٦ مايو ٢٠٢٦
تشهد مرحلة الشهادة الثانوية العامة في سوريا، لجوء بعض الأهالي إلى اتباع أساليب صارمة في التعامل مع أبنائهم، من خلال دفعهم إلى الدراسة لساعات طويلة وفرض برامج مكثفة، في محاولة لضمان تحقيق معدلات مرتفعة تتيح لهم دخول تخصصات يرونها “مرموقة” مثل الطب أو الهندسة أو الصيدلة.
وغالباً ما يرتبط هذا التوجه برغبة في تحقيق مكانة اجتماعية أو الظهور بصورة معينة أمام الآخرين، في المقابل، تميل عائلات أخرى إلى توجيه أبنائها نحو مسارات محددة دون مراعاة ميولهم أو اهتماماتهم، ما يطرح تساؤلات حول حدود دور الأهل بين الدعم والتوجيه، وبين الضغط وفرض الاختيارات.
إلا أن هذه الممارسات لا تمر دون آثار على الطلاب، إذ قد تنعكس في ارتفاع مستويات القلق والتوتر، وتراجع الدافعية نحو الدراسة، إلى جانب صعوبات في التركيز والأداء خلال الامتحانات، كما يمكن أن تدفع بعضهم إلى التسويف أو الشعور بالإرهاق الذهني، ما يؤثر على تحصيلهم الدراسي بشكل عام.
ضغوط متزايدة على طلاب البكالوريا… بين التحفيز والنتائج السلبية
قال الدكتور محمد الحمادي، عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بداية مرحلة الثالث الثانوي، أو ما تُعرف بالبكالوريا، هي مرحلة فاصلة في المستقبل الدراسي للطلبة، لذلك يبالغ بعض الأهل في الضغط على أبنائهم الطلبة بشكل عام، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن الضغط المعتدل قد يكون محفزاً أحياناً، لكن الضغط الزائد غالباً ما يؤدي إلى نتائج سلبية على الجانب النفسي والدراسي.
وأضاف أن من أبرز الضغوط التي يمارسها الأهل الإصرار على تحقيق معدلات عالية جداً، ودخول تخصصات محددة كالطب والصيدلة والهندسة، دون مراعاة ميول الطالب أو قدراته، مع مقارنة مستمرة بالآخرين، إلى جانب المراقبة الزائدة للدراسة، كالتدخل في كل تفاصيل المذاكرة، ووضع جدول دراسي صارم دون مرونة، مما قد يقلل من شعور الطالب بالاستقلالية.
وذكر أن من بين الضغوط أيضاً التخويف من الفشل، واستخدام أسلوب التهديد أو المبالغة في عواقب الرسوب مثل "تضييع المستقبل"، وهو ما يرفع مستوى القلق بدل التحفيز، إضافة إلى المقارنة بالزملاء أو الإخوة، إذ إن مقارنة الطالب بزملائه المتفوقين أو بأشقائه تولد لديه شعوراً بالنقص أو الإحباط، عدا عن الضغط الاجتماعي والسمعة، أي ربط نجاح الطالب بصورة العائلة أمام المجتمع، وكأن النتيجة الدراسية هي انعكاس مباشر لقيمة الأسرة.
حين يتحول الضغط إلى عبء… تداعيات نفسية ودراسية على الطلاب
وأشار الحمادي إلى أن الضغط المستمر يترك استجابة فسيولوجية، واستمرار هذه الاستجابة يؤثر على اضطراب العمليات المعرفية، مثل ضعف الانتباه والتركيز والإدراك والمحاكمة، إضافة إلى ضعف الذاكرة والتذكر.
وبيّن في حديث لـ شام أن من أبرز النتائج أيضاً انخفاض الدافعية للتعلم، فعندما تتحول الدراسة إلى وسيلة لتجنب العقاب أو إرضاء الآخرين، يفقد الطالب الدافعية الداخلية، مما يؤدي إلى أداء دراسي أقل جودة على المدى الطويل.
ولفت إلى أن بعض الطلاب يلجؤون إلى التسويف وتجنب الدراسة، إذ يتجهون إلى التأجيل أو الهروب منها كآلية دفاعية أمام الضغط النفسي، مما يزيد من تراكم المهام وضعف التحصيل.
وأوضح أن التوتر المرتفع داخل قاعة الامتحان قد يؤدي إلى زيادة الأخطاء، مثل التسرع وسوء فهم الأسئلة أو نسيان المعلومات رغم معرفتها مسبقاً، وأضاف أن الضغط المفرط لفترات طويلة قد يؤدي إلى الإرهاق الذهني والإنهاك الدراسي، أو ما يشبه الاحتراق الدراسي، حيث يشعر الطالب بالإجهاد وفقدان الطاقة الذهنية.
وتابع أن ذلك قد ينعكس أيضاً في تدني الأداء العام رغم الجهد المبذول، إذ قد يدرس الطالب لساعات طويلة، لكن بسبب الضغط النفسي لا ينعكس ذلك إيجاباً على النتائج، فتظهر فجوة بين الجهد والتحصيل.
وأشار إلى أن هذه الضغوط تنعكس على الحالة النفسية للطالب، من خلال ارتفاع مستوى القلق والتوتر، والشعور بالإجهاد النفسي، وتدني تقدير الذات، وانخفاض الدافعية، والعزلة الاجتماعية، إضافة إلى ظهور أعراض جسدية مثل الصداع، واضطرابات النوم والشهية، وبعض الاضطرابات الهضمية.
وبيّن أن إصرار بعض الأهالي على توجيه أبنائهم نحو اختصاصات محددة مثل الطب أو الهندسة يعود إلى عدة عوامل، أبرزها المكانة الاجتماعية المرتفعة لهذه التخصصات، والاعتقاد بأنها توفر استقراراً وظيفياً ودخلاً مادياً مضموناً.
كما قد يعكس ذلك طموحات غير محققة لدى الأهل، أو تأثراً بالثقافة المجتمعية التي تمجد هذه الاختصاصات، إضافة إلى القلق على مستقبل الأبناء والرغبة في ضمانه، وأحياناً تدعم هذه التوجهات المقارنات الاجتماعية مع الآخرين.
إجبار الأبناء على التخصصات… آثار نفسية ودراسية تمتد للمستقبل
وأوضح أن إجبار الطالب على دراسة اختصاص لا يتوافق مع ميوله أو قدراته يترك آثاراً نفسية ودراسية واضحة، من بينها انخفاض الرضا النفسي، وضعف الدافعية الداخلية، وارتفاع القلق والتوتر، وضعف الثقة بالنفس وتقدير الذات، وقد يصل الأمر إلى الاحتراق النفسي.
وأضاف أن التأثيرات الأكاديمية تشمل ضعف التحصيل الدراسي، وتراجع الأداء في الامتحانات، والتسويف أو الانسحاب من الدراسة، وصعوبة الاستمرارية، وقد يصل الأمر إلى تغيير التخصص أو التعثر الأكاديمي، إلى جانب انخفاض جودة التعلم.
وأشار إلى أن ذلك قد يؤثر على استمرارية الطالب في الدراسة ونجاحه على المدى الطويل، إذ يؤدي إلى ضعف الدافعية، وزيادة احتمالية التعثر أو تغيير التخصص أو حتى الانقطاع عن الدراسة، كما ينعكس في انخفاض التحصيل وجودة التعلم، وتأخر التخرج، وضعف الجاهزية لسوق العمل، وانخفاض الرضا الوظيفي لاحقاً.
وبيّن أن للأهل دوراً مهماً في دعم أبنائهم، من خلال توفير بيئة تربوية قائمة على التشجيع والثقة بدل الإكراه والتهديد، والتركيز على تقدير الجهد لا النتائج فقط، واحترام ميول الأبناء وقدراتهم، ومنحهم مساحة من الاستقلالية في اتخاذ القرار مع متابعة معتدلة.
وأضاف أن تجنب المقارنات مع الزملاء أو النقد المستمر يسهم في الحفاظ على الثقة بالنفس وتقدير الذات، مقابل اعتماد أسلوب الدعم النفسي وتوفير بيئة آمنة للتعبير عن الضغوط والصعوبات، ما يعزز الدافعية الداخلية ويزيد فرص النجاح الأكاديمي والتكيف النفسي.
وقدم الدكتور محمد مجموعة من النصائح، من أبرزها التركيز على الدعم النفسي بدل الضغط الأكاديمي من خلال التشجيع المستمر وتخفيف القلق بدل التهديد أو التخويف من الفشل، فالمساندة تساعد الطالب على الأداء بشكل أفضل، وشدد على أهمية احترام قدرات الأبناء وميولهم وعدم فرض تخصصات أو توقعات غير واقعية؛ لأن التوافق بين الميول والدراسة يعد عاملاً مهماً في النجاح والاستمرارية.
وأكد في ختام حديثه على ضرورة تجنب المقارنات سواء مع الإخوة أو الزملاء، لأن ذلك يضعف الثقة بالنفس ويزيد القلق والتوتر، إلى جانب توفير بيئة دراسية متوازنة، واعتماد الحوار المفتوح، إضافة إلى المشاركة الإيجابية في تنظيم الدراسة دون تدخل مفرط، منوهاً إلى أن النجاح لا يُقاس بالدرجات فقط، بل يشمل أيضاً الصحة النفسية.
٦ مايو ٢٠٢٦
شهد مفهوم الرفاهية في سوريا تحوّلاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تطورات السنوات التي رافقت الثورة، وما فرضته من ظروف معيشية قاسية تمثلت في النزوح، وفقدان مصادر الدخل، وتراجع القدرة الشرائية، وتهدّم المنازل، إلى جانب انتشار البطالة، هذه المعطيات انعكست بشكل مباشر على نمط الحياة اليومية، وأعادت ترتيب أولويات الأسر.
وفي ظل هذه التغيرات، انتقلت العديد من العائلات من التفكير في الكماليات إلى التركيز على تأمين الاحتياجات الأساسية، بل إن بعض ما كان يُعد من الضروريات بات يُنظر إليه كنوع من الرفاهية، وأمام هذا الواقع، اضطر كثير من السوريين إلى التخلي عن تفاصيل كانت جزءاً من حياتهم اليومية، في محاولة للتكيّف مع ظروف جديدة فرضت معايير مختلفة لمفهوم “العيش المقبول”.
فعلى سبيل المثال، كانت العديد من العائلات قبل سنوات قادرة على السفر داخل سوريا وخارجها، والذهاب إلى المطاعم بشكل دوري، والاشتراك في أندية رياضية أو دورات تعليمية مدفوعة دون حساب كبير للتكاليف، كما شمل ذلك إقامة مناسبات اجتماعية واسعة، وقضاء أوقات ترفيهية بشكل منتظم.
وفي الوقت ذاته كانت بعض العائلات تتمكن من تجديد أثاث المنزل أو شراء كماليات، إلى جانب امتلاك سيارة أو استبدالها بين فترة وأخرى، إلا أن هذه الأنشطة تراجعت بشكل ملحوظ، وأصبحت لدى كثيرين مؤجلة أو خارج الأولويات، في ظل تراجع مستوى الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ امتدّ التغيّر ليطال الاحتياجات الأساسية، حيث بات بعضها يُصنّف ضمن الرفاهيات، فالكهرباء المستمرة أصبحت أمراً غير متاح بسهولة، وكذلك تأمين مواد التدفئة بشكل كافٍ خلال فصل الشتاء.
كذلك أصبح تأمين بعض المواد الغذائية، بما في ذلك المؤونة الشتوية بكامل أصنافها، تحدياً لدى كثير من العائلات، وامتد ذلك ليشمل تفاصيل أخرى كشراء ملابس جديدة أو الخروج والترفيه، وهي أمور تراجعت بشكل واضح في ظل الظروف المعيشية الراهنة.
وانعكس هذا التغيّر على سلوك الناس في حياتهم اليومية من خلال إعادة تنظيم الأولويات داخل الأسرة، حيث أصبح الإنفاق موجّهاً بشكل أكبر نحو الضروريات، مع تقليص النشاطات غير الأساسية، كما تغيّرت أنماط الاستهلاك، فباتت القرارات الشرائية تُتخذ بعد حسابات دقيقة للكلفة والجدوى، بدل الاعتماد على العادة أو الرغبة.
وعلى المستوى الاجتماعي، انخفضت وتيرة بعض الأنشطة الترفيهية واللقاءات الموسّعة، مقابل ميل أكبر إلى الاكتفاء بالتواصل المحدود داخل الدائرة القريبة، كما برز سلوك الاعتماد على البدائل الأقل كلفة في العديد من تفاصيل الحياة اليومية، بما يعكس تكيفاً تدريجياً مع الواقع المعيشي الجديد.
وترك هذا التغيّر أثراً على الحالة النفسية لدى كثير من الأفراد، حيث أصبح التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية مرتبطاً بدرجة أكبر من الحسابات والضغوط المعيشية، ما أدى إلى شعور متزايد بالإجهاد في بعض الحالات.
في السياق نفسه تغيّر مفهوم الراحة لدى الناس، فلم يعد مرتبطًا بالرفاهيات السابقة بقدر ما أصبح يُقاس بقدرة الأسرة على تأمين الاحتياجات الأساسية واستمرار الحياة بشكل مستقر، مع وجود تفاوت واضح في درجة التكيّف من شخص لآخر.
ويشير مختصون في علم النفس والاجتماع إلى أن التغير في مفهوم الرفاهية داخل المجتمع لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل ينعكس أيضاً على طريقة تفكير الأفراد وتقييمهم لجودة حياتهم، فمع تراجع القدرة الشرائية وتغيّر الأولويات، يميل الناس إلى إعادة تعريف “الحياة الجيدة” بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة، بدل مقارنتها بالمعايير السابقة.
كما يلفتون إلى أن هذا التحول قد يخلق مستويات متفاوتة من التكيف بين الأفراد، حيث يظهر لدى البعض شعور بالضغط نتيجة الفجوة بين ما كان ممكناً في السابق وما هو متاح اليوم، في حين يتجه آخرون إلى التكيف التدريجي عبر تقليل التوقعات وإعادة تنظيم نمط الحياة بما ينسجم مع الواقع القائم.
مفهوم الرفاهية في سوريا تغيّر خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح، حيث تراجعت كثير من الكماليات وتقدمت الاحتياجات الأساسية لتصبح هي محور الحياة اليومية لدى شريحة واسعة من الأسر، هذا التحول لم ينعكس فقط على نمط المعيشة، بل امتد ليؤثر على طريقة تفكير الأفراد وتقييمهم لما يمكن اعتباره حياة مستقرة أو مقبولة، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية فرضت إعادة ترتيب الأولويات والتكيف مع واقع مختلف عمّا كان سابقاً.
٥ مايو ٢٠٢٦
في ظل الظروف التي يعيشها كثير من الأفراد في سوريا، لا يزال الجانب النفسي لدى البعض مهملاً أو يُنظر إليه على أنه أمر ثانوي، رغم ما يتركه من آثار واضحة على حياة الإنسان.
ويعتقد البعض أن ما يمرون به من ضغوط ومشاعر سلبية هو أمر طبيعي يمكن تحمّله دون الحاجة إلى متابعة أو دعم، إلا أن هذا الإهمال لا ينعكس على الشخص نفسه فقط، بل يمتد ليؤثر على سلوكه وعلاقاته، خاصة مع من حوله.
في هذا السياق، تبرز الصحة النفسية كعامل أساسي في حياة الأفراد في سوريا، خاصة في ظل ما مرّ به كثيرون من تجارب قاسية خلال السنوات الماضية، فقد خلّفت أحداث مثل النزوح، وفقدان الأحبة، وتراجع الموارد المالية، والتعرض للقصف، وما رافق ذلك من خوف ورعب، آثاراً نفسية عميقة لدى الأفراد.
ومع ذلك، لا يزال هذا الجانب مهملاً لدى البعض، رغم ما يتركه من تداعيات تنعكس على حياتهم اليومية وعلى علاقتهم بمن حولهم، ما يجعل التعامل معه ضرورة لا تقل أهمية عن بقية الجوانب المرتبطة باستمرار الحياة والتكيف مع الظروف.
الصحة النفسية بعد الكوارث… أساس التعافي واستعادة التوازن
قالت الدكتورة إيمان تللو، طبيبة بشرية خريجة جامعة حلب، اختصاص طب نفسي، والمصنفة لدى هيئة التخصصات الطبية السعودية، ولديها خبرة تمتد لنحو 20 عاماً في العمل في مشافي الصحة النفسية في المملكة العربية السعودية، وفي الطب النفسي العيادي وأيضاً عبر الاستشارات أونلاين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الصحة النفسية تُعد حجر الزاوية في قدرة الإنسان على إعادة بناء حياته بعد الكوارث.
وأضافت أن أهمية الصحة النفسية بعد النزوح والفقد تكمن في استعادة التوازن؛ فهي المحرك الذي يسمح للفرد بالعمل، ورعاية أسرته، والتكيف مع البيئة الجديدة، مشيرةً إلى أنه بدونها يتحول الألم من جرح عابر إلى إعاقة تمنع الاستمرار في الحياة.
وأشارت إلى أن التجارب القاسية تؤدي غالباً إلى ما يُعرف بصدمات الفقد والنزوح، والتي تظهر في أشكال متعددة، منها فقدان الشعور بالأمان والانتماء، واضطراب الهوية، وطرح تساؤلات مثل: من أنا بعد خسارة منزلي وعملي؟، إضافة إلى الشعور بالذنب أو ما يُعرف بعقدة الناجي.
لماذا يتردد البعض في طلب الدعم النفسي؟
ولفتت إلى أن من أسباب تردد الأهالي في طلب المساعدة الخوف من "الوصمة"، أي الاعتقاد الخاطئ بأن العلاج النفسي مخصص فقط لحالات "الجنون"، إلى جانب ثقافة الصبر التي تربط المعاناة النفسية بضعف الإيمان أو قلة الصبر، مما يجعل الشكوى تبدو تذمراً، فضلاً عن الجهل بالبدائل وعدم معرفة وجود تخصصات تتعامل مع الصدمات، وليس فقط الأمراض العقلية المزمنة.
وبيّنت الدكتورة في تصريح لـ شام أن من أسباب إنكار أهمية الجانب النفسي أيضاً الأولويات المادية، إذ ينشغل الناس بتأمين المأكل والمأوى، ويعتبرون الصحة النفسية ترفاً، إضافة إلى آليات الدفاع، حيث يُعد الإنكار وسيلة لا شعورية للهروب من مواجهة الألم العميق الذي قد لا يطيقه الشخص.
ونوهت إلى أن إهمال الجانب النفسي يؤدي إلى تداعيات عدة، منها تحول الألم النفسي إلى أعراض جسدية مثل الصداع المزمن وآلام الظهر والقرحة، إضافة إلى تفكك الروابط الأسرية نتيجة العصبية المفرطة أو الانعزال، فضلاً عن توارث الصدمات عبر الأجيال من خلال انتقال القلق من الآباء إلى الأبناء.
متى نطلب المساعدة؟… مؤشرات تستدعي التدخل النفسي
وذكرت أن هناك علامات تستوجب مراجعة المختص، من بينها اضطرابات النوم والشهية المستمرة لأكثر من أسبوعين، ونوبات الغضب أو البكاء غير المبرر، والانعزال الاجتماعي التام، وفقدان الشغف بما كان ممتعاً، إضافة إلى تراود أفكار إيذاء النفس أو الشعور باليأس المطبق من المستقبل.
وتحدثت عن سبل تعزيز الوعي في سوريا، مشيرة إلى أهمية عرض نماذج واقعية لقصص نجاح لأشخاص تجاوزوا الصدمات بمساعدة نفسية، ودمج التوعية بمفاهيم الصحة النفسية ضمن المبادرات الإغاثية والتعليمية، إلى جانب تغيير المصطلحات باستخدام عبارات مثل "دعم الصمود" أو "تفريغ الضغوط" بدلاً من "علاج نفسي" لتقليل الحساسية المجتمعية.
وقدمت تللو مجموعة من النصائح العملية للاهتمام بالصحة النفسية، منها قبول المشاعر، والتأكيد على أن الحزن والقلق بعد الكوارث رد فعل طبيعي لظرف غير طبيعي، إضافة إلى أهمية خلق روتين يومي بسيط يعيد الشعور بالسيطرة، وتعزيز التواصل الاجتماعي مع المقربين، فضلاً عن التوثيق من خلال الكتابة أو التدوين، لما له من دور في مساعدة العقل على ترتيب أحداث الصدمة ومعالجتها تدريجياً.
ويرى مختصون في الصحة النفسية أن التحدي لا يكمن فقط في قسوة التجارب، بل في طريقة التعامل معها، حيث يؤدي كبت المشاعر وغياب مساحة آمنة للتعبير إلى تفاقمها مع الوقت، مشيرين إلى أن الدعم لا يقتصر على العلاج، بل يبدأ من المحيط القريب عبر الاستماع وتفهم المشاعر دون تقليل منها، ويؤكدون أن طلب المساعدة لا يُعد ضعفاً، بل خطوة ضرورية للحفاظ على التوازن النفسي.
وفي المقابل، يوضح المختصون أن استمرار تجاهل هذا الجانب قد ينعكس بشكل أعمق مع الوقت، إذ يؤدي إلى ضعف القدرة على التعامل مع المواقف اليومية، وتراجع مستوى التوازن النفسي، ما يجعل الفرد أكثر عرضة للاضطراب تحت ضغط الظروف.
كما ينوهون إلى أن هذا الإهمال قد يحدّ من قدرة الشخص على طلب المساعدة في الوقت المناسب، ويؤخر عملية التعافي، الأمر الذي يضاعف من أثر الضغوط على حياته الشخصية والاجتماعية.
تُعدّ الصحة النفسية جانباً أساسياً في حياة الأفراد، وتتأثر بالظروف والتجارب التي يمرون بها، كما أن التعامل معها أو إهمالها ينعكس على سلوك الفرد وعلاقاته وقدرته على التكيف مع محيطه.
٥ مايو ٢٠٢٦
مع اقتراب الامتحانات الدراسية للصفوف الانتقالية في سوريا، والمقرر انطلاقها خلال الأسبوع المقبل، يدخل أهالي الطلاب في حالة من القلق والتوتر لا تقل عن تلك التي يعيشها أبناؤهم، في ظل الاستعداد للاختبارات وما يرافقها من ضغط للتحضير بشكل كافٍ.
وفي ظل هذه الظروف، تواجه العائلات مسؤولية التعامل مع أبنائها بطريقة تساعدهم على تجاوز هذه المرحلة بشكل جيد، من خلال تشجيعهم على الدراسة وتوفير أجواء مناسبة داخل المنزل، بما يسهم في تخفيف القلق لديهم، كما تحرص على متابعة نقاط الضعف لدى طلابها والعمل على معالجتها، إلى جانب محاولة الاستعداد لأي صعوبات قد تطرأ خلال فترة الامتحانات.
وغالباً ما تكرّس بعض الأمهات وقتهن بشكل شبه كامل لرعاية الأبناء خلال هذه الفترة وتلبية احتياجاتهم، إلى حدّ قد يدفعهن للحدّ من الخروج من المنزل إلا للضرورة، وتأجيل الزيارات والاستقبالات إلى ما بعد انتهاء الامتحانات، حرصاً على توفير أجواء هادئة ومستقرة تساعد أبناءهن على الدراسة.
ويحاول الوالدان الحفاظ على روتين يومي منظم، يبدأ بالاستيقاظ في ساعات الصباح الباكر للتأكد من استيقاظ أبنائهم واستعدادهم لبدء يومهم الدراسي، ويشمل ذلك تنظيم مواعيد الوجبات وفترات الاستراحة، إلى جانب متابعة مختلف التفاصيل اليومية المتعلقة بهم.
كما تحرص الأمهات على إعداد الأطعمة والمشروبات الصحية، مع متابعة الأبناء بشكل متكرر خلال اليوم، للاطمئنان إلى سير دراستهم كما ينبغي.
ولا تقتصر مهمة الآباء على العناية والرعاية فقط، بل يمتد دور بعضهم إلى متابعة دراسة أبنائهم، من خلال وضع برنامج لدراسة المواد بشكل منتظم، حيث يقوم بعضهم بشرح المعلومات لأبنائهم اعتماداً على ما لديهم من معرفة، والتأكد من استيعابهم للدروس، وفي حال واجهوا نقاطاً لا يملكون إجابات عنها، قد يلجؤون إلى الاستعانة بمدرّس أو بشخص لديه خبرة لشرحها أو توضيحها للأبناء.
كما يظهر الجانب النفسي كجزء حاضر في تعامل الأهل مع أبنائهم، حيث تميل الأجواء داخل المنزل إلى التهدئة وتخفيف التوتر، مع محاولات مستمرة لاحتواء القلق الذي قد يرافق بعض الطلاب خلال هذه المرحلة، عبر أساليب مختلفة تهدف إلى إشعارهم بالطمأنينة وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
في المقابل يواجه الآباء خلال فترة الامتحانات ضغوطاً متزايدة، تتنوع بين القلق المستمر على نتائج الأبناء والخوف من عدم تحقيقهم الأداء المطلوب، إلى جانب الشعور بمسؤولية كبيرة تجاه متابعتهم وتوفير الأجواء المناسبة لهم.
كما يفرض هذا الواقع عليهم تحديات إضافية في التوفيق بين التزاماتهم اليومية والعمل من جهة، ومتابعة تفاصيل الدراسة من جهة أخرى، ما ينعكس في كثير من الأحيان على حالتهم النفسية ويزيد من شعورهم بالإرهاق والتوتر.
وينعكس هذا الضغط على سلوكيات بعض الآباء داخل المنزل، حيث قد يميلون إلى التوتر وسرعة الانفعال، مع تكرار التذكير بالدراسة والإلحاح المستمر على الأبناء، وفي بعض الحالات، قد ترتفع حدة التوقعات أو يتم تضخيم الأخطاء البسيطة، ما يخلق أجواء مشحونة داخل المنزل، سببها الرغبة في دعم الأبناء لكن باستخدام أساليب ضغط بغير قصد.
ويرى مختصون في علم النفس التربوي أن الضغوط التي يعيشها الآباء والأمهات خلال فترة الامتحانات ترتبط غالباً بشعور عالٍ بالمسؤولية تجاه مستقبل الأبناء، ما يدفعهم إلى متابعة تفاصيل دراستهم بشكل مكثف، وقد يضعهم تحت حالة من التوتر المستمر، ويوضحون أن هذا الضغط، رغم أنه نابع من الحرص، قد ينعكس بشكل غير مباشر على الأبناء إذا لم يتم ضبطه.
وينصح المختصون بضرورة الحفاظ على هدوء الأجواء داخل المنزل، وتجنب نقل القلق والخوف إلى الأبناء، إلى جانب اعتماد أساليب قائمة على التشجيع بدل الضغط، وتنظيم الوقت بطريقة متوازنة، بما يساعد على دعم الأبناء دون خلق حالة من التوتر لديهم أو لدى الأهل أنفسهم.
من جهتهم، يشير معلمون إلى أن دور الأهل خلال فترة الامتحانات لا يقتصر على المتابعة أو التشجيع، بل يمتد إلى تنظيم بيئة الدراسة بما يتناسب مع متطلبات كل مادة، ومراعاة الفروق في أساليب التعلم بين الأبناء.
ويوضحون أن من المفيد تجنّب التدخل المباشر في طريقة دراسة الطالب أو فرض أسلوب محدد عليه، مقابل دعمه في إيجاد الطريقة التي تناسبه، إضافة إلى أهمية التنسيق مع المدرسة لفهم نقاط الضعف ومعالجتها بهدوء، ما يساعد على تعزيز جاهزيته دون زيادة الضغط عليه.
وفي ظل أجواء الامتحانات، يبرز دور الأهل بما يتضمنه من متابعة واهتمام، إلى جانب ما يرافقه من ضغوط، في إطار مساندة الأبناء خلال هذه المرحلة، وتبقى هذه الفترة مرتبطة بتغيرات في نمط الحياة داخل الأسرة، تتطلب قدراً من التنظيم والتعامل الهادئ معها.
٤ مايو ٢٠٢٦
تتزايد عودة العائلات السورية إلى مناطقها الأصلية بعد سنوات من النزوح، بما في ذلك عائلات قادمة من دول مثل تركيا وبعض الدول الأوروبية، حيث عاش الأطفال في بيئات أكثر استقراراً من حيث التعليم والخدمات، ومع هذه العودة، يواجه الأطفال واقعاً مختلفاً يتطلب التكيّف مع ظروف جديدة على المستويين التعليمي والاجتماعي.
في هذا السياق، تبرز صعوبات تتعلق بالفروقات بين الأنظمة التعليمية، وضعف الخدمات في بعض المناطق، إلى جانب تحديات لغوية واجتماعية، خاصة لدى الأطفال الذين نشأوا خارج سوريا، حيث تشير معطيات وشهادات إلى أن العودة بالنسبة لهؤلاء لا تعني استعادة مكان مألوف، بل الانتقال إلى بيئة جديدة، ما ينعكس في تحديات مرتبطة بالاندماج والشعور بالأمان، ويستدعي دعماً من الأسرة والمحيط.
تجربة عائلة عائدة من تركيا
وقالت مطيعة أسود، وهي سيدة تقيم في إدلب، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إنها أمضت مع عائلتها عشر سنوات في مدينة إسطنبول التركية، مشيرةً إلى أن أبناءها واجهوا بعد العودة تحديات عدة، أبرزها الفروق بين النظام التعليمي في تركيا والمدارس الحالية، وأوضحت أنها لمست في المدارس التركية مستوى أكبر من التشجيع والدعم للطلاب، لافتةً إلى أن أبناءها عانوا أيضاً من صعوبات في اللغة العربية.
وأضافت أنها تولّت تدريس ابنتها، التي كانت في الصف الثامن العام الماضي، بنفسها، حيث بدأت معها بأساسيات اللغة العربية كالفعل والفاعل، لمساعدتها على تجاوز الصعوبات، وأشارت إلى أن التحديات لم تقتصر على الجانب التعليمي، إذ لفتت إلى غياب الحدائق وأماكن اللعب مقارنة بما كان متوفرًا في تركيا، إلى جانب ضعف البنية التحتية والخدمات.
وأكدت في المقابل وجود جوانب إيجابية للعودة، تمثلت في رجوع الأبناء إلى بلدهم وأقاربهم، مشيرةً إلى أنهم في تركيا لم يتمكنوا من تملّك منزل، ولفتت إلى أن ابنتها، رغم تميّزها في لعبة الشطرنج، لم تُتح لها فرصة المشاركة في إحدى المسابقات بسبب كونها سورية، كما أوضحت أنها وزوجها كانا يعملان في مجالات لا تتوافق مع اختصاصهما، قبل أن يتمكنا بعد العودة من استئناف العمل في مجاليهما.
العودة بعد النزوح: صدمة مزدوجة وصراع في الأمان والانتماء لدى الأطفال
وقالت الأخصائية النفسية رهف قرنفل في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عودة الأطفال بعد نزوح طويل تحمل أثراً نفسياً مركّباً، إذ قد يشعر الطفل بالارتياح لانتهاء حالة عدم الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه قد يواجه صدمة نتيجة تغيّر المكان وفقدان عناصر الأمان التي يتوقعها.
وأوضحت أن تجربة الأطفال تختلف عن تجربة الأهل، خاصة في حالات النزوح الطويلة، حيث إن كثيراً من الأطفال لا يمتلكون ذكريات حقيقية عن مناطقهم الأصلية، ما يجعل “العودة” بالنسبة لهم انتقالاً إلى بيئة جديدة، في حين يرتبط الأهل عاطفيًا بالمكان، وبيّنت أن هذا التباين قد يضع الطفل أمام شعور بالاقتلاع النفسي، إذ يُطلب منه مغادرة بيئة اعتادها إلى أخرى لا تحمل له المعنى ذاته.
وأضافت أن بعض الأطفال يواجهون ما يشبه “صدمة الواقع”، حين يصطدمون ببيئة مختلفة عمّا تخيّلوه، من حيث الدمار أو ضعف الخدمات، ما قد يخلق لديهم شعوراً بالغربة وخيبة الأمل، ويؤثر على إحساسهم بالأمان.
ولفتت إلى أن هذا الانتقال قد يرافقه صراع في الهوية والانتماء، خاصة لدى الأطفال الذين عاشوا في بيئات مختلفة ثقافياً أو لغوياً، ما قد ينعكس صعوبة في الاندماج وشعورًا بالعزلة، كما أشارت إلى أن نسبة من الأطفال تظهر لديهم أعراض ضغط نفسي أو صدمة، تتفاقم مع التغيّرات المفاجئة أو المثيرات المرتبطة بتجارب سابقة.
ونوّهت إلى ظهور أعراض مثل القلق والتوتر واضطرابات النوم، خاصة مع فقدان الروتين اليومي والأصدقاء، ما يؤثر على التوازن النفسي والسلوكي للطفل، مؤكدة أن العودة تمثّل مرحلة انتقالية تحتاج إلى وقت ودعم مناسب.
وفيما يتعلق بتأثير تغيّر البيئة، أوضحت أن فقدان الروتين اليومي يؤثر بشكل مباشر على شعور الطفل بالأمان، إذ يمنحه الروتين إحساساً بالاستقرار والسيطرة
وأضافت أن غياب هذا التنظيم قد يؤدي إلى القلق وضعف التركيز واضطرابات النوم، إلى جانب شعور بعدم الألفة عند الانتقال إلى بيئة جديدة، خاصة في ظل ضعف الخدمات أو غياب المساحات الآمنة، وبيّنت أن الأطفال يعبّرون عن هذا الاضطراب بطرق مختلفة، كالتعلّق الزائد بالأهل أو العصبية أو صعوبات التكيّف، خاصة في البيئة المدرسية.
رسالة إلى الأهالي: الاحتواء والصبر مفتاح التكيّف وبناء شعور الأمان لدى الأطفال
وفي رسالتها للأهالي، شددت قرنفل على أن الطفل يحتاج إلى الاحتواء والصبر أكثر من الحلول السريعة، موضحة أن هذه التغيرات ليست مؤقتة، بل تجارب تؤثر في إحساسه بالأمان والانتماء، وأشارت إلى أن ما يظهر من مشاعر كالحزن أو الرفض هو أمر طبيعي، ويحتاج إلى تعامل هادئ بعيد عن الضغط أو المقارنات.
وأضافت لـ "شام" أن بعض الأطفال مرّوا بتجارب انتقال متكرر، ما يجعلهم أكثر حساسية تجاه التغيير، ويحتاجون وقتاً أطول لاستعادة شعور الاستقرار، لافتة إلى أهمية تفهّم الفروقات في التجارب، سواء على مستوى التعليم أو اللغة أو العلاقات الاجتماعية.
كما نوهت إلى أثر غياب المساحات الآمنة للعب، خاصة في المناطق المتضررة، ما يحدّ من فرص التفاعل الاجتماعي الضروري لنمو الطفل، وأكدت أهمية توعية المحيط بأن هذه السلوكيات طبيعية، وضرورة تجنّب النقد والمقارنات، مع تعزيز الدعم من الأسرة والمجتمع.
وفي المقابل، لفتت إلى وجود جوانب إيجابية في مرحلة العودة، مثل استعادة الانتماء وبناء الروابط العائلية، إلى جانب فرصة الاستقرار التدريجي، ما يمنح الأطفال إحساساً بالأمل.
وأكدت أن الطفل يحتاج إلى الشعور بأن ما يمر به ليس فقداناً فقط، بل بداية جديدة، يمكن أن تتحقق من خلال الاحتواء الأسري والدعم المحيط وتوفير بيئة آمنة تساعده على التكيّف.
وفي هذا الإطار، يشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن بعض الأطفال قد لا يعبّرون عن صعوباتهم بشكل مباشر، بل تظهر عبر سلوكيات مثل الانسحاب أو تراجع الاهتمام بالدراسة.
ويؤكدون أهمية ملاحظة هذه التغيرات مبكراً، وإتاحة مساحة آمنة للحوار، مع دعم الطفل في بناء روتين يومي تدريجي وتشجيعه على التفاعل، كما ينصحون باللجوء إلى مختصين عند استمرار هذه المؤشرات، بما يساعد الطفل على تجاوز هذه المرحلة واستعادة توازنه.
٤ مايو ٢٠٢٦
ابن خالتك أفضل منك"، "ليتك تكون مثل شقيقتك"، "ابن خالك أذكى منك"... عبارات مقارنة تتكرر في كثير من البيوت السورية، وتُقال غالباً بدافع التحفيز أو الرغبة في دفع الطفل نحو الأفضل، إلا أن هذا الأسلوب، الذي يبدو عادياً في نظر بعض الأهالي، قد يترك آثاراً نفسية سلبية عميقة على الطفل، تنعكس على ثقته بنفسه وسلوكه وعلاقاته مع الآخرين.
وتعود أسباب لجوء بعض الأهالي إلى استخدام أسلوب المقارنة في تعاملهم مع أبنائهم إلى عدة عوامل، من أبرزها الاعتقاد بأنها وسيلة فعّالة للتحفيز ودفع الطفل نحو التفوق، إلى جانب التأثر بالبيئة الاجتماعية المحيطة التي تكرّس هذا الأسلوب وتتعامل معه كأمر اعتيادي.
كما تلعب الرغبة في تحقيق صورة مثالية للأسرة أمام الآخرين دوراً في ذلك، فضلاً عن اعتماد بعض الأهالي على تجارب تربوية سابقة نشأوا عليها، فيعيدون تطبيقها دون إدراك لانعكاساتها على الطفل.
المقارنة بين الأطفال… دوافعها وآثارها النفسية والسلوكية
وقالت الأخصائية الاجتماعية الأسرية صفاء الصالح، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بعض الأهالي يلجأون إلى أسلوب المقارنة في تعاملهم مع أبنائهم، بدافع التحفيز أو نتيجة تأثرهم بالبيئة والثقافة الاجتماعية المحيطة، وذلك بهدف دفعهم نحو التفوق والحفاظ على الصورة الاجتماعية للأسرة.
وأضافت أن الأطفال يبدأون بملاحظة الفروقات بينهم وبين الآخرين في عمر يتراوح بين 4 و6 سنوات، ويتعزز هذا الشعور مع دخولهم المدرسة. وأوضحت أن الطفل الأصغر سناً قد يفسّر المقارنة كرسالة مباشرة موجهة إليه، ولفتت إلى أن الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالطفل الحساس قد يتأذى نفسياً بشكل أكبر، بينما قد يحوّلها الطفل العنيد إلى سلوكيات عدوانية.
وأكدت أن المقارنة تترك آثاراً عميقة على الأطفال، من بينها ضعف تقدير الذات، والشعور بالإحباط، والقلق الدائم والخوف من الوقوع في الخطأ، إضافة إلى الحساسية المفرطة، وشعور الطفل بعدم القبول داخل أسرته.
وأشارت إلى أن هذه الممارسات تخلّف تداعيات تنعكس على ثقة الطفل بنفسه وعلاقاته مع الآخرين، إذ قد يشعر بأنه أقل من غيره، ما يضعف ثقته بذاته، كما تؤثر على علاقته بإخوته، فتولد الغيرة والتنافس السلبي، في حين قد تنعكس على علاقاته مع أقرانه بسلوكيات مختلفة، كأن يصبح خجولاً أو عدوانياً، أو يميل إلى إرضاء الآخرين على حساب نفسه.
ونوّهت إلى أن المقارنة تنعكس بشكل مباشر على سلوك الطفل، إذ قد يصبح أكثر انطواءً أو عصبية، وقد يميل إلى السلوك العدواني، إضافة إلى ضعف مشاركته في المدرسة أو تجنّبه لها خوفاً من الفشل، فضلاً عن لجوئه أحياناً إلى لفت الانتباه بطرق خاطئة.
بدائل تربوية للمقارنة… من الضغط إلى الدعم الإيجابي
وذكرت صفاء الصالح أن معظم العائلات تلجأ إلى المقارنة بدافع التحفيز، إلا أنها في الواقع لا تحقق هذا الهدف، بل تسهم في خلق حالة من الازدواجية داخل شخصية الطفل، إذ إن الشعور بالضغط لا يدفعه إلى النجاح بقدر ما يضعف ثقته بنفسه ويعزز لديه الإحساس بعدم القبول.
وفيما يتعلق بالبدائل التربوية، أشارت إلى أهمية اعتماد أساليب أكثر إيجابية، تقوم على مقارنة الطفل بنفسه بدلاً من مقارنته بالآخرين، والتركيز على الجهد المبذول لا على النتائج فقط، إلى جانب تعزيز نقاط القوة لديه، ووضع أهداف واقعية قابلة للتحقيق، وتشجيعه بدلاً من توجيه النقد المستمر، فضلاً عن تعزيز روح التعاون مع إخوته بدلاً من المنافسة بينهم.
ونصحت الأخصائية الاجتماعية الأسرية الأهالي باستخدام عبارات داعمة، مثل: "أعجبني اجتهادك" بدلاً من "انظر إلى أخيك، هو أفضل منك"، إلى جانب تخصيص وقت خاص للطفل يشعر فيه بالاهتمام غير المشروط، والتركيز على مهاراته، والسماح له بخوض التجارب دون خوف، فضلاً عن تشجيعه حتى على التحسن البسيط، والعمل على جعل المنزل بيئة آمنة وداعمة له.
ويرى أخصائيون نفسيون أن لجوء بعض الأهالي إلى أسلوب المقارنة يرتبط أحياناً بمحاولة ضبط سلوك الطفل بسرعة، خاصة في ظل ضغوط الحياة اليومية وقلة الوقت المخصص للتربية الهادئة، ما يدفعهم لاستخدام أساليب مباشرة يعتقدون أنها تحقق نتائج فورية.
كما يشيرون إلى أن المقارنة قد تكون انعكاساً لقلق الأهل على مستقبل أبنائهم، فيلجؤون إلى ربط أدائهم بمعايير خارجية بشكل مستمر، ويلفتون أيضاً إلى أن غياب الوعي بالفروق الفردية بين الأطفال يسهم في ترسيخ هذا الأسلوب، حيث يتم التعامل مع جميع الأبناء وفق توقعات موحدة، دون مراعاة قدراتهم وميولهم المختلفة.
ويؤكد أخصائيون نفسيون أن الحد من أسلوب المقارنة يبدأ بتغيير طريقة تفاعل الأهل مع أبنائهم، من خلال اعتماد أساليب تقوم على الفهم والتوجيه بدلاً من المقارنة المباشرة، والحرص على الاستماع للطفل ومنحه مساحة للتعبير عن نفسه.
كما يشددون على أهمية مراعاة اختلاف الأطفال في قدراتهم واهتماماتهم، وتقديم الدعم بطريقة تعزز شعوره بالقدرة والاستقلالية، إلى جانب بناء تواصل إيجابي قائم على التشجيع والاحتواء، ما يسهم في تعزيز توازنه النفسي وتطوره بشكل صحي.
وتُعدّ المقارنة من الأساليب التي يلجأ إليها بعض الأهالي بدافع تحفيز أبنائهم أو توجيههم عند الخطأ، أملاً في دفعهم نحو أداء أفضل، إلا أن هذه الممارسة، بحسب مختصين، قد تترك تداعيات سلبية تنعكس على ثقة الطفل بنفسه وسلوكه وعلاقاته، في مقابل طرح بدائل تربوية تقوم على أساليب أكثر دعماً للطفل.
٤ مايو ٢٠٢٦
تشهد أجزاء من نهر العاصي انتشاراً متزايداً لزهرة النيل على سطح المياه، في ظاهرة باتت ملحوظة في أكثر من موقع خلال الفترات الأخيرة، ومع اتساع رقعة هذا الانتشار، بدأت تظهر انعكاسات واضحة على شكل النهر ووظيفته، ما يثير مخاوف متزايدة حول تأثيراتها على الموارد المائية والزراعة في المنطقة، خاصة في ظل ظروف بيئية وخدمية غير مستقرة.
تنمو هذه النبتة بسرعة كبيرة وتشكل غطاءً كثيفاً يعيق جريان المياه ويحد من وصول الضوء والأوكسجين، ما يؤثر على جودة المياه والكائنات الحية فيها، كما ينعكس انتشارها على وصول مياه الري إلى الأراضي الزراعية، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى فهم أوسع لأسباب انتشارها والبحث في طرق فعالة للحد منها.
تُعدّ زهرة النيل نباتاً مائياً موطنه الأصلي حوض الأمازون في أميركا الجنوبية، وقد جرى التعرف عليه في أوروبا والولايات المتحدة خلال أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى عدد كبير من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، بما في ذلك بعض الدول العربية.
تعود تسمية “زهرة النيل” إلى ارتباط هذا النبات تاريخياً بمياه نهر النيل في مصر، حيث انتشر بكثافة ولاحظ الناس شكله المميز حين تغطي أزهاره سطح المياه، فأصبحت هذه التسمية متداولة، رغم أن موطنه الأصلي يقع خارج المنطقة.
زهرة النيل: تهديد بيئي متصاعد في نهر العاصي
قال المهندس علي عبد الكريم الهواري، مهندس زراعي يعمل حالياً قائد فريق في منظمة وطن ضمن قسم الأمن الغذائي وسبل العيش، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن زهرة النيل (Eichhornia crassipes) تُعدّ من أخطر النباتات المائية الغازية في العالم، وقد شكّل انتشارها في نهر العاصي تهديداً بيئياً واقتصادياً وصحياً متزايداً، لا سيما في السنوات الأخيرة، نتيجة ضعف الإدارة المائية والتغيرات المناخية.
وأضاف الهواري أن زهرة النيل تتكاثر بسرعة كبيرة، حيث تشكّل غطاءً كثيفاً على سطح المياه، ما يمنع وصول الضوء إلى الكائنات النباتية المغمورة ويؤدي إلى تراجع عملية التمثيل الضوئي، إلى جانب انخفاض نسبة الأوكسجين الذائب نتيجة تحلل النبات، الأمر الذي يسبب نفوق الأسماك والكائنات المائية، ويخلّ بالتوازن البيئي الطبيعي للنهر، مهددًا التنوع الحيوي.
وأشار إلى أن تراكم هذا النبات يؤدي إلى إعاقة جريان المياه وارتفاع منسوبها في بعض المقاطع، ما يزيد من خطر الفيضانات، خاصة خلال مواسم الأمطار، فضلاً عن تعطيل عمل المنشآت المائية مثل السدات والأقنية ومحطات الضخ.
أسباب الانتشار وتداعياته على المياه والزراعة
ولفت إلى أن زهرة النيل تعيق وصول مياه الري إلى الأراضي الزراعية، وتستهلك كميات كبيرة من المياه، ما يفاقم مشكلة الشح المائي، عدا عن أن كتلها الكثيفة توفّر بيئة مناسبة لتكاثر البعوض والحشرات الناقلة للأمراض.
وتحدث الهواري لـ "شام" عن أبرز أسباب انتشار زهرة النيل، موضحًا أن غياب الإدارة الفعّالة للمجاري المائية، وضعف الرقابة الدورية، وعدم تنفيذ برامج منتظمة لإزالة النباتات الغازية، أسهمت في تفاقم المشكلة، حيث تُترك لفترات طويلة دون معالجة.
كما أشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وطول فصل الصيف وفّرا ظروفاً مثالية لتكاثر النبات، إذ ينمو بسرعة في المياه الدافئة والهادئة، مضيفاً أن تراجع منسوب المياه وبطء الجريان، سواء بسبب السدود أو الاستخدامات غير المنظّمة، ساعدا على تثبيت وانتشار زهرة النيل.
وبيّن أن مياه الصرف الصحي والمخلّفات الزراعية غير المعالجة ساهمت في زيادة تركيز العناصر الغذائية، مثل النيتروجين والفوسفور، ما عزّز نمو النبات بشكل كبير، لافتًا إلى أن ضعف الوعي لدى السكان والمزارعين بخطورة زهرة النيل كنبات غازي أدى إلى تجاهل إزالتها في مراحلها الأولى.
مكافحة متكاملة لمواجهة تهديد الأمن المائي والغذائي
وأوضح المهندس علي في حديث لـ شام أن مكافحة زهرة النيل تتطلب نهجاً متكاملاً، إذ لا يمكن الاعتماد على وسيلة واحدة فقط، مشيراً إلى أن من أبرز هذه الأساليب الإزالة الميكانيكية، سواء اليدوية في المقاطع الضيقة، أو باستخدام الآليات والقوارب المخصّصة، مع ضرورة التخلص الآمن من النباتات بعيدًا عن المجاري المائية.
وأضاف أن تحسين إدارة المياه يُعد عاملاً أساسياً، من خلال زيادة سرعة الجريان، وإزالة العوائق، وتنظيم السحب العشوائي للمياه، نظراً لأن النبات ينمو بشكل أكبر في المياه الراكدة والبطيئة.
كما لفت إلى إمكانية الاستفادة من زهرة النيل بعد إزالتها، عبر تحويلها إلى سماد عضوي (كومبوست)، أو استخدامها كأعلاف ضمن إشراف فني، ما يتيح تحويل المشكلة إلى فرصة.
وأكد أن التوعية المجتمعية عنصر أساسي في أي خطة ناجحة، من خلال توعية المزارعين بخطورة النبات، وإشراك المجتمع المحلي في المراقبة المبكرة، ومنع إعادة رميه في المجاري المائية.
وأشار إلى وجود أخطاء شائعة في مكافحتها، أبرزها الاكتفاء بالإزالة المؤقتة دون متابعة دورية، وغياب برامج الصيانة المستمرة، إضافة إلى ترك النبات المُزال قرب المجاري المائية، ما يسهم في إعادة انتشاره، كما نبه إلى أن تجاهل إشراك المجتمع المحلي يؤدي إلى ضعف المراقبة وإعادة رمي النبات في المياه، ما يعقّد جهود الحد من انتشاره.
وفي ما يتعلق بتأثير زهرة النيل على الأمن المائي، أوضح أنها من أكثر النباتات استهلاكاً للمياه، حيث يستهلك النبات الواحد ما بين 1.3 إلى 2.5 لتر يومياً في الظروف الدافئة، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية، خاصة في الأنهار ضعيفة الجريان.
وأضاف أن وجودها يعيق منظومات الري من خلال سد الأقنية والتسبب باختناقات في محطات الضخ والسدات، ما يقلل من كفاءة توزيع المياه، وبيّن أن هذا التأثير ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي، نتيجة صعوبة وصول مياه الري، ما يؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الإنتاج على المزارعين.
كما أشار إلى تأثيرها على الثروة السمكية، نتيجة انخفاض الأوكسجين في المياه، ما يؤدي إلى نفوق الأسماك وتراجع مصادر الغذاء، ويهدد دخل الصيادين.
وأكد في ختام حديثه أن زهرة النيل تشكل تهديداً حقيقياً للأمن المائي والغذائي إذا لم تُواجه بإجراءات علمية مستدامة، مشدداً على أن التعامل معها يجب أن يكون أولوية، من خلال خطط متكاملة تشمل الرصد المبكر، والإزالة الدورية، والحد من مصادر التلوث، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي.
٤ مايو ٢٠٢٦
تتعدد أساليب الادخار لدى السوريين تبعاً لاحتياجاتهم وظروفهم المعيشية، سواء لتأمين المتطلبات الأساسية أو التخطيط لمشاريع مستقبلية، وفي ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، عادت “الجمعيات المالية الشهرية” لتبرز كأحد أبرز هذه الأساليب، لا سيما بين ذوي الدخل المحدود، بوصفها وسيلة بسيطة تتناسب مع واقعهم اليومي.
ومع اعتمادها على مبدأ التعاون والثقة بين المشاركين، لم تعد هذه الجمعيات وسيلة للادخار فحسب، وإنما تحولت إلى خيار عملي يلجأ إليه كثيرون لتدبير شؤونهم المالية، سواء لتغطية الاحتياجات الأساسية أو لتمويل مشاريع صغيرة، بعيداً عن التعقيدات المرتبطة بالقروض التقليدية.
وغالباً ما تنشأ “الجمعيات المالية” ضمن دوائر اجتماعية محددة، مثل الجيران أو الأصدقاء أو زملاء العمل في مكان واحد، حيث يسهّل القرب والتواصل تنظيمها، ففي كثير من الحالات، يتفق موظفون على اقتطاع جزء من رواتبهم بشكل شهري، ليُجمع المبلغ ويُسلَّم بالتناوب لكل مشارك وفق ترتيب محدد ومتفق عليه مسبقاً.
وتقوم هذه الآلية على نظام الدور، بحيث يحصل كل فرد على المبلغ في توقيت معين، ما يجعلها وسيلة عملية لتنظيم الادخار وتدبير النفقات على مدار فترة زمنية محددة.
وتحدث أشخاص خاضوا تجربة “الجمعيات الشهرية المالية” لشبكة شام الإخبارية عن انعكاسات مختلفة على أوضاعهم المعيشية، إذ تمكن بعضهم من تجميع مبالغ ساعدتهم على سداد ديون متراكمة، أو تأمين احتياجات كانوا يؤجلونها لفترات طويلة.
وفي حالات أخرى، أتاحت هذه الآلية للبعض شراء مستلزمات منزلية أو مقتنيات ذات قيمة، مثل الأدوات الكهربائية أو الحلي، فيما استطاع آخرون استثمار المبلغ في إطلاق مشاريع صغيرة أو تحسين مصادر دخلهم.
في المقابل، قد تواجه “الجمعيات الشهرية” في بعض الأحيان عدداً من التحديات، من أبرزها تأخر بعض المشاركين في دفع حصصهم الشهرية، سواء نتيجة تأخر الرواتب أو ضعف الدخل، ما يؤدي إلى إرباك مواعيد تسليم المبالغ وتعطيل نظام الدور، كما قد يحدث انسحاب مفاجئ لبعض الأفراد قبل انتهاء الدورة، الأمر الذي يفرض إعادة ترتيب الجمعية أو تعويض النقص.
وتشمل التحديات أيضاً ضعف التنظيم في بعض الحالات، كغياب اتفاق واضح على المواعيد وآلية التسليم، إضافة إلى الضغط المالي الذي قد يواجهه بعض المشاركين عند الالتزام بمبالغ تفوق قدرتهم، فضلاً عن إمكانية حدوث خلافات شخصية بين الأعضاء بسبب عدم الالتزام أو سوء الفهم، ما قد يؤثر على استمرارية الجمعية وانتظامها.
ويرى باحثون اقتصاديون أن انتشار “الجمعيات الشهرية” يعكس تكيف الأفراد مع الضغوط المعيشية، من خلال البحث عن أدوات تساعدهم على ضبط إنفاقهم وتنظيم أولوياتهم المالية.
ويشيرون إلى أن هذه الآلية تفرض نوعاً من الالتزام غير المباشر، يدفع المشاركين إلى تخصيص جزء من دخلهم بشكل منتظم، ما يسهم في تعزيز سلوك الادخار لدى بعضهم، كما لفتوا إلى أن الاعتماد عليها يرتبط غالباً بالحاجة إلى حلول سريعة ومرنة، تتماشى مع طبيعة الدخل المتغير لدى شريحة واسعة من المجتمع.
ويؤكدون أن هذه الجمعيات لا تقتصر آثارها على الجانب المالي المباشر، بل تسهم أيضاً في تعزيز قدرة الأفراد على التخطيط المسبق لنفقاتهم، من خلال تحديد مواعيد واضحة للحصول على مبالغ محددة، ما يساعدهم على ترتيب أولوياتهم واتخاذ قرارات مالية أكثر دقة.
كما يلفتون إلى أنها تمنح المشاركين نوعاً من الاستقرار المؤقت في مواجهة النفقات الكبيرة، مثل تكاليف التعليم أو المناسبات، عبر توزيع العبء المالي على فترة زمنية، بدلاً من تحمّله دفعة واحدة.
وتبقى “الجمعيات الشهرية” واحدة من الوسائل التي يلجأ إليها الأفراد لتنظيم شؤونهم المالية، في ظل تنوع الاحتياجات وتباين الظروف المعيشية، بما يعكس محاولات مستمرة للتكيف مع الواقع الاقتصادي وإدارته بوسائل متاحة.
٣ مايو ٢٠٢٦
يُعدّ التواصل المستمر والدوري بين المدرسة وأولياء الأمور من الركائز الأساسية في العملية التعليمية، لما يتيحه من اطلاع الأهالي على مختلف جوانب مستوى أبنائهم، ويسهم في تعزيز التعاون مع المعلمين لمعالجة التحديات التي قد تواجه الطلبة، إلى جانب دوره في تبادل وجهات النظر بما يخدم مصلحة الطالب ويحقق بيئة تعليمية أكثر تكاملاً.
ويتم هذا التواصل عادة عبر وسائل متعددة، تتنوع بين الاجتماعات الدورية التي تعقدها المدرسة مع أولياء الأمور، والرسائل النصية عبر المجموعات الرسمية، إلى جانب اللقاءات الفردية عند الحاجة، أو الاتصالات الهاتفية في الحالات الضرورية، بما يضمن استمرارية المتابعة وتنظيمها بشكل فعّال.
أهمية التواصل مع الأهل وشروط نجاحه
وفي هذا السياق، يوضح معلمون وتربويون أبعاد هذا التواصل وأثره على الطلبة، إذ قالت زهرة المصري، معلمة لغة إنكليزية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التواصل مع الأهل يسهم في تعزيز ثقة الطالب بنفسه، ويشعره بأن جهده موضع اهتمام ومتابعة مشتركة، ما يحدّ من الفجوة بين البيئة المنزلية والمدرسية.
وأضافت أن التواصل مع الأهل لا يقتصر على حالات التعثر، بل يكون أكثر فاعلية عند الاحتفاء بإنجازات الطلبة أيضاً، لافتةً إلى أن نجاحه يرتبط بقيامه على الاحترام المتبادل والرغبة في التعاون، ومؤكدةً ضرورة استمراريته كمتابعة دائمة تضمن دعم العملية التعليمية ونجاحها.
وأشارت إلى أن المتابعة الدورية تسهم في اكتشاف الصعوبات مبكراً، لافتةً إلى أن من أبرز الأخطاء في التواصل بين المعلم والأهل توجيه اللوم المباشر للمعلم دون فهم السياق، أو التواصل في أوقات غير مناسبة، إلى جانب إهمال المتابعة وعدم تفعيلها إلا في نهاية الفصل الدراسي.
وبيّنت أن ضعف التواصل ينعكس سلباً على الطالب، إذ قد يؤدي إلى تراجع في تحصيله الدراسي، ويُسهم في تنامي اللامبالاة تجاه القوانين المدرسية، فضلاً عن شعوره بالتشتت بين توجيهات المنزل والمدرسة، لافتةً إلى أن دور المدرسة في تعزيز هذا التواصل يتمثل في تنظيم اجتماعات دورية ومنتظمة، إلى جانب توفير بيئة مناسبة لاستفسارات أولياء الأمور.
وأكدت أن الشكل الأنسب للتواصل اليومي يتم عبر رسائل نصية قصيرة، مثل مجموعات "واتساب" الرسمية، أو من خلال منصات تعليمية معتمدة في المدرسة، على أن تقتصر المكالمات الهاتفية على الحالات الطارئة والضرورية فقط.
دور التواصل في دعم الطالب وحدود تدخل الأهل
وقالت فاطمة الزهوري، معلمة متقاعدة عملت في مجال التعليم لمدة ثلاثين عاماً، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تواصل الأهل مع المدرسة يترك أثراً كبيراً على الطالب، إذ ينعكس إيجاباً على أدائه داخل الصف، ويعزز ثقته بنفسه، ويحسن سلوكه، كما يسهم في الحد من المشكلات التي قد تظهر خلال العام الدراسي بفضل التواصل المباشر.
وأكدت أن التواصل مع الأهل يُعدّ مهماً منذ بداية العام الدراسي، ويجب أن يستمر بشكل منتظم، بما يتيح لهم الاطلاع على أداء الطالب أولاً بأول وتقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب، لافتةً إلى أن من أبرز الأخطاء التي قد تقع أثناء هذا التواصل تبنّي بعض الأهالي أسلوباً هجومياً أو دفاعياً بشكل مباشر، أو التدخل المبالغ فيه في شؤون المعلم، وصولاً في بعض الحالات إلى تقييم أدائه ومقارنته بغيره.
ونوّهت إلى أن ضعف التواصل بين الأهل والمدرسة قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تنامي اللامبالاة لدى الطالب، وإهمال واجباته، وتراجع سلوكه داخل الصف.
وأضافت أن للمدرسة دوراً أساسياً في تعزيز هذا التواصل، من خلال توجيه المعلمين إلى إنشاء مجموعات مخصصة للأهالي، ومشاركة الملاحظات عبرها، إلى جانب تخصيص أوقات محددة للمتابعة، بما يسهم في الحد من العشوائية التي يواجهها كثير من المعلمين.
التواصل بين الأهل والمدرسة: أهمية تتطلب تنظيماً وتوازناً
ويؤكد العديد من الأهالي أهمية الحفاظ على تواصل مستمر مع المدرسة والمعلم، لما يتيحه ذلك من متابعة دقيقة لمستوى أبنائهم الدراسي، والاطلاع على أي صعوبات أو مشكلات قد يواجهونها داخل الصف، مشيرين إلى أن هذا التواصل يعزز فرص التعاون بين الطرفين بما ينعكس إيجاباً على تحسن أداء الطالب، إلى جانب دوره في طمأنتهم على أوضاع أبنائهم وسلوكهم في البيئة المدرسية.
ويرى مختصون في التربية أن التواصل بين الأهل والمدرسة يُعد عنصراً أساسياً في دعم العملية التعليمية ومتابعة واقع الطلبة، لما يتيحه من تبادل للمعلومات والتعامل مع الصعوبات التي قد تواجههم، إلا أن فاعليته لا ترتبط بكثرته، بل بمدى وضوحه وتنظيمه.
ويشيرون إلى أن الإفراط في الرسائل أو التدخلات اليومية غير المنضبطة قد يربك سير العملية التعليمية ويحدّ من قدرة المعلم على إدارة الصف باستقلالية، في حين أن غياب التوازن في هذا التواصل قد يضع الطالب تحت ضغط ناتج عن تضارب التوجيهات بين المنزل والمدرسة، ما ينعكس على أدائه وقدرته على اتخاذ القرار، مؤكدين في الوقت ذاته أهمية اعتماد قنوات تواصل واضحة ومنظمة تضمن تحقيق الفائدة المرجوة دون إرباك.
ويبقى التواصل بين المدرسة وأولياء الأمور أحد الجوانب الحاضرة في العملية التعليمية، لما يتيحه من تبادل للمعلومات حول واقع الطلبة، ومتابعة أدائهم خلال العام الدراسي، في ظل تعدد الوسائل والأساليب المعتمدة في هذا المجال.
١ مايو ٢٠٢٦
في خضمّ الانشغالات اليومية التي تعيشها كثير من الأسر، تبقى مشاركة الأهل لأطفالهم أنشطتهم وألعابهم واحدة من التفاصيل الصغيرة التي تحمل أثراً كبيراً في حياتهم، فهذه اللحظات البسيطة لا تقتصر على التسلية فقط، بل تمنح الأطفال شعوراً بالاهتمام والقرب، وتعزّز لديهم الإحساس بقيمتهم داخل الأسرة، ما ينعكس على سعادتهم واستقرارهم النفسي.
كما تتيح هذه المشاركة للآباء والأمهات فرصة للاطلاع على اهتمامات أطفالهم، ومرافقتهم في اختيار أنشطة تناسب أعمارهم، بما يساعد على توجيههم بشكل غير مباشر، ويقلّل من احتمالية تأثرهم بسلوكيات غير مناسبة لمرحلتهم العمرية، مثل الميل إلى العنف أو تقليد أنماط سلبية كالتنمر، والتي قد يكتسبونها من محيطهم الاجتماعي أو من المحتوى الذي يتابعونه.
قد تتخذ مشاركة الأهل لأطفالهم أشكالاً بسيطة ومتنوعة، فقد يجلس أحدهم إلى جانب طفله ليتابع معه لعبة يحبها، أو يشاركه تركيب قطعٍ صغيرة، أو يشرح له خطوات نشاط جديد يحاول تعلّمه.
وفي أحيان أخرى، قد تتحول هذه المشاركة إلى لعب مشترك أو حديث عابر يتخلله ضحك وتفاعل، حيث لا يكون الهدف إتقان ما يقوم به الطفل بقدر ما يكون في مرافقة تجربته ومشاركته تفاصيلها.
ولا تقتصر هذه المشاركة على التفاعل المباشر فقط، بل تساهم في خلق مساحة طبيعية يتقارب فيها الطفل مع والديه، فمن خلال هذه اللحظات، يجد الطفل فرصة للتعبير عن أفكاره والتحدث عمّا يشغله، فيما يقترب الأهل أكثر من عالمه واهتماماته.
ومع تكرار هذا النوع من التفاعل، تصبح العلاقة أكثر مرونة ووضوحاً، ويعتاد الطفل على التواصل بشكل عفوي، ما ينعكس على طريقة تعامله داخل الأسرة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت بعض العائلات تراجعاً في بعض الأنشطة اليومية البسيطة، كالمشاركة في اللعب أو تخصيص وقت للتفاعل مع الأطفال، نتيجة الضغوط التي فرضتها ظروف قاسية، من نزوح وقصف وفقدان لأفراد من الأسرة، إلى جانب تراجع الموارد الاقتصادية والانشغال المستمر بتأمين متطلبات الحياة.
وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوقت والجهد موجّهين نحو الأولويات الأساسية، ما ينعكس بشكل طبيعي على تفاصيل الحياة اليومية داخل المنزل.
كما لعبت منصات التواصل الاجتماعي وانتشار الأجهزة الذكية دوراً في تغيير شكل التفاعل داخل الأسرة، إذ أصبحت حاضرة بشكل يومي في حياة الأطفال والأهالي، ومع تزايد استخدامها، يقضي بعض الأطفال وقتاً أطول أمام الشاشات، في وقت ينشغل فيه الأهل بمتابعة التزاماتهم أو باستخدام هذه الوسائل، ما قد يقلّل من فرص التفاعل المباشر بينهم، ويأتي هذا التحوّل ضمن تغيّر نمط الحياة بشكل عام، وهو ما ينعكس على طبيعة الوقت المشترك داخل المنزل.
في المقابل، يؤكد مختصون في علم النفس أن مشاركة الأهل لأطفالهم أنشطتهم اليومية، حتى وإن كانت بسيطة، تلعب دوراً مهماً في دعم التوازن النفسي لديهم، إذ تعزز شعورهم بالأمان والانتماء، وتساعدهم على التعبير عن أنفسهم بشكل أكثر عفوية، كما تساهم هذه اللحظات في بناء علاقة أكثر استقراراً بين الطفل وأسرته، خاصة في البيئات التي تشهد ضغوطاً أو تغيّرات مستمرة.
ويرى المختصون أن هذه المشاركة لا ترتبط بالضرورة بوقت مخصص أو أنشطة منفصلة، بل يمكن أن تكون جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية نفسها، كإشراك الطفل في مهام بسيطة داخل المنزل، أو الحديث معه أثناء القيام بأعمال روتينية.
ويشيرون إلى أن هذا النوع من التفاعل يخفف من الضغط على الأهل، ويجعل المشاركة أكثر عفوية واستمرارية، دون أن تتحول إلى التزام إضافي في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
تتأثر مشاركة الأهل لأطفالهم بظروف الحياة اليومية، فتتراجع في بعض الأحيان وتظهر بأشكال مختلفة في أحيان أخرى، ضمن التغيّرات التي تشهدها العلاقة داخل الأسرة، ويرتبط ذلك بجملة من العوامل المرتبطة بنمط الحياة والظروف المحيطة، والتي تنعكس بدورها على طبيعة التفاعل بين الأهل والأطفال.
١ مايو ٢٠٢٦
مع بدء أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب حضورياً، أصدرت الجهات المختصة استدعاءات غيابية بحق رئيس النظام المخلوع وشقيقه ماهر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين السابقين، في وقت مُنح فيه المتهمون الفارّون مهلة قانونية للمثول أمام المحكمة وتقديم إفاداتهم.
وأعادت هذه الإجراءات طرح تساؤلات حول طبيعة المحاكمات الغيابية والأحكام الصادرة عنها، والفروقات بينها وبين الأحكام الوجاهية، إضافة إلى الآليات القانونية المرتبطة بكل منها.
وعرّف المحامي علي محمد إسكان، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، المحاكمات العلنية بأنها الجلسات التي تتيح المحكمة للجمهور ووسائل الإعلام حضورها والاطلاع على إجراءاتها، مشيراً إلى أن هدفها يتمثل في ضمان الشفافية والنزاهة، وكفالة حق المتهم في دفاع علني، لافتاً إلى أن الأصل هو علنية الجلسات، ما لم تقرر المحكمة سريتها لأسباب أمنية أو أخلاقية.
وأوضح أن المحاكمات الغيابية هي إجراءات قضائية جنائية تُعقد وتصدر أحكامها دون حضور المتهم أمام المحكمة، نتيجة هروبه أو عدم تبلغه، أو امتناعه عن الحضور رغم علمه بالدعوى، وبيّن أن هذه الأحكام تكون غالباً قابلة للاعتراض أو إعادة النظر، في حال إلقاء القبض على المتهم أو تسليمه نفسه.
مسار الدعوى الجزائية من التحقيق إلى المحاكمة
وفي هذا السياق، أوضح المحامي عبد الناصر حوشان، النائب في مجلس الشعب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، المسار القانوني الذي تسلكه الدعوى الجزائية في سوريا، مبيناً مراحلها منذ تحريكها وحتى صدور الحكم، إلى جانب الفرق بين المحاكمات الوجاهية والغيابية، والآليات المعتمدة لملاحقة المتهمين الفارّين.
وقال حوشان إن الدعوى تمر بثلاث مراحل قبل وصولها إلى المحكمة المختصة، مضيفاً أنها تبدأ أمام النيابة العامة، حيث تقوم بإجراء التحقيقات الأولية، وتنظيم الادعاء العام، ثم تُحيل الملف إلى قاضي التحقيق في القضايا الجنحية أو الجنائية، إذ تُحال الجنح الشديدة إلى قاضي التحقيق.
وأشار إلى أن قاضي التحقيق يقوم بدراسة الدعوى، فإذا تبيّن له أن الجرم يُشكّل جنحة، أحالها إلى محكمة بداية الجزاء أو إلى صلح الجزاء، كلٌّ بحسب الاختصاص، أما إذا تبيّن أن الجرم يُشكّل جناية، فيُحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات عن طريق قاضي الإحالة.
ونوه إلى أن الدعوى تمرّ بعد ذلك على قاضي الإحالة، الذي يطّلع على ملفها، فإذا وجد أن قرار قاضي التحقيق متوافق مع القانون، يُحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات مشفوعةً بمذكرتي قبض ونقل، وتُعدّ هاتان المذكرتان مدخلاً لبدء المحاكمة بحق المتهم.
وذكر الحقوقي لـ "شام" أن بعد صدور قرار الاتهام في الجنايات، وتصديق قاضي الإحالة عليه، تُحال الدعوى إلى محكمة الجنايات المختصة مرفقةً بمذكرتي القبض والنقل، ويُقصد بمذكرة القبض ملاحقة المتهم وتوقيفه، إذ لا تجوز محاكمة أي شخص أمام محكمة الجنايات إلا إذا كان موقوفاً، سواء سلّم نفسه طوعاً أو تم إلقاء القبض عليه من قبل الجهات المختصة وتقديمه إلى المحكمة.
وعند ذلك، تبدأ المحاكمة العلنية، فإذا سلّم المتهم نفسه تكون المحاكمة وجاهية، وتستمر الجلسات إلى حين صدور الحكم، الذي يكون حكماً وجاهياً، وهو أحد صور الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات.
من التبليغ إلى الحكم الغيابي وملاحقة الفارّين
أما فيما يتعلق بالحكم الغيابي، ذكر عبد الناصر حوشان أنه فيكون في حال قيام قاضي الإحالة بإحالة الملف إلى محكمة الجنايات مشفوعاً بمذكرتي القبض والنقل، فتنتقل الدعوى إلى المحكمة المختصة.
وتقوم المحكمة بتبليغ المتهم مذكرة دعوة للحضور أمامها في موعد الجلسة، سواء تم التبليغ وجاهياً، أو بالواسطة، أو عن طريق المختار، فإذا تبلّغ المتهم أصولاً ولم يحضر الجلسة الأولى في موعدها، تقوم المحكمة في هذه الحالة بتأجيل الدعوى، وتحديد موعد جديد، وتُصدر قراراً يُعرف بـ"قرار المهل"، تمنحه بموجبه مهلة مدتها عشرة أيام لتسليم نفسه أو الحضور أمام المحكمة.
فإذا انقضت هذه المهلة دون أن يُسلّم المتهم نفسه أو يمثل أمام المحكمة، تتابع المحكمة النظر في الدعوى، ثم تُصدر حكمها بصورة غيابية، وهذا هو الحكم الغيابي، ولا بدّ أن يمرّ الحكم الغيابي بمرحلة العلنية، إذ تُفتتح الدعوى أمام المحكمة سواء كان المتهم حاضراً أم غائباً، وتُتلى الإجراءات بشكل علني، وتُثبَّت وقائع الجلسات في محاضر رسمية، وذلك لضمان صحة الإجراءات واتخاذ القرار الصحيح.
وأشار إلى أن الأحكام الغيابية في حال مرور مدة دون أن يسلّم المحكوم عليه نفسه، ولتفادي إشكالية التقادم، تُرسل مذكرات الحكم إلى الجهات الشرطية، إذ تُعمَّم الأحكام الغيابية عبر النشرات الشرطية على الحدود والمطارات ومراكز الشرطة، ويُدرج اسم المحكوم عليه ضمن إذاعات البحث، بحيث يُعمَّم في جميع الأماكن الممكنة لضبطه، وفي حال إلقاء القبض عليه، يُحال إلى المحكمة، وذلك لقطع التقادم ومنع سقوط الحكم بمرور الزمن.
الطعن في الأحكام: الفرق بين الوجاهي والغيابي
وأوضح أن الأحكام الوجاهية بشكل عام قابلة للطعن، إذ يحق للمتهم، في حال صدور الحكم، الطعن أمام محكمة النقض خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغه بالحكم أو من اليوم التالي لصدوره، أما الأحكام الغيابية، فلا يُطعن فيها بالطريقة ذاتها، وإنما تسقط إذا قام المحكوم عليه غيابياً بتسليم نفسه إلى المحكمة أو أُلقي القبض عليه، وعندها يُعتبر الحكم كأنه غير قائم.
وبيّن أن التحدي الأكبر حالياً يتمثل في حجم القضايا الكبير في سوريا، إلى جانب عدم اكتمال عملية إصلاح المؤسسات، ولا سيما القضاء، ما يستدعي رفد المحاكم بالقضاة، لافتاً إلى أن هروب عدد من المتهمين خارج البلاد يفرض استمرار مسار العدالة سواء عبر المحاكمات الغيابية أو الوجاهية.
وتبقى المحاكمات الغيابية خطوة أولى في مسار العدالة الانتقالية، بوصفها إجراءً اضطرارياً لا يغني عن المحاكمات الحضورية الكاملة، لكنها تؤكد أن الانتهاكات الماضية ما تزال قيد المساءلة، وتؤدي دوراً مهماً في منع سقوط الدعاوى بالتقادم، وحفظ حقوق الضحايا، وتوثيق الجرائم في السجلات الرسمية، بما يضمن بقاء هذه الحقوق حاضرة ضمن مسار العدالة.
١ مايو ٢٠٢٦
في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في سوريا، تزايد وعي الأطفال بتفاصيل الواقع المعيشي داخل أسرهم، وباتوا أكثر إدراكاً للتغيرات المرتبطة بالدخل والإنفاق، في سن مبكرة مقارنةً بالسابق، ولم يعد مستغرباً أن يتابع طفل حديث والديه عن فاتورة الكهرباء، أو يسأل عن سبب ارتفاع الأسعار، أو يتردد في طلب احتياجاته خشية إثقال كاهل أسرته، في مشهد يعكس انتقال القلق من الكبار إلى الصغار.
ومع تصاعد الضغوط على الأسرة، يتأثر الأطفال بشكل متزايد بالأجواء المحيطة داخل المنزل، سواء من خلال التوتر أو التغير في نمط الحياة اليومية، ما يجعل من هذا الوعي المبكر مسألة تستدعي التوقف عندها، خاصة في ما يتعلق بكيفية تعامل الأهل معه والحد من انعكاساته.
تأثير الأوضاع المعيشية على وعي الأطفال وسلوكهم
وقال أيوب حميدة، مدير حالة في قسم الصحة النفسية، في تصريح لشبكة شام الإخبارية، إن تزايد وعي الأطفال بالأوضاع الاقتصادية لأسرهم في سن مبكرة يرتبط بشكل وثيق بتأثير الظروف المعيشية التي يختبرونها بشكل مباشر في حياتهم اليومية.
وأضاف أن تزايد التحديات الاقتصادية، مثل ارتفاع الأسعار أو فقدان أحد الوالدين لعمله، إلى جانب التقشف في النفقات وحرمان الطفل من بعض احتياجاته، فضلاً عن التوتر المستمر بين الأبوين، كلها عوامل تجعل الأطفال أكثر انتباهاً للتغيرات التي تطرأ داخل المنزل، مشيراً إلى أن هذا الوعي المبكر يُعد انعكاساً مباشراً لتأثرهم بالواقع المحيط.
ونوّه إلى أنه في الظروف الطبيعية يُفترض أن ينشغل الأطفال بأنشطة تتعلق باللعب، وبناء العلاقات الاجتماعية، وتشكيل ملامح شخصياتهم، إلا أن الأزمات الاقتصادية تدفع بالوعي المالي ليصبح جزءاً من واقعهم اليومي، لافتاً إلى أن تزايد هذا الوعي في سن مبكرة قد يكون مؤشراً على وجود قلق اجتماعي أو بيئي يستدعي الانتباه والمتابعة.
وأشار إلى أن حرمان الطفل من احتياجات يراها أساسية ويتمتع بها أقرانه، مع تبرير ذلك بضعف الوضع المادي، قد ينعكس سلباً على حالته النفسية، إذ يمكن أن يولّد لديه مشاعر القلق والعزلة، وربما الإحساس بالذنب.
وأضاف في حديث لـ شام أن بعض الأطفال قد يطوّرون شعوراً مبكراً بالمسؤولية تجاه الأوضاع الاقتصادية لأسرهم، ما قد ينعكس في سلوكيات سلبية، مثل اللجوء إلى العمل أو الانسحاب الاجتماعي أو تنامي الخوف من المستقبل، لافتاً إلى أن ذلك قد يترافق أحياناً مع ظهور مؤشرات ضائقة نفسية، كاضطرابات القلق والاكتئاب.
انعكاسات الضغوط الاقتصادية على العلاقة بين الأهل والأطفال
وأكد أن الضغوط الاقتصادية قد تنعكس على أساليب تعامل الأهل مع أطفالهم، إذ قد يصبحون أكثر توتراً وعصبية، ما يؤثر على طبيعة العلاقة داخل الأسرة، كما قد يتراجع مستوى الوقت والاهتمام المخصص للأطفال نتيجة تزايد الأعباء المادية.
وأضاف أنه في بعض الحالات قد يتطور الأمر إلى سلوكيات أكثر حدّة، مثل التعنيف الجسدي أو اللفظي، فضلاً عن دفع الأطفال لتحمّل مسؤوليات مبكرة، وهو ما قد يكون ضاراً إذا فاق قدرتهم على التحمّل.
وذكر أن من المهم أن يتعامل الأهل مع تساؤلات الأطفال بصدق، ولكن بطريقة مبسطة تتناسب مع أعمارهم، مع التركيز على بثّ الأمل وتعزيز النظرة الإيجابية، لافتاً إلى إمكانية تحويل هذه الظروف إلى فرصة لتعليمهم مهارات مالية أساسية، كالإدخار والتخطيط، مؤكداً في الوقت ذاته ضرورة طمأنة الطفل بأنه لا يتحمّل مسؤولية الأزمة، ولا يقع على عاتقه تقليل النفقات.
دور الأسرة في التخفيف من الضغوط النفسية لدى الأطفال
وتحدث عن السبل التي يمكن أن تسهم في التخفيف من الضغط النفسي لدى الأطفال في مثل هذه الظروف، منوهاً إلى أن توفير بيئة آمنة ومريحة يُعد من أهم العوامل، إلى جانب الحفاظ على تواصل مستمر معهم، والتأكد من شعورهم بالحب والدعم غير المشروط، لما لذلك من دور في الحد من القلق.
كما أشار أيوب حميدة إلى أهمية تشجيعهم على الانخراط في أنشطة بسيطة وغير مكلفة، كالألعاب والرياضة في الهواء الطلق، لما تعززه من توازن ورفاه نفسي.
ووجّه رسالة أساسية للأهل بضرورة التعامل مع أطفالهم بصدق، دون تحميلهم مسؤوليات تفوق قدرتهم، مؤكداً أهمية أن يدرك الطفل أن الأسرة تواجه التحديات بروح الفريق، وأنه ليس وحيداً في مواجهة الصعوبات.
وأضاف أن توجيه الأطفال نحو تنمية مهاراتهم الشخصية والاجتماعية خلال هذه المرحلة يمكن أن ينعكس إيجاباً على صحتهم النفسية مستقبلاً، لافتاً إلى أن قضاء وقت نوعي وممتع معاً قد يحمل أثراً داعماً ومهدئاً كبيراً للأطفال في مثل هذه الظروف.
وفي هذا السياق، يشير أخصائيون نفسيون إلى أن خطورة هذا الوعي المبكر لا تكمن فقط في إدراك الطفل للأوضاع الاقتصادية، بل في الطريقة التي يعيد بها تفسيرها داخل عالمه الخاص، إذ قد يربط بين قيمة ذاته والوضع المادي لأسرته، أو يشعر بأنه عبء إضافي يجب التقليل منه.
ويؤكدون أن بعض الأطفال يميلون في هذه الحالات إلى كبت احتياجاتهم أو التنازل عنها بصمت، ما قد يؤثر على نموهم العاطفي وقدرتهم على التعبير عن رغباتهم مستقبلاً، حتى في حال تحسن الظروف.
ويشدّد الأخصائيون على أن التعامل مع هذا النوع من الوعي لدى الأطفال يتطلب مقاربة هادئة قائمة على الاحتواء، لا التجاهل أو التهوين. ويقترحون إشراك الطفل بشكل محدود ومدروس في بعض القرارات اليومية البسيطة، كترتيب الأولويات أو الادخار لهدف صغير، بما يعزز شعوره بالأمان دون تحميله مسؤوليات تفوق عمره.
كما يؤكدون أهمية إبقاء مشكلات الكبار بعيداً عن مساحة الطفل، عبر تجنّب النقاشات الحادة أمامه، وإتاحة المجال له للتعبير عن مخاوفه بحرية، الأمر الذي يساعد على تخفيف التوتر ومنع تراكم القلق.
يفرض الواقع الاقتصادي نفسه على تفاصيل حياة الأطفال في سوريا، دافعاً بهم إلى وعي مبكر يتجاوز أعمارهم وبين هذا التحول وضغوط الحياة اليومية، يبقى التعامل مع ما يمر به الطفل داخل أسرته عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان هذا الوعي سيتحوّل إلى عبء صامت، أو تجربة يمكن احتواؤها دون أن تترك آثاراً أعمق.