"قسد" تعرقل تسليم القصر العدلي في الحسكة وسط استنفار وتحريض إعلامي
شهدت مدينة الحسكة استنفاراً أمنياً واسعاً بعد قيام عناصر من "الشبيبة الثورية" التابعة لميليشيا "قسد" باقتحام مبنى القصر العدلي ونزع اللوحة الاسمية عن مدخل المبنى، بالتزامن مع ترتيبات كانت جارية لتسليمه للحكومة السورية وإعادة افتتاحه رسمياً.
وأفادت مصادر محلية بأن عناصر تابعة لـ"قسد" منعت الجهات الحكومية من استلام المبنى، رغم التفاهمات السابقة المتعلقة بإعادة تشغيل القصر العدلي وعودة القضاة لممارسة أعمالهم ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ورصدت شبكة شام الإخبارية خلال الساعات الماضية حملة تحريض واسعة قادها إعلاميون وناشطون مقربون من "قسد"، دعوا إلى إزالة اللافتة الحكومية ورفض عملية التسليم، ومن بينهم الإعلامي "هاوار هبو"، ما ساهم في تصعيد التوتر داخل المدينة.
وجاء هذا التصعيد بعد ساعات من تداول معلومات تحدثت عن استعدادات لافتتاح القصر العدلي في الحسكة وتسليمه رسمياً للحكومة السورية، ضمن خطوات تنفيذ اتفاق دمج المؤسسات الموقع في 29 كانون الثاني.
وكان المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ الاتفاق "أحمد الهلالي" قد أعلن سابقاً أن مسار دمج المؤسسات دخل مرحلة متقدمة، مؤكداً الاتفاق على إعادة افتتاح القصر العدلي في الحسكة وعودة القضاة للعمل تمهيداً لاستكمال الخطوات ذاتها في القامشلي.
وسبق أن اتهم الهلالي "قسد" بعرقلة تنفيذ الاتفاق بعد رفض تسليم قصر العدل في القامشلي لوفد وزارة العدل، واعتبر أن تعطيل عودة المؤسسات القضائية يمثل تصعيداً غير مبرر يفاقم معاناة الأهالي ويؤخر توحيد المؤسسات السيادية في البلاد.
وفي وقت سابق أكد الهلالي في تصريحات سابقة أن اتفاق 29 كانون الثاني ينص بشكل واضح على استلام الحكومة السورية للمباني الرسمية ودمج المؤسسات التابعة لـ"قسد" ضمن مؤسسات الدولة، مشدداً على عدم وجود بديل عن تنفيذ الاتفاق وفق الجدول المتفق عليه.
وتصاعد التوتر في محافظة الحسكة يعكس تعقيدات مسار دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، في ظل تعثر تنفيذ التفاهمات الموقعة بين الطرفين، ولا سيما ما يتعلق بالقطاع القضائي الذي يشكّل أحد أبرز الملفات السيادية الحساسة.
وكررت قوات قسد منع القضاة والموظفين الحكوميين من دخول القصر العدلي في مدينة الحسكة، رغم مباشرة وزارة العدل إجراءات استلامه تمهيداً لإعادة تفعيل العمل القضائي الرسمي في المحافظة.
ميدانياً، لا يزال القصر العدلي في الحسكة تحت سيطرة “قسد”، التي نقلت محاكمها إلى داخله وفرضت واقعاً جديداً على الأرض، في وقت تشير فيه المعلومات إلى إفراغ المبنى من محتوياته ونقل الأثاث والسجلات إلى جهات غير معلومة، إضافة إلى إغلاق المستودعات المركزية، ما يضع عراقيل إضافية أمام استئناف العمل القضائي الحكومي ويؤخر إعادة تنظيم الخدمات العدلية.
في المقابل، تواصل وزارة العدل تحركاتها الميدانية، حيث أجرى وفد رسمي برئاسة النائب العام القاضي حسان التربة زيارة إلى القصر العدلي في الحسكة، في إطار التحضير لإعادة تفعيل المؤسسات القضائية، كما شملت الزيارة سجن الحسكة المركزي في غويران، ضمن خطة تهدف إلى إعادة ربط السجون بالمنظومة القضائية الرسمية وافتتاح المكاتب القانونية داخلها.
هذا المشهد يعكس حالة شد وجذب بين الطرفين، ويضع اتفاق الدمج أمام اختبار فعلي، في ظل تضارب الأولويات بين متطلبات السيادة القانونية من جهة، ورغبة “قسد” في الحفاظ على بنيتها المؤسسية من جهة أخرى، الأمر الذي قد ينعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة وحقوق المواطنين، خاصة مع استمرار تعطيل عمل المحاكم وتجميد القضايا القانونية العالقة.
ورغم المسار السياسي القائم بين الحكومة السورية وميليشيا "قسد"، وما رافقه من تفاهمات واتفاقات معلنة خلال الأشهر الماضية، تُظهر الوقائع الميدانية والإعلامية حتى اليوم فجوة واضحة بين مضامين الاتفاق والتطبيق الفعلي على الأرض، في مشهد يعكس استمرار البنية الموازية وخطاب منفصل عن السياق الوطني.
في الميدان، لا تزال رمزية الدولة السورية غائبة بشكل لافت عن مناطق سيطرة "قسد"، حيث لم يُسجل حتى الآن رفع العلم السوري في أي مناسبة رسمية أو نشاط عام ضمن تلك المناطق، في مؤشر يعكس تمسك "قسد" بهويتها السياسية والإدارية الخاصة، بعيداً عن أي اندماج فعلي ضمن مؤسسات الدولة.
بالتوازي، تواصل ما تسمى "الإدارة الذاتية" نشاطها السياسي والإداري دون أي تغيير يذكر، إذ تستمر في إصدار البيانات الرسمية وممارسة دورها ككيان قائم بذاته، ما يتناقض مع التصريحات الحكومية التي أكدت أن مرحلة ما بعد الاتفاق لن تشهد وجود أي كيانات موازية للدولة السورية.
ويظهر هذا التناقض بشكل أوضح في الخطاب الإعلامي والعسكري لـ"قسد"، حيث لا تزال تعتمد توصيفات منفصلة، من بينها الاستمرار في نعي قتلاها بوصفهم سقطوا في مواجهات ضد "فصائل دمشق"، في خطاب يعكس حالة انفصال سياسي وإعلامي عن مسار التفاهمات الجارية.
وفي السياق ذاته، يواصل إعلام "قسد" لعب دور محوري في تأجيج الخطاب المرتبط بقضايا الأقليات، عبر تبني روايات تحريضية تسعى لتقديم مناطق "الإدارة الذاتية" بوصفها "الملاذ الآمن"، مقابل تصوير بقية المناطق السورية كمصدر تهديد، وهو ما يُعد امتداداً لنهج دعائي قائم على إثارة المخاوف وتعزيز الانقسام المجتمعي.