حين يترك الأطفال أصدقائهم: تحديات نفسية بعد العودة من النزوح
حين يترك الأطفال أصدقائهم: تحديات نفسية بعد العودة من النزوح
● مجتمع ٢٦ أبريل ٢٠٢٦

حين يترك الأطفال أصدقائهم: تحديات نفسية بعد العودة من النزوح

يواجه الأطفال العائدون بعد النزوح تحديات نفسية واجتماعية، من أبرزها فقدان الأصدقاء الذين شكّلوا جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية خلال السنوات الماضية، فهذا الفقد لا يمرّ دون أثر، إذ ينعكس على سلوك الطفل ومشاعره، وقد يؤثر على قدرته على الاندماج وبناء علاقات جديدة.

وفي ظل الانتقال إلى بيئة مختلفة، يجد كثير من الأطفال صعوبة في التأقلم، خاصة مع غياب العلاقات التي اعتادوا عليها، ما يضع الأسرة والمدرسة أمام مسؤولية دعمهم ومساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة بشكل تدريجي وآمن.

وفي هذا السياق، قالت باسمة العبد الله (اسم مستعار) لسيدة كانت نازحة في أحد مخيمات كفرلوسين بريف إدلب الشمالي، في حديث لـشبكة "شام" الإخبارية، إن أطفالها الثلاثة واجهوا صعوبة كبيرة عند عودتهم إلى دمشق بعد انتهاء فترة النزوح، إذ بكوا كثيراً لحظة وداع أصدقائهم في المخيم، وشعروا بحزن عميق لفراقهم، بعد أن أمضوا معاً أوقاتاً طويلة في اللعب والدراسة وتشاركوا العديد من الذكريات.

وأضافت أن أطفالها ما يزالون على تواصل مع أصدقائهم عبر تطبيق “واتساب”، ويعبّرون باستمرار عن اشتياقهم لهم، مشيرة إلى أنها تحرص على زيارتهم كلما أتيحت لها الفرصة، في محاولة للحفاظ على هذه العلاقات وتخفيف شعور الفقد لديهم.

دور المعلم في تعويض غياب الأصدقاء وتعزيز الاندماج

قالت ملك حاتم، معلمة لغة إنجليزية في المرحلة الإعدادية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن دور المعلم لا يقتصر على التعليم الأكاديمي فحسب، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب وتعزيز علاقاته داخل البيئة المدرسية، لا سيما علاقاته مع أقرانه.

وأوضحت أن الصداقة تُعد عنصراً أساسياً في حياة الطفل، لما لها من تأثير مباشر على سلوكه وثقته بنفسه، إذ يتأثر الطفل بصديقه بشكل كبير، ويتعلم منه ويقتدي به، ما يجعل وجود صديق داعم عاملاً مهماً في تعزيز استقراره النفسي ورغبته في التعلّم.

وأشارت إلى أن غياب الأصدقاء أو فقدانهم قد ينعكس سلباً على الطفل، حيث يظهر ذلك من خلال تراجع ثقته بنفسه، وزيادة شعوره بالخوف أو التردد، إلى جانب انخفاض رغبته في الذهاب إلى المدرسة، خاصة في حال عدم وجود من يشاركه يومه الدراسي.

وبيّنت أن ابتعاد الطفل عن أصدقائه قد يؤدي إلى تراجع في تحصيله الدراسي، وظهور سلوكيات مثل العزلة أو التشتت الذهني، وقد يتطور الأمر لدى بعض الأطفال إلى العدوانية أو فقدان الاهتمام بالدراسة، نتيجة شعورهم بالوحدة وصعوبة التأقلم مع الواقع الجديد.

وأكدت حاتم أن هذه المرحلة تتطلب اهتماماً خاصاً من المعلمين، من خلال عدم ترك الطفل يواجه هذه المشاعر بمفرده، والعمل على دعمه نفسياً واجتماعياً.

وأضافت أنها تحرص على تعزيز العمل التعاوني والأنشطة الجماعية داخل الصف بشكل مستمر، لما لها من دور في تقوية العلاقات بين الطلاب، مشيرة إلى أهمية استقبال الطلاب الجدد بطريقة داعمة، عبر تشجيع زملائهم على الترحيب بهم ومساعدتهم على التعارف وإيجاد نقاط مشتركة، ما يسهم في اندماجهم تدريجياً داخل البيئة الصفية.

فقدان الأصدقاء وتأثيره على نفسية الطفل

قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة نفسجي، في حديث لـ شام، إن فقدان الأصدقاء يُعد من أكثر التجارب تأثيراً على الطفل، كونه يرتبط بحاجة أساسية لديه للشعور بالانتماء والقبول، إذ يشكّل الأصدقاء جزءاً من أمانه اليومي، وقد ينعكس هذا الفقد على شكل حزن أو ميل إلى الانسحاب، إلى جانب حذر في بناء علاقات جديدة.

وأوضحت أن هذه الصعوبة تتضاعف لدى الأطفال العائدين بعد النزوح، حيث يواجه بعضهم تحديات في الاندماج الاجتماعي نتيجة اختلاف البيئات التي نشأوا فيها، وهو ما يظهر في طريقة تفاعلهم مع محيطهم واهتماماتهم اليومية.

وبينت أن العقبات تزداد في المناطق المتضررة، خاصة مع غياب المساحات الآمنة المخصصة للأطفال، كالساحات والحدائق، إضافة إلى ضعف البنية الترفيهية، ما يقلّص فرص التفاعل واللعب الجماعي ويؤثر على بناء العلاقات.

وأكدت قرنفل أن هذه الظروف قد تنعكس على سلوك الطفل ومزاجه، فتظهر لديه مؤشرات مثل الانسحاب الاجتماعي أو صعوبة التكيف، وهو ما يرتبط بتجارب سابقة واختلافات في نمط الحياة.

وعلى المستوى الدراسي، قد يواجه الطفل صعوبات في التأقلم مع أساليب تعليم مختلفة، إلى جانب تحديات لغوية لدى بعض الأطفال، ما يزيد من الضغط داخل الصف ويؤثر على تفاعلهم وفهمهم.

وأشارت إلى أهمية دور البيئة المدرسية في احتواء هذه الفروقات، من خلال توفير قدر من المرونة والتفهم، إلى جانب دور المعلمات في تقديم الدعم المناسب الذي يساعد الطفل على الاندماج بشكل تدريجي وآمن.

وبيّنت أن هذه التأثيرات تستدعي تدخلاً مختصتاً في حال استمرارها أو تفاقمها، كظهور سلوكيات مثل الانسحاب الحاد، أو العدوانية، أو اضطرابات النوم والشهية، أو تراجع التحصيل الدراسي، حيث يكون الدعم النفسي ضرورياً لمساعدة الطفل على استعادة توازنه.

وشددت على أن ما يحتاجه الطفل في هذه المرحلة هو الوقت والشعور بالأمان العاطفي، مؤكدة أن تجاوز هذه التجربة يتم بشكل تدريجي، ما يستدعي من الأهل التحلي بالصبر والتفهم.

كما دعت إلى إتاحة مساحة للطفل للتعبير عن مشاعره بحرية دون ضغط، والحفاظ على روتين يومي مستقر، إلى جانب تشجيعه على التفاعل الاجتماعي بشكل تدريجي، مع إمكانية إبقاء التواصل مع أصدقائه السابقين لما لذلك من أثر في تخفيف شعور الفقد.

وأكدت أهمية تركيز الأهل على الجوانب الإيجابية في المرحلة الجديدة، مثل استقرار العائلة وعودة الروابط الاجتماعية، بما يساعد الطفل على التكيف وبناء علاقات جديدة، وشددت على ضرورة عدم التردد في طلب الدعم النفسي عند الحاجة، لما لذلك من دور في مساعدة الطفل على تجاوز الصعوبات بشكل صحي ومتوازن، والحد من تفاقمها على المدى الطويل.

من الأمان العاطفي إلى بناء الصداقات: خطوات التأقلم

ونوهت إلى أن مساعدة الطفل على التأقلم تبدأ بتخفيف شعوره بالضغط ومنحه الوقت الكافي، إذ إن الاندماج لا يحدث بشكل فوري، بل يتطلب مرحلة تدريجية يشعر خلالها بالأمان داخل بيئته الجديدة قبل تشجيعه على التفاعل الاجتماعي.

وبيّنت أنه يمكن دعم الطفل من خلال إشراكه في أنشطة جماعية مناسبة لعمره، داخل المدرسة أو خارجها، لما توفره من فرص طبيعية للتعارف وبناء العلاقات دون فرض مباشر، كما أن تشجيعه على اللعب الحر والتفاعل التدريجي مع الأقران يسهم في كسر حاجز البداية وتعزيز ثقته بنفسه.

وأشارت إلى أن البيئة الأسرية الداعمة تلعب دوراً أساسياً في هذا السياق، فالشعور بالأمان العاطفي داخل المنزل ينعكس على قدرة الطفل على الانفتاح على الآخرين، ويمكن للأهل أيضاً المساهمة في تسهيل هذا الاندماج عبر تنظيم لقاءات بسيطة أو أنشطة مشتركة مع أقرانه، بما يعزز التواصل بشكل مريح وطبيعي، إلى جانب الحفاظ على بعض الروابط السابقة لما تمنحه من شعور بالاستمرارية.

وأكدت أن سرعة التأقلم تختلف من طفل لآخر، تبعاً لعوامل عدة، منها طبيعة الشخصية، والعمر، والخبرات السابقة، ومستوى الدعم الأسري والمدرسي، ما يجعل من غير المناسب مقارنة الأطفال ببعضهم، بل التعامل مع كل حالة بشكل فردي.

وأوضحت في ختام حديثها أن بناء الصداقات لا يُعد هدفاً آنياً، بل هو نتيجة لبيئة آمنة، وتكرار فرص التفاعل، وتوافر الدعم والصبر، حتى يتمكن الطفل من التكيف والشعور بالثقة بشكل تدريجي.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ