محاكمة عاطف نجيب واعتقال أمجد يوسف.. خطوات أولى في مسار العدالة الانتقالية بسوريا
محاكمة عاطف نجيب واعتقال أمجد يوسف.. خطوات أولى في مسار العدالة الانتقالية بسوريا
● مجتمع ٢٧ أبريل ٢٠٢٦

محاكمة عاطف نجيب واعتقال أمجد يوسف.. خطوات أولى في مسار العدالة الانتقالية بسوريا

شهد يوم الأحد الفائت، 26 نيسان/أبريل الجاري، انطلاق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب، المتهم بالتورط في انتهاكات بحق أطفال درعا وجرائم ضد أبناء الشعب السوري، في خطوة لبدء مسار المحاسبة.

وتخلل يوم المحاكمة مشاهد لافتة، كان من أبرزها حضور عدد من أهالي الضحايا وذوي المعتقلين إلى قاعة المحكمة، حيث بدت مشاعر الحزن واضحة على وجوه أمهات فقدن أبناءهن، في وقت صدحت فيه هتافات أعادت إلى الذاكرة بدايات انطلاق الثورة السورية، في مشهد جمع بين الألم والمطالبة بالعدالة.

ولاقت المشاهد المتداولة من جلسة المحاكمة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصفها معلقون بأنها خطوة أولى في طريق استرداد الحقوق وتحقيق العدالة، بينما عبّر آخرون عن تعاطفهم مع الأمهات، مؤكدين أن حجم الفقد الذي عانته الأمهات خلال سنوات الثورة كان كبيراً وعميق الأثر.

وبالتوازي مع ذلك، أثار خبر اعتقال أمجد يوسف مؤخراً، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن، موجة تفاعل واسعة بين السوريين، رافقها شعور مختلط بين الارتياح والتأثر، خاصة لدى أهالي المنطقة وذوي الضحايا. 

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة لذوي الضحايا أدلوا بشهاداتهم، بدت فيها مشاعرهم واضحة بين الفرح والدموع ونبرة الصوت المرتجف، وهم يتحدثون عن وقع الخبر عليهم، مؤكدين ضرورة محاسبته ومحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب السوري خلال سنوات الثورة.


خطوات أولى نحو مسار العدالة الانتقالية في سوريا

قال الصحفي والباحث ماجد عبد النور، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العدالة الانتقالية لا تُعد مطلباً فحسب، بل تمثل ضرورة ملحّة في سياق ما بعد النزاعات، بما في ذلك الحروب الأهلية أو الثورات المسلحة، نظراً لدورها في ترسيخ السلم الأهلي.

وأضاف أن غياب عدالة انتقالية حقيقية، تقوم على محاسبة المسؤولين عن الجرائم، قد يفتح الباب أمام أشكال من الانتقام الفردي أو الجماعي البعيد عن سلطة القانون، ما يهدد الاستقرار ويعرقل ترسيخ السلم الأهلي، وقد يؤدي إلى أشبه لامتداد لحرب أهلية، الأمر الذي يجعل من العدالة الانتقالية ضرورة في مراحل ما بعد النزاعات.

وأشار إلى أن الخطوات التي جرى اتخاذها تُعد إيجابية، ولا سيما بدء أولى محاكمات المتهمين بارتكاب جرائم حرب في درعا، لافتاً إلى أن اختيار هذه المدينة يحمل دلالة رمزية، باعتبارها نقطة انطلاق الأحداث، ما يعكس توجّهاً لاعتبار هذه المحاكمات بداية لمسار العدالة الانتقالية.

وبيّن أن تصريحات وزير العدل بشأن انتظار إقرار قوانين العدالة الانتقالية من قبل مجلس الشعب تُعد مؤشرًا على وجود مسار عمل في هذا الاتجاه، مشيراً إلى أن إلقاء القبض على أمجد يوسف يأتي ضمن سياق يتجه بشكل طبيعي نحو تطبيق العدالة.

أثر المحاكمات في إنصاف الضحايا وترسيخ الاستقرار

وأكد عبد النور أن تأثير هذه المحاكمات على أهالي الضحايا سيكون كبيراً، إذ يسعون إلى تحقيق الإنصاف واستعادة حقوقهم، وعدم رؤية المسؤولين عن قتل أبنائهم وأفراد عائلاتهم يعيشون حياة طبيعية دون محاسبة.

ونوّه لـ "شام" إلى أن محاسبة مرتكبي الانتهاكات تسهم في تخفيف حالة الاحتقان لدى أهالي الضحايا، وتعزز شعورهم بالطمأنينة واستعادة جزء من حقوقهم، من خلال تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاستقرار، ويدعم ترسيخ السلم الأهلي، ويعزز الشعور بالأمان داخل المجتمع.

وفيما يتعلق بدور هذه القضايا في ردع تكرار الانتهاكات، أكد عبد النور أن المحاسبة الفعلية تمثل عاملاً أساسياً في منع تكرار الجرائم، مشيراً إلى المقولة الشهيرة: "المجزرة التي تُنسى تُعاد"، لافتاً إلى أن تحقيق العدالة وفرض عقوبات حقيقية يسهمان في ترسيخ الذاكرة المجتمعية، بما يعزز من فرص الردع مستقبلاً، ويؤكد أن مسار العدالة، مهما طال، يبقى قائماً.

تحديات معقّدة تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا

وذكر الصحفي عبد النور أن هناك تحديات تواجه ملف العدالة الانتقالية، أبرزها حجم الجرائم التي ارتُكبت خلال 14 عاماً، والتي قد تمتد، عند العودة إلى فترات سابقة، إلى نحو 50 عاماً، ما يجعل حجمها مهولاً وعدد المتورطين فيها كبيراً، ناهيك عن أن التداخلات الاجتماعية والطائفية والعرقية تُعد عاملاً مؤثراً في هذا الملف.


وأشار إلى وجود عقبات أخرى تتعلق بالكشف عن مصير المفقودين وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات، سواء من نفّذها أو من أصدر الأوامر، إضافة إلى مسألة نطاق المحاسبة، وما إذا كانت ستشمل جميع المتورطين، الذين تُقدّر أعدادهم بمئات الآلاف، أم ستقتصر على المسؤولين الرئيسيين ومن أعطوا الأوامر.

ونوّه عبد النور في ختام حديثه إلى وجود عوائق اقتصادية في هذا الملف، إذ تتطلب العدالة الانتقالية إجراءات لجبر الضرر، في وقت تعاني فيه البلاد من أوضاع اقتصادية صعبة، ما يطرح تحديات تتعلق بإمكانية تعويض أهالي الضحايا، وأضاف أن هذه العقبات تتعدد، إلا أن أبرزها يتمثل في حجم الجرائم المهول، إلى جانب مسألة الكشف عن مصير المفقودين.

وشكّلت السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد البائد نموذجاً صارخاً لهيمنة العقل الأمني على مفاصل الدولة، حيث كانت الأجهزة الأمنية تتحكم بالحياة السياسية والاجتماعية، وتُدار البلاد عبر منظومة تقوم على القمع وتكميم الأصوات، دون أي مساءلة قانونية حقيقية، وكان رموز تلك المرحلة، ومنهم عاطف نجيب، يتمتعون بنفوذ واسع وحصانة شبه مطلقة.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ