إطلاق النار العشوائي في سوريا بين الواقع القانوني والمخاطر المجتمعية
يشكّل انتشار السلاح خارج الإطار المنظم في عدد من المناطق تحدياً أمنياً واجتماعياً متزايداً، لما يرافقه من انعكاسات على حياة المدنيين واستقرار المجتمع، وتبرز خطورته في الحوادث المتكررة الناتجة عن الاستخدام العشوائي للسلاح أو الخلافات التي قد تتطور إلى أعمال مسلحة، ما يجعله من القضايا المرتبطة بشكل مباشر بالسلامة العامة.
وتظهر هذه المخاطر في بعض الحالات المرتبطة بإطلاق النار، حيث تتحول إلى أسباب لحوادث مؤلمة، ومن ذلك وفاة شاب من حماة في ليلة زفافه متأثراً برصاص طائش، بعد إطلاق النار خلال الحفل، ما أدى إلى إصابته ووفاته في لحظة كان يُفترض أن تكون مناسبة فرح.
وتتكرر مثل هذه الحوادث في سياقات مختلفة، سواء خلال خلافات فردية أو في مناسبات اجتماعية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى إصابات أو خسائر بشرية، ويعكس حجم المخاطر المرتبطة بانتشار السلاح بشكل عشوائي.
وفي هذا الإطار، يخضع موضوع حيازة واستخدام السلاح لضوابط قانونية تهدف إلى تنظيمه والحد من أي استخدام خارج الإطار المسموح به، بما يحفظ سلامة الأفراد ويحد من المخاطر المرتبطة به.
الإطار القانوني لحيازة السلاح وعقوبات الإطلاق العشوائي في سوريا
قال المحامي باسل محمد موسى، المسجل لدى نقابة المحامين في دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن حيازة السلاح في سوريا تخضع لإطار قانوني منظم بموجب المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 2001 وتعديلاته، ولا سيما القانون رقم 14 لعام 2022، الذي ينظم حيازة وحمل الأسلحة والذخائر.
وأوضح أن حيازة السلاح دون ترخيص مسبق من وزارة الداخلية تُعد جرماً يعاقب عليه القانون، مبيناً أن الترخيص يقتصر على المسدسات الحربية وبنادق الصيد وذخائرها، في حين يُمنع بشكل كامل امتلاك الأسلحة الحربية الآلية مثل الكلاشينكوف للأفراد العاديين.
وأشار إلى أنه حتى في حال وجود ترخيص قانوني، يُمنع حمل السلاح في أماكن التجمعات والمظاهرات والملاعب والمناطق الرسمية.
ولفت إلى أن القانون السوري شدد العقوبات المتعلقة بالإطلاق العشوائي للنار، حيث يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة مالية كبيرة كل من يطلق النار في المناسبات أو التجمعات، حتى في حال عدم وقوع إصابات، مع مصادرة السلاح المستخدم وإلغاء ترخيصه إن وجد.
وبيّن أن العقوبات تتصاعد في حال وقوع إصابات أو وفيات، إذ تتحول القضية من جنحة إلى جناية، فالإصابة التي تؤدي إلى عجز أو عاهة دائمة قد تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة المؤقتة بين 3 و15 سنة، بينما في حال الوفاة تُكيف القضية غالباً كجناية قتل قصدي بسبب القبول بالمخاطرة، وتصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة لسنوات طويلة وقد تبلغ الحد الأقصى في حال تكرار الجرم.
أثر انتشار السلاح خارج إطار الدولة وسبل الحد من الظاهرة وآليات التبليغ
وأوضح أن انتشار السلاح خارج إطار الدولة يسهم في تفاقم الظاهرة نتيجة غياب الرقابة وصعوبة تتبع السلاح غير المسجل، إضافة إلى وجوده بيد أشخاص غير مدربين أو غير مؤهلين، ما قد يحول المناسبات أو الخلافات إلى حوادث خطيرة، فضلاً عن ضعف الردع الاجتماعي الناتج عن انتشار هذه الممارسة في بعض الأوساط.
وأكد أهمية حصر السلاح بيد الدولة باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة لفرض القانون، مشيراً إلى أن ذلك يساهم في الحد من الجريمة المنظمة والنزاعات العشائرية وحوادث القتل الخطأ، ويحافظ على الاستقرار ويمنع تحول الخلافات البسيطة إلى مواجهات مسلحة.
وأضاف في تصريح لـ شام، أن تطبيق القانون يواجه بعض التحديات، من بينها الضغوط الاجتماعية والوساطات التي قد تعرقل وصول بعض القضايا إلى القضاء، إضافة إلى الخوف من التبليغ بسبب احتمال الانتقام.
وذكر أن المواطن المتضرر يمكنه الإبلاغ الفوري عبر رقم الطوارئ أو التوجه إلى أقرب مخفر شرطة لتنظيم ضبط رسمي وتحديد الشهود، كما يمكنه اللجوء إلى القضاء عبر توكيل محامٍ للمطالبة بالحق الشخصي والتعويض عن الأضرار.
وأكد موسى ضرورة تعزيز التوعية المجتمعية بخطورة الظاهرة، وتطبيق القانون بشكل صارم دون استثناءات، وتسهيل آليات التبليغ عبر قنوات سرية أو إلكترونية، إلى جانب إطلاق مبادرات لتسليم السلاح غير المرخص مقابل إعفاءات قانونية مؤقتة للحد من انتشاره.
إطلاق النار العشوائي بين المخاطر والحلول الوقائية
يرى أخصائيون اجتماعيون أن ظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات أو خلال الخلافات ترتبط بجوانب سلوكية داخل المجتمع، حيث تتحول في بعض الحالات إلى ممارسة يتم التعامل معها بشكل غير دقيق من حيث خطورتها.
ويشيرون إلى أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطرها، وترسيخ ثقافة احترام السلامة العامة، إلى جانب دور الأسرة والمجتمع في رفض هذا السلوك وعدم التهاون معه، لما يسببه من تهديد مباشر لحياة الأفراد.
ويؤكد الأخصائيون أن الحد من ظاهرة إطلاق النار العشوائي يتطلب مجموعة من الإجراءات الوقائية، تبدأ بتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر هذا السلوك وما قد يسببه من أضرار جسدية وخسائر بشرية، إلى جانب دور الأسرة في رفضه وعدم التعامل معه كتصرف اعتيادي في المناسبات.
كما ينوهون إلى أهمية تفعيل دور المؤسسات المحلية في نشر ثقافة السلامة العامة، وتشديد الرقابة على استخدام السلاح خارج الإطار القانوني، بما يحد من تكرار هذه الحوادث ويعزز الشعور بالأمان داخل المجتمع.
ويبقى إطلاق النار العشوائي أحد المخاطر التي تهدد السلامة العامة، لما قد يسببه من حوادث وإصابات تمس الأفراد والمجتمع، تظهر هذه الحوادث في سياقات مختلفة سواء خلال خلافات أو مناسبات، ما يعكس استمرار هذه الممارسة في بعض الحالات، ويرتبط التعامل معها بضرورة الالتزام بالضوابط التي تحد من آثارها وتقلل من تكرارها.