كيف تحولت قضية "بتول علوش" إلى منصة تحريض ودعوات للفوضى في الساحل؟
كيف تحولت قضية "بتول علوش" إلى منصة تحريض ودعوات للفوضى في الساحل؟
● مجتمع ١١ مايو ٢٠٢٦

كيف تحولت قضية "بتول علوش" إلى منصة تحريض ودعوات للفوضى في الساحل؟

تحولت قضية الشابة "بتول علوش" خلال أيام قليلة من بلاغ عائلي حول اختفاء طالبة جامعية في الساحل السوري، إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام والتحريض الطائفي على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تصاعد خطابات التخوين والدعوات إلى الاحتجاج والهجوم على مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، في مشهد أعاد إلى الواجهة نشاط شبكات مرتبطة بفلول النظام البائد سعت لاستثمار القضية سياسياً وأمنياً وإعلامياً.

وبدأت القضية عندما ظهر والد ووالدة الشابة "بتول علوش" في تسجيل مصور طالبا خلاله الجهات المعنية والرأي العام بالمساعدة في العثور على ابنتهما، مؤكدين أنها اختفت يوم الأربعاء 29 نيسان/أبريل، بعد أن أبلغت والدتها بنيتها العودة إلى المنزل عقب وجودها في جامعة اللاذقية، قبل أن ينقطع الاتصال بها بشكل مفاجئ.

وبحسب رواية العائلة، فإن المعلومات الأولية التي وصلتهم لاحقاً أشارت إلى أن ابنتهم ليست مختطفة، بل موجودة في مدينة جبلة، الأمر الذي زاد حالة الغموض والجدل المحيط بالقضية، ودفع العائلة للمطالبة بكشف ملابسات ما جرى ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت تعرضها للخطف.

لاحقاً، انتشر مقطع مصور ظهرت فيه بتول مرتدية لباساً شرعياً، مؤكدة أنها غير مختطفة وأنها اعتنقت الدين الإسلامي بإرادتها، قبل أن يظهر والداها مجدداً ويؤكدا أنهما التقيا بها وأنها لم تتعرض للاختطاف.

غير أن القضية عادت للتصعيد بعد تداول تسجيل جديد لذوي الفتاة تحدثوا فيه عن تعرضها لـ"الخطف والسبي" وفق تعبيرهم، ما تسبب بإعادة إشعال موجة واسعة من التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال والد الفتاة إن ظهوره السابق نافياً اختطاف ابنته لم يكن بإرادته، وإنما نتيجة ضغوط مورست عليه مقابل وعود بتسليمها، مؤكداً أنه لم يستلمها لاحقاً، كما نفى أن تكون ابنته قد غيّرت دينها.

في المقابل، اتهمت والدة بتول من وصفتهم بـ"متشددي وأمراء جبلة" باختطاف ابنتها و"سبيها"، مدعية أنها محتجزة داخل مركز “الأخوات”، كما وجهت مناشدة إلى دولة الإمارات للتدخل، الأمر الذي تسبب بتوسيع دائرة التفاعل والتجييش الطائفي إلكترونياً.

ورصدت شبكة شام الإخبارية خلال الساعات الماضية موجة مكثفة من المحتوى التحريضي الذي تجاوز حدود التضامن مع العائلة إلى الدعوات المباشرة للخروج بمظاهرات ذات طابع طائفي في الساحل السوري، إلى جانب منشورات تضمنت تحريضاً ضد عناصر الأمن الداخلي ومؤسسات الدولة، ومحاولات واضحة لإعادة إنتاج خطاب الفتنة والانقسام المجتمعي.

وأظهرت عملية الرصد أن عدداً من الحسابات والصفحات المرتبطة بفلول النظام البائد لعبت دوراً محورياً في تضخيم القضية وتقديمها باعتبارها "حالة خطف طائفي ممنهجة"، رغم غياب أي إثباتات قضائية أو أمنية تؤكد ذلك حتى اللحظة.

كما تبيّن أن شخصيات إعلامية وناشطين وضباطاً سابقين محسوبين على النظام البائد شاركوا بشكل مباشر في تأجيج الخطاب التحريضي، ومن بينهم الإعلامي الحربي السابق وحيد يزبك، وغزال غزال رئيس المجلس العلوي، ومحمد ميهوب إمام وخطيب جامع الإمام جعفر الصادق في طرطوس، إلى جانب الممثلة "سلاف فواخرجي" التي نشرت منشوراً تحدثت فيه عن "السبي الاجتماعي" وربطت القضية بحوادث أخرى تحت وسم "إنقاذ المخطوفات".

كما برزت أسماء أخرى في سياق التحريض والتجييش، من بينها "محمد غزوان" المتهم بتهديد ذوي الفتاة للتراجع عن تصريحاتهم السابقة، إضافة إلى "سقراط رحية، وأفروا عيسى، ومصطفى رستم وأمجد بدران وصالح منصور ورفيق لطف وكريستين شاهين، وكنان وقاف، فضلاً عن عشرات الصفحات والحسابات التي أعادت تدوير الخطاب ذاته.

وفي مقابل موجة التحريض، شهدت القضية تطورات ميدانية وإعلامية جديدة، حيث عقد يوم أمس اجتماع موسع في إدارة منطقة جبلة استمر لساعات، بحضور وجهاء من قرية "بتول علوش"، وعدد من الإعلاميين، وممثلين عن جهات رسمية.

وقال الإعلامي "شادي العوينة" الذي حضر الاجتماع، إن "بتول أوضحت كل شيء، ولا دخل لأحد بعلاقتها بينها وبين ربها" مضيفاً أنها قالت إنها ستفكر لاحقاً بالعودة إلى أهلها من عدمها، كما أكد الناشط "عبد الرحمن طالب" الذي حضر اللقاء أيضاً، أن الفتاة ليست مخطوفة ولم تُجبر على أي شيء نافياً الروايات المتداولة حول تعرضها للاحتجاز القسري.

وفي السياق ذاته، نشر المحامي "أكرم حسن"، وكيل الفتاة، توضيحاً أوضح فيه أنه رافق موكلته إلى مكتب الأمن الجنائي في جبلة بناء على طلبها، بعد أن قامت بتوكيله رسمياً داخل القصر العدلي، وأكد المحامي أن موكلته شددت خلال التحقيقات على أنها غادرت منزل عائلتها طوعاً نتيجة ضغوط عائلية واجتماعية تعرضت لها، معتبراً أن تحديد وجود الإكراه من عدمه يبقى حصراً من اختصاص القضاء السوري.

وأشار المحامي إلى أن حملات التخوين والتحريض التي رافقت القضية تسعى إلى إشعال نار الفتنة مؤكداً أن هدفه الأساسي يتمثل بالحفاظ على السلم الأهلي ومنع استثمار القضية لإثارة الانقسام المجتمعي.

وترافقت القضية مع إعادة تداول شائعات قديمة وحديثة حول "اختطاف فتيات ونساء" في الساحل السوري، وهي روايات سبق أن حققت فيها وزارة الداخلية السورية خلال الأشهر الماضية.

وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد أعلن خلال مؤتمر صحفي سابق نتائج لجنة تحقيق شُكلت لمتابعة مزاعم اختطاف نساء وفتيات في محافظات الساحل، موضحاً أن التحقيقات شملت 42 حالة جرى تداولها منذ بداية العام، وتبين أن 41 منها غير صحيحة، فيما ثبت وقوع حالة اختطاف واحدة فقط انتهت بإعادة الفتاة بسلام.

وأكد البابا حينها أن كثيراً من القضايا المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اتضح لاحقاً أنها ذات طابع اجتماعي أو جنائي فردي، إلا أن بعضها استُغل لنشر الشائعات وإثارة البلبلة والتحريض الطائفي.

وتشير المعطيات التي رصدتها شبكة شام إلى أن قضية بتول علوش تحولت خلال أيام إلى نموذج واضح لاستثمار الحوادث الاجتماعية الفردية في تغذية الاستقطاب الطائفي والسياسي، عبر حملات منظمة دفعت باتجاه التشكيك بمؤسسات الدولة السورية والتحريض ضد الأمن الداخلي، ومحاولة خلق حالة احتقان في الساحل السوري تحت عناوين دينية وطائفية، رغم استمرار التحقيقات الرسمية وعدم صدور أي نتائج قضائية نهائية حتى الآن.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ