١٠ أغسطس ٢٠٢٦
تُعدّ مهنة التعليم من المهن الأساسية التي يرتبط أثرها المباشر بتكوين الفرد وبناء شخصيته، إذ لا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة، بل يمتد ليشمل التأثير في سلوك الطالب واتجاهاته نحو التعلم والحياة، وفي هذا السياق، يترك بعض المعلمين أثراً عميقاً في نفوس طلابهم، فيسهمون في تعزيز حب الدراسة والعلم والعمل، ويكون لهم دور في إحداث تحولات إيجابية في مسار حياتهم، الأمر الذي يجعل حضورهم ممتداً في الذاكرة رغم مرور السنوات.
في المقابل، هناك معلمون لا يتركون الأثر ذاته، إذ يُنسى حضورهم سريعاً دون أن ينعكس بشكل واضح على تجربة الطالب التعليمية أو النفسية، ويعود ذلك في جانب منه إلى أسلوب تعامل المعلم مع طلابه، ومدى اهتمامه ليس فقط بالمادة التي يدرّسها، وإنما أيضاً بالجانب الإنساني في العملية التعليمية، بما يشمل التفاعل، والدعم، وبناء العلاقة التربوية داخل الصف.
كيف يصنع المعلم أثراً دائماً في نفوس طلابه؟
قال الدكتور عبد الحي المحمود، نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المعلم الذي يبقى في ذاكرة الطالب ليس بالضرورة المعلم الذي كان يقدم أغزر المعلومات، وإنما غالباً المعلم الذي ترك أثراً إنسانياً ونفسياً إلى جانب أثره التعليمي، فالطالب قد ينسى تفاصيل درس أو تعريفاً أو قاعدة، لكنه من الصعب أن ينسى معلماً جعله يشعر بأنه قادر، أو معلماً آمن به عندما كان هو نفسه يشك بقدراته.
وأشار إلى أن الذاكرة الإنسانية لا تعمل بمعزل عن المشاعر؛ فالخبرات التي ترتبط بانفعال قوي، كالشعور بالنجاح أو التقدير أو الأمان أو حتى الإهانة والخوف، تكون أكثر قابلية للترسخ، ولذلك بعض الطلاب يتذكرون بعد عشرات السنين جملة قالها لهم معلم في لحظة معينة، وربما كانت تلك الجملة نقطة تحول في حياتهم، فالمعلم المؤثر لا يترك في ذاكرة الطالب "معلومة" فقط، بل يترك تجربة، والتجربة الإنسانية العميقة قد تعيش أطول بكثير من محتوى الدرس.
وأضاف أنه لا يمكن الفصل بين أسلوب التدريس وشخصية المعلم، لكن إذا أردنا تحديد العامل الأكثر تأثيراً في الذاكرة طويلة المدى، فإن شخصية المعلم وطريقة تعامله الإنسانية غالباً ما تكونان أكثر حضوراً، أسلوب التدريس مهم جداً؛ فالمعلم الذي يجعل الطالب يفكر ويشارك ويكتشف ويطبق، يجعل عملية التعلم أكثر عمقاً، لكن هذه الأساليب قد تفقد جزءاً كبيراً من أثرها إذا كان الطالب يشعر بالخوف أو الإهانة أو عدم الاحترام.
وأكد المحمود أن المعلم الناجح يجمع بين الكفاءة العلمية والكفاءة الإنسانية: يعرف مادته جيداً، ويعرف في الوقت نفسه كيف يتعامل مع طالب مختلف عنه في قدراته وشخصيته وظروفه، ولذلك فالمعلم المتميز ليس من يجعل الطلاب يحفظون أكثر فقط، وإنما من يجعلهم يفكرون أكثر ويثقون بأنفسهم أكثر.
وأشار إلى أن دور المشاعر أساسي في ترسيخ تجربة التعلم في الذاكرة، فالتعلم ليس عملية معرفية بحتة؛ فالطالب يتعلم وهو يحمل معه مشاعره ومخاوفه وحاجته إلى القبول والتقدير، فعندما يشعر الطالب بالأمان النفسي داخل الصف، يصبح أكثر استعداداً للسؤال والمناقشة والخطأ والمحاولة من جديد، أما عندما يخاف من السخرية أو العقاب أو الإحراج، فقد ينشغل جزء من انتباهه بتجنب الخطأ بدلاً من الانشغال بالتعلم.
وشدد على أن الأمان النفسي ليس شيئاً ثانوياً، بل شرطاً مهماً من شروط التعلم الجيد، والتشجيع هنا لا يعني أن نقول للطالب دائماً "أنت ممتاز"، وإنما أن نساعده على رؤية تقدمه، وأن نفصل بين تقييم أدائه وتقييم قيمته كشخص، ونوه إلى أن المعلم قد يكون قدوة مؤثرة في حياة الطالب دون أن يقصد، وربما يحدث ذلك أكثر مما يتوقع المعلم نفسه، إذ إن الطالب لا يتعلم من كلام المعلم فقط، بل يتعلم أيضاً من سلوكه وطريقة تعامله مع الآخرين وإدارته للغضب واحترامه للطلاب واعترافه بخطئه.
من القدوة إلى الثقة: كيف يشكل المعلم نظرة الطالب لنفسه؟
وذكر الدكتور عبد الحي في تصريح خاص لـ شام أن المعلم يرسل يومياً عشرات الرسائل غير المباشرة؛ فعندما يرى الطالب معلماً يحترم الجميع، فإنه يتعلم معنى الاحترام، وعندما يرى معلماً يعترف بخطئه، يتعلم أن الخطأ ليس عيباً، وعندما يرى معلماً يؤمن بقدراته، قد يبدأ هو نفسه بالإيمان بهذه القدرات، وهنا تظهر أهمية ما يسمى تربوياً التعلم بالملاحظة والنمذجة؛ فالطالب لا يقلد المعلم في المعلومات فقط، بل قد يقلده في طريقة التفكير والتعامل مع الآخرين وحتى في نظرته إلى نفسه وإلى الحياة.
وبيّن أن من أبرز الأخطاء السلوكية والتربوية التي قد تجعل المعلم يُنسى أن يتحول إلى مصدر للمعلومات فقط، دون أن يبني علاقة تربوية حقيقية مع طلابه، مشيراً إلى أن الإهانة العلنية، والمقارنة بين الطلاب، والسخرية من الإجابات الخاطئة، والتحيز، وعدم العدالة، واستخدام الخوف كوسيلة للضبط، وعدم الاستماع للطالب، كلها عوامل تضعف أثره.
وأوضح أنه قد يكون المعلم متمكناً علمياً بدرجة عالية، لكنه إذا جعل الطالب يشعر بأنه غير مهم أو غير قادر أو دائماً مخطئ، فإن معرفته العلمية قد لا تترك الأثر الذي كان يمكن أن تتركه، وفي المقابل، ليس المطلوب أن يكون المعلم "صديقاً" للطلاب بالمعنى الشخصي، بل أن يكون عادلاً، محترماً، واضحاً، داعماً، وحازماً دون إهانة، فالعلاقة التربوية الصحية تحتاج إلى توازن بين القرب والحدود.
ولفت نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب إلى أن أسلوب المعلم يؤثر بشكل كبير في تعزيز أو إضعاف ثقة الطالب بنفسه وتقديره لذاته، خصوصاً عندما تتكرر الرسائل التي يتلقاها الطالب من المعلم عبر سنوات الدراسة، فعندما يقول المعلم للطالب: "أنت لا تستطيع"، أو يسخر من قدراته، فإن الطالب قد لا يتعامل مع هذه العبارة على أنها تعليق فحسب، بل قد يبدأ ببناء صورة سلبية عن نفسه حولها.
أما عندما يقول له: "هذه المحاولة لم تنجح، لكن يمكننا أن نبحث عن طريقة أخرى"، فهو يفصل بين فشل المحاولة وقيمة الشخص، وهذه نقطة تربوية شديدة الأهمية، فالمعلم يستطيع أن يبني لدى الطالب ما يمكن تسميته إحساس الكفاءة؛ أي شعور الطالب بأنه قادر على التعلم والتطور من خلال الجهد والممارسة، ومن هنا فإن التغذية الراجعة التي يقدمها المعلم ينبغي ألا تركز فقط على النتيجة، بل على الاستراتيجية والجهد والتقدم.
وذكر المحمود أن الطالب غالباً يتأثر بالمعلم في المراحل المبكرة، كالطفولة، بشكل أعمق، لأن الطفل في هذه المرحلة ما يزال يبني تصوره عن نفسه وعن الآخرين وعن المدرسة والتعلم، والمعلم بالنسبة له ليس ناقلاً للمعرفة فقط، بل يمثل أحياناً شخصية مرجعية ذات قيمة كبيرة في حياته، لكن هذا لا يعني أن تأثير المعلم يختفي في المراحل الجامعية أو المتقدمة، إذ يتغير شكل التأثير في المراحل اللاحقة؛ فالطالب الجامعي قد لا يحتاج إلى معلم يقوم بدور السلطة أو الرعاية كما في الطفولة، لكنه قد يتأثر بأستاذ يجعله يحب تخصصه، أو يفتح أمامه طريقاً مهنياً، أو يؤمن بقدرته البحثية والعلمية.
وأكد أن التأثير لا ينتهي مع تقدم العمر، وإنما تتغير طبيعته؛ فالطفل قد يتذكر معلمه لأنه جعله يشعر بالأمان، بينما قد يتذكر الطالب الجامعي أستاذه لأنه جعله يرى مستقبله بطريقة مختلفة، وأشار في ختام حديثه إلى أنه يرى أن السؤال الأهم بالنسبة له ليس: ماذا علّم المعلم الطالب فقط، وإنما ماذا جعل الطالب يشعر تجاه نفسه وتجاه العلم وتجاه قدرته على النجاح؟"
١٠ أغسطس ٢٠٢٦
في ظل تزايد التساؤلات المرتبطة بفترة الخطوبة وما يترتب عليها من التزامات وحقوق، تبرز الحاجة إلى توضيح الإطار القانوني الذي ينظم هذه المرحلة، خاصة مع ما قد ينشأ عنها من خلافات عند الفسخ، سواء فيما يتعلق بالهدايا أو الشبكة أو التعويض عن الضرر، وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة لارتباطها المباشر بحياة الأفراد واستقرارهم الاجتماعي، ما يجعل فهمها ضرورة لتجنب الخلافات وحفظ الحقوق.
الشبكة والهدايا عند فسخ الخطوبة
في هذا السياق، قالت المدربة القانونية عفراء أحمد، القائمة على سلسلة تدريبات الوعي القانوني الاجتماعي لكافة الأفراد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الخطوبة في جميع قوانين الأحوال الشخصية العربية تُوصَّف قانونياً على أنها “وعد بالزواج” وليست عقداً ملزماً.
وأوضحت أنه لا يترتب عليها أي أثر من آثار عقد الزواج الشرعي، مثل النفقة أو الطاعة أو التوارث، ويملك كل من الطرفين الحق الكامل في العدول عنها في أي وقت، دون إمكانية إجبار أي طرف على إتمام الزواج، لأن الإرادة يجب أن تكون حرة تماماً قبل إبرام العقد الرسمي، حسبما ذكرت.
وأضافت أن التعامل القانوني مع الهدايا والشبكة عند الفسخ يقوم على تحديد الطرف الذي بادر بالفسخ، وتُطبق في ذلك أحكام الهبة في الفقه الإسلامي، فإذا كان الفاسخ هو الخاطب لا يحق له استرداد الهدايا المستهلكة أو العادية التي قدمها للمخطوبة (لأنه هو من رجع في خطبته).
لكنه يسترد الشبكة دائماً باعتبارها جزءاً من المهر، أما إذا كانت المخطوبة هي من فسخت، فتُلزم برد الشبكة والرد العيني لجميع الهدايا القائمة غير المستهلكة التي قدمها الخاطب لها، في حين أن الهدايا المستهلكة، مثل الأطعمة، الحلويات، أو الملابس التي بليت، لا تُرد قانوناً ما لم يوجد شرط مسبق بخلاف ذلك.
وفيما يتعلق بوضع “الشبكة” في حال اختلاف العرف مهر أم هدية، ذكرت المدربة عفراء أنه استقرت أحكام محاكم النقض والتمييز العربية على اعتبارها جزءاً من المهر المعجل وليست مجرد هدية، حتى لو جرى العرف على تسميتها كذلك في حياتهم اليومية، وبناءً على ذلك تُرد الشبكة للخاطب في جميع حالات الفسخ، سواء كان الفسخ من جهته أو من جهة المخطوبة، وسواء كانت قائمة أو تم بيعها حيث تُرد قيمتها، لأن سبب استحقاق المهر، وهو الزواج، قد انتفى كلياً.
التعويض والنفقات بعد فسخ الخطوبة
ونوهت عفراء أحمد في تصريح خاص لـ شام إلى أن مجرد العدول عن الخطوبة لا يوجب التعويض لأنه حق مكفول للمتنازل، إلا أن المطالبة بالتعويض تصبح ممكنة عند اقتران الفسخ بخطأ أو تعسف أو إساءة استخدام الحق ترتب عليه ضرر مباشر للطرف الآخر، كما في حالات الفسخ المفاجئ ليلة الزفاف دون مبرر مقبول وبطريقة مهينة تسبب ضررا معنوي وأدبي يمس السمعة والكرامة، أو في حال إجبار أحد الطرفين على ترك عمله أو بيع ممتلكاته استعداداً للزواج ثم الفسخ دون سبب.
وبينت أن تقدير التعويض والنفقات التجهيزية يعود حصراً للمحكمة (قاضي الموضوع) بناءً على حجم الضرر الفعلي المدعوم بالإثباتات، ويشمل التعويض المادي الخسائر والنفقات الفعالة التي تم دفعها استعداداً للزواج ولا يمكن استردادها أو الاستفادة منها.
ومن تلك النفقات: تكاليف حجز قاعة الأفراح غير المستردة، ومصاريف تعديل مسكن الزوجية بناءً على طلب الطرف الفاسخ، وخسائر حجوزات السفر أو الفنادق لشهر العسل، إلى جانب التعويض عن الضرر المعنوي الذي تقدره المحكمة لجبر الأذى النفسي والاجتماعي الذي لحق بالطرف المتضرر أو بأسرته بين الناس.
ولفتت أحمد إلى أن انتهاء الخطوبة بسبب الوفاة أو قوة قاهرة يُخضع المسألة لقاعدة انفساخ الوعد دون خطأ من أي طرف، ففي حال وفاة الخاطب لا يحق لورثته استرداد الهدايا العادية التي قدمها للمخطوبة لأنها استقرت كـ "هبة"، لكنها تُعاد لهم الشبكة باعتبارها جزءاً من المهر ولم يقم عقد الزواج المستحق لها.
وأشارت إلى أنه في حال وفاة المخطوبة فلا يحق للخاطب استرداد الهدايا المستهلكة أو التالفة، بينما يحتفظ بحقه الكامل في استرداد الشبكة من ورثتها بذات العلة القانونية (أنها جزء من المهر الذي لم يستحق لعدم إتمام الزواج).
وفي المحصلة، قد لا تكتمل فترة الخطوبة في بعض الحالات نتيجة ظروف مختلفة، سواء كانت مرتبطة بالخاطب أو المخطوبة، ما يؤدي إلى إنهائها قبل الوصول إلى عقد الزواج، وفي مثل هذه الحالات، تبرز المسائل المرتبطة بالحقوق والالتزامات، لا سيما الجوانب المالية المتعلقة بالهدايا والشبكة والتعويض، ضمن إطار قانوني ينظم هذه الحالات ويحدد آلية التعامل معها.
١٠ أغسطس ٢٠٢٦
مع تسارع التحولات التي يشهدها قطاع التعليم، لم يعد التفوق الدراسي مرتبطاً بالقدرات العقلية وحدها، بل أصبحت دافعية التعلم عنصراً أساسياً في تحديد مدى تفاعل الطالب مع دراسته واستمراريته في تحقيق التقدم.
وفي ظل تعدد العوامل المؤثرة، من الأسرة والمدرسة إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، تتباين مستويات الحافز لدى الطلاب، ما يسلّط الضوء على أهمية فهم هذه الدافعية والعوامل التي تعززها أو تضعفها، وهو ما يشكل مفتاحاً رئيسياً لتحسين جودة التعلم ونتائجه.
دور الأهل في تعزيز دافعية التعلم
وفي هذا السياق، قالت آلاء كوربلال، محاضرة وباحثة تربوية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تؤمن بأن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يهدف إلى بناء شخصية متوازنة قادرة على التعلم المستمر ومواجهة تحديات المستقبل.
وأشارت إلى أن الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه الأهل في دعم العملية التعليمية يتمثل في تقبل الطفل وتقبل قدراته، مع توفير بيئة آمنة ومحفزة للتعلم، وتشجيع الأبناء على الاجتهاد دون القيام بالمهام نيابة عنهم، إلى جانب المتابعة والاستماع وتعزيز الثقة بالنفس وغرس قيمة العلم باعتباره وسيلة لبناء المستقبل، وليس مجرد وسيلة للحصول على الدرجات.
ونوهت إلى أهمية قيام الأهل بتنظيم وقت الدراسة، وتشجيع الأبناء على وضع أهداف حقيقية، والاحتفاء بجهودهم قبل نتائجهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن الصعوبات التي يواجهونها، وبينت أن استخدام الحوار والتشجيع الإيجابي أكثر فاعلية من المقارنة أو العقاب، مشيرة إلى أن هذه الأساليب تعد من أهم وسائل المساعدة التي تساعد الأبناء على الدراسة دون ضغط أو توتر.
ولفتت كوربلال في تصريح خاص لـ شام إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعاً المقارنة بين الأبناء أو مع أقرانهم، والتركيز المفرط على الدرجات وإهمال تنمية المهارات، والضغط المستمر لتحقيق نتائج مثالية، إضافة إلى التدخل الزائد في أداء الواجبات، مما يقلل من اعتماد الطالب على نفسه، وذكرت أن متابعة الأهل للطفل مهمة جداً في الوقت الحالي، إلا أن نجاحها يعتمد على أسلوب المتابعة، فإذا كانت قائمة على الدعم والتشجيع والثقة، فإنها تعزز الدافعية والإنجاز.
وتحدثت عن أن تحول المتابعة إلى رقابة وضغط دائم قد يؤدي إلى القلق وفقدان الثقة بالنفس، وربما يقلل من رغبة الطالب في التعلم، وأوضحت أنها، كباحثة مهتمة بمجال التعليم، ترى أن أساس دعم الأهل يكمن في مساندة الطفل على الاعتماد على نفسه، مع منحه مساحة لاتخاذ القرارات وتحمل مسؤولية الدراسة، مبينة أن الهدف ليس إنجاز المهام بدلاً عن الأبناء، وإنما تمكينهم من اكتساب مهارات التنظيم وحل المشكلات والاستقلالية.
وأكدت أهمية جعل التعلم جزءاً من الحياة اليومية من خلال القراءة المشتركة، وربط المعرفة باهتمامات الأبناء، وتشجيعهم على طرح الأسئلة والاستكشاف، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة، وتوفير بيئة منزلية هادئة ومنظمة، وشددت على أن يكون الأهل قدوة في حب التعلم والاطلاع، لأن الأبناء يتعلمون بالقدوة، وخاصة من الأهل، أكثر مما يتعلمون بالتوجيه.
يؤكد مختصون في علم النفس التربوي أن دافعية التعلم لا ترتبط فقط بالبيئة المحيطة بالطالب، بل تتأثر أيضاً بإحساسه بالإنجاز الشخصي ومعنى ما يتعلمه، إذ يميل الطالب إلى التفاعل بشكل أكبر عندما يشعر بأن التعلم يلبي احتياجاته ويمنحه شعوراً بالتقدم، وليس مجرد التزام مفروض عليه، ويرون أن غياب هذا المعنى قد يؤدي إلى فتور الاهتمام حتى لدى الطلاب القادرين أكاديمياً.
ويضيف المختصون أن تعزيز الدافعية يتطلب التركيز على بناء علاقة إيجابية بين الطالب والتعلم ذاته، من خلال إشراكه في اتخاذ بعض القرارات المرتبطة بدراسته، ومنحه فرصاً لاكتشاف ميوله، وتقديم التغذية الراجعة التي تركز على التطور وليس فقط على النتائج، ما يسهم في خلق دافع داخلي أكثر استدامة واستقلالية.
تتشكل دافعية التعلم من تداخل عوامل ترتبط بالطالب وبيئته داخل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، ما يفسر تباينها بين الأفراد، ويؤكد أهمية الانتباه لهذه الجوانب عند التعامل مع العملية التعليمية.
٩ أغسطس ٢٠٢٦
مع تسارع التحولات التي يشهدها قطاع التعليم، لم يعد التفوق الدراسي مرتبطاً بالقدرات العقلية وحدها، بل أصبحت دافعية التعلم عنصراً أساسياً في تحديد مدى تفاعل الطالب مع دراسته واستمراريته في تحقيق التقدم.
وفي ظل تعدد العوامل المؤثرة، من الأسرة والمدرسة إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، تتباين مستويات الحافز لدى الطلاب، ما يسلّط الضوء على أهمية فهم هذه الدافعية والعوامل التي تعززها أو تضعفها، وهو ما يشكل مفتاحاً رئيسياً لتحسين جودة التعلم ونتائجه.
دور الأهل في تعزيز دافعية التعلم
وفي هذا السياق، قالت آلاء كوربلال، محاضرة وباحثة تربوية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تؤمن بأن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يهدف إلى بناء شخصية متوازنة قادرة على التعلم المستمر ومواجهة تحديات المستقبل.
وأشارت إلى أن الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه الأهل في دعم العملية التعليمية يتمثل في تقبل الطفل وتقبل قدراته، مع توفير بيئة آمنة ومحفزة للتعلم، وتشجيع الأبناء على الاجتهاد دون القيام بالمهام نيابة عنهم، إلى جانب المتابعة والاستماع وتعزيز الثقة بالنفس وغرس قيمة العلم باعتباره وسيلة لبناء المستقبل، وليس مجرد وسيلة للحصول على الدرجات.
ونوهت إلى أهمية قيام الأهل بتنظيم وقت الدراسة، وتشجيع الأبناء على وضع أهداف حقيقية، والاحتفاء بجهودهم قبل نتائجهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن الصعوبات التي يواجهونها، وبينت أن استخدام الحوار والتشجيع الإيجابي أكثر فاعلية من المقارنة أو العقاب، مشيرة إلى أن هذه الأساليب تعد من أهم وسائل المساعدة التي تساعد الأبناء على الدراسة دون ضغط أو توتر.
ولفتت كوربلال في تصريح خاص لـ شام إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعاً المقارنة بين الأبناء أو مع أقرانهم، والتركيز المفرط على الدرجات وإهمال تنمية المهارات، والضغط المستمر لتحقيق نتائج مثالية، إضافة إلى التدخل الزائد في أداء الواجبات، مما يقلل من اعتماد الطالب على نفسه، وذكرت أن متابعة الأهل للطفل مهمة جداً في الوقت الحالي، إلا أن نجاحها يعتمد على أسلوب المتابعة، فإذا كانت قائمة على الدعم والتشجيع والثقة، فإنها تعزز الدافعية والإنجاز.
وتحدثت عن أن تحول المتابعة إلى رقابة وضغط دائم قد يؤدي إلى القلق وفقدان الثقة بالنفس، وربما يقلل من رغبة الطالب في التعلم، وأوضحت أنها، كباحثة مهتمة بمجال التعليم، ترى أن أساس دعم الأهل يكمن في مساندة الطفل على الاعتماد على نفسه، مع منحه مساحة لاتخاذ القرارات وتحمل مسؤولية الدراسة، مبينة أن الهدف ليس إنجاز المهام بدلاً عن الأبناء، وإنما تمكينهم من اكتساب مهارات التنظيم وحل المشكلات والاستقلالية.
وأكدت أهمية جعل التعلم جزءاً من الحياة اليومية من خلال القراءة المشتركة، وربط المعرفة باهتمامات الأبناء، وتشجيعهم على طرح الأسئلة والاستكشاف، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة، وتوفير بيئة منزلية هادئة ومنظمة، وشددت على أن يكون الأهل قدوة في حب التعلم والاطلاع، لأن الأبناء يتعلمون بالقدوة، وخاصة من الأهل، أكثر مما يتعلمون بالتوجيه.
يؤكد مختصون في علم النفس التربوي أن دافعية التعلم لا ترتبط فقط بالبيئة المحيطة بالطالب، بل تتأثر أيضاً بإحساسه بالإنجاز الشخصي ومعنى ما يتعلمه، إذ يميل الطالب إلى التفاعل بشكل أكبر عندما يشعر بأن التعلم يلبي احتياجاته ويمنحه شعوراً بالتقدم، وليس مجرد التزام مفروض عليه، ويرون أن غياب هذا المعنى قد يؤدي إلى فتور الاهتمام حتى لدى الطلاب القادرين أكاديمياً.
ويضيف المختصون أن تعزيز الدافعية يتطلب التركيز على بناء علاقة إيجابية بين الطالب والتعلم ذاته، من خلال إشراكه في اتخاذ بعض القرارات المرتبطة بدراسته، ومنحه فرصاً لاكتشاف ميوله، وتقديم التغذية الراجعة التي تركز على التطور وليس فقط على النتائج، ما يسهم في خلق دافع داخلي أكثر استدامة واستقلالية.
تتشكل دافعية التعلم من تداخل عوامل ترتبط بالطالب وبيئته داخل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، ما يفسر تباينها بين الأفراد، ويؤكد أهمية الانتباه لهذه الجوانب عند التعامل مع العملية التعليمية.
٩ أغسطس ٢٠٢٦
في ظل تزايد الضغوط الحياتية وتسارع الأزمات التي يواجهها الأفراد، تبرز أهمية فهم كيفية التكيف مع الصدمات النفسية وبناء القدرة على التحمل كركائز أساسية للصحة النفسية، فالتعرض للمواقف الصعبة أصبح جزءاً من واقع يومي يفرض على الإنسان البحث عن أدوات فعالة تساعده على الاستمرار والحفاظ على توازنه.
استراتيجيات لبناء المرونة والقدرة على التحمل
وفي هذا السياق، قال أحمد عرفات، باحث دكتوراه في الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العديد من الباحثين والرابطة النفسية الأمريكية وضعوا مجموعة من الخطوات والاستراتيجيات لبناء المرونة والقدرة على التحمل، يمكن إجمالها في عدد من النقاط، من أبرزها إقامة العلاقات الإيجابية، إذ تعزز العلاقات الإيجابية بين الشخص وأفراد أسرته والمقربين والأصدقاء قابلية مشاركته بالأنشطة الاجتماعية والدينية.
وأضاف أن تقبل المساعدة والدعم من الأشخاص الذين نحبهم يقوي المرونة النفسية لدينا، ويساعد الشخص كذلك مساعدة ودعم الآخرين وتقديم المساندة لهم أيضاً مما يعزز المرونة لديه ويزيد من جوانب قوته، كما أن طريقة تفسير الأحداث تعد عاملاً مهماً، فمن المفيد النظر إلى أن رغم وجود أحداث مرهقة في حياة الأفراد هو جزء من واقع الحياة، إلا أن طريقة النظر وتفسير هذه الأحداث تساعد في التغلب عليها والتعامل معها، مع الإيمان بأن المستقبل أفضل ومحاولة تجاوز الموقف الضاغط والتطلع للمستقبل.
وأشار إلى أهمية أن تكون أهداف الفرد واقعية وقابلة للتحقق، ومتناغمة مع مهاراته وقدراته وظروفه المحيطة، بما يساعده على وضع خطط تدريجية تبدأ بالأهداف قصيرة المدى وصولاً إلى أهدافه بعيدة المدى بشكل متوازن وفعّال، ونوه إلى أن بعض الظروف تكون خارج سيطرة الفرد وقدرته على تغييرها؛ لذلك من المناسب التركيز بالعمل على الظروف الممكنة التغيير للوصول للهدف، ولفت إلى أن المواجهة والتعامل مع المواقف السلبية بأفضل ما يمكن، وتجنب خيارات الهروب وتمني اختفاء الحدث بعيداً عن التعامل معه، يعد أمراً ضرورياً.
وذكر عرفات أن التقدير الإيجابي للذات، المتمثل في الثقة بالنفس وفي قدرة الفرد على التعامل مع المشكلات والمواقف السلبية، يعد عاملاً مهماً في نجاح التعامل وبناء التجربة الإيجابية التي تدعم مرونة الفرد، وتحدث عن أن مواجهة الأحداث والصراع والعمل على تجاوزها يعلم الناس اكتشاف جوانب عديدة في ذواتهم، والتعرف على جوانب نمت وتطورت نتيجة مجاهدتهم وتصديهم وتأقلمهم الإيجابي مع خبرات الفقدان أو الأحداث الضاغطة، مما يزيد من رفع تقدير الذات والرضا عن النفس والإحساس بقوتها وفعاليتها.
وأوضح أن التقدير الطبيعي للأحداث يقصد به تجنب تضخيم الأحداث، ومحاولة التفكير طويل الأمد بالموقف المجهد، إلى جانب تبني النظرة المتفائلة مقابل المتشائمة، حيث يمكن التفاؤل الفرد من توقع أحداث جديدة في حياته تتسم بالإيجابية بدلاً من القلق بشأن الأحداث القادمة، وأكد أن العناية الذاتية بالنفس، من خلال الاهتمام بالحاجات الخاصة والمشاعر، والانخراط في أنشطة ممتعة كالاسترخاء والرياضة والكتابة وممارسة الشعائر والعبادات، تساعد في المحافظة على العقل والجسم، والاستعداد للتعامل مع المواقف الصعبة.
أخطاء شائعة ترتكب خلال التعامل مع الصحة النفسية
وشدد أحمد عرفات في تصريح خاص لـ شام على أن أكثر الأخطاء شيوعاً في التعامل مع الصدمة النفسية هي الإنكار، وكبت المشاعر، والعزلة، واللوم الذاتي، ومحاولة التعافي بسرعة، وتأخير طلب المساعدة المهنية، وأوضح أن التعامل الصحي مع الصدمة يكون من خلال الاعتراف بالمشاعر، والاستفادة من الدعم الاجتماعي، وممارسة العناية الذاتية، واللجوء إلى المختصين عند استمرار الأعراض أو تأثيرها على الحياة اليومية.
وأفاد بأنه إذا كان التعامل مع الصدمة النفسية يتطلب وعياً وصبراً، إلا أن كثيراً من الأشخاص يقعون في ممارسات قد تؤخر التعافي أو تزيد من حدة الأعراض النفسية، ومن أبرز هذه الأخطاء إنكار الصدمة أو التقليل من تأثيرها، وكبت المشاعر وعدم التعبير عنها، واللجوء إلى أساليب هروب غير صحية كالكحول وساعات العمل المفرطة، والعزلة الاجتماعية، ولوم الذات وتحميل النفس المسؤولية وتعزيز مشاعر الذنب، إضافة إلى التعرض المستمر للمثيرات المرتبطة بالصدمة كمتابعة متكررة لمقاطع فيديو عن الحدث أو تجنبها بالكامل.
وبين أن تجاوز الصدمة لا يعني محو الحدث من الذاكرة، بل الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الشخص تذكر ما حدث دون أن يسيطر عليه الألم أو يعطل حياته اليومية، فتجاوز الصدمة النفسية بشكل صحيح لا يكفي فيه تجاهلها أو محاولة نسيانها بسرعة، بل يحتاج الشخص إلى التعامل معها بطريقة صحية ومتدرجة.
ولفت عرفات إلى أن من أهم الخطوات العملية الاعتراف بالصدمة ومشاعرها وتقبل أن ما حدث كان مؤلماً، وأن مشاعر الحزن أو الخوف أو الغضب أو الارتباك هي ردود فعل طبيعية، إلى جانب التحدث مع شخص موثوق ومشاركة المشاعر مع أحد أفراد الأسرة أو صديق مقرب أو مستشار نفسي لتخفيف العبء النفسي ومنع العزلة.
وأشار إلى أهمية تجنب كبت المشاعر، حيث إن البكاء أو التعبير عن المشاعر بالكتابة أو الحوار أفضل من إنكارها أو تجاهلها، وكذلك الحفاظ على الروتين اليومي والالتزام بالنوم المنتظم والتغذية الصحية والنشاط البدني لاستعادة الشعور بالاستقرار والسيطرة، ونوه إلى ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق والتأمل وتمارين الاسترخاء العضلي، لما لها من دور في تخفيف التوتر والقلق المرتبطين بالصدمة، إضافة إلى تجنب القرارات المصيرية المتسرعة بعد الصدمات القوية، إذ قد تتأثر القدرة على الحكم السليم، لذلك يفضل تأجيل القرارات المهمة حتى تستقر الحالة النفسية.
وذكر ضرورة الابتعاد عن وسائل الهروب الضارة مثل الإفراط في العزلة أو اللجوء إلى التدخين أو الكحول أو أي سلوكيات مؤذية للتخفيف المؤقت من الألم، وإعطاء النفس الوقت الكافي للتعافي، حيث إن التعافي من الصدمة عملية تدريجية تختلف من شخص لآخر ولا ينبغي الضغط على النفس للتعافي بسرعة، وتحدث عن أهمية طلب المساعدة المهنية عند الحاجة، خاصة إذا استمرت الأعراض لفترة طويلة مثل الكوابيس المتكررة أو القلق الشديد أو استرجاع الحدث بشكل مؤلم أو تأثير الصدمة على الدراسة أو العمل والعلاقات.
وأوضح أحمد عرفات أن طلب المساعدة من المختص لا يكون ضرورياً في جميع الحالات، إذ يمتلك بعض الأفراد القدرة على التكيف واستعادة توازنهم النفسي من خلال الدعم الاجتماعي واستراتيجيات المواجهة الطبيعية، لكنه يصبح ضرورياً عندما تتجاوز استجابة الشخص حدود رد الفعل الطبيعي وتتحول إلى معاناة مستمرة أو معيقة للحياة اليومية، وأشار إلى أن من أبرز المؤشرات على ذلك استمرار أعراض الصدمة لفترة طويلة دون تحسن أو ازدياد شدتها، وتأثيرها الواضح في حياة الفرد وعلاقاته وعمله أو دراسته.
وأضاف أن الحاجة للتدخل المتخصص تزداد عند ظهور أعراض مثل القلق الشديد، والكوابيس المتكررة، واسترجاع الحدث الصادم بشكل مؤلم، وصعوبات النوم والتركيز، إلى جانب التغيرات السلوكية أو اللجوء إلى أساليب غير صحية للتكيف كالسلوك العدواني أو الانسحاب الاجتماعي أو استخدام المواد المخدرة.
وأشار عرفات إلى أن التدخل يصبح عاجلاً عند ظهور أفكار بإيذاء النفس أو الآخرين أو الشعور بالعجز عن ممارسة الأنشطة اليومية، وأكد في ختام حديثه أن هذه المؤشرات تتطلب دعماً متخصصاً فورياً، خاصة عندما تؤثر الصدمة في مسار النمو النفسي لدى الأطفال والمراهقين وما قد تتركه من آثار على تكوين الهوية وتنظيم الانفعالات والعلاقات مع الآخرين.
٩ أغسطس ٢٠٢٦
يمثل جبر الضرر أحد الركائز الأساسية في مسار العدالة الانتقالية، إذ يقوم على مبدأ قانوني يقضي بضرورة معالجة الآثار التي تخلّفها الانتهاكات، بما يضمن إنصاف الضحايا وإعادة الاعتبار لحقوقهم، ويستند هذا المفهوم إلى قواعد مستقرة في القانون الدولي، تلزم بتقديم أشكال متعددة من الجبر، لا تقتصر على التعويض المالي، بل تشمل أيضاً ردّ الحقوق، وإعادة التأهيل، والاعتراف بالانتهاك، وضمان عدم تكراره، بوصفها استجابة لأي فعل غير مشروع.
وفي السياق السوري، يُطرح جبر الضرر كأحد المسارات الممكنة ضمن أي مقاربة قانونية أو حقوقية تسعى لمعالجة ما خلّفته السنوات الماضية من تداعيات على الأفراد والمجتمع، الأمر الذي يجعله عنصراً أساسياً في جهود تحقيق الإنصاف وتعزيز الثقة على المدى البعيد.
قال المحامي علي محمد اسكان، محامٍ وباحث في السياق القانوني والحقوقي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن جبر الضرر يمثل أحد أهم أركان العدالة الانتقالية، إلى جانب مبادئ المساءلة والمحاسبة وكشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار.
وأضاف أن مبدأ جبر الضرر في القانون الدولي يعد من المبادئ الرئيسية، إذ يقوم على فكرة أن أي انتهاك يجب أن يتبعه جبر للضرر وإصلاحه، ويستند هذا المفهوم إلى مجموعة من المراجع القانونية، منها القانون الدولي العرفي، وكذلك لجنة القانون الدولي من خلال مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة لعام 2001، ولا سيما المواد (31/34/37)، وأشار إلى أن الأمم المتحدة اعتمدت في عام 2005 المبادئ الأساسية والتوجيهية بشأن الحق في الانصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الجسيمة.
تنظيم جبر الضرر في القانون الدولي وعلاقته بمسؤولية الدولة
نوّه المحامي علي في تصريح خاص لـ شام إلى أن حق الضحايا في جبر الضرر يُنظم ضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال كفالة معظم الاتفاقيات الدولية لحق الضحايا في الإنصاف العادل، ومن أهم هذه الاتفاقيات: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المواد (2/3)، واتفاقية مناهضة التعذيب في المادة (14)، وبعض الاتفاقيات الإقليمية كالاتفاقية الأوروبية والأمريكية لحقوق الإنسان.
وبيّن أن جبر الضرر والإنصاف يشملان مجموعة من القواعد، وهي: إعادة الحقوق، والتعويض المادي، وإعادة التأهيل، والاعتذار وكشف الحقيقة، وضمان عدم التكرار، كما أن جبر الضرر في القانون الدولي الإنساني يكون من خلال اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول، التي تنص على مسؤولية أطراف النزاع عن الانتهاكات وضمان التعويض في حالات مخالفة قواعده.
وذكر أن العلاقة بين جبر الضرر ومبدأ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة علاقة مباشرة، إذ تعد مسؤولية الدولة والحكومات مسؤولية رئيسية عن هذه الأفعال، مع إلزامية جبر الضرر عنها، وتحدث اسكان عن أن الدول والحكومات، في حال ارتكابها أو ارتكاب أي جماعات أخرى ضمن حدودها لانتهاكات، تعد مسؤولة عن وقف هذه الانتهاكات فوراً، وتقديم الجناة للمحاكم، وتقديم ضمانات لعدم التكرار، وجبر ضرر المتضررين والضحايا.
وأوضح أنه لا يجوز للدول أن تقصر في هذه السياقات، كونها المسؤول الأول عن ضمان الأمن والسلام، ومنع الانتهاكات سواء من قبل أجهزتها أو أي مجموعات أخرى، حيث أن جبر الضرر هو مسؤولية قانونية لا يمكن التنصل منها لأي سبب، وأكد أن مسؤولية الدولة تشكل الضمان الرئيسي لمنع حدوث الانتهاكات، وكذلك لضمان جبر الضرر للضحايا، انطلاقاً من دورها في رعاية المجتمع وضمان كافة حقوقه، ولا سيما في مجالي الأمن والسلام.
التطبيقات الدولية والفروقات مع المقاربة الوطنية والتحديات في الحالة السورية
شدد علي محمد اسكان على أن المحاكم الدولية عالجت مسألة جبر الضرر من خلال آليات قضائية متخصصة تهدف إلى تعويض الضحايا بطريقة عادلة ومناسبة، ومن أبرز السوابق: محكمة العدل الدولية في قضية مصنع خورو، والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان التي أسهمت في تطوير قانون منح التعويض، إضافة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تمنح الرضا العادل للضحايا.
وأفاد بأن الفروقات بين المقاربة الدولية والوطنية في جبر الضرر تظهر بوضوح، إذ إن المقاربة الوطنية تستند إلى الدستور والقوانين المحلية، وغالباً ما تركز على التعويض المالي، وترتبط بالمسؤولية المدنية والجزائية، ولا تشمل إصلاحات مؤسسية إلا بشكل نادر أو متأخر.
وبين أن المقاربة الدولية ترتكز على مسؤولية الدول والتزاماتها الدولية، وتشمل مختلف أشكال التعويض، وترتبط بمبادئ حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، وغالباً ما تتضمن إصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار، ولفت إلى أنه من حيث المبدأ لا يوجد مانع من تطبيق هذه الأطر القانونية على الحالة السورية، إذا توفرت الإرادة السياسية والجدية في التنفيذ، بما يضمن جبر ضرر عادل لجميع الضحايا.
وذكر اسكان أن أبرز التحديات تتمثل في الكم الهائل من الضحايا والانتهاكات نتيجة طول فترة النزاع وتعدد الجهات، وعدم توثيق جميع الانتهاكات بشكل مهني أو غياب التوثيق في بعض الحالات، إضافة إلى حجم الدمار الكبير في معظم المحافظات.
وأشار إلى أن من التحديات أيضاً الإرادة السياسية والتدخل الدولي، ومدى قدرة القوانين المحلية على مواجهة الانتهاكات وتحقيق المحاسبة العادلة، إلى جانب الحاجة إلى إصلاح القضاء والمؤسسات القانونية والقوانين، وأكد على أن تطبيق جبر الضرر في الحالة السورية يتطلب تمويلاً ضخماً وطويل الأمد.
يظل جبر الضرر مساراً يرتبط بتوافر شروط قانونية ومؤسساتية، تتداخل فيها الاعتبارات الوطنية والدولية، ويعتمد تقدّم هذا المسار على القدرة على تحويل المبادئ القانونية إلى إجراءات عملية قابلة للتطبيق، بما يراعي خصوصية الواقع وتحدياته، ضمن إطار يسعى إلى تحقيق قدر من الاستقرار على المدى الطويل.
٩ أغسطس ٢٠٢٦
مع التوسع المتسارع في استخدام الإنترنت والتطبيقات الرقمية في مختلف جوانب الحياة اليومية، تتزايد المخاطر المرتبطة بأمن المعلومات، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، ولم تعد الهجمات الإلكترونية حكرًا على الأنظمة المعقدة، بل باتت تستهدف المستخدمين بشكل مباشر من خلال أساليب متنوعة تستغل سلوكهم الرقمي وضعف ممارسات الحماية، ما يفرض ضرورة فهم هذه التهديدات وآليات الوقاية منها بشكل عملي وواضح.
في هذا الإطار، قالت المهندسة علا برهوم، الحاصلة على شهادة جامعية في الهندسة المعلوماتية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الاختراقات تعتمد غالباً على التصيد الاحتيالي، وسرقة كلمات المرور، واستغلال الثغرات الأمنية.
وأضافت أن المخترقين يستخدمون أيضاً برامج خبيثة للوصول إلى الأجهزة وسرقة البيانات، مشيرةً إلى أنه في بعض الحالات يتم استغلال شبكات الإنترنت غير الآمنة للوصول إلى المعلومات، وأشارت إلى أن معظم الاختراقات تعتمد على الأخطاء البشرية أكثر من الثغرات التقنية، مثل الضغط على روابط مشبوهة أو مشاركة كلمات المرور مع الآخرين.
ونوّهت إلى أن الثغرات التقنية تُستغل عندما تكون الأنظمة غير محدثة أو ضعيفة الحماية، وبيّنت أن استخدام كلمة مرور ضعيفة أو مكررة في أكثر من حساب يعد من أكثر الأخطاء شيوعاً التي قد تعرّض المستخدم للاختراق دون أن ينتبه.
ولفتت برهوم في تصريح خاص لـ شام إلى أن فتح الروابط أو المرفقات من مصادر مجهولة يشكل خطراً كبيراً، كما أن إهمال تحديث التطبيقات ونظام التشغيل يزيد من احتمالية الاختراق، وذكرت أن استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة لكل حساب يعد خطوة أساسية للحماية، إلى جانب تفعيل المصادقة الثنائية وتحديث البرامج بشكل منتظم.
وتحدثت عن أهمية عدم مشاركة المعلومات الشخصية إلا مع المواقع الموثوقة، لما لذلك من دور في تعزيز الأمان الرقمي، وأوضحت أن كلمات المرور القوية تجعل تخمينها أو كسرها أكثر صعوبة، فيما تضيف المصادقة الثنائية طبقة حماية إضافية حتى عند سرقة كلمة المرور.
وأكدت أن الجمع بين كلمات المرور القوية والمصادقة الثنائية يقلل بشكل كبير من خطر اختراق الحسابات، وشددت على أنه في حال التعرّض للاختراق يجب تغيير كلمة المرور فوراً وتسجيل الخروج من جميع الأجهزة المتصلة بالحساب، وأفادت بضرورة تفعيل المصادقة الثنائية بعد ذلك، وفحص الجهاز ببرنامج حماية موثوق، مع مراجعة النشاط الأخير وإبلاغ الجهة المقدمة للخدمة عند الحاجة.
في سياق متصل، يرى مختصون في الأمن السيبراني أن التهديدات يرى مختصون في الأمن السيبراني أن التهديدات الرقمية لم تعد تقتصر على الأدوات التقنية، بل تتجه بشكل واضح نحو الهندسة الاجتماعية، من خلال تحليل سلوك المستخدمين واستهداف نقاط ضعفهم، كما أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنشاء محتوى احتيالي أكثر واقعية زاد من صعوبة اكتشاف الهجمات، حتى بالنسبة للمستخدمين الذين يمتلكون قدراً من الوعي.
ويؤكد الخبراء أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب اعتماد نهج أمني شامل يجمع بين الحلول التقنية والإجراءات التنظيمية، مثل إدارة الصلاحيات ومراقبة الأنظمة بشكل مستمر، إلى جانب التركيز على تدريب المستخدمين ورفع مستوى وعيهم.
يرتبط أمن المعلومات بشكل مباشر بسلوك المستخدم، إلى جانب الجوانب التقنية المرتبطة بحماية الأنظمة، ما يجعله مجالاً متداخلاً لا يقتصر على الحلول البرمجية فقط، بل يشمل أنماط الاستخدام اليومية ومدى الالتزام بإجراءات الحماية، وفي ظل هذا الترابط، تتحدد فعالية الأمان الرقمي بقدرة الأفراد والمؤسسات على الجمع بين الوعي والممارسات الصحيحة من جهة، وتطبيق الوسائل التقنية المناسبة من جهة أخرى، بما يسهم في تقليل المخاطر وتعزيز مستوى الحماية بشكل عام.
٩ أغسطس ٢٠٢٦
يُعد رصد تطور الطفل في سنواته الأولى من أبرز المؤشرات على سلامة نموه الجسدي والنفسي، إذ تظهر في هذه المرحلة علامات دقيقة قد تعكس مساراً طبيعياً أو تنبّه إلى وجود اضطرابات تحتاج إلى متابعة مبكرة.
وفي ظل تباين قدرات الأطفال واختلاف وتيرة نموهم، تبرز أهمية التمييز بين الفروق الفردية الطبيعية والمؤشرات التي تستدعي التقييم، خاصة مع الدور المحوري للبيئة والتفاعل اليومي في الكشف المبكر وتعزيز فرص التدخل الفعّال.
علامات قد تدل على وجود اضطراب نمائي
قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العلامات المبكرة التي قد تشير إلى وجود اضطراب نمائي تظهر خلال السنة الأولى من حياة الطفل عبر عدة مؤشرات أساسية، إذ أن التطور الحركي والجسدي قد يشهد صعوبة أو تأخراً في تثبيت الرأس، أو وجود ارتخاء شديد في العضلات يجعل جسم الطفل يبدو “رخواً”، أو على العكس وجود تشنج وتصلب غير طبيعي في الأطراف.
وأضاف أن التواصل والتفاعل الاجتماعي قد يتجلى بغياب الابتسامة التفاعلية مع الأم أو الرعاة بحلول الشهر الثاني أو الثالث، وغياب أصوات المناغاة، أو إبداء عدم اهتمام بالوجوه والأصوات المحيطة، كما أن التواصل البصري يُعد مؤشراً مهماً، إذ قد يعاني الطفل من عدم القدرة على تثبيت نظره في عينَي من يكلمه، أو صعوبة متابعة الألعاب والأشياء المتحركة بعينيه.
ونوه إلى أن السلوك والنوم والتغذية قد تكشف أيضاً عن وجود صعوبات، مثل مشكلات حادة ومستمرة في الرضاعة والبلع، أو نوبات بكاء متواصلة يصعب تهدئتها، مع اضطراب شديد في نظام النوم والاستيقاظ.
وأوضح أن تأخر الطفل قد يكون طبيعياً في بعض الحالات، حيث يخضع لما يُعرف بـ”الفروق الفردية”، إذ ينشأ كل طفل بوتيرة خاصة، وقد يتأخر بضعة أشهر في مهارة معينة كالمشي أو النطق ببعض الكلمات، لكنه يواصل اكتساب مهارات أخرى بشكل مستمر مثل الفهم والتفاعل وتلبية الأوامر البسيطة.
المؤشرات المقلقة
وبيّن جمعة أن المؤشرات المقلقة التي تستدعي الاستشارة تشمل فقدان المهارات أو التراجع، كأن يفقد الطفل مهارة كان قد اكتسبها وسيطر عليها سابقاً، مثل التوقف عن النطق بكلمات كان يقولها، أو التوقف عن التواصل البصري، ولفت إلى أن التأخر الشامل يُعد علامة مهمة عندما يظهر تأخر واضح ومزمن في أكثر من جانب في الوقت ذاته، مثل الحركة والكلام والتفاعل الاجتماعي.
وذكر أن غياب المهارات الأساسية، كعدم استخدام اليد للإشارة إلى الأشياء التي يريدها عند بلوغ عمر السنة إلى سنة ونصف، يستدعي الانتباه، كما تحدث عن قلة التواصل البصري أو عدم الاستجابة للاسم، مؤكداً أنهما علامتان مهمتان تستدعيان الانتباه والتقييم، ولكنهما لا تكفيان وحدهما للتشخيص.
وأضاف أن عدم الاستجابة للاسم قد يعود إلى عدة أسباب، منها احتمال وجود مشكلة في السمع، أو تأخر في الفهم واللغة، أو قد يكون أحد المؤشرات المرتبطة باضطرابات النمو والتواصل، وأشار إلى أن قلة التواصل البصري تُعد من مؤشرات ضعف التفاعل الاجتماعي المتبادل.
وشدد على ضرورة عدم الاعتماد على علامة واحدة مفردة، بل تحري وجود مجموعة من الأعراض المتكاملة؛ فإذا رافق ضعف النظر أو عدم الرد على الاسم سلوكيات أخرى مثل غياب التفاعل والتقليد، أو تكرار حركات منتظمة كالرفرفة باليدين أو الدوران، أو استخدام يد الكبار للوصول للشيء بدلاً من طلب ذلك بالعين أو الصوت، فهنا يكون التقييم التخصصي ضرورياً.
أخطاء شائعة يقع فيها الأهل
وأفاد بيرم جمعة بأن هناك أخطاء شائعة يقع فيها الأهل عند ملاحظة هذه العلامات، من أبرزها الإنكار والمراهنة على الوقت، من خلال القول إن الطفل “ما زال صغيراً” أو “سوف يتحسن تلقائياً مع الوقت”، أو المقارنة مع أقارب تأخروا في الصغر ثم تحسنوا، وأكد أن التفسير الاجتماعي الخاطئ يُعد من هذه الأخطاء، مثل إرجاع التأخر إلى خجل الطفل أو الدلال أو قلة المخالطة فقط دون إجراء فحص علمي.
وبيّن أن الاعتماد المفرط على الشاشات والهواتف، عبر إعطاء الطفل الأجهزة الذكية أو ترك الشاشات تعمل أمامه لتهدئته أو إشغاله، يزيد من عزلته ويؤخر تواصله مع محيطه، ولفت إلى أن اللجوء إلى حلول عشوائية، كالبَدء بأنشطة غير مدروسة أو إعطاء فيتامينات ومكملات دون تشخيص دقيق ومعرفة السبب الحقيقي للتأخر، لا يسهم في معالجة المشكلة.
وأوضح أن الاضطراب النمائي يتمثل في توقف كامل عن اكتساب المهارات، أو تراجع فيها، أو وجود فجوة كبيرة بين عمر الطفل وتصرفاته، مع ضعف في كل وسائط التواصل اللفظي وغير اللفظي، وقلة الاهتمام باللعب التفاعلي، ووجود سلوكيات تكرارية نادرة مثل صف الألعاب بطريقة معقدة، أو التعلق الشديد بأشياء غير مألوفة، أو الانزعاج الشديد من أي تغيير بسيط.
في المقابل، أشار الأخصائي بيرم إلى أن الفروق الفردية الطبيعية تعني نمواً بطيئاً، مع وجود تقدم مستمر وتدريجي في اكتساب المهارات، كما أنه حتى لو تأخر الكلام، يُعوض الطفل ذلك بالإشارة والتحريك ونظرات العين والتفاعل، ويتسم سلوكه بالمرونة، ويكون لعبه بالألعاب وظيفياً وتخيلياً.
وتحدث عن دور البيئة في الكشف المبكر عن أي مشكلة، مبيناً أن البيئة الغنية بالتفاعل تلعب دوراً مزدوجاً وحاسماً، إذ إن توفر اللعب والكلام الدائم مع الطفل يجعل أي تأخر أو خلل يظهر بوضوح، حيث يُلاحظ الأهل بسرعة مدى قدرة الطفل على التقليد والتفاعل وفهم الكلام والمشاركة.
وأضاف أن التحدث المستمر واللعب مع الطفل يشكلان محفزاً رئيسياً للدماغ، وينشطان القدرات اللغوية والاجتماعية، وعندما يكون لدى الطفل أي صعوبة، فإن التحفيز البيئي يساعد الأهل على اكتشاف المشكلة في وقت مبكر جداً، بخلاف الطفل الذي يُترك وحده أمام الشاشات دون تفاعل بشري.
وأشار جمعة إلى إمكانية ظهور نوبات قلق أو توتر مبكر لدى الأطفال، مثل قلق الانفصال عن الوالدين أو القلق من الأماكن والمواقف الجديدة، وذكر أن علامات القلق والتوتر لدى الصغار قد تتجلى في أعراض جسدية، كاضطرابات حادة في النوم أو كوابيس متكررة، أو العودة للتبول اللاإرادي بعد أن كان الطفل قد تعلم السيطرة عليه.
ونوه إلى سلوكيات الارتباط، مثل التعلق الشديد وغير العادي بالأم أو الأب، ونوبات بكاء وغضب شديدة ومفرطة عند الانفصال عنهما ولو لفترة قصيرة، أو عند تغيير الروتين، وأضاف أن هناك أيضاً حساسية وسلوكيات ذاتية، مثل الانزعاج الشديد من الأصوات أو الأضواء العادية، أو اللجوء إلى تكرار حركات معينة لتهدئة النفس بشكل ملحوظ.
وأكد أن أول خطوة يجب أن يقوم بها الأهل عند الشك بوجود مشكلة هي عدم التردد أو الانتظار، والبدء بمسار علمي واضح، من خلال إجراء فحص طبي شامل عبر زيارة طبيب الأطفال للتأكد من سلامة حاسة السمع والبصر والنمو العضوي والعصبي العام للطفل، وبيّن أهمية الاستعانة بالمختص النفسي والنمائي لتقييم قدرات الطفل الشاملة، سواء اللغوية أو الحركية أو الاجتماعية، لمعرفة ما إذا كان هناك تأخر حقيقي وتحديد نوعه.
وشدد بيرم جمعة على ضرورة البدء بالتدخل المبكر فوراً، وعدم إضاعة الوقت في انتظار نتائج جازمة لسنوات، بل المباشرة ببرامج التحفيز وتنمية المهارات، نظراً لمرونة دماغ الطفل في السنوات الأولى وقدرته العالية على الاستجابة والتحسن، وختم رسالته بالقول: "التشخيص المبكر ليس وصمة، بل هو المفتاح الأهم لفتح آفاق التطور والنمو السليم للطفل."
٨ أغسطس ٢٠٢٦
شهدت ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار في سوريا تصاعداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، لتتحول إلى نشاط يمارسه بعض الأفراد بشكل غير قانوني، مدفوعين بأوهام الثراء السريع وإمكانية العثور على دفائن تاريخية، في ظل ظروف معيشية صعبة وتراجع مستويات الرقابة على العديد من المواقع الأثرية.
وتعود أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها الضائقة الاقتصادية التي دفعت البعض للبحث عن مصادر دخل غير تقليدية، إلى جانب انتشار المعتقدات الشعبية حول وجود كنوز مدفونة، فضلاً عن سهولة الحصول على أجهزة كشف المعادن التي شجعت على خوض هذه المغامرة، إضافة إلى ضعف الحماية الميدانية للمواقع الأثرية واتساع رقعتها.
تداعيات التنقيب العشوائي عن الٱثار
أما التداعيات السلبية، فتتجلى في الأضرار الجسيمة التي تلحق بالمواقع الأثرية نتيجة الحفر العشوائي، ما يؤدي إلى تدمير طبقات أثرية مهمة وفقدان معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها، فضلاً عن سرقة القطع وتهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي يشكل خسارة كبيرة للتراث الثقافي ويقوض الجهود المبذولة للحفاظ عليه.
ولا تقتصر التداعيات على الأضرار التي تلحق بالمواقع الأثرية أو فقدان قيمتها التاريخية، بل تمتد لتشمل تبعات قانونية يتحملها الأفراد المنخرطون في هذا النوع من الأنشطة، إذ يواجه المنقبون عن الآثار مساءلة قانونية قد تصل إلى عقوبات مشددة، وهو ما يسلط الضوء على الإطار القانوني الناظم لهذه الممارسات.
عقوبات قانونية بحق المنقبين غير الشرعيين
في هذا السياق، قال المحامي باسل محمد موسى، الأستاذ لدى نقابة دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التشريع السوري، وفق المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 وتعديلاته ولا سيما بالقانون رقم 1 لعام 1999، ينظر إلى التنقيب العشوائي بصفته جريمة جنائية واعتداءً على أملاك الدولة والتراث الوطني، وأوضح أن القانون ينص على أن جميع الآثار الثابتة والمنقولة الموجودة في باطن الأرض أو على سطحها هي ملكية عامة للدولة حصراً.
وأضاف أن ملكية الشخص للأرض أو العقار لا تعطيه أي حق في التصرف بما يوجد في باطنها من آثار أو دفائن، ولا تمنحه حق الحفر دون ترخيص رسمي من المديرية العامة للآثار والمتاحف، وأشار إلى أن العقوبات الجزائية بحق المنقبين غير الشرعيين تصل إلى الجناية المشددة، وبين أن المادة 57 (فقرة ب) تعاقب بالاعتقال من 10 سنوات إلى 15 سنة، وبغرامة مالية تتراوح بين 100 ألف و500 ألف ليرة سورية، كل من أجرى التنقيب عن الآثار خلافاً لأحكام القانون.
ونوه إلى أنه يُعاقب المنقب بالحد الأقصى للعقوبة، أي 15 سنة، إذا ترتب على عملية الحفر إلحاق ضرر جسيم بالأثر أو الموقع الأثري، وبيّن أن المادة 68 تنص على تغريم الفاعل بقيمة الأثر المالي والفني الذي تقدره لجنة خبراء الآثار، وذلك في حال تعذر استرداد الأثر أو إتلافه أثناء الحفر، بالإضافة إلى عقوبة السجن.
ولفت موسى إلى التمييز بين البحث الفردي عن الذهب والدفائن وبين الاتجار المنظم، وأشار إلى أن التنقيب والبحث الفردي يُكيف كجريمة تنقيب غير مشروع عن الآثار وفق المادة 57، ويكون دافعه غالباً البحث عن الربح السريع أو توهم وجود دفائن، ويتم باستخدام أدوات بسيطة أو أجهزة كشف المعادن.
وذكر أن العقوبة في هذه الحالة هي الاعتقال من 10 إلى 15 سنة، وشدد على أن القانون لا يعفي من يبحث عن الذهب بحجة جهله بوجود آثار، إذ إن الذهب والعملات المدفونة تاريخياً تُعد أثراً بحكم القانون، وفيما يتعلق بالاتجار المنظم والتهريب، أشار إلى أنه يُكيف كجناية اتجار بالآثار وفق المادة 57-ج أو تهريب آثار وفق المادة 56، ويكون بدافع تشكيل عصابي أو شبكي يهدف إلى التكسب المستمر وتسويق الآثار داخل وخارج البلاد.
وأوضح أن العقوبة في عمليات الاتجار تكون الاعتقال من 10 إلى 15 سنة، وترتفع إلى الاعتقال من 15 إلى 25 سنة مع غرامة تصل إلى مليون ليرة في حال ثبوت تهمة التهريب أو الشروع فيه، وأكد أنه عند ضبط شخص بحوزته لقى أثرية ناتجة عن حفر غير شرعي، تُصادر القطع المضبوطة فوراً ويتم تسليمها عبر القضاء إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف لتوصيفها وتأطيرها علمياً.
تحديات تطبيق القوانين وآليات تعزيز الحماية
وشدد المحامي باسل في تصريح خاص لـ شام على أن الشخص يُحال إلى القضاء الجزائي بتهم حيازة آثار غير مسجلة أو التنقيب غير المشروع أو محاولة المتاجرة، وأفاد أن من يعثر على أثر مصادفة أثناء البناء أو الفلاحة ويُبلغ أقرب سلطة خلال 24 ساعة لا يُحاكم، بل يُمنح مكافأة مالية تُقدرها سلطات الآثار، في حين أن من يكتم الأثر أو يحتفظ به دون تسجيل يُعاقب بالحبس وتُصادر القطعة فوراً.
وبيّن أن تطبيق القوانين على أرض الواقع يواجه تحديات عدة، من أبرزها اتساع الرقعة الأثرية في سوريا ووجود آلاف التلال والمواقع الممتدة على مساحات شاسعة، ما يجعل حراستها أمراً معقداً، ولفت إلى ضعف الإمكانيات اللوجستية، من حيث نقص أعداد الحراس وآليات المراقبة مقارنة بحجم المواقع، إلى جانب التطور التقني لدى المنقبين وانتشار أجهزة كشف المعادن التي تسهل الحفر السري وإخفاء الآثار.
وأشار إلى أن العوامل الاقتصادية تدفع بعض الأفراد إلى اللجوء للتنقيب بدافع الضائقة المادية والانسياق وراء الشائعات، وأكد أن التشريعات الحالية، رغم قسوة عقوبات السجن، تحتاج إلى تطوير وتحديث، ولا سيما فيما يتعلق بالغرامات المالية التي فقدت قيمتها الرادعة بسبب التصخم، مشيراً إلى ضرورة ربطها بالقيمة الفعلية للأثر أو اعتماد حدود أدنى متغيرة.
وشدد على أهمية ضبط تقنيات الكشف من خلال سن قوانين تجرم استيراد أو حيازة أو بيع أجهزة كشف المعادن دون ترخيص أمني وٱثاري مسبق، ونوّه إلى ضرورة سد الثغرة بين الذهب الخام والأثري عبر تنظيم لوائح تفرق بوضوح بين التعدين الحرفي لمعادن الطبيعة والتنقيب الأثري، وأكد أن تفعيل الشرطة الأثرية وتأسيس جهاز متخصص مزود بتقنيات المراقبة والإنذار المبكر يُعد من الخطوات المهمة لحماية الآثار.
وفي سياق متصل، يشير خبراء الآثار إلى أن حماية المواقع الأثرية تتطلب تكثيف الجهود الميدانية، من خلال تعزيز الحراسة على المواقع المنتشرة في مختلف المناطق، وتفعيل آليات المراقبة المستمرة، إضافة إلى الحد من استخدام أدوات الكشف غير المرخصة، والعمل على توثيق المواقع بشكل علمي يحول دون العبث بها أو استهدافها بعمليات الحفر غير الشرعي.
ويلفت الخبراء إلى أن مواجهة هذه الظاهرة لا تنفصل عن دور الوعي المجتمعي، إذ يشكل نشر الثقافة المرتبطة بأهمية التراث والحفاظ عليه عاملاً أساسياً في الحد من التنقيب العشوائي، إلى جانب معالجة الظروف الاقتصادية التي تدفع بعض الأفراد إلى الانخراط في هذه الممارسات بدافع الحاجة أو السعي وراء مكاسب سريعة.
تُعد ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار قضية متشابكة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ما يجعل الحد منها تحدياً يتطلب تضافر الجهود على أكثر من مستوى، وبين الحاجة إلى تشديد الرقابة وتفعيل القوانين، يبرز دور الوعي المجتمعي في حماية هذا الإرث، كجزء من الذاكرة التاريخية التي لا يمكن تعويضها في حال فقدانها.
٨ أغسطس ٢٠٢٦
أثار منشور متداول على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعد أن طلب أحد الأشخاص، عبر صفحة مخصصة لتبني القطط، الحصول على قطط بغرض تعذيبها، ما دفع عدداً كبيراً من المتابعين إلى المطالبة بتوقيفه ومحاسبته.
وأعادت هذه الحادثة تسليط الضوء على سلوك تعذيب الحيوانات، ظاهرة تتجاوز حدود الرفض المجتمعي، لتطرح تساؤلات أعمق حول دوافعه النفسية وخلفياته السلوكية، لا سيما عندما يُعلن عنه بشكل صريح عبر الفضاء الرقمي، كما فتحت الواقعة باب النقاش حول الإطار القانوني الذي يجرّم هذا النوع من الأفعال، والعقوبات التي يمكن أن تُفرض بحق مرتكبيها، في ظل مطالبات بتشديد المساءلة وتعزيز الحماية القانونية للحيوانات.
الدوافع النفسية لتعذيب الحيوانات وعلاقتها بالسلوك العدواني
وفي هذا السياق، قالت المعالجة النفسية صهباء الخضر، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تعذيب الحيوانات سلوك يثير اهتمام علماء النفس وعلماء الجريمة منذ زمن، لأنه قد يعكس مجموعة متنوعة من المشكلات النفسية أو الاجتماعية، لكنه لا يملك تفسيراً واحداً ينطبق على جميع الحالات.
وأضافت أن هذا السلوك من الناحية النفسية قد ينشأ عن عدة عوامل مختلفة، منها ضعف التعاطف، حيث يجد بعض الأشخاص صعوبة في إدراك معاناة الكائنات الأخرى أو الاهتمام بها، إلى جانب الرغبة في السيطرة والقوة، إذ قد يشعر الفرد بالعجز في حياته اليومية فيلجأ إلى إيذاء كائن أضعف منه ليشعر بالتحكم.
وأشارت إلى أن التنفيس عن الغضب والإحباط يُعد من الدوافع كذلك، حيث قد يُسقِط الشخص مشاعره السلبية على الحيوانات لأنها أهداف سهلة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، إضافة إلى ما وصفته بالفضول المرضي أو البحث عن الإثارة، خصوصاً لدى بعض الأطفال أو المراهقين الذين لم يطوروا بعد فهماً كافياً للألم والمعاناة، وإن كان ذلك لا يبرر السلوك.
بالإضافة إلى ذلك البحث عن الشهرة وعدد المتابعين في حال كان السلوك يتم على وسائل التواصل لجذب أكبر عدد من الإعجابات، وهو ما قد نراه شائعاً في زماننا الذي تسيطر عليه وسائل التواصل الاجتماعي وتوجه سلوك كثير من البشر للبحث عن الإثارة حتى لو كانت من خلال سلوكيات مؤذية أو خطيرة على الفرد نفسه أو على المجتمع، حسب ما ذكرت الخضر.
ولفتت إلى أن التقليد والتعلم الاجتماعي يلعبان دوراً مهماً، إذ إن مشاهدة العنف ضد الحيوانات أو اعتباره أمراً عادياً قد يزيد احتمالية تكراره، وأوضحت أن هذا السلوك قد يرتبط أحياناً باضطرابات نفسية أو سلوكية، لكن ليس دائماً، حيث يمكن أن يظهر ضمن بعض الاضطرابات مثل اضطراب السلوك لدى الأطفال والمراهقين، والذي يُعد فيه إيذاء الحيوانات من المؤشرات المهمة.
وكذلك اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وبعض الحالات التي تتسم بالقسوة الشديدة ونقص التعاطف أو ما يسمى بالسمات "القاسية غير العاطفية"، وفي حالات أقل شيوعاً قد يرتبط بأعراض ذهانية أو اضطرابات عصبية معينة تؤثر في الحكم على السلوك.
وأكدت صهباء الخضر، أنه من المهم التأكيد أن ليس كل من يؤذي حيواناً يعاني اضطراباً نفسياً محدداً، كما أن معظم المصابين باضطرابات نفسية لا يمارسون هذا السلوك، وبينت أن الدراسات تُظهر وجود ارتباط إحصائي بين القسوة المتكررة والمتعمدة على الحيوانات وبين زيادة احتمالية السلوك العدواني تجاه البشر لاحقاً، خاصة إذا كان السلوك متكرراً وليس حادثة منفردة، أو متعمداً ويهدف إلى إحداث الألم، أو مصحوباً بانعدام الندم أو الشعور بالمتعة من المعاناة، أو جزءاً من نمط أوسع من التنمر أو العدوان.
وشددت على ضرورة الحذر من المبالغة، موضحة أن وجود هذا السلوك لا يعني حتماً أن الشخص سيصبح عنيفاً تجاه البشر، لكنه يُعد علامة تستحق التقييم والمتابعة، وأضافت أن البيئة تلعب دوراً كبيراً جداً، فالتعرض للعنف الأسري أو الإساءة في الطفولة ومشاهدة أفراد الأسرة يمارسون القسوة على الحيوانات يتيح الفرصة لممارسة السلوك العدواني في المستقبل، كما أن الإهمال العاطفي الشديد قد يولد عنفاً يتم تفريغه بالكائنات الضعيفة، إضافة إلى دور جماعات الأقران والثقافة أو البيئة التي تقلل من قيمة الرفق بالحيوان وتبرر العدوان وتجعله فرصة للتميز بين الأقران.
وأشارت إلى أن التعامل مع من يمارسون هذا السلوك يعتمد على العمر وشدة السلوك ودوافعه، حيث يتطلب الأمر بالنسبة للأطفال والمراهقين تقييم الأسباب الكامنة وراء السلوك، وتدريبهم على التعاطف وفهم معاناة الكائنات الأخرى، والعلاج السلوكي المعرفي عند الحاجة، والعمل مع الأسرة لتحسين البيئة المنزلية.
ولفتت المعالجة صهباء إلى أنه بالنسبة للبالغين، يستدعي الأمر تقييماً نفسياً شاملاً إذا كان السلوك متكرراً أو شديداً، إلى جانب علاج المشكلات المصاحبة مثل الغضب أو الاندفاعية أو اضطرابات الشخصية، وبرامج تعديل السلوك وتنمية مهارات التعاطف والمسؤولية، بالإضافة إلى أهمية وجود قوانين صارمة تحاسب المعتدين على الحيوانات خاصة إذا كان السلوك بهدف الشهرة وحصد الإعجابات حتى لا يصبح هذا السلوك معتاداً في المجتمع.
الإطار القانوني لتعذيب الحيوانات في سوريا
وبالانتقال إلى الجانب القانوني، أكد المحامية أسماء نعسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن قانون العقوبات السوري لا يتضمن تعريفاً صريحاً لجريمة "تعذيب الحيوانات"، إلا أن المادة 728 تُعد النص الأبرز الذي ينظم هذا الموضوع، إذ تجرّم قتل أو إيذاء بعض الحيوانات المملوكة للغير، وتحديداً حيوانات الجر والحمل والركوب والمواشي، ومن ثم فإن مفهوم التعذيب يُستخلص من الأفعال التي تنطوي على قسوة أو إيذاء غير مبرر يسبب للحيوان ألماً أو إصابة أو معاناة.
وأضافت أن هذه الأفعال تشمل الضرب المبرح، وإحداث الإصابات، والتحميل بما يفوق القدرة الجسدية لحيوانات النقل، والإهمال الذي يفضي إلى معاناة الحيوان أو نفوقه، وكذلك التسميم أو أي اعتداء يقع ضمن نطاق الحماية التي رسمها القانون، مشيرة إلى أن الإشكالية الجوهرية تكمن في أن الحماية الجزائية الحالية لا تمتد صراحة إلى الحيوانات السائبة أو كثير من الحيوانات الأليفة، وهو ما يكشف عن قصور تشريعي يستوجب المعالجة.
وأشارت إلى أن العقوبات تختلف باختلاف طبيعة الفعل والوسيلة المستخدمة والنتائج المترتبة عليه، إذ نصت المادة 728 من قانون العقوبات السوري على معاقبة من يقتل أو يؤذي الحيوانات المشمولة بالحماية القانونية بالحبس التكديري أو بالحبس الذي قد يصل إلى ستة أشهر بحسب ظروف الواقعة، بينما شدد المشرع العقوبة في حال ارتكاب الفعل بواسطة السم، إذ قد تصل إلى الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، نظراً لما يشكله التسميم من خطر لا يقتصر على الحيوان وحده، وإنما يمتد إلى الصحة والسلامة العامة.
ونوهت نعسان إلى أن هذه العقوبات، برأيها، لا تزال محدودة مقارنة بخطورة هذه الأفعال، ولا تحقق الردع الكافي في كثير من الحالات، وأوضحت أن التعامل مع مثل هذه الوقائع يجب أن يتم ضمن الأطر القانونية، حيث تبدأ الخطوة الأولى بتوثيق الواقعة بطريقة مشروعة من خلال الصور أو مقاطع الفيديو التي تُظهر الفعل ومكانه وتوقيته بوضوح، مع تجنب أي تصرف قد يعرّض الشخص للمساءلة أو للخطر.
وأكدت أنه بعد ذلك يجب التقدم بشكوى لدى أقرب مركز شرطة لتنظيم ضبط أصولي، مع الإشارة – متى انطبقت شروطها – إلى المادة 728 من قانون العقوبات، وإرفاق الأدلة المتوافرة، كما يمكن إبلاغ الجهات البيطرية المختصة، والاستعانة بالتقارير الفنية عند الحاجة، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة لتحريك الدعوى العامة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق الفاعل.
وبينت أن التحدي الأكبر يتمثل في أن التشريع السوري لا يزال يفتقر إلى قانون مستقل وشامل لحماية الحيوانات، وأن الحماية الجزائية الواردة في قانون العقوبات ما تزال ذات نطاق ضيق، إذ ترتبط في كثير من الحالات بملكية الحيوان للغير وبأن يكون من الحيوانات التي حددها النص.
ولفتت إلى أن هذا القصور ينعكس عملياً على الحيوانات السائبة أو الأليفة التي لا يشملها النص صراحة، مما يحد من إمكانية الملاحقة القانونية، ويضاف إلى ذلك ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الإبلاغ عن هذه الجرائم، فضلاً عن محدودية الإمكانات الرقابية وغياب آليات متخصصة للتعامل مع جرائم القسوة على الحيوانات.
وتحدثت أسماء نعسان في تصريح خاص لـ شام عن أن المنظومة التشريعية الحالية، من وجهة نظرها القانونية، لا تحقق مستوى الردع المأمول، ليس فقط بسبب محدودية العقوبات، وإنما أيضاً بسبب ضيق نطاق الحماية القانونية وغياب نصوص مستقلة تجرّم جميع صور العنف والقسوة ضد الحيوانات.
وشددت في ختام حديثها على أن الحاجة باتت ملحة إلى تطوير التشريع من خلال إصدار قانون مستقل لحماية الحيوان، يوسّع نطاق الحماية ليشمل جميع الحيوانات دون تمييز، ويضع تعريفاً واضحاً لأفعال التعذيب والإساءة، ويقر عقوبات أكثر تناسباً مع جسامة الفعل، بما يحقق الردع ويحمي الحيوان باعتباره كائناً حياً، ويعزز في الوقت ذاته قيم الرحمة وسيادة القانون.
لم تعد المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تقتصر على إنتاج معلومات مضللة أو كتابة شيفرات برمجية متقدمة، بل امتدت إلى الكيفية التي قد يسلكها لتحقيق الأهداف الموكلة إليه.
فقد أثارت اختبارات أجراها معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني (AISI) جدلًا واسعًا بعدما وثقت حالات استخدمت فيها نماذج متقدمة من OpenAI وAnthropic أساليب خداع وهندسة اجتماعية خلال تقييمات أمنية، في تطور يراه خبراء مؤشرًا على تحديات جديدة يفرضها الجيل القادم من وكلاء الذكاء الاصطناعي.
كيف بدأت القصة؟
في محاولة لقياس حدود قدرات النماذج المتقدمة، أجرى المعهد سلسلة اختبارات داخل بيئة خاضعة للرقابة، مُنحت خلالها النماذج صلاحيات واسعة شملت الاتصال بالإنترنت، واستخدام البريد الإلكتروني، وتشغيل أدوات برمجية، مع تعطيل بعض وسائل الحماية عمدًا لمحاكاة أسوأ السيناريوهات.
وخلال 122 تجربة، وثق الباحثون 19 حالة سلوك غير مصرح به، بينها 17 حالة ارتبطت بأحد نماذج Anthropic، وحالتان بنموذج تابع لـOpenAI. لكن اللافت لم يكن عدد الحالات، بل طبيعة السلوك الذي أظهرته بعض النماذج.
لماذا لجأ إلى خداع البشر؟
بدلًا من محاولة اختراق الأنظمة مباشرة، اختارت بعض النماذج طريقًا مختلفًا؛ إذ أنشأت هويات إلكترونية مزيفة، وصاغت رسائل بريد إلكتروني مقنعة، ثم تواصلت مع مطورين حقيقيين في محاولة لإقناعهم بإدراج شيفرة برمجية خبيثة داخل مشاريع مفتوحة المصدر.
ويُعرف هذا الأسلوب في الأمن السيبراني باسم الهندسة الاجتماعية، وهو يعتمد على استغلال ثقة الإنسان بدلًا من استغلال الثغرات التقنية. ويرى الباحثون أن هذه هي المرة الأولى التي يُوثق فيها استخدام وكيل ذكاء اصطناعي لهذا النوع من الخداع بصورة مستقلة ضمن اختبارات رسمية.
هل يكذب الذكاء الاصطناعي فعلًا؟
يؤكد الباحثون أن النماذج لا تمتلك وعيًا أو إرادة مستقلة، لكنها قادرة على تحليل الخيارات المتاحة واختيار الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق الهدف المطلوب.
وعندما وجدت بعض النماذج أن اختراق الأنظمة مباشرة أمر معقد، خلصت إلى أن التأثير في الإنسان سيكون أسرع وأكثر فاعلية. ومن هنا، فإن ما حدث لا يعكس "نية للكذب"، بقدر ما يكشف قدرة النماذج على تبني استراتيجيات غير متوقعة إذا مُنحت صلاحيات واسعة دون ضوابط كافية.
لماذا يثير ذلك قلق خبراء الأمن؟
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تتعلق بما يعرف بـوكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents)، وهي أنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تستطيع تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة.
ويحذر خبراء الأمن السيبراني من أن هذه الأنظمة قد تصبح قادرة مستقبلًا على جمع المعلومات عن أهدافها، وصياغة رسائل احتيالية مخصصة، وإنشاء هويات مزيفة، وتعديل خططها تلقائيًا عند فشلها، وهو ما قد يجعل الهجمات الإلكترونية أكثر دقة وصعوبة في الاكتشاف.
هل كان العالم في خطر؟
رغم ما أثارته نتائج الاختبارات من مخاوف، شدد المعهد على أن جميع التجارب أُجريت داخل بيئة بحثية مغلقة، وأن الصلاحيات الممنوحة للنماذج لا تتوافر للمستخدمين في الظروف الاعتيادية.
كما أكد أن جميع محاولات الخداع أُحبطت قبل تحقيق أهدافها، ولم تُدمج أي شيفرة خبيثة في المشاريع المستهدفة، ولم تسجل أي أضرار فعلية. بدورها، أوضحت OpenAI وAnthropic أن هذه السلوكيات ظهرت في ظروف اختبارية استثنائية، مؤكدة العمل على تعزيز الضمانات الأمنية وتطوير آليات أكثر صرامة لتقييم النماذج المتقدمة.
إلى أين يتجه الذكاء الاصطناعي؟
تكشف هذه الحادثة أن التحدي لم يعد يقتصر على تطوير نماذج أكثر ذكاءً، بل أصبح يتمثل في ضمان بقائها خاضعة للرقابة. فكلما ازدادت استقلالية أنظمة الذكاء الاصطناعي واتسعت صلاحياتها، ازدادت الحاجة إلى معايير أمنية وتشريعات قادرة على ضبط سلوكها قبل إتاحة استخدامها على نطاق واسع.
ولا يعني ما حدث أن الذكاء الاصطناعي أصبح واعيًا أو خارجًا عن السيطرة، لكنه يسلط الضوء على مرحلة جديدة في الأمن السيبراني، لم يعد فيها الخطر محصورًا في الثغرات البرمجية، بل بات يشمل أيضًا قدرة الأنظمة الذكية على ابتكار وسائل غير متوقعة لتحقيق أهدافها، الأمر الذي يفرض على الحكومات وشركات التكنولوجيا إعادة رسم حدود الأمان في عصر الذكاء الاصطناعي.
٦ أغسطس ٢٠٢٦
فتحت حادثة مقتل الطفلة نور الدوس الحديث مجدداً حول قضايا الحضانة وتنظيمها في القانون السوري، وما يرتبط بها من حقوق وواجبات على الحاضن، كما سلطت الضوء على حق كلٍّ من الأم أو الأب، الطرف الٱخر، في حال لم تكن الحضانة له، في اللجوء إلى القضاء واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية الطفل وضمان حصوله على حقوقه، خاصة عند وجود تقصير أو سوء معاملة.
وقال سلمان عبيدو، محامٍ أستاذ في نقابة المحامين في سوريا – فرع اللاذقية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قانون الأحوال الشخصية السوري (المرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته، ولا سيما القانون رقم 4 لعام 2019) ينظم مسألة الحضانة كحق للمحضون بالدرجة الأولى، بما يضمن توفير الرعاية السليمة والتنشئة المناسبة له.
وأضاف أن تنظيم الحضانة والمعايير الأساسية لتحديد الحاضن تبدأ بالسن القانونية، حيث تمتد حضانة النساء (الأم) للطفل، ذكراً كان أم أنثى، حتى إتمام سن الخامسة عشرة من عمره، وبعد بلوغ سن الـ 15 يُخيَّر المحضون أمام القاضي الشرعي بين البقاء لدى الأم أو الانتقال للعيش مع الأب، وتستمر الحضانة حتى بلوغ سن الرشد (18 سنة).
وأشار إلى الشروط الواجب توافرها في الحاضن وفق المادة (137)، والتي تشمل العقل والبلوغ والأهلية الكاملة، والأمانة الأخلاقية والسلوكية على الصغير، والقدرة البدنية والصحية والمالية على العناية بالطفل وتربيته، والخلو من الأمراض السارية أو المعدية الخطيرة التي تهدد صحة الطفل.
ونوّه عبيدو إلى التسلسل القانوني لانتقال الحضانة، وأوضح أنه وفقاً للتعديل الأخير للمادة (139) من القانون، ينتقل حق الحضانة بالترتيب التالي: الأم، ثم الأب (بشرط وجود من يعينه على رعاية الطفل في منزله كالزوجة أو الأم أو الأخت)، ثم أم الأم وإن علت، ثم أم الأب وإن علت، ثم الأخت الشقيقة، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب، ثم بنت الشقيقة، ثم بنت الأخت لأم، ثم بنت الأخت لأب، ثم الخالات، ثم العمات حسب الترتيب الشرعي، ثم العصبات من الذكور حسب ترتيب الإرث.
وبيّن حالات سقوط الحضانة قانوناً، فأوضح أنها تسقط عن الأم أو الأب إذا تحقق أحد الأسباب التالية: فقدان أحد شروط الأهلية، كالإصابة بمرض عقلي أو مرض معدٍ خطير، أو زواج الأم الحاضنة من رجل أجنبي (غير محرم للمحضون) ما لم تقدر المحكمة أن مصلحة المحضون تقتضي بقاءه معها، أو سوء السلوك الأخلاقي أو صدور حكم قضائي مبرم بحق الحاضن بجرم مخل بالشرف والآداب.
وأضاف أن من بين الأسباب أيضاً الإهمال الجسيم، كترك الصغير دون رعاية أو الامتناع عن تعليمه وعلاجه بما يعرض حياته أو مستقبله للخطر، أو الإخلال بحق الرؤية أو معارضة الولي عبر امتناع الحاضن عن تمكين الطرف الآخر من رؤية طفله أو تعطيل ولايته دون مسوغ مشروع، ولفت إلى أن المادة 141 تنص على أن حق الحضانة يعود إذا زال سبب سقوطه، كطلاق الأم من الزوج الأجنبي أو شفاء الحاضن.
وذكر سلمان عبيدو في تصريح خاص لـ شام الإجراءات القانونية عند تعرض الطفل للقسوة أو الإهمال، وأوضح أنه إذا كان الحاضن يعامل الطفل بقسوة أو يظلم رعيته، يمكن اتخاذ الخطوات التنسيقية والقانونية التالية: رفع دعوى "إسقاط حضانة" أمام المحكمة الشرعية المختصة بناءً على عدم صلاحية الحاضن وأهليته الأخلاقية أو الصحية.
وأشار إلى أنه يمكن أيضاً طلب التدابير المستعجلة عبر التقدم بطلب للقاضي الشرعي لاتخاذ قرار احترازي مؤقت بنزع الطفل وتسليمه للمستحق التالي حمايةً لسلامته الجسدية أو النفسية أثناء سير الدعوى، إضافة إلى الادعاء الجزائي (في حالات التعذيب والإيذاء) من خلال تقديم شكوى أمام النيابة العامة بجرم الإيذاء أو تعريض قاصر للخطر، ليتم تنظيم ضبط شرطة فوراً وعرض الطفل على الطب الشرعي.
وتحدث عن طرق الإثبات والأدلة المعتمدة قانوناً لإثبات عدم أهلية الحاضن أو سوء معاملته أمام القضاء الشرعي، وإلى اعتماد تقارير الطب الشرعي والتقارير الطبية الرسمية لإثبات الآثار الجسدية للإيذاء أو الضرب أو الاضطرابات النفسية، إضافة إلى التقرير الاجتماعي والخبرة القضائية من خلال تكليف الكشف الاجتماعي أو الخبرة الطبية والنفسية بواسطة خبراء معتمدين لمعاينة البيئة التي يعيش فيها الطفل.
وذكر أن وسائل الإثبات تشمل أيضاً شهادة الشهود عبر استماع القاضي لشهادات الجيران والمعلمين أو الأقارب ممن عاينوا الإهمال أو المعاملة القاسية، إلى جانب الضبوط والمحاضر الرسمية كضبوط الشرطة وأحكام القضاء الجزائي المبرمة الصادرة بحق الحاضن.
وأكد أن مدى مصلحة المحضون الفضلى تُعتبر المبدأ الحاكم والأساسي في كافة القرارات والنزاعات القضائية المتعلقة بالحضانة في سوريا، حيث تنص المادة (140) صراحة على أنه: "إذا تعدد أصحاب حق الحضانة فللقاضي حق اختيار الأصلح".
ونوه إلى أنه يملك القاضي الشرعي سلطة تقديرية واسعة لترجيح مصلحة الصغير النفسية والصحية والدراسية على النصوص الشكلية عند استثناء بعض الحالات (مثل إبقاء الحضانة مع الأم بعد زواجها إذا كان النقل يضر بالطفل).
وفي المحصلة، تبقى أحكام الحضانة في القانون السوري محكومة بجملة من الضوابط والمعايير التي تهدف إلى حماية الطفل وضمان رعايته في بيئة سليمة، مع منح القضاء سلطة تقديرية واسعة لمراعاة خصوصية كل حالة، بما يحقق المصلحة الفضلى للمحضون.