المحروقات تشعل الجدل الاقتصادي في سوريا… بين ضغوط الاستيراد ومخاوف المعيشة
أعادت الزيادة الأخيرة على أسعار المحروقات والغاز في سوريا ملف الطاقة إلى صدارة النقاش الاقتصادي والمعيشي، بعدما أعلنت “الشركة السورية للبترول” تعديلات جديدة على أسعار المشتقات النفطية شملت مختلف الأصناف، وسط تفاعل واسع وتساؤلات حول توقيت القرار وانعكاساته المباشرة على الأسواق وحياة السوريين اليومية.
وجاءت الزيادة بنسب متفاوتة تراوحت بين 17 بالمئة ونحو 30 بالمئة، حيث ارتفع سعر ليتر المازوت أول إلى 0.88 دولار بعد أن كان 0.75 دولار، فيما صعد سعر بنزين 90 إلى 1.1 دولار بدلاً من 0.85، وارتفع سعر بنزين 95 إلى 1.15 دولار مقارنة بـ0.91 دولار سابقاً.
كما شملت التعديلات الغاز المنزلي، إذ ارتفع سعر الأسطوانة إلى 12.5 دولاراً بعد أن كانت 10.5، في حين بلغ سعر أسطوانة الغاز الصناعي 20 دولاراً بدلاً من 16.8 دولار.
النفط المحلي لا يغطي الاحتياج بعد
مصادر اقتصادية حكومية أوضحت لشبكة “شام” أن استلام الدولة عدداً من الآبار النفطية في المحافظات الشرقية لا يعني انتهاء أزمة الطاقة، مشيرة إلى أن تلك الحقول تعاني من تراجع كبير في الجاهزية الفنية نتيجة غياب الصيانة والتطوير طوال سنوات سيطرة “قسد”، الأمر الذي يجعل الاعتماد على الاستيراد مستمراً في الوقت الحالي.
وبيّنت المصادر أن الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى فترة قد تمتد لعامين، خاصة مع الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية النفطية ورفع القدرة الإنتاجية والتكريرية، مؤكدة أن سوريا ما تزال حتى الآن تتأثر بشكل مباشر بأسعار النفط العالمية باعتبارها تستورد جزءاً أساسياً من احتياجاتها النفطية.
وأضافت أن أسعار النفط شهدت قفزات كبيرة خلال الأشهر الماضية، إذ ارتفع سعر البرميل من حدود 66 و67 دولاراً قبل الحرب إلى أكثر من 100 دولار، ووصل خلال فترة التصعيد الأميركي الإيراني إلى حدود 113 دولاراً، قبل أن يتراجع لاحقاً، وهو ما انعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتكرير.
الدولة تحملت فروقات ضخمة خلال الفترة الماضية
بحسب المصادر، فإن الحكومة استمرت خلال الأشهر الماضية بتثبيت أسعار المحروقات رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً، متحملة فروقات مالية كبيرة بهدف تجنب تحميل المواطنين أعباء إضافية بشكل مباشر.
وأكدت أن خسائر قطاع المحروقات وصلت إلى مستويات مرتفعة، حيث بلغت خسائر البنزين نحو 23 مليون دولار شهرياً، مقابل 135 مليون دولار للمازوت، و10 ملايين دولار للغاز، إضافة إلى 51 مليون دولار للفيول، وهو ما شكل ضغطاً متزايداً على الخزينة العامة.
وأشارت المصادر لـ "شام" إلى أن غالبية الدول تعتمد تسعيراً متغيراً للمحروقات مرتبطاً بالسوق العالمية، حيث ترتفع الأسعار وتنخفض بالتزامن مع تحركات النفط، بينما بقيت الأسعار المحلية مستقرة لفترة طويلة رغم المتغيرات العالمية.
إنتاج يومي وتوزيع خاص للمحافظات الشرقية
لفتت المصادر إلى أن الإنتاج النفطي الحالي يقترب من 100 ألف برميل يومياً، يخصص منها نحو 70 ألف برميل للمحافظات الشرقية بسعر التكلفة دعماً للحراقات المحلية وتوفير الاحتياجات الأساسية هناك، بينما يتم تصدير قرابة 30 ألف برميل من النفط الثقيل الذي لا يمكن تكريره داخل سوريا بسبب محدودية الإمكانات التقنية المتاحة حالياً.
خبراء: الوقود يحدد حركة الاقتصاد بالكامل
ويرى خبراء اقتصاديون أن خطورة أي تعديل في أسعار المحروقات تكمن في ارتباطها المباشر بمعظم الأنشطة الاقتصادية والخدمية، إذ تدخل المشتقات النفطية في النقل والصناعة والزراعة وتشغيل المولدات الكهربائية والأفران ووسائل التدفئة، ما يجعل تأثيرها سريعاً ومباشراً على الأسواق.
وأوضح الخبراء أن ارتفاع سعر المازوت يعني عملياً زيادة تكاليف النقل والشحن والإنتاج الزراعي والصناعي، الأمر الذي ينعكس تلقائياً على أسعار السلع الغذائية والخدمات الأساسية، في وقت لم تشهد فيه دخول السوريين زيادات موازية لهذه الارتفاعات.
كما حذروا من أن ارتفاع أسعار الغاز المنزلي سيضيف أعباء جديدة على الأسر السورية، خاصة مع استمرار ضعف القدرة الشرائية وتراجع مستويات الدخل خلال السنوات الماضية، ما قد يضاعف الضغط على الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود.
وزارة الطاقة تربط القرار بالسوق العالمية
من جهته، أكد مدير العلاقات العامة في وزارة الطاقة أحمد سليمان في تصريح نقلته "الثورة السورية" أن قرار رفع الأسعار جاء نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار النفط العالمية، موضحاً أن الوزارة حاولت الإبقاء على الأسعار السابقة لأطول فترة ممكنة قبل اتخاذ قرار التعديل.
وأشار إلى أن خام “برنت” ارتفع بشكل حاد منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، حيث قفز من نحو 72 دولاراً إلى أكثر من 126 دولاراً للبرميل خلال فترة قصيرة، قبل أن يعود للتراجع إلى ما دون 100 دولار مع الحديث عن اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران.
وأضاف أن الزيادة المحلية بقيت “محدودة نسبياً” مقارنة بما شهدته أسواق أخرى، وأن الهدف منها تقليل الخسائر الكبيرة التي تكبدها قطاع الطاقة خلال الفترة الماضية.
استياء شعبي وانتقادات على مواقع التواصل
في موازاة ذلك، شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة من الغضب والاستياء عقب إعلان الأسعار الجديدة، حيث اعتبر كثير من السوريين أن القرار جاء بعكس التوقعات التي كانت تتحدث عن تحسن تدريجي في واقع الطاقة أو احتمالات خفض الأسعار بعد استلام الحقول النفطية في شمال شرقي سوريا.
وتداول ناشطون تعليقات اعتبرت أن أي زيادة في أسعار الوقود تنعكس مباشرة على حياة المواطنين اليومية، سواء عبر النقل أو أسعار المواد الغذائية أو تكاليف التدفئة والكهرباء، ما يجعل آثار القرار أوسع من مجرد أرقام تتعلق بالمحروقات.
كما أظهرت ردود الفعل المتداولة تزايد حالة القلق من استمرار الضغوط المعيشية، في ظل شعور عام بأن وتيرة القرارات الاقتصادية أصبحت أسرع من قدرة المواطنين على التكيف معها.
الشركة السورية للبترول: الإنتاج يتضاعف والرواتب الأعلى محلياً
وكان الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي قد أعلن مؤخراً أن إنتاج النفط ارتفع من نحو 15 ألف برميل يومياً قبل استلام الحقول في شمال شرقي سوريا إلى حوالي 133 ألف برميل يومياً حالياً، مع توقعات بالوصول إلى 150 ألف برميل نهاية العام الجاري، ثم إلى ما بين 300 و350 ألف برميل يومياً بحلول نهاية 2027.
كما كشف قبلاوي أن الشركة أصبحت تقدم واحدة من أعلى الرواتب في سوريا، إذ تتراوح رواتب المستوى الأول بين 4 و10 آلاف دولار، بينما تصل رواتب مديري الأقسام إلى ما بين ألفي و5 آلاف دولار شهرياً، في إطار خطة تهدف إلى استقطاب الكفاءات وتطوير قطاع النفط والطاقة خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي الزيادة الجديدة على أسعار المحروقات في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة في سوريا مرحلة إعادة ترتيب وإعادة تشغيل للحقول والمنشآت النفطية بعد سنوات من التراجع والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب في سوريا، إضافة إلى استمرار اعتماد البلاد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها النفطية.
وخلال الأشهر الماضية، كانت الحكومة السورية قد تحدثت عن تحسن تدريجي في واقع الطاقة، خاصة بعد استلام عدد من الحقول النفطية في شمال شرقي سوريا، ورفع إنتاج النفط المحلي، بالتوازي مع وعود بتحسين التغذية الكهربائية وتطوير البنية النفطية وجذب الاستثمارات إلى القطاع.
إلا أن استمرار تقلبات أسعار النفط العالمية، وارتفاع تكاليف الاستيراد والتكرير والنقل، إضافة إلى الخسائر الكبيرة التي يتحملها قطاع المحروقات وفق تصريحات رسمية، أعاد ملف التسعير إلى الواجهة مجدداً، وسط مخاوف شعبية من انعكاسات أي زيادة جديدة على تكاليف النقل وأسعار المواد الأساسية ومستوى المعيشة بشكل عام.