبرز صور هذه الجريمة تشمل كتم معلومات عن جريمة قتل، أو التستر على مجرم فار من وجه العدالة، أو إخفاء معلومات تتعلق بجنايات تمس أمن الدولة، وكذلك كتم المعلومات في قضايا الأموال "اللقطة".


وأضافت أن هذه الجريمة تقوم على ثلاثة أركان أساسية، أولها الركن المادي الذي يتمثل بالسلوك السلبي، أي الامتناع عن الإخبار رغم العلم بوقوع الجريمة، وثانيها الركن المعنوي أو القصد الجرمي، والمتمثل بانصراف إرادة الجاني إلى إخفاء المعلومة مع علمه بأن فعله يخالف الواجب القانوني، وثالثها العلاقة السببية بين الركن المادي والمعنوي.

وبيّنت أن إثبات هذه الجريمة يتم بكافة وسائل الإثبات القانونية، بما فيها شهادة الشهود، والقرائن، والاعتراف، إضافة إلى الأدلة الرقمية في الجرائم المعلوماتية.

وأوضحت أن الامتناع عن الإبلاغ يصبح فعلاً مجرّماً عندما يوجب القانون الإخبار، مشيرةً إلى أن المادة 388 من قانون العقوبات العام تُجرّم كل سوري علم بجناية على أمن الدولة ولم يُخبر بها السلطة فوراً، كما تُجرّم من علم بجرائم اعتداء على الأشخاص (جنايات) ولم يبلغ عنها.

ولفتت إلى أن المشرّع السوري ينظر بصرامة بالغة إلى كتم المعلومات المتعلقة بأمن الدولة، حيث تقتضي المصلحة العليا للدولة التزام الأفراد بالإبلاغ، ووفق المادة 388 يُعاقب من لا يُخبر عن مؤامرة أو جناية ضد أمن الدولة بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى المنع من الحقوق المدنية.

وذكرت أن المادة 388 تنص على عقوبة الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات في جرائم أمن الدولة، فيما تنص المادة 389 على عقوبة التستر على الجناة، حيث يُعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين كل من ساعد مجرماً على التواري عن وجه العدالة، بينما تتعلق المادة 390 بكتم المعلومات في الجرائم العادية، وتتراوح العقوبة فيها بحسب نوع الجريمة المكتوم عنها.

ونوّهت إلى أن القانون منح استثناءات إنسانية مراعاةً للروابط العائلية، حيث يُعفى من العقوبة الأصول والفروع، والزوج والزوجة، والإخوة والأخوات، إذا قاموا بإخفاء قريبهم أو ساعدوه على التواري، وذلك تقديراً لدافع "العاطفة العائلية" الذي قد يغلب على الواجب القانوني في هذه الحالات الضيقة فقط.

وأشارت إلى أن مسؤولية الموظف العام في هذا السياق تُعد مضاعفة، إذ تنص المادة 387 من قانون العقوبات على معاقبة كل موظف أهمل أو أخّر إبلاغ السلطة القضائية أو الإدارية عن جريمة اتصلت بعلمه أثناء أداء وظيفته، بالحبس من شهر إلى سنة أو بغرامة، ما يعني أن الموظف ملزم مهنياً وقانونياً بالإبلاغ الفوري.

وتحدثت عن الجرائم المعلوماتية، موضحةً أنه في ظل قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية (المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2022)، أصبحت المعلومات الرقمية ذات قيمة قانونية، وأن كتم المعلومات عن اختراقات أو إرهاب إلكتروني أو جرائم مالية عبر الإنترنت يُعرّض الفاعل لعقوبات مشددة، خاصة إذا كان الممتنع "مزود خدمة" أو لديه ولوج تقني للمعلومات.

وأوضحت الفرق بين كتم المعلومات والسرقة (اللقطة)، مبينةً أن كتم المعلومات هو سلوك سلبي يتمثل بالامتناع عن الإخبار، بينما تُعد "اللقطة" جريمة قائمة على نية التملك، حيث إن من يجد شيئاً أو لقطة ويكتمها بنية تملكها بدلاً من تسليمها للسلطات أو لصاحبها يُعد مرتكباً لجرم الاستيلاء على اللقطة، وهي جنحة يعاقب عليها القانون.

وأضافت أن القانون يعالج قضايا العنف الأسري وإخفاء الأطفال بصرامة لحماية الطفل، حيث يُعد إخفاء طفل عن سلطة من له حق حضانته أو ولايته جريمة بموجب المادة 481 (خطف القاصر أو إخفاؤه)، مع تشديد العقوبة إذا كان الهدف تبديل نسبه أو إخفاء هويته.

ولفتت إلى أن حذف البيانات الإلكترونية عمداً بقصد عرقلة العدالة يُعد جريمة قائمة بذاتها، إذ إن تخريب أو حذف المعطيات الرقمية التي تشكل دليلاً جرمياً يعرّض الفاعل لعقوبات جنائية شديدة، باعتبار ذلك من أشكال تضليل القضاء وطمس معالم الجريمة.

وبيّنت أن هناك خلطاً لدى المجتمع بين "الستر" و"الجريمة"، إذ يجهل الكثيرون أن صمتهم قد يحولهم من شهود إلى متهمين، في ظل وجود قصور في فهم أن الإبلاغ هو واجب وطني وقانوني وليس وشاية مذمومة.

ودعت إلى تكثيف الجلسات التوعوية القانونية عبر المنصات الرقمية، وإدراج مفاهيم الثقافة القانونية في المناهج الدراسية، والعمل على تبسيط القوانين ونشرها عبر وسائل الإعلام لتصل إلى المواطن غير المتخصص.

وأكدت على أن على كل مواطن ألا يجعل من نفسه شريكاً في جريمة لم يرتكبها بصمته، مشددةً على أن القانون السوري يحمي المُخبر حسن النية، وأنه في حال العلم بوقوع خطر يمس أمن الوطن أو سلامة الأفراد يجب المبادرة فوراً إلى مراجعة أقرب مركز شرطة أو النيابة العامة، لأن الصمت قد يكون الوقود الذي يغذي الجريمة.


ويرى مختصون نفسيون أن الامتناع عن الإبلاغ عن الجرائم لا يرتبط فقط بالجانب القانوني، بل قد يعكس في بعض الحالات عوامل نفسية واجتماعية مثل الخوف من الانتقام، أو الضغط الاجتماعي، أو الشعور بالولاء للعائلة أو الجماعة. 


ويشيرون إلى أن هذا السلوك قد يخلق لدى الفرد صراعاً داخلياً بين الواجب الأخلاقي والقانوني من جهة، وبين المخاوف الشخصية من جهة أخرى، ما يجعل قرار الإبلاغ أكثر تعقيداً في بعض البيئات.

ويؤكد المختصون أن استمرار ظاهرة كتم المعلومات عن الجرائم قد ينعكس سلباً على المجتمع، من خلال تعزيز الشعور بعدم الأمان وإضعاف الثقة بين الأفراد والمؤسسات، إضافة إلى إعاقة الوصول إلى العدالة في الوقت المناسب. 

وينوهون إلى أن هذا السلوك قد يساهم في تطبيع الصمت تجاه السلوكيات غير القانونية، ما يوسع من دائرة المخاطر الاجتماعية، وفي المقابل، يقترحون جملة من الحلول، أبرزها تعزيز الوعي القانوني والنفسي لدى الأفراد، وتوفير بيئة آمنة للإبلاغ تقلل من الخوف من الانتقام، إلى جانب تشجيع ثقافة المسؤولية المجتمعية التي ترى في الإبلاغ عن الجريمة واجباً يحمي المجتمع ولا يهدده.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ