٣٠ أبريل ٢٠٢٦
تُعدّ الزيارة المنزلية من العادات الاجتماعية الراسخة في سوريا، حيث اعتاد الأقارب على اللقاء وقضاء الوقت معاً في مختلف المناسبات، سواء للاطمئنان عند المرض، أو مشاركة الأفراح، أو في إطار صلة الرحم والواجب الاجتماعي، وبذلك شكّلت هذه الزيارات جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية، وركيزة في ترابط العلاقات بين العائلات.
لكن هذه الصورة بدأت تتغيّر خلال السنوات الماضية، مع ما شهدته البلاد من نزوح وسفر وتشتّت عائلي، إلى جانب ضغوط العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن التطور التكنولوجي وانتشار الأجهزة الذكية، في هذا السياق، تراجعت الزيارات الاجتماعية لدى بعض الأسر، مقابل حضور متزايد لوسائل التواصل الحديثة، ولا سيما مكالمات الفيديو التي أصبحت وسيلة أساسية للتواصل اليومي.
وفي كثير من البيوت، لم يعد اللقاء يقتصر على الزيارة المباشرة أو الجلوس حول مائدة واحدة، إذ بات اتصال قصير كافياً لبدء “لقاء” عبر شاشة، تختصر المسافات وتتيح تواصلاً سريعاً حتى وإن ظلّ مختلفاً في طبيعته عن الحضور الفعلي.
هذا التحوّل لم يحدث بشكل مفاجئ، بل تسلّل تدريجياً إلى حياة العائلات، ومع الوقت تغيّرت أنماط التواصل داخل الأسرة، ليصبح الغياب الجسدي أكثر اعتياداً في مقابل حضور بديل عبر الوسائط الرقمية.
في السابق، كانت الزيارة تتم بموعد مسبق أو حتى بشكل مفاجئ، ويقضي خلالها الزائر وقتاً مع العائلة ضمن تفاعل مباشر، وهي، كما اليوم، لم تكن ممكنة دائماً في حالات المرض أو الانشغال، إلا أن الفارق يكمن في البديل؛ إذ وفّرت مكالمات الفيديو خياراً أكثر سهولة، لا يتطلب سوى اتصال بالإنترنت، ويمكن إجراؤه في أي وقت متاح، ما جعلها تحلّ مكان الزيارة في كثير من الأحيان.
ويبرز أثر هذا التحوّل بشكل أوضح في الحالة السورية، خاصة لدى العائلات التي ما تزال تعيش حالة تشتّت، حيث يقيم أفرادها في دول مختلفة كأوروبا وتركيا وغيرها، في مثل هذه الظروف، يصبح اللقاء المباشر صعباً، فتتيح مكالمات الفيديو الحفاظ على تواصل مستمر، ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية، والاطمئنان على الأحوال رغم المسافات.
كما منحت هذه الوسيلة لكثير من الآباء المسافرين فرصة البقاء على تماس مع أبنائهم، من خلال الحديث معهم ومتابعة تفاصيل حياتهم اليومية، ومشاركتهم لحظات كانت تضيع سابقاً بسبب البعد، وأسهم هذا الحضور، رغم كونه افتراضياً، في منح الأطفال شعوراً بالاهتمام والطمأنينة، وفي تخفيف وطأة الغربة على الآباء.
وفي السياق ذاته، مكّنت هذه الوسيلة الأطفال الذين وُلدوا خلال سنوات الهجرة والنزوح من التعرّف على أقاربهم، كالأعمام والعمّات والأخوال والخالات، وبناء صلة أولية معهم، رغم غياب اللقاء المباشر.
في المقابل، تتباين الآراء حول هذا التحوّل؛ إذ يرى البعض أن الزيارة المنزلية ما تزال الخيار الأعمق، لما توفره من تفاعل إنساني مباشر وتفاصيل يصعب نقلها عبر الشاشة، بينما يعتبر آخرون أن مكالمات الفيديو تمثّل حلاً عملياً ينسجم مع متطلبات الحياة الحالية، خاصة في ظل التباعد الجغرافي والانشغالات اليومية.
ويعكس حرص السوريين على البقاء على تواصل، رغم ما فرضته الظروف من نزوح وتشتّت، تمسّكاً واضحاً بروابط العائلة ورفضاً لانقطاعها، فحتى مع تراجع الزيارات المباشرة، سعت كثير من الأسر إلى إيجاد بدائل تحافظ على هذا القرب، ولو بوسائل مختلفة.
ويرى مختصون في علم النفس أن استمرار التواصل داخل الأسرة، سواء كان مباشراً أو عبر الوسائط الرقمية، يشكّل عاملاً مهماً في دعم التوازن النفسي، إذ يساهم في التخفيف من مشاعر القلق، ويعزّز الإحساس بالأمان والانتماء، حتى في ظل البعد.
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
تُعدّ عملية تحضير الدروس من قبل المعلمين قبل تقديمها للطلاب من الركائز الأساسية في العملية التعليمية داخل المدارس السورية، لما لها من دور محوري في تنظيم المحتوى التعليمي وضمان وصوله بالشكل الأمثل.
ويضع المعلم من خلال التحضير خطة متكاملة للدرس، يحدّد فيها الأهداف التعليمية، ويختار الأساليب المناسبة لتقديم المعلومة، سواء عبر الشرح المباشر أو الأنشطة التفاعلية وغيرها من الأساليب التعليمية، بما يسهم في تحقيق فهم أفضل لدى الطلاب وتعزيز مشاركتهم داخل الصف.
وغالباً ما تبدأ عملية تحضير الدرس قبل يوم من تقديمه، حيث يراجع المعلم محتوى الحصة القادمة ويحدّد النقاط الأساسية التي سيركّز عليها، ثم يفكّر في الطريقة الأنسب لشرحها بما يتلاءم مع مستوى طلابه.
وخلال هذه العملية يختار المعلم توزيع الوقت بين الشرح والأنشطة، أو تحضير أمثلة وأسئلة تساعد على تثبيت الفكرة، إضافة إلى تجهيز الوسائل التعليمية التي قد يحتاجها داخل الصف، مما يعطي المعلم صورة واضحة عن سير الدرس، ويجعله أكثر قدرة على التعامل مع المواقف المختلفة أثناء الحصة.
تحضير الدروس… ركيزة أساسية لتعزيز جودة التعليم
وقال يعقوب معتصم حمدوش، مشرف تربوي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تحضير الدروس يُعدّ من الركائز الأساسية في العملية التعليمية، لما له من أهمية لكلٍّ من المعلم والمتعلم؛ إذ يتيح للمعلم تنظيم أفكاره وتجهيز مادته العلمية، واختيار الأساليب الأنسب لتقديمها، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على المتعلم من خلال تلقي المعلومات بصورة أكثر وضوحاً وفاعلية.
وأضاف أن التحضير الجيد يجنّب المعلم الكثير من العثرات التي قد تواجهه، مثل ضغوط المنهج الدراسي، وصعوبة تنظيم المعلومة واختيار الوسائل التعليمية المناسبة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على أدائه داخل الصف.
وبيّن أن التحضير المسبق للدرس يسهم في تعزيز الفاعلية داخل الفصل الدراسي، إذ يكون المعلم قد أعدّ مسبقًا كل ما تتطلبه العملية التعليمية من أساليب ووسائل واستراتيجيات مناسبة.
التحضير الجيد يضبط الصف… خطوات ونصائح لتعزيز فاعلية الدرس
وأشار حمدوش إلى أن عدم التحضير، على العكس تماماً ينعكس سلباً على جودة التعليم، إذ يؤدي إلى عشوائية في التدريس، وهدر الوقت، ويحدّ من قدرة المعلم على إدارة الصف بفاعلية، ما يفضي في النهاية إلى تراجع مستوى التفاعل داخل الفصل.
وتحدّث عن الخطوات التي يتبعها المعلم في تحضير درسه، والتي تشمل القراءة والتحليل الأولي، وصياغة الأهداف السلوكية، واختيار الأساليب والوسائل المناسبة لكل هدف، إضافةً إلى تنظيم خطوات الدرس وتوزيع الوقت.
كما تشمل عملية التحضير إعداد أسئلة للتقويم المرحلي المتوافقة مع الأهداف، وإعداد أسئلة للتقويم النهائي، إضافةً إلى مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب (الأكثر تحصيلاً والأقل تحصيلاً)، إلى جانب توثيق ذلك في دفتر التحضير.
وأكد أن التحضير يساعد المعلم على إدارة الصف بشكل أفضل، من خلال تعزيز ثقته بنفسه، وتوقّع المشكلات السلوكية قبل حدوثها، وتنظيم الوقت والأنشطة، ما يقلّل من الفوضى ويزيد من تركيز التلاميذ ومشاركتهم.
وقدم المشرف يعقوب مجموعة من النصائح لتعزيز مهارة التحضير الجيد للدروس، تمثّلت في تحديد أولويات الدرس، ودمج التقنيات الحديثة في التعليم، والاستعداد للتفاعل داخل الصف، وتبنّي استراتيجيات التعلم النشط، إضافةً إلى تقييم الدرس وتطويره مستقبلاً، والتحلّي بالمرونة في الخطة والأداء.
ويشير عدد من المعلمين إلى أن تحضير الدروس يمنحهم مساحة أكبر للإبداع في تقديم المادة التعليمية، إذ يتيح لهم التفكير بطرق غير تقليدية لشرح المفاهيم وربطها بواقع الطلاب وحياتهم اليومية، كما يساعدهم على التنويع في أساليب الطرح بما يمنع الملل داخل الحصة، ويعزز استمرارية انتباه الطلاب.
ويرون أن الإعداد المسبق يسهّل عليهم متابعة تقدّم الطلاب بشكل أدق، من خلال ملاحظة تفاعلهم مع كل جزء من الدرس، ما يساعد في تعديل الشرح بشكل فوري بما يتناسب مع احتياجاتهم.
ويشير خبراء في مجال التعليم إلى أن تحضير الدروس لا يقتصر على تنظيم المحتوى فقط، بل يسهم في خلق توازن داخل الحصة بين الشرح والتطبيق، ويمنح المعلم قدرة أكبر على ضبط إيقاع الدرس وتوزيع الجهد بين الطلاب، كما يلفتون إلى أن التخطيط المسبق يساعد في استثمار الوقت بشكل فعّال، ويتيح إدماج وسائل تعليمية متنوعة تحفّز التفكير، وتدعم انتقال الطالب من التلقي إلى المشاركة الفعلية في العملية التعليمية.
ويرى أخصائيون نفسيون أن تحضير الدروس لا ينعكس على الجانب التعليمي فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الحالة النفسية لكلٍّ من المعلم والطالب، إذ يمنح المعلم شعوراً بالثقة والطمأنينة أثناء الشرح، ويخفف من التوتر والارتباك داخل الصف، في المقابل، يساعد التنظيم الواضح للدرس على خلق بيئة تعليمية مستقرة للطلاب، ما يعزز شعورهم بالأمان والتركيز، ويدعم قدرتهم على التفاعل والاستيعاب بشكل أفضل.
ويُعدّ تحضير الدروس جزءاً من الممارسات الأساسية في العملية التعليمية، إذ يساهم في تنظيم مجريات الحصة وتحديد تسلسل عرض المحتوى، إلى جانب اختيار الأساليب والوسائل المناسبة لطبيعة الدرس ومستوى الطلاب، كما يتيح هذا التحضير توزيع الوقت بشكل منظم، وإدماج أنشطة وأسئلة تقويمية خلال الحصة، بما يساعد على متابعة سير التعلم داخل الصف.
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
أمام الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها آلاف السوريين، وفي ظل وجود أعداد كبيرة من العائلات تحت خط الفقر، تحوّلت الرعاية الصحية، بما فيها علاج الأسنان، إلى عبء إضافي على كاهل الأهالي.
ومع ضعف الإمكانات المادية وارتفاع كلفة العلاج، يضطر كثيرون إمّا إلى تأجيل زيارة الطبيب، أو مراجعة عيادات خاصة رغم تكاليفها المرتفعة، أو انتظار دورهم في المراكز المجانية، فيما يلجأ آخرون إلى حلول مؤقتة لتسكين الألم، ما يفاقم المشكلات الصحية ويزيد من تعقيدها مع مرور الوقت.
وفي هذا السياق، روت إحدى السيدات، في حديث لـ شام أنها اضطرت إلى معالجة أحد أضراسها عبر سحب العصب وتلبيسه، فيما أجّلت علاج ضرسٍ آخر يعاني من المشكلة ذاتها، بسبب عدم قدرتها على تحمّل كلفة العلاج كاملة، على أمل أن تتحسن ظروفها المادية لاحقاً.
وتتفاوت إجراءات علاج الأسنان بين ما هو بسيط وروتيني، مثل التنظيف والحشوات، وما هو أكثر تعقيدًا، كعلاج تقويم الأسنان، وزراعة الأسنان، وقلع ضرس العقل، إضافة إلى تلبيس الأسنان وتركيب الجسور، التي تختلف بدورها بحسب نوع المواد المستخدمة وعدد الأسنان المعالجة، ما يجعل كلفة العلاج متفاوتة من حالة إلى أخرى.
ضعف الوعي الصحي وأخطاء يومية تفاقم مشكلات الأسنان
وقالت طبيبة الأسنان هبة تركماني، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شريحة واسعة من المجتمع، من مختلف الفئات العمرية، تعاني من مشكلات سنيّة متكررة، مشيرةً إلى أن ذلك يرتبط إلى حدّ كبير بضعف الوعي الصحي في مجال العناية بالأسنان لدى كثير من الناس.
وأضافت أن طبيب الأسنان لا يقتصر دوره على تشخيص وعلاج أمراض الفم والأسنان فحسب، بل يشمل أيضاً الوقاية منها، إلى جانب نشر التوعية حول مخاطر إهمال الصحة الفموية وما يترتب عليها من مشكلات صحية.
ونوّهت إلى أن من أبرز الأخطاء الشائعة لدى الأهالي تأخير أول زيارة للطفل إلى طبيب الأسنان، مؤكدةً أن الزيارة الأولى يُفضّل أن تكون عند عمر السنة أو مع ظهور أول سن، وليس عند الشعور بالألم فقط، كما حذّرت من السماح للطفل بالنوم مع قنينة الحليب، لما يسببه ذلك من ما يُعرف بـ"تسوس الرضاعة"، الذي يؤدي إلى تضرر الأسنان الأمامية بشكل سريع.
وأشارت تركماني إلى أن من بين الأخطاء الشائعة أيضاً الاعتقاد بأن الأسنان اللبنية غير مهمة، موضحةً أن تسوسها قد يؤثر في الأسنان الدائمة، ويتسبب بمشكلات في النطق والمضغ. كما لفتت إلى ممارسات خاطئة في تنظيف الأسنان، مثل التفريش بعنف، أو لمدة تقل عن دقيقتين، إضافة إلى إهمال تنظيف اللسان.
وذكرت لـ "شام" أن بعض الأشخاص يستخدمون الأسنان كأداة لفتح العلب أو كسر المكسرات، ما يؤدي إلى تضررها أو كسر الحشوات، لافتةً أيضاً إلى إهمال استخدام الخيط الطبي ضمن العناية اليومية بالفم، رغم أهميته في الوقاية من مشاكل الأسنان واللثة.
وتطرّقت تركماني إلى أسباب إهمال مراجعة طبيب الأسنان، مشيرةً إلى أن من أبرزها الخوف من الألم أو من تجارب سابقة غير مريحة، إلى جانب ارتفاع التكاليف، خاصةً أن كثيرين يؤجلون العلاج حتى تتفاقم المشكلة، ما يجعل التدخل لاحقاً أكثر تعقيداً وكلفة.
كما يلعب ضيق الوقت دوراً في تأجيل المراجعات إلى حين حدوث حالة طارئة، إلى جانب انتشار بعض المفاهيم الخاطئة لدى البعض، مثل الاعتقاد بأن "سحب العصب يضعف السن" أو أن "تنظيف الأسنان يضر بطبقة المينا"، وغيرها من المعلومات غير الدقيقة.
نصائح أساسية للوقاية… العناية اليومية والفحوص الدورية مفتاح صحة الأسنان
وأكدت هبة تركماني أن من أهم النصائح للأهالي الحرص على تفريش الأسنان مرتين يومياً لمدة دقيقتين، صباحاً وبعد آخر وجبة، مشددةً على ضرورة قيام الأهل بتفريش أسنان أطفالهم حتى عمر 7–8 سنوات، كما أوصت باستخدام الخيط الطبي مرة يومياً لدوره في الوقاية من تسوس ما بين الأسنان، والذي يُعد من أخطر أنواع التسوس، إضافة إلى التقليل من تناول السكريات، ولا سيما الأنواع اللزجة.
وأشارت إلى ضرورة الالتزام بمراجعات دورية كل ستة أشهر، حتى في حال عدم وجود ألم، لما لذلك من أهمية في التنظيف والكشف المبكر عن المشكلات، كما أكدت أهمية استخدام "فلوريد صديقك" معجون أسنان يحتوي على الفلورايد، واعتبرته عاملاً أساسياً في الوقاية، لافتةً إلى إمكانية تطبيق جل الفلورايد لدى الطبيب للأطفال الأكثر عرضة للتسوس.
وشدّدت على عدم إهمال الأسنان اللبنية، لكونها تحافظ على المسافة اللازمة لظهور الأسنان الدائمة، إذ إن فقدانها المبكر قد يؤدي إلى تزاحم الأسنان والحاجة إلى تقويم مستقبلاً.
ويشير مختصون إلى أن أزمة العناية بصحة الأسنان في سوريا لم تعد مسألة فردية فحسب، بل باتت انعكاساً مباشراً للواقع الاقتصادي والمعيشي، حيث يدفع ضعف الإمكانات المادية كثيرين إلى تأجيل العلاج إلى مراحل متقدمة، ما يحوّل المشكلات البسيطة إلى أعباء صحية معقدة، مشددين على أن تعزيز الوعي الصحي وتوسيع خدمات الرعاية الوقائية يمثلان خطوة ضرورية للحد من تفاقم هذه الظاهرة.
وبين واقع اقتصادي قاسي وضعف في الوعي الصحي، تتجه شريحة من الأهالي إلى تأجيل علاج الأسنان، رغم ما قد يترتب على ذلك من تدهور تدريجي في الحالة الصحية مع مرور الوقت.
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
شهدت الفترة الماضية تكثيفاً في جهود الأجهزة الأمنية السورية لملاحقة عدد من رموز النظام السابق، المتورطين في ارتكاب انتهاكات وجرائم بحق السوريين خلال سنوات الثورة، ويُعدّ إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن، من أبرز هذه العمليات التي نُفذت مؤخراً.
وفي سياق هذه العمليات، يتكرر نمطٌ بات مألوفاً عقب إلقاء القبض على متهمين بارتكاب انتهاكات، يتمثل في صدور تبريرات على لسان بعض ذويهم أو المقربين منهم، غالباً ما تُرجع الأفعال إلى تنفيذ “أوامر عسكرية” أو تحميل المسؤولية لجهات أعلى.
وقد برز ذلك عقب اعتقال أمجد يوسف، حيث ظهرت شقيقتاه في مقطعٍ مصوّر تُبرِّران ما قام به، معتبرتَيْن أنه كان ينفذ أوامر صادرة عن قياداته، ومُحمِّلتَيْن المسؤولية لبشار الأسد ورؤساء الأفرع الأمنية، في طرحٍ يعكس جدلاً متكرراً حول حدود المسؤولية الفردية في مثل هذه القضايا.
ولا يقتصر هذا النمط على حالة أمجد يوسف، إذ تظهر أمثلة أخرى تعكس تكرار ذات التبرير، حيث نشرت وزارة الداخلية السورية مقطعاً مصوراً يتضمن اعترافات لعدد من الطيارين في قوات النظام البائد، من بينهم ميزر صوان، الملقب بـ "عدو الغوطتين"، الذي أقر بأن أوامر القصف كانت تصدر من قيادات عليا، وأنهم كانوا ينفذونها دون معرفة الأهداف أو القدرة على الرفض.
وتأتي هذه الشهادات لتسلّط الضوء على تكرار رواية “تنفيذ الأوامر” في قضايا الانتهاكات، وما تثيره من جدل حول حدود المسؤولية الفردية ودور المنفذين في تلك الجرائم.
وفي ضوء هذه التبريرات المتكررة، يبرز تساؤل جوهري حول الموقف القانوني من هذه الأفعال، وكيف ينظر القانون السوري إلى المتورطين في قتل مدنيين وارتكاب انتهاكات بحق أبرياء، كما تُطرح إشكالية مدى إمكانية التذرّع بتنفيذ الأوامر العسكرية كسبب للإعفاء من المسؤولية، وما إذا كان تنفيذ الأوامر غير المشروعة يُعد التزاماً واجباً، أم أنه لا يبرر ارتكاب أفعال مجرّمة قانوناً ومرفوضة أخلاقياً.
الاستثناءات القانونية… حدود ضيقة للمساءلة
وقال الأستاذ باسل محمد موسى، المحامي المسجّل لدى نقابة المحامين في دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه في ظل تزايد التساؤلات حول حدود المسؤولية الجنائية في جرائم القتل، يحدّد القانون السوري موقفاً واضحاً يستند إلى مبدأ أساسي، مفاده أنه لا يُعفى من العقاب إلا ضمن أضيق الاستثناءات التي نصّ عليها القانون صراحة.
وأضاف أن قانون العقوبات السوري يحدّد حالات استثنائية يُعفى فيها الفاعل من العقوبة، من أبرزها: الدفاع المشروع، وحالة الضرورة، والجنون أو انعدام الإدراك، إضافة إلى القوة القاهرة، وأكد أن هذه الحالات محددة بدقة ولا يجوز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، إذ يبقى الأصل هو المساءلة والعقاب.
وأشار إلى أن الدفاع عن النفس يُعدّ حقاً مشروعاً، لكنه يخضع لشروط صارمة، إذ لا يتحقق الإعفاء الكامل من العقوبة في جرائم القتل إلا إذا كان الخطر حقيقياً ومحدقاً، وتعذّر اللجوء إلى السلطات، وكان القتل الوسيلة الوحيدة لدرء الاعتداء، أما في حال تجاوز هذه الحدود، فيُصنّف الفعل ضمن إطار تجاوز حدود الدفاع المشروع، ما يؤدي إلى تخفيف العقوبة دون إلغائها.
ونوّه موصى إلى أن القانون راعى الروابط العائلية، فأجاز في حالات محددة إعفاء بعض الأقارب من عقوبة إخفاء المجرم أو مساعدته على الفرار، غير أن هذا الإعفاء لا يمتد بأي حال إلى من شارك في ارتكاب الجريمة أو حرّض عليها.
تنفيذ الأوامر لا يعفي من المسؤولية الجنائية
وأكد لـ "شام" أن القانون السوري لا يعدّ تنفيذ الأوامر مبرراً لارتكاب الجرائم، إذ إن الأمر غير المشروع، ولا سيما ما يتعلق بقتل المدنيين، لا يعفي المنفّذ من المسؤولية، ولفت إلى أن المنفّذ يُحاسب كفاعل مباشر متى كانت الجريمة واضحة وغير مشروعة.
وأوضح أن القانون يميّز بين الأوامر المشروعة وتلك التي تُعد جرائم صريحة، إذ تُصنّف الأوامر التي تستهدف مدنيين أو جرحى على أنها غير مشروعة ظاهراً، ولا تحتاج إلى تفسير أو اجتهاد لإدراك خطورتها.
وذكر المحامي باسل أن المشرّع السوري يكرّس مبدأً واضحاً لا لبس فيه، وهو أن المسؤولية الجنائية شخصية، ولا يمكن الاحتماء بالأوامر أو الضغوط لتبرير إزهاق الأرواح، إذ يضع الواجب القانوني والأخلاقي حماية الإنسان فوق أي اعتبار وظيفي أو عسكري.
وشدّد موسى على أن القضاء السوري يتعامل بصرامة مع مبدأ التناسب في حالات الدفاع المشروع، ومع وضوح عدم مشروعية الأوامر في السياق العسكري، ما يجعل الإعفاء من العقوبة في جرائم القتل أمراً نادراً للغاية، يخضع لتدقيق شديد ولا يُقبل إلا ضمن شروط ضيقة ومحددة.
في المقابل، على الصعيد المجتمعي، أثارت هذه التبريرات حالة من الاستياء الواسع بين السوريين، ولا سيما لدى أهالي الضحايا والمفقودين والمتضررين من تلك الانتهاكات، إذ اعتبرها كثيرون محاولة للتنصل من المسؤولية.
وقد انعكس ذلك بوضوح في تعليقات المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شدّد ناشطون على ضرورة محاسبة جميع المتورطين وعدم القبول بتبرير الجرائم تحت أي ذريعة.
وفي ظل تكرار تبريرات “تنفيذ الأوامر” في قضايا الانتهاكات، يتعزز الجدل حول حدود المسؤولية الفردية، بين ما يطرحه البعض من مبررات، وما يحسمه القانون من قواعد واضحة لا تبيح ارتكاب الجرائم تحت أي ظرف، وبين هذين المسارين، تبقى مطالب الضحايا وذويهم بالمحاسبة حاضرة بقوة، بوصفها شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة ومنع تكرار الانتهاكات.
٢٩ أبريل ٢٠٢٦
تُهمل بعض النساء في سوريا إجراء الفحوص الدورية والفحص الذاتي للثدي، رغم الدور الذي يلعبه ذلك في الكشف المبكر عن سرطان الثدي، ما ينعكس في كثير من الحالات على تأخر التشخيص وتراجع فرص الشفاء.
وفي ظل الظروف المعيشية والصحية الراهنة، تتراجع أولوية هذا النوع من الفحوص لدى شريحة من النساء، سواء نتيجة ضعف الوعي، أو الخوف، أو صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية، الأمر الذي يزيد من احتمالية اكتشاف المرض في مراحل متقدمة.
وخلال سنوات الثورة السورية، واجهت النساء تحديات متزايدة في الوصول إلى خدمات الكشف المبكر عن سرطان الثدي وعلاجه، في ظل تضرر القطاع الصحي، ونقص الإمكانات، وصعوبة الوصول إلى المراكز الطبية، ما انعكس على انتظام الفحوص وإمكانية التشخيص المبكر.
وقد أسهمت هذه الظروف في تراجع معدلات الفحوص الدورية، الأمر الذي أدى في كثير من الحالات إلى اكتشاف المرض في مراحل متقدمة، وزاد من تعقيد مسار العلاج وفرص التعافي.
ويرى مختصون في الشأن الصحي أن التحدي لا يقتصر على توفر الخدمات الطبية فقط، بل يشمل أيضاً مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الكشف المبكر، إذ ما تزال بعض المفاهيم الخاطئة والخوف من التشخيص يسهمان في تأجيل الفحوص، ما يؤدي إلى اكتشاف الحالات في مراحل متقدمة، رغم أن فرص العلاج تكون مرتفعة عند الكشف المبكر.
سرطان الثدي بين الكتل الحميدة والخبيثة… كيف نميّز ومتى نراجع الطبيب؟
قالت الدكتورة دانية معتصم حمدوش، أخصائية في طب النساء والتوليد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن سرطان الثدي يُعدّ من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء، وينتج عن نمو غير طبيعي في خلايا الثدي، وغالباً ما يظهر على شكل كتلة صلبة غير مؤلمة، ذات حواف غير محددة.
وأضافت أن أعراض سرطان الثدي في مراحله المبكرة قد تشمل ظهور كتلة صلبة غير مؤلمة في الثدي أو تحت الإبط، إلى جانب تغيرات في حجم الثدي أو شكله، وغؤور الحلمة، أو تغيّر ملمس الجلد ليشبه قشر البرتقال، فضلًا عن خروج إفرازات من الحلمة قد تكون دموية، وهي أعراض تستدعي مراجعة طبية فورية.
ونوّهت إلى أن معظم كتل الثدي، بنسبة تصل إلى 85%، تكون حميدة، وغالباً ما تنتج عن تغيرات هرمونية أو تكيسات، وتمتاز بأنها متحركة وناعمة وقد تكون مؤلمة أحياناً، في حين تتميز الكتل الخبيثة بكونها صلبة وثابتة لا تتحرك، وغير منتظمة الشكل والحواف، وغالباً غير مؤلمة، وقد تترافق مع غؤور في الحلمة، أو تغيّر في ملمس الجلد يشبه قشر البرتقال، إضافة إلى إفرازات دموية.
وبيّنت الدكتورة حمدوش أن طرق التشخيص تشمل الفحص السريري الذي يجريه الطبيب، إلى جانب التصوير الشعاعي، سواء عبر الماموغرام أو الأمواج فوق الصوتية، إضافة إلى الخزعة، التي تُؤخذ من الكتلة وتُرسل إلى التشريح المرضي لتحديد نوع الورم ومرحلته.
وأشارت إلى ضرورة مراجعة الطبيب عند ملاحظة أي كتلة أو تغيّر في حجم أو شكل الثدي، أو ظهور إفرازات من الحلمة أو تغيّرات في جلد الثدي، منوّهة إلى أن دور المرأة في الكشف المبكر يعد محورياً، إذ يشكّل الفحص الذاتي الشهري، والوعي بتغيرات الثدي، والالتزام بالفحوصات الدورية، حجر الأساس في رفع فرص الشفاء، والتي قد تتجاوز 90% عند الاكتشاف المبكر.
خطوات الكشف والتعامل مع سرطان الثدي
وذكرت حمدوش لـ "شام" أن الفحص الذاتي للثدي يُجرى شهرياً بعد خمسة أيام من انتهاء الطمث، بهدف الكشف عن أي تغيّرات، وذلك من خلال النظر إلى الثديين أمام المرآة، ثم الاستلقاء على الظهر وفحصهما باليدين بحركات نصف دائرية، مع ضرورة جسّ منطقة تحت الإبط، للتحقق من وجود أي كتل أو تغيّرات أو إفرازات دموية.
وأوضحت أن الفحص الدوري للثدي عند الطبيب يُعد إجراءً وقائياً مهماً للكشف المبكر عن كتل الثدي أو سرطان الثدي، إذ يُنصح بإجرائه سنوياً بعد سن الأربعين، أو في عمر أصغر بحسب عوامل الخطورة، ويتم الفحص نظرياً ويدوياً، مع إمكانية تحويل المريضة لإجراء تصوير بالماموغرام أو بالأمواج فوق الصوتية عند الحاجة.
ونوّهت إلى أن علاج سرطان الثدي يعتمد على نوع الورم ومرحلته ومدى انتشاره، مشيرة إلى تعدد الخيارات العلاجية، والتي تشمل الجراحة، والعلاج الكيميائي والإشعاعي للقضاء على الخلايا السرطانية، إلى جانب العلاج الهرموني أو الموجّه بحسب نوع الخلايا، مع إمكانية الجمع بين أكثر من خيار علاجي وفقاً لحالة المريضة.
التشخيص المبكر يصنع الفارق
وأكدت أن نسبة الشفاء من سرطان الثدي قد تتجاوز 90% عند اكتشافه في مراحله المبكرة، مشيرة إلى أنه يُعد من السرطانات ذات القابلية العالية للعلاج.
وقالت إنها استقبلت في عيادتها عدداً من المريضات اللواتي اشتكين من ألم في الثدي وتغيرات في شكله أو حجمه، مشيرة إلى حالة لمريضة تبلغ من العمر 38 عاماً راجعتها بسبب تورم في الثدي وتغيّر في شكله، حيث أُجري لها تصوير بالأمواج فوق الصوتية، تلاه أخذ خزعة، ليُكشف عن الإصابة بالسرطان في مراحله المبكرة، وتم تحويلها إلى طبيب الأورام لتلقي العلاج المناسب، ما أسهم في شفائها التام.
دور الدعم النفسي في العلاج
ويرى اختصاصيون في الصحة النفسية أن مواجهة سرطان الثدي لا تقتصر على الجانب الجسدي، بل تترافق مع تحديات نفسية قد تشمل القلق والخوف من التشخيص والعلاج، إلى جانب تأثيرات مرتبطة بصورة الجسد وتغير نمط الحياة.
ويشيرون إلى أن توفير دعم نفسي مناسب، سواء من الأسرة أو ضمن الرعاية الصحية، يسهم في تخفيف هذه الضغوط، ويعزز قدرة المريضة على التكيف مع المرض والالتزام بالعلاج، ما ينعكس إيجاباً على مسار التعافي.
ووجّهت الدكتورة دانية في ختام حديثها رسالة إلى النساء، قالت فيها: "لا تنسي أهمية دورك في الكشف المبكر عن سرطان الثدي، من خلال الفحص الذاتي الشهري، والفحص السنوي الوقائي عند الطبيب، وانتبهي جيداً لصحتك، إذ إن نسب الشفاء مرتفعة بإذن الله، فلا تهملي دورك في حماية نفسك من هذا المرض، فدورك هو الأهم".
٢٩ أبريل ٢٠٢٦
تشهد الصفوف الدراسية اليوم تبايناً واضحاً في مستويات الطلاب وقدراتهم، في ظل ظروف تعليمية ومعيشية أثّرت بشكل مباشر على مسارهم الدراسي، ما يجعل التعامل مع هذا التفاوت تحدياً يومياً أمام المعلم داخل الصف، هذا الواقع يفرض الحاجة إلى أساليب أكثر مرونة تراعي الفروق الفردية، بما يضمن استيعاب جميع الطلاب وعدم فقدان أي منهم ضمن العملية التعليمية.
وفي هذا الإطار، يبرز الحديث عن الفروق الفردية كأحد المفاهيم الأساسية في العملية التعليمية، خاصة في ظل الواقع الحالي الذي فرض تباينات أعمق بين الطلاب، إذ لم يعد بالإمكان التعامل مع الصف على أنه كتلة واحدة متجانسة، بل بات من الضروري النظر إلى احتياجات كل طالب وظروفه، بما يساعد على فهم أسباب هذا التفاوت والتعامل معه بطرق أكثر واقعية وفعالية داخل الصف.
الفروق الفردية بين الطلاب… واقع متسع وأهمية متزايدة في ظل التحديات
قال الدكتور عبد الحي المحمود، نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، والمتخصص في التربية وعلم النفس التربوي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الفروق الفردية تمثّل اختلافات طبيعية بين الطلاب، تشمل القدرات العقلية والمهارات، إضافة إلى الظروف النفسية والاجتماعية.
وأضاف أن هذه الفروق تتسع في السياق السوري اليوم، لتشمل تبايناً واضحاً في الخلفيات التعليمية لدى الطلاب، نتيجة الانقطاع عن الدراسة أو اختلاف البيئات التي يعيشون فيها، كالنزوح أو الفقد أو الضغوط المعيشية، ما يجعل كل طالب يدخل الصف بخبرة تعليمية وحياتية تختلف بشكل ملحوظ عن الآخر.
وأشار إلى أن أهمية مراعاة الفروق الفردية تتضاعف في ظل الواقع السوري، حيث قد يضم الصف الواحد طلاباً بمستويات متباينة بشكل كبير، موضحاً أن تجاهل هذه الفروق يؤدي عملياً إلى خسارة شريحة من الطلاب، سواء من الذين يواجهون صعوبة في اللحاق بالمستوى العام، أو من المتفوقين الذين قد يفقدون دافعيتهم.
وأكد أن مراعاة هذه الفروق تسهم في احتواء جميع الطلاب، وتحدّ من الفاقد التعليمي، كما تعزز شعور الطالب بالأمان والانتماء داخل البيئة المدرسية.
بين قيود المناهج وفرص الاجتهاد… كيف يمكن للمعلم مراعاة الفروق الفردية؟
ونوّه إلى أن المناهج، في معظمها، ما تزال مصممة وفق معايير نمطية لا تراعي حجم الفجوة التعليمية الحالية بين الطلاب، مشيراً إلى أن أساليب التدريس التقليدية، التي تُفرض أحياناً نتيجة كثافة الصفوف وضعف الإمكانات، تحدّ من قدرة المعلم على مراعاة الفروق الفردية، ولفت إلى أنه رغم ذلك، يبقى لدى المعلم هامش مهم للاجتهاد الشخصي، يمكّنه من التكيّف مع واقع طلابه ضمن الظروف المتاحة.
وأوضح لـ "شام" أن مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب تمتد لتشمل مختلف مكونات العملية التعليمية، مشيراً إلى أن المعلم، رغم محدودية الإمكانات في الواقع السوري، يمكنه اعتماد أساليب متعددة، مثل تبسيط الشرح وتقديمه بأكثر من طريقة، سواء بشكل شفهي أو من خلال أمثلة من الحياة اليومية.
وأضاف الدكتور أنه يستطيع أيضاً طرح أسئلة بمستويات متفاوتة، تبدأ من الأساسيات وتصل إلى مستويات التفكير الأعلى، بما يتيح إشراك جميع الطلاب وفق قدراتهم، كما يمكن للمعلم تقسيم الطلاب إلى مجموعات غير متجانسة، بما يتيح لهم دعم بعضهم البعض، إلى جانب تقليل التركيز على الحفظ لصالح تعزيز الفهم، ولفت إلى إمكانية إعداد اختبارات تراعي الحد الأدنى المقبول لجميع الطلاب، مع إتاحة مساحة للتميّز أمام المتفوقين.
تجاهل الفروق الفردية… تداعيات مضاعفة ودور محوري للمعلم في الاحتواء
وفيما يتعلق بالتداعيات السلبية لتجاهل الفروق الفردية بين الطلاب، أوضح الدكتور عبد الحي أن أثر ذلك يتضاعف في الظروف الحالية، إذ يسهم في اتساع الفجوة التعليمية، وزيادة معدلات التسرب، وتعميق شعور بعض الطلاب بالعجز، وقد يظهر ذلك في سلوكيات مثل العدوانية أو اللامبالاة، وأضاف أن هذا التجاهل قد يؤدي أيضاً إلى فقدان الطالب ثقته بالمدرسة بوصفها بيئة داعمة له.
وأكد أن دور المعلم اليوم لم يعد يقتصر على نقل المعرفة، بل يتجاوز ذلك ليشمل الاحتواء والدعم النفسي والتربوي، إذ يُفترض به أن يكون ملاحظاً جيداً لطلابه، مرناً في أساليب تدريسه، وقادراً على التكيّف مع تفاوت مستوياتهم، إلى جانب مبادرته في إيجاد حلول بسيطة لكنها فعّالة، تتناسب مع الواقع المتاح.
واقترح مجموعة من الاستراتيجيات الواقعية القابلة للتطبيق في البيئة التعليمية، تمثلت في اعتماد التعليم المتمايز بأساليب بسيطة، مثل تنويع الأسئلة والواجبات، وتفعيل التعلم التعاوني داخل الصف، إلى جانب الاستفادة من الطلاب الأقوى في دعم زملائهم الأضعف.
وأشار إلى أهمية استخدام أمثلة من البيئة المحلية لتقريب الفهم، فضلاً عن اعتماد أساليب تقويم مستمرة وغير رسمية، كالملاحظة والأسئلة الشفهية، إضافة إلى تجزئة المحتوى إلى خطوات صغيرة تسهّل عملية التعلم.
وتحدث المحمود عن أبرز التحديات التي قد تعيق مراعاة الفروق الفردية، مشيراً إلى أن من بينها الاكتظاظ الشديد في الصفوف، وضعف الموارد التعليمية، والضغط الزمني لإنهاء المنهاج، إلى جانب الأعباء المعيشية التي يواجهها المعلم، فضلاً عن التفاوت الكبير في مستويات الطلاب نتيجة الظروف التي مرّوا بها.
وأكد الدكتور عبد الحي أن مراعاة الفروق الفردية تمكّن المدرسة من استعادة دورها الحقيقي كمؤسسة داعمة، إذ ينعكس ذلك على تحسّن التحصيل الدراسي حتى ضمن الإمكانات المحدودة، وانخفاض نسب التسرب، إلى جانب تعزيز شعور الطالب بقيمته، بما يسهم في بناء جيل أكثر تماسكاً وقدرة على تجاوز التحديات.
يرى تربويون أن مراعاة الفروق الفردية لا تتعلق فقط بأساليب الشرح أو تنويع الأنشطة، بل تبدأ من ترسيخ شعور العدالة داخل الصف، إذ إن وضوح المعايير في التقييم والتعامل يقلل من إحساس بعض الطلاب بالمقارنة أو التمييز، ويجعلهم أكثر تقبّلاً لاختلاف مستوياتهم.
ويؤكدون أن توجيه الطالب نحو قياس تقدّمه بذاته، بدلاً من مقارنته بالآخرين، يسهم في بناء دافعية داخلية أكثر استقراراً، كما أن إشراكه في متابعة تطوره، ولو بشكل بسيط، يعزز ثقته بنفسه ويخفف من الإحباط، خاصة لدى من يواجهون صعوبات، دون أن يؤثر ذلك على حافز الطلاب المتفوقين.
وتُعدّ مراعاة الفروق الفردية من المحاور المرتبطة بالعملية التعليمية، إذ ترتبط بالحد من الفجوة بين مستويات الطلاب، وتعزيز مشاركتهم داخل الصف، بما ينعكس على استمرارية تعلمهم وتحسين مخرجات التعليم ضمن الإمكانات المتاحة.
٢٩ أبريل ٢٠٢٦
غالباً ما تنشأ بين الطلاب مشاعر غيرة داخل الصف، سواء في التفوق الدراسي أو لفت الانتباه أو حتى في العلاقات مع الأصدقاء، حيث يجد بعضهم نفسه يقارن بما لدى غيره، ما يدفعه أحياناً إلى بذل جهد أكبر وتحسين أدائه لإثبات نفسه والوصول إلى مستوى أفضل.
لكن هذه المشاعر لا تبقى دائماً في هذا الإطار، فقد تتحول في بعض الحالات إلى توتر أو حساسية في التعامل، وتظهر على شكل خلافات أو سلوكيات غير مريحة بين الطلاب، وهنا يبرز دور المعلم في ملاحظة هذه الحالات والتعامل معها بطريقة تساعد على ضبطها وتوجيهها، بما يخفف من آثارها السلبية ويعزز جانبها الإيجابي.
تنشأ الغيرة بين الطلاب لأسباب متعددة، من أبرزها سعي بعضهم للتميّز ونيل التقدير داخل الصف، خاصة عندما يلاحظ الطالب اهتماماً أكبر بغيره، ما قد يولّد لديه شعوراً بعدم الرضا، كما يلعب ضعف الثقة بالنفس دوراً في ذلك، إلى جانب طبيعة البيئة المحيطة التي قد تعزّز روح المنافسة بشكل ملحوظ، فضلاً عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهر أحياناً صوراً مثالية تدفع إلى الشعور بالفارق.
وفي جانب آخر، قد ترتبط الغيرة بعوامل واقعية داخل الصف، مثل التفاوت في الوضع المعيشي بين الطلاب، وما قد يرافقه من مظاهر يلاحظها الآخرون، كما أن أسلوب التعامل داخل الصف قد يسهم في ذلك، خاصة إذا شعر بعض الطلاب بوجود تمييز، إلى جانب تفوق بعضهم دراسياً، ما قد يثير لدى الآخرين شعوراً بالغيرة، خصوصاً في حال عدم وجود توازن في التعامل مع هذه الفروقات.
أحياناً تكون الغيرة دافعاً إيجابياً لدى بعض الطلاب، إذ تدفعهم إلى تحسين سلوكهم وأدائهم عندما يلاحظون تميّز أحد زملائهم، فمثلاً، قد يشعر الطالب بالغيرة من زميل ملتزم بدروسه، يحترم المعلم، ويتعامل بلطف مع الآخرين، فيحاول تقليده والقيام بتصرفات مشابهة ليصل إلى المستوى نفسه، وفي هذه الحالة، لا تتحول الغيرة إلى مشكلة، بل تكون عاملاً يساعد الطالب على التقدّم وتطوير نفسه بشكل طبيعي.
في المقابل، قد تتحول الغيرة إلى آثار سلبية إذا لم يتم ضبطها، فتظهر على شكل توتر في العلاقات بين الطلاب، أو خلافات ومشاحنات، وقد تصل إلى سلوكيات مثل التقليل من الآخرين أو عدم تقبّل نجاحهم. كما قد تؤثر على نفسية الطالب، فتزيد من شعوره بعدم الرضا أو الإحباط، وربما تدفعه إلى الانسحاب أو فقدان الدافعية تجاه الدراسة، ما ينعكس على أدائه وتفاعله داخل الصف.
قالت المعلمة منى عبد الحكيم، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الغيرة بين الطلاب قد تكون أمراً إيجابياً عندما تُوجَّه بشكل صحيح، سواء داخل الصف تحت إشراف المعلم، أو في المنزل من قبل الأهل، لكنها قد تتحول إلى سلوك سلبي عندما تختلط بمشاعر الحسد أو الضيق من الآخرين.
وأضافت أن الغيرة الإيجابية تسهم في خلق بيئة صفية نشطة قائمة على التعاون والاحترام، بما يدفع الطلاب إلى تقديم الأفضل بشكل مستمر، في حين أن الغيرة السلبية قد تنعكس على الطالب بشكل عكسي، سواء على مستواه الدراسي أو سلوكه العام.
وأكدت أن دور المعلم أساسي في توجيه هذه المشاعر، إذ يستطيع المعلم الواعي تحويل الغيرة السلبية إلى دافع إيجابي، من خلال تعزيز القيم الإيجابية، وتقريب وجهات النظر بين الطلاب، وبناء علاقات قائمة على الاحترام داخل الصف.
وأشارت في حديثها لـ "شام" إلى أن الحد من الغيرة السلبية يبدأ بفهم أسبابها، والعمل على معالجتها قدر الإمكان، إضافة إلى دور المعلم في ترسيخ القيم الأخلاقية، من خلال كونه قدوة في سلوكه وتعامله اليومي مع طلابه.
يرى تربويون أن دور المعلّم في التعامل مع الغيرة لا يقتصر على تهدئة الخلافات، بل يبدأ من طريقة إدارة الصف منذ الأساس، من خلال تجنّب المقارنات المباشرة بين الطلاب، والتركيز على تقدير الجهد الفردي لكل طالب بدلاً من إبراز الفروق بينهم بشكل مستمر، ويشيرون إلى أن تنويع أساليب التقييم، وعدم حصر التميّز في الجانب الدراسي فقط، يساعد على تقليل شعور بعض الطلاب بأن قيمتهم مرتبطة بنتائج محددة.
ويؤكد مختصون في التربية أن إشراك الطلاب في أنشطة جماعية قائمة على التعاون، وليس التنافس فقط، يساهم في تحويل العلاقة بينهم من منافسة حادة إلى عمل مشترك، ما يخفف من حدة الغيرة، كما أن إتاحة مساحة للطلاب للتعبير عن مشاعرهم بشكل آمن، وملاحظة التغيرات السلوكية لديهم مبكراً، يساعد المعلّم على التدخل بطريقة هادئة قبل أن تتطور هذه المشاعر إلى سلوكيات سلبية داخل الصف.
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
لا يقتصر التستّر على المجرمين على كونه سلوكاً يعيق الوصول إلى العدالة أو خطأً أخلاقياً يتنافى مع القيم الإنسانية، بل يُعدّ في القانون السوري جريمة يُعاقب عليها، لما يمثّله من عرقلة لمسار العدالة، لا سيما في سياق العدالة الانتقالية، وفي هذا السياق، يحدد القانون السوري الأفعال التي تُعدّ تستّراً على الجناة والعقوبات المترتبة عليها.
وفي سياق تطبيق هذه الأحكام، أوقفت قوى الأمن الداخلي في ريف حماة والد المجرم أمجد يوسف، مرتكب مجزرة التضامن، إلى جانب عدد من أقاربه، للاشتباه بتورطهم في التستر عليه وإخفاء مكان وجوده خلال الفترة الماضية.
الإطار القانوني لعقوبة التستّر على الجناة في القانون السوري
في هذا السياق، قال المحامي والحقوقي عبد الناصر حوشان، النائب في مجلس الشعب، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري يحدد عقوبة من يقوم بإخفاء الجناة أو تقديم المأوى والمأكل والمشرب لهم، وذلك وفق المادة (218) التي تنص على أنه يُعدّ متدخلاً في جناية أو جنحة: من أعطى إرشادات لاقترافها وإن لم تُساعد هذه الإرشادات على الفعل، أو من شدّ عزيمة الفاعل بأي وسيلة من الوسائل.
أيضاً "أو من قبل، ابتغاءً لمصلحة مادية أو معنوية، عرض الفاعل أن يرتكب الجريمة، أو من ساعد الفاعل أو عاونه على الأفعال التي هيأت الجريمة أو سهّلتها أو أتمّت ارتكابها، كما يُعدّ متدخلاً أيضاً من كان متفقاً مع الفاعل أو أحد المتدخلين قبل ارتكاب الجريمة، وساهم في إخفاء معالمها أو تخبئة أو تصريف الأشياء الناجمة عنها، أو إخفاء شخص أو أكثر من الذين اشتركوا فيها عن وجه العدالة.
وكذلك من كان عالماً بسيرة الأشرار الذين دأبهم قطع الطرق أو ارتكاب أعمال العنف ضد أمن الدولة أو السلامة العامة أو ضد الأشخاص أو الممتلكات، وقدم لهم طعاماً أو مأوى أو مختبأ أو مكاناً للاجتماع.
ونوّه حوشان إلى أن المادة (219) تنص على أن المتدخل الذي لولا مساعدته لما ارتُكبت الجريمة يُعاقب كما لو كان هو نفسه الفاعل، أمّا سائر المتدخلين، فيُعاقبون بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة من اثنتي عشرة سنة إلى عشرين سنة، إذا كان الفاعل يُعاقب بالإعدام.
وأضاف أنه إذا كان عقاب الفاعل الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد، يُحكم على المتدخلين بالعقوبة نفسها على ألا تقل عن عشر سنوات، وفي الحالات الأخرى تُخفّض عقوبة الفاعل بحقهم حتى النصف، كما يمكن إنزال التدابير الاحترازية بهم كما لو كانوا هم أنفسهم فاعلي الجريمة.
وأوضح لـ "شام" أن المادة (220) تنص على ما يلي: من أقدم فيما خلا الحالة المنصوص عليها في الفقرة الخامسة من المادة 218 وهو عالم بالأمر على إخفاء أو بيع أو شراء أو تصريف الأشياء الداخلة في ملكية الغير والتي نزعت أو اختلست أو حصل عليها بجناية أو جنحة عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من مائة ليرة إلى مائتي ليرة.
وعلى أنه إذا كانت الأشياء المبحوث عنها في الفقرة الأولى ناجمة عن جنحة فلا يمكن أن تجاوز العقوبة ثلثي الحد الأعلى لعقوبة الجنحة المذكورة.
وذكر أن المادة (221) تنص على ما يلي: من أقدم فيما خلا الحالات المنصوص عليها في الفقرتين الـ 5 و6 من المادة الـ 218 على إخفاء شخص يعرف أنه اقترف جناية أو ساعده على التواري عن وجه العدالة، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، ويُعفى من العقوبة أصول الجناة المخبأين أو فروعهم أو أزواجهم أو زوجاتهم حتى الطالقات أو أشقاؤهم أو شقيقاتهم أو أصهارهم من الدرجات نفسها.
وتأتي هذه التطورات في ظل متابعة مستمرة لملف الملاحقات، بما يشمل المتورطين بشكل مباشر أو غير مباشر في إخفاء الجناة أو مساعدتهم على الإفلات، في إطار إجراءات تمتد لتشمل مختلف حلقات الارتباط بالقضية، وليس فقط مرتكبيها الأساسيين.
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
تجرّع آلاف الأطفال خلال سنوات الثورة السورية مرارة اليُتم، نتيجة فقدان أحد الوالدين أو كليهما، في ظل ما شهدته البلاد من أحداث قاسية، كالقصف والاعتقال وغيرها، ما ترك آثاراً عميقة في حياتهم، ويجد هؤلاء الأطفال أنفسهم في مواجهة تحديات متزايدة في تفاصيل حياتهم اليومية، تمتد من الجوانب النفسية إلى الاجتماعية، في ظل غياب أحد أهم مصادر الدعم داخل الأسرة.
قالت سلام العبد الله (اسم مستعار)، 36 عاماً، أم لخمسة أبناء، وتقيم في ريف إدلب الجنوبي، في حديث لـشبكة شام الإخبارية، إنها وأطفالها واجهوا صعوبات عدة بعد وفاة والدهم قبل عامين ونصف، مشيرةً إلى أنهم يفتقدونه في تفاصيل حياتهم اليومية، سواء في المناسبات السعيدة أو اللحظات القاسية التي تتطلب وجوده إلى جانبهم.
وأضافت أن ابنتها الكبرى، التي تدرس حالياً في الصف التاسع، تبدو عليها علامات الحزن بشكل مستمر، وتعبّر عن شعورها بأن وجود والدها كان سيجعل وضعها النفسي ودراستها أفضل، مؤكدةً أن فقدان الأب يترك أثراً كبيراً، إذ يشعر الطفل بفراغ واضح في غيابه.
بين غياب السند وتعدد الأدوار… ضغوط متزايدة على الأم
وقال براء الجمعة، مؤسس منصة "إصغاء" والمشرف والاختصاصي في الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أبرز التحديات التي تواجه الأم اليوم تتمثل في تحمّلها معظم أعباء الأسرة بمفردها، إلى جانب مطالبتها بأداء أدوار متباينة، تجمع بين الرعاية والاحتواء من جهة، والحزم وضبط شؤون المنزل من جهة أخرى.
وأضاف أن غياب الأب، في ظل الظروف التي شهدتها البلاد، لا يقتصر على غياب شخص، بل يعني فقدان السند الذي كانت تعتمد عليه الأم، ما يضعها أمام خيارات صعبة بين العمل لتأمين احتياجات الأسرة والبقاء إلى جانب الأبناء لرعايتهم، لافتاً إلى أن هذا الواقع يفرض عليها ضغطاً مستمراً، ويعزز شعورها بالتقصير مهما بذلت من جهد.
غياب الأب وتأثيره على الأمان النفسي والتحصيل الدراسي للطفل
وأشار إلى أن فقدان الأب ينعكس على شعور الطفل بالأمان، إذ يفقد مصدر الحماية الذي كان يعتمد عليه، ما يجعله أكثر عرضة لمشاعر القلق وعدم الاستقرار، لافتًا إلى أن هذا الغياب يعزز لديه شعورًا بالنقص، خاصة عند مقارنته نفسه بأقرانه الذين يعيشون مع آبائهم، وقد ينعكس ذلك على حالته النفسية على شكل خوف من المستقبل أو حزن داخلي مستمر.
وأكد أن العملية التعليمية لا تقتصر على الكتب والأدوات الدراسية، بل ترتبط بدافع داخلي يدفع الطفل للإنجاز والشعور بالفخر أمام من يحبهم، لافتاً إلى أن غياب الأب قد يضعف هذا الدافع، ما ينعكس على تراجع المستوى الدراسي، ليس بسبب ضعف القدرات، بل نتيجة فقدان الحافز المرتبط بالتقدير والدعم.
وأضاف الجمعة أن هذا الغياب قد يظهر أيضاً في سلوكيات الطفل، حيث قد يميل إلى العصبية أو الانعزال، في تعبير غير مباشر عن مشاعر الألم والحاجة إلى الاهتمام.
ونوّه إلى وجود مؤشرات تستدعي انتباه الأم لدى الطفل اليتيم، مثل الميل إلى الصمت بشكل مفاجئ، أو ظهور مخاوف جديدة لم تكن موجودة سابقاً، كالخوف من الظلام أو البقاء وحيداً، إضافة إلى شكاوى متكررة من آلام في البطن أو الرأس دون سبب طبي واضح، مشيراً إلى أن هذه السلوكيات قد تعبّر عن ضغوط نفسية غير مُعلنة.
وأوضح أن تغيّر سلوك الطفل، كازدياد العصبية أو العناد بشكل غير معتاد، لا يُعد سلوكاً عابراً، بل قد يكون تعبيراً عن فقدان الشعور بالأمان، ما يتطلب الانتباه والتعامل معه بوعي.
وذكر المختص براء أن الأم تواجه صعوبات متزايدة في متابعة تعليم أبنائها في ظل غياب الأب، ما يجعل هذه المسؤولية أكثر ثقلاً، خاصة إذا كانت تعمل خارج المنزل، لافتاً إلى أن القلق على مستقبل الأبناء قد يتحول إلى ضغط وتوتر ينعكس على الأجواء داخل المنزل، فتتحول أوقات الدراسة من مساحة للتعلم إلى حالة من التوتر.
وأكد أن دعم الأم لطفلها يبدأ بالحفاظ على توازنها النفسي، دون أن تضغط على نفسها لتكون مثالية، لافتًا إلى أن حاجة الطفل ترتبط بوجود أم مستقرة أكثر من سعيها للكمال، كما أشار إلى أهمية الحديث عن الأب بصورة طبيعية وإيجابية، من خلال استحضار مواقفه الجيدة، بما يعزز شعور الطفل بالارتباط والفخر رغم الغياب.
وبين أن الاحتواء العاطفي، من خلال القرب والإصغاء، يلعب دوراً أساسياً في تخفيف التوتر لدى الطفل، ويتفوق في أثره على أي أساليب توجيه مباشرة.
وأوضح أن دور المعلم والمجتمع يتمثل في التعامل مع الطفل بعيدًا عن نظرة الشفقة، والنظر إليه كطفل يواجه ظروفًا صعبة، بما يتطلب دعمه واحتواءه، منوهاً إلى أن أهمية دور المدرسة في تشجيعه ومنحه مساحة للتعبير عن نفسه، وأضاف أن تعزيز روح التكافل داخل المجتمع يسهم في توفير بيئة داعمة، تقوم على المساندة الحقيقية دون أن تتحول إلى تدخل أو إظهار للشفقة.
وشدد على أن دور المؤسسات والمنظمات لا يقتصر على تقديم المساعدات المادية، بل يشمل الحفاظ على كرامة الأسر المتضررة، مشيراً إلى أهمية توفير دعم نفسي فعلي للأمهات، إلى جانب تأمين فرص عمل تضمن لهن الاستقرار المعيشي، وتهيئة بيئة تعليمية تراعي الحالة النفسية للأطفال الذين فقدوا آباءهم، بما يحدّ من الآثار السلبية لهذه الظروف على مستقبلهم.
ووجّه الجمعة رسالة في حديث لـ "شام" إلى الأمهات اللواتي يتحملن مسؤولية تربية أبنائهن في ظل غياب الأب، مؤكدًا أن هذا الدور يتطلب جهداً كبيراً، حتى في ظل الشعور بالتعب أو التقصير أحياناً، لافتاً إلى أهمية التركيز على بناء علاقة قائمة على الوعي والاحتواء، بدل السعي لتعويض دور الأب بشكل كامل.
كما أشار إلى ضرورة الصدق مع الطفل والصبر على تقلباته، إلى جانب الاستعانة بنماذج قريبة من العائلة، كالأقارب، لتعزيز شعوره بالدعم، مؤكداً أن هذه العوامل تسهم في مساعدة الطفل على تجاوز هذه المرحلة.
بين تحمّل المسؤولية والحاجة للاحتواء
يرى مختصون في علم الاجتماع أن الطفل الذي يفقد أحد والديه لا يواجه فقط تحديات نفسية، بل يعيش أيضاً تحوّلات في موقعه داخل الأسرة، إذ قد يُدفع بشكل غير مباشر لتحمّل أدوار أكبر من عمره، مثل مساعدة الأم أو رعاية الإخوة الأصغر، ما قد يسرّع نضجه من جهة، لكنه في المقابل يحرمه من عيش مراحل طفولته بشكل متوازن.
ويشير تربويون إلى أن استقرار البيئة المحيطة بالطفل يلعب دوراً مهماً في التخفيف من آثار الفقد، إذ إن وجود روتين يومي واضح، واستمرار الطفل في مدرسته، والحفاظ على علاقاته الاجتماعية، كلها عوامل تساعده على التكيّف بشكل تدريجي، وتحدّ من شعوره بالاضطراب.
و يلفت مختصون إلى أن بعض الأطفال قد لا يُظهرون تأثرهم بشكل مباشر، بل يلجؤون إلى إخفاء مشاعرهم أو التكيّف الظاهري مع الوضع، وهو ما قد يُفهم أحياناً على أنه تجاوز للأزمة، بينما يحتاج في الواقع إلى متابعة واحتواء غير مباشر على المدى الطويل.
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
تُعدّ القدوة أحد العوامل التي تسهم في تشكيل سلوك الأطفال، إذ يميل الطفل إلى تقليد الأشخاص المحيطين به، سواء داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي، إضافة إلى ما يتابعه عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وكذلك النماذج التي يتعرّف إليها من خلال المناهج الدراسية وكتب التاريخ وخطب المساجد.
وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين نوعين من القدوة التي يتأثر بها الطفل، تتمثل في القدوة الإيجابية، وأخرى سلبية، ويختلف تأثير كل منهما تبعاً للسلوكيات التي ينقلها النموذج الذي يقتدي به الطفل.
تُقصد بالقدوة الإيجابية النماذج التي يتأثر بها الطفل، حيث يلاحظ سلوكها ويقوم بتقليده، ما ينعكس على تصرفاته اليومية، ويظهر ذلك في سلوكيات مثل الالتزام والانضباط واحترام الآخرين، ويحدث هذا التأثر بشكل تدريجي من خلال التكرار والملاحظة المستمرة لما يراه أو يسمعه.
في المقابل، تشير القدوة السلبية إلى النماذج التي يكتسب الطفل من خلالها سلوكيات غير مرغوبة نتيجة ملاحظتها وتقليدها، ويظهر ذلك في تبنّي تصرفات مثل العدوانية أو عدم الالتزام أو استخدام أساليب غير مناسبة في التعامل مع الآخرين، تبعاً لما يراه الطفل أو يسمعه في حياته اليومية، وقد يتم تقليد هذه السلوكيات دون إدراك كامل لنتائجها، خاصة مع تكرار مشاهدتها أو سماعها.
يقع على عاتق الأسرة دور رئيسي في توجيه سلوك الطفل، من خلال ما يراه يومياً من تصرفات داخل المنزل، إذ يعتمد الطفل على الملاحظة والتقليد، ما يجعل طريقة التعامل بين أفراد الأسرة وأساليبهم في التصرف من العوامل التي تنعكس على سلوكه. كما يسهم أسلوب المتابعة والتوجيه في ترسيخ بعض السلوكيات أو الحدّ من أخرى، بحسب طبيعة البيئة الأسرية.
كما تؤدي المدرسة دوراً في التأثير على سلوك الطفل، من خلال البيئة التعليمية التي يقضي فيها جزءاً كبيراً من يومه، إذ تسهم طريقة تعامل المعلمين، وطبيعة الانضباط داخل الصف، وأساليب التعليم المتبعة، في نقل أنماط سلوكية يلاحظها الطفل ويقوم بتقليدها، كما يتيح الاحتكاك مع الزملاء نماذج إضافية يتأثر بها، ما يجعل المدرسة مساحة تؤثر في سلوك الطفل إلى جانب الأسرة.
كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في حياة الأطفال، في ظل الوقت الذي يقضونه في متابعتها، وتُعد هذه الوسائل سلاحاً ذا حدّين، إذ تتيح الاطلاع على محتوى تعليمي ونماذج إيجابية، في مقابل انتشار محتويات أخرى تروّج لأنماط حياة تقوم على تبسيط الحياة بشكل مفرط، وربط النجاح بالمظاهر والمال، إلى جانب تقديم محتوى غير هادف يقوم أحياناً على أساليب تواصل وسلوكيات قد لا تكون مناسبة، ما يضع الطفل أمام نماذج متعددة يتأثر بها بدرجات متفاوتة.
قالت نجاح بالوش، مرشدة نفسية حاصلة على إجازة في علم النفس اختصاص إرشاد نفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأهل يشكّلون قدوة في حياة أطفالهم من خلال سلوكهم اليومي، إذ يميل الأطفال إلى ملاحظة تصرفات والديهم وتقليدها أكثر من الاكتفاء بالاستماع إلى التوجيهات.
وأضافت أن الأبناء، عندما يلاحظون سلوكيات مثل الصدق والاحترام والتسامح لدى الأهل، يكتسبون هذه القيم تدريجياً، فعلى سبيل المثال، إذا رأى الطفل أحد والديه يعترف بخطئه ويعتذر، يتعلم تحمّل المسؤولية، كما أن طريقة التعامل باحترام مع الآخرين تنعكس على سلوك الطفل في مواقف مشابهة.
وأكدت أن طريقة تعامل الأهل مع الآخرين تنعكس على سلوك الطفل، إذ يتعلّم من خلالها مفاهيم مثل الاحترام والتعاون والتعامل مع الخلافات، كما أشارت إلى أن التزام الأهل بمسؤولياتهم وأداء واجباتهم يرسّخ لدى الطفل سلوكيات مرتبطة بالانضباط، موضحة أن الأطفال يعتمدون بشكل أساسي على الملاحظة والتقليد في اكتساب السلوك، أكثر من الاعتماد على التوجيه المباشر.
ويرى مختصون في مجال التربية أن الطفل لا يكتسب سلوكه من مصدر واحد، بل يتأثر بعدة عوامل متداخلة، تشمل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، إضافة إلى المحتوى الذي يتعرض له يومياً، ويشيرون إلى أن تعدد هذه المصادر قد يضع الطفل أمام نماذج متباينة، ما يتطلب قدراً من المتابعة والتوجيه لمساعدته على التمييز بينها.
ويضيف مختصون أن المراحل العمرية المبكرة تُعد الأكثر تأثراً بالقدوة، نظراً لاعتماد الطفل في هذه المرحلة على الملاحظة والتقليد، ما يجعل نوعية النماذج التي يتعرض لها عاملاً مؤثراً في تشكيل سلوكه على المدى الطويل.
في ظل تعدد مصادر القدوة التي يتعرض لها الطفل، تبقى القدوة أحد العوامل الأساسية في حياته، إذ ينعكس تأثيرها على سلوكه بشكل تدريجي، سواء من خلال ما يلاحظه في محيطه القريب أو ما يتابعه عبر الوسائل المختلفة، وهو ما يسهم في ترسيخ أنماط سلوكية تتشكل مع مرور الوقت.
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
شهد يوم الأحد الفائت، 26 نيسان/أبريل الجاري، انطلاق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب، المتهم بالتورط في انتهاكات بحق أطفال درعا وجرائم ضد أبناء الشعب السوري، في خطوة لبدء مسار المحاسبة.
وتخلل يوم المحاكمة مشاهد لافتة، كان من أبرزها حضور عدد من أهالي الضحايا وذوي المعتقلين إلى قاعة المحكمة، حيث بدت مشاعر الحزن واضحة على وجوه أمهات فقدن أبناءهن، في وقت صدحت فيه هتافات أعادت إلى الذاكرة بدايات انطلاق الثورة السورية، في مشهد جمع بين الألم والمطالبة بالعدالة.
ولاقت المشاهد المتداولة من جلسة المحاكمة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصفها معلقون بأنها خطوة أولى في طريق استرداد الحقوق وتحقيق العدالة، بينما عبّر آخرون عن تعاطفهم مع الأمهات، مؤكدين أن حجم الفقد الذي عانته الأمهات خلال سنوات الثورة كان كبيراً وعميق الأثر.
وبالتوازي مع ذلك، أثار خبر اعتقال أمجد يوسف مؤخراً، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن، موجة تفاعل واسعة بين السوريين، رافقها شعور مختلط بين الارتياح والتأثر، خاصة لدى أهالي المنطقة وذوي الضحايا.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة لذوي الضحايا أدلوا بشهاداتهم، بدت فيها مشاعرهم واضحة بين الفرح والدموع ونبرة الصوت المرتجف، وهم يتحدثون عن وقع الخبر عليهم، مؤكدين ضرورة محاسبته ومحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب السوري خلال سنوات الثورة.
خطوات أولى نحو مسار العدالة الانتقالية في سوريا
قال الصحفي والباحث ماجد عبد النور، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العدالة الانتقالية لا تُعد مطلباً فحسب، بل تمثل ضرورة ملحّة في سياق ما بعد النزاعات، بما في ذلك الحروب الأهلية أو الثورات المسلحة، نظراً لدورها في ترسيخ السلم الأهلي.
وأضاف أن غياب عدالة انتقالية حقيقية، تقوم على محاسبة المسؤولين عن الجرائم، قد يفتح الباب أمام أشكال من الانتقام الفردي أو الجماعي البعيد عن سلطة القانون، ما يهدد الاستقرار ويعرقل ترسيخ السلم الأهلي، وقد يؤدي إلى أشبه لامتداد لحرب أهلية، الأمر الذي يجعل من العدالة الانتقالية ضرورة في مراحل ما بعد النزاعات.
وأشار إلى أن الخطوات التي جرى اتخاذها تُعد إيجابية، ولا سيما بدء أولى محاكمات المتهمين بارتكاب جرائم حرب في درعا، لافتاً إلى أن اختيار هذه المدينة يحمل دلالة رمزية، باعتبارها نقطة انطلاق الأحداث، ما يعكس توجّهاً لاعتبار هذه المحاكمات بداية لمسار العدالة الانتقالية.
وبيّن أن تصريحات وزير العدل بشأن انتظار إقرار قوانين العدالة الانتقالية من قبل مجلس الشعب تُعد مؤشرًا على وجود مسار عمل في هذا الاتجاه، مشيراً إلى أن إلقاء القبض على أمجد يوسف يأتي ضمن سياق يتجه بشكل طبيعي نحو تطبيق العدالة.
أثر المحاكمات في إنصاف الضحايا وترسيخ الاستقرار
وأكد عبد النور أن تأثير هذه المحاكمات على أهالي الضحايا سيكون كبيراً، إذ يسعون إلى تحقيق الإنصاف واستعادة حقوقهم، وعدم رؤية المسؤولين عن قتل أبنائهم وأفراد عائلاتهم يعيشون حياة طبيعية دون محاسبة.
ونوّه لـ "شام" إلى أن محاسبة مرتكبي الانتهاكات تسهم في تخفيف حالة الاحتقان لدى أهالي الضحايا، وتعزز شعورهم بالطمأنينة واستعادة جزء من حقوقهم، من خلال تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاستقرار، ويدعم ترسيخ السلم الأهلي، ويعزز الشعور بالأمان داخل المجتمع.
وفيما يتعلق بدور هذه القضايا في ردع تكرار الانتهاكات، أكد عبد النور أن المحاسبة الفعلية تمثل عاملاً أساسياً في منع تكرار الجرائم، مشيراً إلى المقولة الشهيرة: "المجزرة التي تُنسى تُعاد"، لافتاً إلى أن تحقيق العدالة وفرض عقوبات حقيقية يسهمان في ترسيخ الذاكرة المجتمعية، بما يعزز من فرص الردع مستقبلاً، ويؤكد أن مسار العدالة، مهما طال، يبقى قائماً.
تحديات معقّدة تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا
وذكر الصحفي عبد النور أن هناك تحديات تواجه ملف العدالة الانتقالية، أبرزها حجم الجرائم التي ارتُكبت خلال 14 عاماً، والتي قد تمتد، عند العودة إلى فترات سابقة، إلى نحو 50 عاماً، ما يجعل حجمها مهولاً وعدد المتورطين فيها كبيراً، ناهيك عن أن التداخلات الاجتماعية والطائفية والعرقية تُعد عاملاً مؤثراً في هذا الملف.
وأشار إلى وجود عقبات أخرى تتعلق بالكشف عن مصير المفقودين وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات، سواء من نفّذها أو من أصدر الأوامر، إضافة إلى مسألة نطاق المحاسبة، وما إذا كانت ستشمل جميع المتورطين، الذين تُقدّر أعدادهم بمئات الآلاف، أم ستقتصر على المسؤولين الرئيسيين ومن أعطوا الأوامر.
ونوّه عبد النور في ختام حديثه إلى وجود عوائق اقتصادية في هذا الملف، إذ تتطلب العدالة الانتقالية إجراءات لجبر الضرر، في وقت تعاني فيه البلاد من أوضاع اقتصادية صعبة، ما يطرح تحديات تتعلق بإمكانية تعويض أهالي الضحايا، وأضاف أن هذه العقبات تتعدد، إلا أن أبرزها يتمثل في حجم الجرائم المهول، إلى جانب مسألة الكشف عن مصير المفقودين.
وشكّلت السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد البائد نموذجاً صارخاً لهيمنة العقل الأمني على مفاصل الدولة، حيث كانت الأجهزة الأمنية تتحكم بالحياة السياسية والاجتماعية، وتُدار البلاد عبر منظومة تقوم على القمع وتكميم الأصوات، دون أي مساءلة قانونية حقيقية، وكان رموز تلك المرحلة، ومنهم عاطف نجيب، يتمتعون بنفوذ واسع وحصانة شبه مطلقة.
٢٦ أبريل ٢٠٢٦
يواجه الأطفال العائدون بعد النزوح تحديات نفسية واجتماعية، من أبرزها فقدان الأصدقاء الذين شكّلوا جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية خلال السنوات الماضية، فهذا الفقد لا يمرّ دون أثر، إذ ينعكس على سلوك الطفل ومشاعره، وقد يؤثر على قدرته على الاندماج وبناء علاقات جديدة.
وفي ظل الانتقال إلى بيئة مختلفة، يجد كثير من الأطفال صعوبة في التأقلم، خاصة مع غياب العلاقات التي اعتادوا عليها، ما يضع الأسرة والمدرسة أمام مسؤولية دعمهم ومساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة بشكل تدريجي وآمن.
وفي هذا السياق، قالت باسمة العبد الله (اسم مستعار) لسيدة كانت نازحة في أحد مخيمات كفرلوسين بريف إدلب الشمالي، في حديث لـشبكة "شام" الإخبارية، إن أطفالها الثلاثة واجهوا صعوبة كبيرة عند عودتهم إلى دمشق بعد انتهاء فترة النزوح، إذ بكوا كثيراً لحظة وداع أصدقائهم في المخيم، وشعروا بحزن عميق لفراقهم، بعد أن أمضوا معاً أوقاتاً طويلة في اللعب والدراسة وتشاركوا العديد من الذكريات.
وأضافت أن أطفالها ما يزالون على تواصل مع أصدقائهم عبر تطبيق “واتساب”، ويعبّرون باستمرار عن اشتياقهم لهم، مشيرة إلى أنها تحرص على زيارتهم كلما أتيحت لها الفرصة، في محاولة للحفاظ على هذه العلاقات وتخفيف شعور الفقد لديهم.
دور المعلم في تعويض غياب الأصدقاء وتعزيز الاندماج
قالت ملك حاتم، معلمة لغة إنجليزية في المرحلة الإعدادية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن دور المعلم لا يقتصر على التعليم الأكاديمي فحسب، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب وتعزيز علاقاته داخل البيئة المدرسية، لا سيما علاقاته مع أقرانه.
وأوضحت أن الصداقة تُعد عنصراً أساسياً في حياة الطفل، لما لها من تأثير مباشر على سلوكه وثقته بنفسه، إذ يتأثر الطفل بصديقه بشكل كبير، ويتعلم منه ويقتدي به، ما يجعل وجود صديق داعم عاملاً مهماً في تعزيز استقراره النفسي ورغبته في التعلّم.
وأشارت إلى أن غياب الأصدقاء أو فقدانهم قد ينعكس سلباً على الطفل، حيث يظهر ذلك من خلال تراجع ثقته بنفسه، وزيادة شعوره بالخوف أو التردد، إلى جانب انخفاض رغبته في الذهاب إلى المدرسة، خاصة في حال عدم وجود من يشاركه يومه الدراسي.
وبيّنت أن ابتعاد الطفل عن أصدقائه قد يؤدي إلى تراجع في تحصيله الدراسي، وظهور سلوكيات مثل العزلة أو التشتت الذهني، وقد يتطور الأمر لدى بعض الأطفال إلى العدوانية أو فقدان الاهتمام بالدراسة، نتيجة شعورهم بالوحدة وصعوبة التأقلم مع الواقع الجديد.
وأكدت حاتم أن هذه المرحلة تتطلب اهتماماً خاصاً من المعلمين، من خلال عدم ترك الطفل يواجه هذه المشاعر بمفرده، والعمل على دعمه نفسياً واجتماعياً.
وأضافت أنها تحرص على تعزيز العمل التعاوني والأنشطة الجماعية داخل الصف بشكل مستمر، لما لها من دور في تقوية العلاقات بين الطلاب، مشيرة إلى أهمية استقبال الطلاب الجدد بطريقة داعمة، عبر تشجيع زملائهم على الترحيب بهم ومساعدتهم على التعارف وإيجاد نقاط مشتركة، ما يسهم في اندماجهم تدريجياً داخل البيئة الصفية.
فقدان الأصدقاء وتأثيره على نفسية الطفل
قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة نفسجي، في حديث لـ شام، إن فقدان الأصدقاء يُعد من أكثر التجارب تأثيراً على الطفل، كونه يرتبط بحاجة أساسية لديه للشعور بالانتماء والقبول، إذ يشكّل الأصدقاء جزءاً من أمانه اليومي، وقد ينعكس هذا الفقد على شكل حزن أو ميل إلى الانسحاب، إلى جانب حذر في بناء علاقات جديدة.
وأوضحت أن هذه الصعوبة تتضاعف لدى الأطفال العائدين بعد النزوح، حيث يواجه بعضهم تحديات في الاندماج الاجتماعي نتيجة اختلاف البيئات التي نشأوا فيها، وهو ما يظهر في طريقة تفاعلهم مع محيطهم واهتماماتهم اليومية.
وبينت أن العقبات تزداد في المناطق المتضررة، خاصة مع غياب المساحات الآمنة المخصصة للأطفال، كالساحات والحدائق، إضافة إلى ضعف البنية الترفيهية، ما يقلّص فرص التفاعل واللعب الجماعي ويؤثر على بناء العلاقات.
وأكدت قرنفل أن هذه الظروف قد تنعكس على سلوك الطفل ومزاجه، فتظهر لديه مؤشرات مثل الانسحاب الاجتماعي أو صعوبة التكيف، وهو ما يرتبط بتجارب سابقة واختلافات في نمط الحياة.
وعلى المستوى الدراسي، قد يواجه الطفل صعوبات في التأقلم مع أساليب تعليم مختلفة، إلى جانب تحديات لغوية لدى بعض الأطفال، ما يزيد من الضغط داخل الصف ويؤثر على تفاعلهم وفهمهم.
وأشارت إلى أهمية دور البيئة المدرسية في احتواء هذه الفروقات، من خلال توفير قدر من المرونة والتفهم، إلى جانب دور المعلمات في تقديم الدعم المناسب الذي يساعد الطفل على الاندماج بشكل تدريجي وآمن.
وبيّنت أن هذه التأثيرات تستدعي تدخلاً مختصتاً في حال استمرارها أو تفاقمها، كظهور سلوكيات مثل الانسحاب الحاد، أو العدوانية، أو اضطرابات النوم والشهية، أو تراجع التحصيل الدراسي، حيث يكون الدعم النفسي ضرورياً لمساعدة الطفل على استعادة توازنه.
وشددت على أن ما يحتاجه الطفل في هذه المرحلة هو الوقت والشعور بالأمان العاطفي، مؤكدة أن تجاوز هذه التجربة يتم بشكل تدريجي، ما يستدعي من الأهل التحلي بالصبر والتفهم.
كما دعت إلى إتاحة مساحة للطفل للتعبير عن مشاعره بحرية دون ضغط، والحفاظ على روتين يومي مستقر، إلى جانب تشجيعه على التفاعل الاجتماعي بشكل تدريجي، مع إمكانية إبقاء التواصل مع أصدقائه السابقين لما لذلك من أثر في تخفيف شعور الفقد.
وأكدت أهمية تركيز الأهل على الجوانب الإيجابية في المرحلة الجديدة، مثل استقرار العائلة وعودة الروابط الاجتماعية، بما يساعد الطفل على التكيف وبناء علاقات جديدة، وشددت على ضرورة عدم التردد في طلب الدعم النفسي عند الحاجة، لما لذلك من دور في مساعدة الطفل على تجاوز الصعوبات بشكل صحي ومتوازن، والحد من تفاقمها على المدى الطويل.
من الأمان العاطفي إلى بناء الصداقات: خطوات التأقلم
ونوهت إلى أن مساعدة الطفل على التأقلم تبدأ بتخفيف شعوره بالضغط ومنحه الوقت الكافي، إذ إن الاندماج لا يحدث بشكل فوري، بل يتطلب مرحلة تدريجية يشعر خلالها بالأمان داخل بيئته الجديدة قبل تشجيعه على التفاعل الاجتماعي.
وبيّنت أنه يمكن دعم الطفل من خلال إشراكه في أنشطة جماعية مناسبة لعمره، داخل المدرسة أو خارجها، لما توفره من فرص طبيعية للتعارف وبناء العلاقات دون فرض مباشر، كما أن تشجيعه على اللعب الحر والتفاعل التدريجي مع الأقران يسهم في كسر حاجز البداية وتعزيز ثقته بنفسه.
وأشارت إلى أن البيئة الأسرية الداعمة تلعب دوراً أساسياً في هذا السياق، فالشعور بالأمان العاطفي داخل المنزل ينعكس على قدرة الطفل على الانفتاح على الآخرين، ويمكن للأهل أيضاً المساهمة في تسهيل هذا الاندماج عبر تنظيم لقاءات بسيطة أو أنشطة مشتركة مع أقرانه، بما يعزز التواصل بشكل مريح وطبيعي، إلى جانب الحفاظ على بعض الروابط السابقة لما تمنحه من شعور بالاستمرارية.
وأكدت أن سرعة التأقلم تختلف من طفل لآخر، تبعاً لعوامل عدة، منها طبيعة الشخصية، والعمر، والخبرات السابقة، ومستوى الدعم الأسري والمدرسي، ما يجعل من غير المناسب مقارنة الأطفال ببعضهم، بل التعامل مع كل حالة بشكل فردي.
وأوضحت في ختام حديثها أن بناء الصداقات لا يُعد هدفاً آنياً، بل هو نتيجة لبيئة آمنة، وتكرار فرص التفاعل، وتوافر الدعم والصبر، حتى يتمكن الطفل من التكيف والشعور بالثقة بشكل تدريجي.