القدوة في حياة الأطفال.. بين النماذج الإيجابية والتأثيرات المتعددة
تُعدّ القدوة أحد العوامل التي تسهم في تشكيل سلوك الأطفال، إذ يميل الطفل إلى تقليد الأشخاص المحيطين به، سواء داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي، إضافة إلى ما يتابعه عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وكذلك النماذج التي يتعرّف إليها من خلال المناهج الدراسية وكتب التاريخ وخطب المساجد.
وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين نوعين من القدوة التي يتأثر بها الطفل، تتمثل في القدوة الإيجابية، وأخرى سلبية، ويختلف تأثير كل منهما تبعاً للسلوكيات التي ينقلها النموذج الذي يقتدي به الطفل.
تُقصد بالقدوة الإيجابية النماذج التي يتأثر بها الطفل، حيث يلاحظ سلوكها ويقوم بتقليده، ما ينعكس على تصرفاته اليومية، ويظهر ذلك في سلوكيات مثل الالتزام والانضباط واحترام الآخرين، ويحدث هذا التأثر بشكل تدريجي من خلال التكرار والملاحظة المستمرة لما يراه أو يسمعه.
في المقابل، تشير القدوة السلبية إلى النماذج التي يكتسب الطفل من خلالها سلوكيات غير مرغوبة نتيجة ملاحظتها وتقليدها، ويظهر ذلك في تبنّي تصرفات مثل العدوانية أو عدم الالتزام أو استخدام أساليب غير مناسبة في التعامل مع الآخرين، تبعاً لما يراه الطفل أو يسمعه في حياته اليومية، وقد يتم تقليد هذه السلوكيات دون إدراك كامل لنتائجها، خاصة مع تكرار مشاهدتها أو سماعها.
يقع على عاتق الأسرة دور رئيسي في توجيه سلوك الطفل، من خلال ما يراه يومياً من تصرفات داخل المنزل، إذ يعتمد الطفل على الملاحظة والتقليد، ما يجعل طريقة التعامل بين أفراد الأسرة وأساليبهم في التصرف من العوامل التي تنعكس على سلوكه. كما يسهم أسلوب المتابعة والتوجيه في ترسيخ بعض السلوكيات أو الحدّ من أخرى، بحسب طبيعة البيئة الأسرية.
كما تؤدي المدرسة دوراً في التأثير على سلوك الطفل، من خلال البيئة التعليمية التي يقضي فيها جزءاً كبيراً من يومه، إذ تسهم طريقة تعامل المعلمين، وطبيعة الانضباط داخل الصف، وأساليب التعليم المتبعة، في نقل أنماط سلوكية يلاحظها الطفل ويقوم بتقليدها، كما يتيح الاحتكاك مع الزملاء نماذج إضافية يتأثر بها، ما يجعل المدرسة مساحة تؤثر في سلوك الطفل إلى جانب الأسرة.
كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في حياة الأطفال، في ظل الوقت الذي يقضونه في متابعتها، وتُعد هذه الوسائل سلاحاً ذا حدّين، إذ تتيح الاطلاع على محتوى تعليمي ونماذج إيجابية، في مقابل انتشار محتويات أخرى تروّج لأنماط حياة تقوم على تبسيط الحياة بشكل مفرط، وربط النجاح بالمظاهر والمال، إلى جانب تقديم محتوى غير هادف يقوم أحياناً على أساليب تواصل وسلوكيات قد لا تكون مناسبة، ما يضع الطفل أمام نماذج متعددة يتأثر بها بدرجات متفاوتة.
قالت نجاح بالوش، مرشدة نفسية حاصلة على إجازة في علم النفس اختصاص إرشاد نفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأهل يشكّلون قدوة في حياة أطفالهم من خلال سلوكهم اليومي، إذ يميل الأطفال إلى ملاحظة تصرفات والديهم وتقليدها أكثر من الاكتفاء بالاستماع إلى التوجيهات.
وأضافت أن الأبناء، عندما يلاحظون سلوكيات مثل الصدق والاحترام والتسامح لدى الأهل، يكتسبون هذه القيم تدريجياً، فعلى سبيل المثال، إذا رأى الطفل أحد والديه يعترف بخطئه ويعتذر، يتعلم تحمّل المسؤولية، كما أن طريقة التعامل باحترام مع الآخرين تنعكس على سلوك الطفل في مواقف مشابهة.
وأكدت أن طريقة تعامل الأهل مع الآخرين تنعكس على سلوك الطفل، إذ يتعلّم من خلالها مفاهيم مثل الاحترام والتعاون والتعامل مع الخلافات، كما أشارت إلى أن التزام الأهل بمسؤولياتهم وأداء واجباتهم يرسّخ لدى الطفل سلوكيات مرتبطة بالانضباط، موضحة أن الأطفال يعتمدون بشكل أساسي على الملاحظة والتقليد في اكتساب السلوك، أكثر من الاعتماد على التوجيه المباشر.
ويرى مختصون في مجال التربية أن الطفل لا يكتسب سلوكه من مصدر واحد، بل يتأثر بعدة عوامل متداخلة، تشمل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، إضافة إلى المحتوى الذي يتعرض له يومياً، ويشيرون إلى أن تعدد هذه المصادر قد يضع الطفل أمام نماذج متباينة، ما يتطلب قدراً من المتابعة والتوجيه لمساعدته على التمييز بينها.
ويضيف مختصون أن المراحل العمرية المبكرة تُعد الأكثر تأثراً بالقدوة، نظراً لاعتماد الطفل في هذه المرحلة على الملاحظة والتقليد، ما يجعل نوعية النماذج التي يتعرض لها عاملاً مؤثراً في تشكيل سلوكه على المدى الطويل.
في ظل تعدد مصادر القدوة التي يتعرض لها الطفل، تبقى القدوة أحد العوامل الأساسية في حياته، إذ ينعكس تأثيرها على سلوكه بشكل تدريجي، سواء من خلال ما يلاحظه في محيطه القريب أو ما يتابعه عبر الوسائل المختلفة، وهو ما يسهم في ترسيخ أنماط سلوكية تتشكل مع مرور الوقت.