حين تتحول التعليقات إلى أذى: ملامح التنمر الإلكتروني في سوريا
حين تتحول التعليقات إلى أذى: ملامح التنمر الإلكتروني في سوريا
● مجتمع ٨ مايو ٢٠٢٦

حين تتحول التعليقات إلى أذى: ملامح التنمر الإلكتروني في سوريا

في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، باتت ظاهرة التنمر الإلكتروني واحدة من أبرز السلوكيات التي تطال شريحة واسعة من السوريين بشكل يومي، فآلاف المستخدمين يتعرضون لتعليقات مسيئة أو ساخرة، تستهدف آراءهم أو صورهم أو حتى تفاصيلهم الشخصية، سواء من حسابات معروفة أو مجهولة.

 ولا يقتصر الأمر على الاختلاف في وجهات النظر، بل يتجاوز ذلك في كثير من الأحيان إلى هجوم لفظي مباشر يقلّل من الآخر ويحوّل مساحة التعبير إلى بيئة غير آمنة، ما يعكس تحوّلاً ملحوظاً في طبيعة التفاعل داخل الفضاء الرقمي.

تتعدد أنماط التنمر الإلكتروني على منصات التواصل، حيث يظهر في بعض الحالات على شكل تعليقات تهكمية مباشرة أو ردود جارحة على المنشورات، إضافة إلى أسلوب السخرية غير المباشرة أو التلميح، كما يتجسد أحياناً في حملات هجوم جماعي على محتوى معين، أو إعادة نشر كلام الأشخاص بطريقة مشوهة بهدف الإحراج أو الإساءة

كثيراً ما ينشر أشخاص صوراً شخصية أو عائلية على منصات التواصل الاجتماعي، ليواجهوا لاحقاً تعليقات ساخرة تتعلق بملامحهم أو مظهرهم أو طريقة لباسهم، ما قد يدفع بعضهم إلى حذف المنشور أو حتى إيقاف حساباتهم نتيجة الضغط الناتج عن هذه التعليقات.

كما ينشر آخرون آراءً اجتماعية أو فكرية، لتتحول التعليقات في بعض الأحيان إلى سخرية أو تقليل من شأنهم بدل مناقشة الفكرة نفسها، إضافة إلى مواقف مشابهة تعكس أشكالاً مختلفة من التفاعل السلبي عبر هذه المنصات.

خلفيات الظاهرة وتداعياتها

قالت الكاتبة الصحفية إيمان سرحان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة التنمر الإلكتروني في سوريا ترتبط بجملة من العوامل ذات الصلة بالواقع المعيشي والاجتماعي، إذ يدفع الضغط الاقتصادي وتراكم الأزمات اليومية بعض الأفراد إلى تفريغ التوتر والغضب عبر منصات التواصل.

وأضافت أن الشعور بالخفاء الذي توفره الحسابات الوهمية يلعب دوراً في تقليل الإحساس بالمسؤولية، ما يفتح المجال لكتابة تعليقات مسيئة دون تردد، إلى جانب ذلك ضعف الوعي بثقافة الحوار الرقمي، حيث يتحول الاختلاف في الرأي بسرعة إلى هجوم شخصي، في ظل بيئة مشحونة بالاستقطاب والتوتر.

وذكرت أن هذا النمط من الإساءة يترتب عليه عدد من التداعيات السلبية، أبرزها تعرّض كثيرين لأذى نفسي يتمثل في القلق وفقدان الثقة والانكفاء عن المشاركة، خاصة لدى الفئات الأكثر حساسية مثل الأفراد الذين لديهم حساسية تجاه النقد أو الضغط الاجتماعي.

إلى جانب ذلك يساهم في تراجع مستوى النقاش العام وتحويل منصات التواصل إلى مساحات مشحونة بالتوتر بدل أن تكون فضاءً للحوار، ونوّهت إلى أنه على مستوى أوسع، يؤدي هذا السلوك إلى تطبيع الإساءة وجعلها سلوكاً مألوفاً، ما يضعف الثقة بين الناس، ويؤثر في صورة الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

وفي سياق الحديث عن الحلول الممكنة، أكدت سرحان أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة متكاملة تبدأ بتعزيز الوعي الرقمي، من خلال إدخال مفاهيم أخلاقيات الاستخدام في المدارس والإعلام، وتشجيع ثقافة الاختلاف القائم على الاحترام. 

وأشارت إلى أن دور الأسرة في توجيه الأبناء ومتابعة سلوكهم على الإنترنت، إلى جانب أهمية تفعيل القوانين المتعلقة بالإساءة الإلكترونية وتطبيقها بشكل فعّال، كذلك، يمكن للمنصات والصفحات المحلية أن تسهم عبر وضع سياسات واضحة لإدارة التعليقات والحد من المحتوى المسيء، بالتوازي مع دعم المتضررين نفسياً وتشجيع بيئة تواصل أكثر أماناً.

الوعي والرقابة في مواجهة التنمر الإلكتروني

يشير مختصون في علم النفس والاجتماع إلى أن بيئة التنمر الإلكتروني لا تتعلق فقط بمحتوى الإساءة بقدر ما ترتبط بطريقة تفاعل الأفراد داخل المنصات الرقمية، حيث تسهم سرعة التفاعل وإمكانية إخفاء الهوية في خلق مساحة أقل التزامًا بالضوابط الاجتماعية المعتادة.

وبيّنوا أن هذا النمط من التفاعل قد يؤدي إلى تحوّل النقاشات من تبادل آراء إلى ردود فعل انفعالية متسارعة، ما ينعكس على جودة الحوار العام وطبيعة التواصل بين المستخدمين.

ويرى المختصون أن الحد من التنمر الإلكتروني يرتبط بشكل أساسي بتعزيز التوعية الإعلامية التي تشرح آثار السلوك المسيء على المتلقي، وتساعد المستخدمين على إدراك أن الكلمات الرقمية تترك أثراً حقيقياً لا يختلف عن الأذى المباشر. 

ويشيرون إلى أن هذه التوعية تكون أكثر فاعلية عندما تتكامل مع دور الأسرة والمدرسة في تنشئة الأفراد على أسلوب الحوار واحترام الرأي الآخر منذ سن مبكرة، ما ينعكس لاحقاً على سلوكهم داخل الفضاء الرقمي.

كما يلفتون إلى أهمية القوانين وسياسات المنصات الرقمية في الحد من هذا السلوك، من خلال ضبط المحتوى المسيء، وتطبيق إجراءات بحق الحسابات التي تكرر الإساءة، بما يساهم في خلق بيئة تواصل أكثر التزامًا ومسؤولية.

في ظل توسع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، يظل التنمر الإلكتروني أحد الظواهر المرتبطة بالتفاعل اليومي داخل الفضاء الرقمي، والتي تتخذ أشكالاً متعددة وتنعكس على طبيعة التواصل بين المستخدمين.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ