“الذهب الأبيض” في بادية حمص.. مورد جديد للصناعات الإلكترونية والطاقة النظيفة
“الذهب الأبيض” في بادية حمص.. مورد جديد للصناعات الإلكترونية والطاقة النظيفة
● اقتصاد ٧ مايو ٢٠٢٦

“الذهب الأبيض” في بادية حمص.. مورد جديد للصناعات الإلكترونية والطاقة النظيفة

بدأت أعمال استخراج رمال السيليكا البيضاء في بادية حمص وسط سوريا، وهي من الثروات المهمة التي تعرف باسم الذهب الأبيض بسبب قيمتها الكبيرة في الصناعات الحديثة والتقنيات المتطورة.

وتتميز هذه الرمال بنسبة نقاء مرتفعة من مادة السيليكا، ما يجعلها مادة خام أساسية تدخل في العديد من الصناعات الإلكترونية والطاقة المتجددة.

والسيليكا Silica هي ثاني أكسيد السيليكون SiO₂ وهي المادة الرئيسية الموجودة في الرمال البيضاء عالية النقاوة ورغم أن السيليكا نفسها تُعد مادة عازلة للكهرباء وليست شبه موصل، فإنها تستخدم لاستخلاص عنصر السيليكون النقي، الذي يعتبر من أهم أشباه الموصلات في العالم ويشكل الأساس الذي تقوم عليه الصناعات الإلكترونية الحديثة.

ويستخدم السيليكون بعد تنقيته في تصنيع المعالجات والشرائح الإلكترونية والهواتف الذكية والحواسيب، إضافة إلى الألواح والخلايا الشمسية. ولهذا السبب تعد رمال السيليكا مادة استراتيجية تدخل بشكل غير مباشر في الصناعات التقنية العالمية.

كما أن شركات التكنولوجيا الكبرى مثل آبل وسامسونغ تعتمد ضمن سلاسل التوريد الصناعية على السيليكون المستخرج أساسًا من رمال السيليكا، لكن عبر مراحل طويلة من التكرير والتنقية والتصنيع قبل وصوله إلى مرحلة إنتاج الرقائق الإلكترونية والأجهزة الذكية.

وأعلنت وزارة الطاقة مؤخرا أن اللجنة المكلّفة من مديريتي المسح والتنقيب الجيولوجي والمخابر في المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، وبالتنسيق مع فرع المؤسسة في حمص، أجرت دراسة ميدانية شاملة لمواقع توزّع الرمال الكوارتزية الإنشائية والصناعية في منطقة القريتين وما حولها بريف محافظة حمص.

وتأتي هذه الخطوة ضمن إطار تقييم هذه المواقع وإعداد البيانات الفنية اللازمة؛ بما يسهم في تحديد إمكانات الاستثمار، وتعزيز المعرفة الجيولوجية للمنطقة.

وتعد رمال القريتين في ريف حمص الشرقي واحدة من أبرز الثروات الطبيعية في سوريا، لما تتمتع به من خصائص جيولوجية نادرة تجعلها من أهم مصادر الرمال السيليسية عالية النقاوة.

وتدخل هذه الرمال في صناعات استراتيجية، في مقدمتها الزجاج والإسمنت والعديد من الصناعات الكيميائية، وتمتد هذه الرمال على مساحات واسعة في محيط القريتين، مشكلةً مخزوناً طبيعياً ضخماً يمثل ركيزة اقتصادية مهمة في المنطقة.

وأوضح "كفاح زرير" إعلامي إدارة منطقة القريتين، في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أن جبال رمال السيليكا في القريتين تنتشر على امتدادات جغرافية كبيرة جداً شمالاً وجنوباً وغرباً، لافتاً إلى أن طول هذه المساحات قد يصل إلى نحو 35 كيلومتراً أو أكثر، ما يعكس الحجم الهائل لهذا المورد الطبيعي.

وأكد أن استثمار هذه رمال السيليكا يتم منذ عشرات السنين، ضمن سياق منظم وتحت إشراف الجهات المختصة، مشيراً إلى وجود منع أمني ورسمي لأي عمليات استخراج عشوائية، في إطار ضبط هذا القطاع الحيوي.

كما شدد على أن الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن استثمار رمال السيليكا هي المؤسسة العامة للجيولوجيا، التي تتولى تنظيم عمليات استخراج وبيع الرمال، وبيّن أن الرمال تُباع من قبل المؤسسة للمواطنين والشركات والمعامل وفق آليات قانونية واضحة، ولا يمكن لأي جهة الحصول عليها أو نقلها دون ترخيص رسمي، ما يعزز ضبط هذا المورد ويحد من أي تجاوزات.

وأضاف أن هذه الرمال تستخدم بشكل أساسي في الصناعات الكبرى، لا سيما صناعة الزجاج، إضافة إلى دورها في معامل الإسمنت، وهو ما يفسر الطلب المستمر عليها.

وتُظهر المعطيات الجيولوجية أن رمال القريتين تُصنف ضمن أفضل أنواع الرمال السيليسية، نظراً لاحتوائها على نسب مرتفعة من السيليكا، ما يجعلها مادة أساسية في صناعات متقدمة تشمل الزجاج عالي الجودة، والسيراميك، ومواد البناء، فضلاً عن استخداماتها في الصناعات الكيميائية.

كما تشير التقديرات إلى وجود احتياطات ضخمة من هذه الرمال تقدر بعشرات الملايين من الأطنان، يتم استثمارها عبر مقالع مكشوفة ضمن خطط إنتاج سنوية، سواء من خلال استثمار مباشر أو بالشراكة مع القطاع الخاص، في إطار دعم القطاع الصناعي وتلبية احتياجات السوق المحلية.

ويعكس هذا الملف أهمية رمال القريتين كأحد الموارد الاستراتيجية في سوريا، حيث يتداخل البعد الاقتصادي مع التنظيم الإداري، في نموذج يعتمد على الإشراف المؤسسي لضمان استثمار هذه الثروة بشكل منظم، مع الحفاظ على استمراريتها ومنع استغلالها خارج الأطر القانونية.

وفي عام 2010، قالت مؤسسة الجيولوجيا إنها تسعى بكافة الوسائل المتاحة لتكثيف الدراسات والأبحاث في مناطق انتشار الرمال الكوارتيزية، وإجراء الاختبارات التكنولوجية اللازمة للاستفادة الكاملة منها في أغراض الصناعات الحديثة.

ولفتت إلى أن الرمال المنتشرة في سوريا عبارة عن مواد رسوبية سيليسية تحتوي على نسب مختلفة من السيليكا تصل أحياناً إلى 99 بالمئة، وهي توجد ضمن التوضعات العائدة للزمن الجيولوجي أعلى الأوليغوسين أسفل الميوسين، والتي نشأت في ظروف بحيرية شاطئية هادئة، وغالباً ما تكون على شكل عدسات.

واكتُشفت هذه الرمال في المنطقة الوسطى في القريتين والدعكانة، والمنطقة الجنوبية في التنايا ويبرود والسحل، والمنطقة الشرقية في جبل البشري، وتُعد الرمال الكوارتيزية الموجودة في القريتين من أفضل أنواع الرمال السيليسية.

ويُقدَّر احتياطي رمال القريتين بحوالي 150 مليون طن من الرمال النقية الصالحة لأغراض الصناعة، ونحو 45 مليوناً من الرمال المشوبة اللازمة لأعمال البناء والإنشاءات.

كما تدخل في المجالات الصناعية الكيميائية، كصناعة الزجاج العادي والزجاج عالي الجودة بعد معالجتها بالفرز والتصنيف والغسيل، كما تدخل في صناعة الزجاج المائي (سيليكات الصوديوم).

ويتألف هذا الزجاج من مصهور الرمل الزجاجي وكبريتات الصوديوم، ويُستعمل كمادة لاصقة أو كمرجع قلوي ووسط محلل للسيليكات، كما أنه يدخل في صناعة الصابون والتعليب ومواد الصقل وأحجار الجلخ والجلود.

وتُستعمل هذه الرمال أيضاً في صناعة الخيوط الزجاجية التي تدخل في صناعة السفن والطائرات والمحطات الكهربائية والمحولات، وسيكون لهذه الصناعة دور مهم في سوريا مع تطور صناعة اللدائن المستخدمة كمواد بديلة عن المنتجات المعدنية والفولاذية، نظراً للصفات التي تتميز بها كالعزل والمتانة.

وكذلك في صناعة الإسمنت، حيث تُستخدم في خلطة المواد الأولية وتعديل نسب العناصر ومعاملات الكلنكر، إضافة إلى صناعة البورسلان والسيراميك عبر مزج الجسم الرئيس ومواد التزجيج.

وتعد جبال ومرتفعات منطقة القريتين شرقي حمص في سوريا مخزوناً استراتيجياً من أنقى رمال السيليكا (الكوارتس) عالمياً تشتهر محلياً باسم "المازار"، وتتواجد في تضاريس مثل جبل حسياء والقلمون الغربي، وتعتبر ثروة طبيعية هائلة تستخدم في صناعات الزجاج، البناء، والطاقة الشمسية.

الكاتب: فريق العمل - محمد العلي
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ