تفضيل الذكور على الإناث داخل بعض الأسر: أبعاد اجتماعية وانعكاسات أسرية
رغم التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة، ما تزال بعض العائلات تفضّل الذكور على الإناث في مختلف جوانب الحياة اليومية، ولا يقتصر ذلك على منح الحرية أو إتاحة فرص اتخاذ القرار فحسب، بل يمتد إلى أساليب المعاملة والاهتمام وتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة.
ويترك هذا التمييز آثاراً نفسية لدى الفتيات، تتجلى في الشعور بالظلم أو التهميش، في وقت يعزز فيه من هيمنة الذكور داخل الأسرة الواحدة، ويكرّس أنماطاً غير متوازنة في العلاقات بين الأبناء، ما ينعكس على استقرار الأسرة وتماسكها.
تتعدد الأسباب التي تدفع بعض العائلات في المجتمع السوري إلى تفضيل الذكور على الإناث، إذ يرتبط ذلك بجذور اجتماعية وثقافية متوارثة ترى في الذكر امتداداً لاسم العائلة وسنداً لها في المستقبل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعزز فكرة الاعتماد على الذكور كمصدر دعم مادي.
كما تلعب الأعراف والتقاليد دوراً في تكريس هذا التفضيل، من خلال ربط الذكر بالقوة والقدرة على تحمّل المسؤولية، مقابل النظر إلى الأنثى على أنها بحاجة إلى حماية ورقابة أكبر، ولا يمكن إغفال تأثير البيئة المحيطة وضغط المجتمع، حيث تسعى بعض العائلات لمجاراة هذه الأنماط خشية الانتقاد أو "كلام الناس"، ما يساهم في استمرار هذه الظاهرة رغم التغيرات التي طرأت على المجتمع.
أسباب تفضيل الذكور على الإناث وآثاره الأسرية والاجتماعية
قال فادي النايف، عامل دعم نفسي اجتماعي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تفضيل الذكور لدى بعض العائلات يعود في كثير من الأحيان إلى عادات اجتماعية متوارثة وأفكار قديمة تربط الذكر بالقوة وتحمل المسؤولية، في حين تُفرض قيود أكبر على الأنثى بدافع الخوف أو الاعتبارات المرتبطة بالعيب الاجتماعي.
وأضاف أن هذا التفضيل يظهر بشكل واضح في الحياة اليومية، من خلال منح الذكور حرية أكبر، والاستماع إلى آرائهم بصورة أوسع، والتساهل مع أخطائهم، مقابل تشديد الرقابة على الفتيات أو التقليل من آرائهن وحقوقهن.
وأشار إلى أن هذا النوع من التمييز ينعكس سلباً على الفتيات، إذ قد يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، والشعور بالنقص أو الظلم، وأحياناً إلى الانطواء أو الحساسية الزائدة.
ولفت إلى أن التأثير لا يقتصر على الفتيات فقط، بل يمتد أيضاً إلى الذكور، حيث قد ينشأ بعضهم على الشعور بالتفوق، أو ضعف القدرة على تحمّل المسؤولية، أو صعوبة تقبّل المرأة كشريك متساوٍ في الحياة.
وبيّن من خلال تصريح خاص لـ شام أن استمرار هذا النمط على المدى البعيد يسبب ضعفاً في الروابط الأسرية، وظهور غيرة بين الإخوة، إضافة إلى اضطرابات نفسية وسلوكية قد تستمر حتى بعد تأسيس الأبناء لأسرهم الخاصة.
ونوّه إلى أن بعض الأسر قد تعود إلى هذا السلوك رغم تطورها، نتيجة الضغوط الاجتماعية، أو تأثير البيئة المحيطة، أو الخوف من نظرة المجتمع وكلام الناس.
وأكد أن الوعي والتعليم يلعبان دوراً أساسياً في الحد من هذه الظاهرة، إذ إن التربية الواعية تساهم في تعزيز مفهوم العدالة والاحترام المتبادل بين الأبناء.
وشدد على أهمية أن يحرص الأهل على المساواة في الحب والاهتمام والفرص، والاستماع لجميع الأبناء دون تمييز، مع مراعاة الفروق الفردية بعيداً عن أي تفضيل قائم على الجنس.
وأضاف أن الحلول على المستوى المجتمعي تشمل نشر التوعية عبر المدارس ووسائل الإعلام والخطاب التربوي والديني، مع التأكيد على أن العدل بين الأبناء ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأسرة وصحة المجتمع ككل.
يرى باحثون اجتماعيون أن تفضيل بعض العائلات للذكور على الإناث يرتبط بجملة من البُنى الثقافية والاجتماعية المتوارثة، التي تشكّلت عبر سنوات طويلة داخل المجتمع، ويشيرون إلى أن هذا التفضيل لا ينبع بالضرورة من قناعة فردية بقدر ما يعكس منظومة قيم تقليدية ما تزال تعتبر الذكر امتداداً للعائلة ومسؤولاً عن إعالتها وحمايتها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
كما يلفتون إلى أن ضعف الوعي بالمساواة بين الجنسين، واستمرار تأثير العادات الاجتماعية، يسهمان في إعادة إنتاج هذا النمط داخل بعض الأسر، رغم التغيرات التي يشهدها المجتمع.
ويبقى تفضيل الذكور على الإناث داخل بعض الأسر من الظواهر التي ما تزال موجودة، ويترك ذلك انعكاسات واضحة على العلاقات الأسرية وتوازنها، ويُطرح هذا الواقع ضمن النقاشات المرتبطة بقضايا المساواة داخل الأسرة وما يرافقها من تأثيرات اجتماعية داخل البيئة الأسرية.