مجتمع
٩ أغسطس ٢٠٢٦
إشارات لا يجب تجاهلها في السنة الأولى من عمر الطفل: بين الطبيعي والمقلق

يُعد رصد تطور الطفل في سنواته الأولى من أبرز المؤشرات على سلامة نموه الجسدي والنفسي، إذ تظهر في هذه المرحلة علامات دقيقة قد تعكس مساراً طبيعياً أو تنبّه إلى وجود اضطرابات تحتاج إلى متابعة مبكرة. 


وفي ظل تباين قدرات الأطفال واختلاف وتيرة نموهم، تبرز أهمية التمييز بين الفروق الفردية الطبيعية والمؤشرات التي تستدعي التقييم، خاصة مع الدور المحوري للبيئة والتفاعل اليومي في الكشف المبكر وتعزيز فرص التدخل الفعّال.

علامات قد تدل على وجود اضطراب نمائي

قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العلامات المبكرة التي قد تشير إلى وجود اضطراب نمائي تظهر خلال السنة الأولى من حياة الطفل عبر عدة مؤشرات أساسية، إذ أن التطور الحركي والجسدي قد يشهد صعوبة أو تأخراً في تثبيت الرأس، أو وجود ارتخاء شديد في العضلات يجعل جسم الطفل يبدو “رخواً”، أو على العكس وجود تشنج وتصلب غير طبيعي في الأطراف.


وأضاف أن التواصل والتفاعل الاجتماعي قد يتجلى بغياب الابتسامة التفاعلية مع الأم أو الرعاة بحلول الشهر الثاني أو الثالث، وغياب أصوات المناغاة، أو إبداء عدم اهتمام بالوجوه والأصوات المحيطة، كما أن التواصل البصري يُعد مؤشراً مهماً، إذ قد يعاني الطفل من عدم القدرة على تثبيت نظره في عينَي من يكلمه، أو صعوبة متابعة الألعاب والأشياء المتحركة بعينيه.


ونوه إلى أن السلوك والنوم والتغذية قد تكشف أيضاً عن وجود صعوبات، مثل مشكلات حادة ومستمرة في الرضاعة والبلع، أو نوبات بكاء متواصلة يصعب تهدئتها، مع اضطراب شديد في نظام النوم والاستيقاظ.


وأوضح أن تأخر الطفل قد يكون طبيعياً في بعض الحالات، حيث يخضع لما يُعرف بـ”الفروق الفردية”، إذ ينشأ كل طفل بوتيرة خاصة، وقد يتأخر بضعة أشهر في مهارة معينة كالمشي أو النطق ببعض الكلمات، لكنه يواصل اكتساب مهارات أخرى بشكل مستمر مثل الفهم والتفاعل وتلبية الأوامر البسيطة. 


المؤشرات المقلقة

وبيّن جمعة أن المؤشرات المقلقة التي تستدعي الاستشارة تشمل فقدان المهارات أو التراجع، كأن يفقد الطفل مهارة كان قد اكتسبها وسيطر عليها سابقاً، مثل التوقف عن النطق بكلمات كان يقولها، أو التوقف عن التواصل البصري، ولفت إلى أن التأخر الشامل يُعد علامة مهمة عندما يظهر تأخر واضح ومزمن في أكثر من جانب في الوقت ذاته، مثل الحركة والكلام والتفاعل الاجتماعي. 


وذكر أن غياب المهارات الأساسية، كعدم استخدام اليد للإشارة إلى الأشياء التي يريدها عند بلوغ عمر السنة إلى سنة ونصف، يستدعي الانتباه، كما تحدث عن قلة التواصل البصري أو عدم الاستجابة للاسم، مؤكداً أنهما علامتان مهمتان تستدعيان الانتباه والتقييم، ولكنهما لا تكفيان وحدهما للتشخيص. 


وأضاف أن عدم الاستجابة للاسم قد يعود إلى عدة أسباب، منها احتمال وجود مشكلة في السمع، أو تأخر في الفهم واللغة، أو قد يكون أحد المؤشرات المرتبطة باضطرابات النمو والتواصل، وأشار إلى أن قلة التواصل البصري تُعد من مؤشرات ضعف التفاعل الاجتماعي المتبادل.


وشدد على ضرورة عدم الاعتماد على علامة واحدة مفردة، بل تحري وجود مجموعة من الأعراض المتكاملة؛ فإذا رافق ضعف النظر أو عدم الرد على الاسم سلوكيات أخرى مثل غياب التفاعل والتقليد، أو تكرار حركات منتظمة كالرفرفة باليدين أو الدوران، أو استخدام يد الكبار للوصول للشيء بدلاً من طلب ذلك بالعين أو الصوت، فهنا يكون التقييم التخصصي ضرورياً.


أخطاء شائعة يقع فيها الأهل

وأفاد بيرم جمعة بأن هناك أخطاء شائعة يقع فيها الأهل عند ملاحظة هذه العلامات، من أبرزها الإنكار والمراهنة على الوقت، من خلال القول إن الطفل “ما زال صغيراً” أو “سوف يتحسن تلقائياً مع الوقت”، أو المقارنة مع أقارب تأخروا في الصغر ثم تحسنوا، وأكد أن التفسير الاجتماعي الخاطئ يُعد من هذه الأخطاء، مثل إرجاع التأخر إلى خجل الطفل أو الدلال أو قلة المخالطة فقط دون إجراء فحص علمي. 


وبيّن أن الاعتماد المفرط على الشاشات والهواتف، عبر إعطاء الطفل الأجهزة الذكية أو ترك الشاشات تعمل أمامه لتهدئته أو إشغاله، يزيد من عزلته ويؤخر تواصله مع محيطه، ولفت إلى أن اللجوء إلى حلول عشوائية، كالبَدء بأنشطة غير مدروسة أو إعطاء فيتامينات ومكملات دون تشخيص دقيق ومعرفة السبب الحقيقي للتأخر، لا يسهم في معالجة المشكلة.


وأوضح أن الاضطراب النمائي يتمثل في توقف كامل عن اكتساب المهارات، أو تراجع فيها، أو وجود فجوة كبيرة بين عمر الطفل وتصرفاته، مع ضعف في كل وسائط التواصل اللفظي وغير اللفظي، وقلة الاهتمام باللعب التفاعلي، ووجود سلوكيات تكرارية نادرة مثل صف الألعاب بطريقة معقدة، أو التعلق الشديد بأشياء غير مألوفة، أو الانزعاج الشديد من أي تغيير بسيط. 


في المقابل، أشار الأخصائي بيرم إلى أن الفروق الفردية الطبيعية تعني نمواً بطيئاً، مع وجود تقدم مستمر وتدريجي في اكتساب المهارات، كما أنه حتى لو تأخر الكلام، يُعوض الطفل ذلك بالإشارة والتحريك ونظرات العين والتفاعل، ويتسم سلوكه بالمرونة، ويكون لعبه بالألعاب وظيفياً وتخيلياً.


وتحدث عن دور البيئة في الكشف المبكر عن أي مشكلة، مبيناً أن البيئة الغنية بالتفاعل تلعب دوراً مزدوجاً وحاسماً، إذ إن توفر اللعب والكلام الدائم مع الطفل يجعل أي تأخر أو خلل يظهر بوضوح، حيث يُلاحظ الأهل بسرعة مدى قدرة الطفل على التقليد والتفاعل وفهم الكلام والمشاركة.


وأضاف أن التحدث المستمر واللعب مع الطفل يشكلان محفزاً رئيسياً للدماغ، وينشطان القدرات اللغوية والاجتماعية، وعندما يكون لدى الطفل أي صعوبة، فإن التحفيز البيئي يساعد الأهل على اكتشاف المشكلة في وقت مبكر جداً، بخلاف الطفل الذي يُترك وحده أمام الشاشات دون تفاعل بشري.


وأشار جمعة إلى إمكانية ظهور نوبات قلق أو توتر مبكر لدى الأطفال، مثل قلق الانفصال عن الوالدين أو القلق من الأماكن والمواقف الجديدة، وذكر أن علامات القلق والتوتر لدى الصغار قد تتجلى في أعراض جسدية، كاضطرابات حادة في النوم أو كوابيس متكررة، أو العودة للتبول اللاإرادي بعد أن كان الطفل قد تعلم السيطرة عليه. 


ونوه إلى سلوكيات الارتباط، مثل التعلق الشديد وغير العادي بالأم أو الأب، ونوبات بكاء وغضب شديدة ومفرطة عند الانفصال عنهما ولو لفترة قصيرة، أو عند تغيير الروتين، وأضاف أن هناك أيضاً حساسية وسلوكيات ذاتية، مثل الانزعاج الشديد من الأصوات أو الأضواء العادية، أو اللجوء إلى تكرار حركات معينة لتهدئة النفس بشكل ملحوظ.


وأكد أن أول خطوة يجب أن يقوم بها الأهل عند الشك بوجود مشكلة هي عدم التردد أو الانتظار، والبدء بمسار علمي واضح، من خلال إجراء فحص طبي شامل عبر زيارة طبيب الأطفال للتأكد من سلامة حاسة السمع والبصر والنمو العضوي والعصبي العام للطفل، وبيّن أهمية الاستعانة بالمختص النفسي والنمائي لتقييم قدرات الطفل الشاملة، سواء اللغوية أو الحركية أو الاجتماعية، لمعرفة ما إذا كان هناك تأخر حقيقي وتحديد نوعه.


وشدد بيرم جمعة على ضرورة البدء بالتدخل المبكر فوراً، وعدم إضاعة الوقت في انتظار نتائج جازمة لسنوات، بل المباشرة ببرامج التحفيز وتنمية المهارات، نظراً لمرونة دماغ الطفل في السنوات الأولى وقدرته العالية على الاستجابة والتحسن، وختم رسالته بالقول: "التشخيص المبكر ليس وصمة، بل هو المفتاح الأهم لفتح آفاق التطور والنمو السليم للطفل."

اقرأ المزيد
٨ أغسطس ٢٠٢٦
التنقيب عن الآثار… بين وهم الثراء السريع والمسؤولية القانونية

شهدت ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار في سوريا تصاعداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، لتتحول إلى نشاط يمارسه بعض الأفراد بشكل غير قانوني، مدفوعين بأوهام الثراء السريع وإمكانية العثور على دفائن تاريخية، في ظل ظروف معيشية صعبة وتراجع مستويات الرقابة على العديد من المواقع الأثرية.

وتعود أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها الضائقة الاقتصادية التي دفعت البعض للبحث عن مصادر دخل غير تقليدية، إلى جانب انتشار المعتقدات الشعبية حول وجود كنوز مدفونة، فضلاً عن سهولة الحصول على أجهزة كشف المعادن التي شجعت على خوض هذه المغامرة، إضافة إلى ضعف الحماية الميدانية للمواقع الأثرية واتساع رقعتها.

تداعيات التنقيب العشوائي عن الٱثار

أما التداعيات السلبية، فتتجلى في الأضرار الجسيمة التي تلحق بالمواقع الأثرية نتيجة الحفر العشوائي، ما يؤدي إلى تدمير طبقات أثرية مهمة وفقدان معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها، فضلاً عن سرقة القطع وتهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي يشكل خسارة كبيرة للتراث الثقافي ويقوض الجهود المبذولة للحفاظ عليه.

ولا تقتصر التداعيات على الأضرار التي تلحق بالمواقع الأثرية أو فقدان قيمتها التاريخية، بل تمتد لتشمل تبعات قانونية يتحملها الأفراد المنخرطون في هذا النوع من الأنشطة، إذ يواجه المنقبون عن الآثار مساءلة قانونية قد تصل إلى عقوبات مشددة، وهو ما يسلط الضوء على الإطار القانوني الناظم لهذه الممارسات.

عقوبات قانونية بحق المنقبين غير الشرعيين

في هذا السياق، قال المحامي باسل محمد موسى، الأستاذ لدى نقابة دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التشريع السوري، وفق المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 وتعديلاته ولا سيما بالقانون رقم 1 لعام 1999، ينظر إلى التنقيب العشوائي بصفته جريمة جنائية واعتداءً على أملاك الدولة والتراث الوطني، وأوضح أن القانون ينص على أن جميع الآثار الثابتة والمنقولة الموجودة في باطن الأرض أو على سطحها هي ملكية عامة للدولة حصراً.

وأضاف أن ملكية الشخص للأرض أو العقار لا تعطيه أي حق في التصرف بما يوجد في باطنها من آثار أو دفائن، ولا تمنحه حق الحفر دون ترخيص رسمي من المديرية العامة للآثار والمتاحف، وأشار إلى أن العقوبات الجزائية بحق المنقبين غير الشرعيين تصل إلى الجناية المشددة، وبين أن المادة 57 (فقرة ب) تعاقب بالاعتقال من 10 سنوات إلى 15 سنة، وبغرامة مالية تتراوح بين 100 ألف و500 ألف ليرة سورية، كل من أجرى التنقيب عن الآثار خلافاً لأحكام القانون.

ونوه إلى أنه يُعاقب المنقب بالحد الأقصى للعقوبة، أي 15 سنة، إذا ترتب على عملية الحفر إلحاق ضرر جسيم بالأثر أو الموقع الأثري، وبيّن أن المادة 68 تنص على تغريم الفاعل بقيمة الأثر المالي والفني الذي تقدره لجنة خبراء الآثار، وذلك في حال تعذر استرداد الأثر أو إتلافه أثناء الحفر، بالإضافة إلى عقوبة السجن.

ولفت موسى إلى التمييز بين البحث الفردي عن الذهب والدفائن وبين الاتجار المنظم، وأشار إلى أن التنقيب والبحث الفردي يُكيف كجريمة تنقيب غير مشروع عن الآثار وفق المادة 57، ويكون دافعه غالباً البحث عن الربح السريع أو توهم وجود دفائن، ويتم باستخدام أدوات بسيطة أو أجهزة كشف المعادن.

وذكر أن العقوبة في هذه الحالة هي الاعتقال من 10 إلى 15 سنة، وشدد على أن القانون لا يعفي من يبحث عن الذهب بحجة جهله بوجود آثار، إذ إن الذهب والعملات المدفونة تاريخياً تُعد أثراً بحكم القانون، وفيما يتعلق بالاتجار المنظم والتهريب، أشار إلى أنه يُكيف كجناية اتجار بالآثار وفق المادة 57-ج أو تهريب آثار وفق المادة 56، ويكون بدافع تشكيل عصابي أو شبكي يهدف إلى التكسب المستمر وتسويق الآثار داخل وخارج البلاد.

وأوضح أن العقوبة في عمليات الاتجار تكون الاعتقال من 10 إلى 15 سنة، وترتفع إلى الاعتقال من 15 إلى 25 سنة مع غرامة تصل إلى مليون ليرة في حال ثبوت تهمة التهريب أو الشروع فيه، وأكد أنه عند ضبط شخص بحوزته لقى أثرية ناتجة عن حفر غير شرعي، تُصادر القطع المضبوطة فوراً ويتم تسليمها عبر القضاء إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف لتوصيفها وتأطيرها علمياً.

تحديات تطبيق القوانين وآليات تعزيز الحماية

وشدد المحامي باسل في تصريح خاص لـ شام على أن الشخص يُحال إلى القضاء الجزائي بتهم حيازة آثار غير مسجلة أو التنقيب غير المشروع أو محاولة المتاجرة، وأفاد أن من يعثر على أثر مصادفة أثناء البناء أو الفلاحة ويُبلغ أقرب سلطة خلال 24 ساعة لا يُحاكم، بل يُمنح مكافأة مالية تُقدرها سلطات الآثار، في حين أن من يكتم الأثر أو يحتفظ به دون تسجيل يُعاقب بالحبس وتُصادر القطعة فوراً.

وبيّن أن تطبيق القوانين على أرض الواقع يواجه تحديات عدة، من أبرزها اتساع الرقعة الأثرية في سوريا ووجود آلاف التلال والمواقع الممتدة على مساحات شاسعة، ما يجعل حراستها أمراً معقداً، ولفت إلى ضعف الإمكانيات اللوجستية، من حيث نقص أعداد الحراس وآليات المراقبة مقارنة بحجم المواقع، إلى جانب التطور التقني لدى المنقبين وانتشار أجهزة كشف المعادن التي تسهل الحفر السري وإخفاء الآثار.

وأشار إلى أن العوامل الاقتصادية تدفع بعض الأفراد إلى اللجوء للتنقيب بدافع الضائقة المادية والانسياق وراء الشائعات، وأكد أن التشريعات الحالية، رغم قسوة عقوبات السجن، تحتاج إلى تطوير وتحديث، ولا سيما فيما يتعلق بالغرامات المالية التي فقدت قيمتها الرادعة بسبب التصخم، مشيراً إلى ضرورة ربطها بالقيمة الفعلية للأثر أو اعتماد حدود أدنى متغيرة.

وشدد على أهمية ضبط تقنيات الكشف من خلال سن قوانين تجرم استيراد أو حيازة أو بيع أجهزة كشف المعادن دون ترخيص أمني وٱثاري مسبق، ونوّه إلى ضرورة سد الثغرة بين الذهب الخام والأثري عبر تنظيم لوائح تفرق بوضوح بين التعدين الحرفي لمعادن الطبيعة والتنقيب الأثري، وأكد أن تفعيل الشرطة الأثرية وتأسيس جهاز متخصص مزود بتقنيات المراقبة والإنذار المبكر يُعد من الخطوات المهمة لحماية الآثار.

وفي سياق متصل، يشير خبراء الآثار إلى أن حماية المواقع الأثرية تتطلب تكثيف الجهود الميدانية، من خلال تعزيز الحراسة على المواقع المنتشرة في مختلف المناطق، وتفعيل آليات المراقبة المستمرة، إضافة إلى الحد من استخدام أدوات الكشف غير المرخصة، والعمل على توثيق المواقع بشكل علمي يحول دون العبث بها أو استهدافها بعمليات الحفر غير الشرعي.

ويلفت الخبراء إلى أن مواجهة هذه الظاهرة لا تنفصل عن دور الوعي المجتمعي، إذ يشكل نشر الثقافة المرتبطة بأهمية التراث والحفاظ عليه عاملاً أساسياً في الحد من التنقيب العشوائي، إلى جانب معالجة الظروف الاقتصادية التي تدفع بعض الأفراد إلى الانخراط في هذه الممارسات بدافع الحاجة أو السعي وراء مكاسب سريعة.

تُعد ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار قضية متشابكة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ما يجعل الحد منها تحدياً يتطلب تضافر الجهود على أكثر من مستوى، وبين الحاجة إلى تشديد الرقابة وتفعيل القوانين، يبرز دور الوعي المجتمعي في حماية هذا الإرث، كجزء من الذاكرة التاريخية التي لا يمكن تعويضها في حال فقدانها.

اقرأ المزيد
٨ أغسطس ٢٠٢٦
تعذيب الحيوانات علناً… سلوك صادم يثير تساؤلات نفسية وقانونية

أثار منشور متداول على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعد أن طلب أحد الأشخاص، عبر صفحة مخصصة لتبني القطط، الحصول على قطط بغرض تعذيبها، ما دفع عدداً كبيراً من المتابعين إلى المطالبة بتوقيفه ومحاسبته.

وأعادت هذه الحادثة تسليط الضوء على سلوك تعذيب الحيوانات، ظاهرة تتجاوز حدود الرفض المجتمعي، لتطرح تساؤلات أعمق حول دوافعه النفسية وخلفياته السلوكية، لا سيما عندما يُعلن عنه بشكل صريح عبر الفضاء الرقمي، كما فتحت الواقعة باب النقاش حول الإطار القانوني الذي يجرّم هذا النوع من الأفعال، والعقوبات التي يمكن أن تُفرض بحق مرتكبيها، في ظل مطالبات بتشديد المساءلة وتعزيز الحماية القانونية للحيوانات.

الدوافع النفسية لتعذيب الحيوانات وعلاقتها بالسلوك العدواني

وفي هذا السياق، قالت المعالجة النفسية صهباء الخضر، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تعذيب الحيوانات سلوك يثير اهتمام علماء النفس وعلماء الجريمة منذ زمن، لأنه قد يعكس مجموعة متنوعة من المشكلات النفسية أو الاجتماعية، لكنه لا يملك تفسيراً واحداً ينطبق على جميع الحالات.

وأضافت أن هذا السلوك من الناحية النفسية قد ينشأ عن عدة عوامل مختلفة، منها ضعف التعاطف، حيث يجد بعض الأشخاص صعوبة في إدراك معاناة الكائنات الأخرى أو الاهتمام بها، إلى جانب الرغبة في السيطرة والقوة، إذ قد يشعر الفرد بالعجز في حياته اليومية فيلجأ إلى إيذاء كائن أضعف منه ليشعر بالتحكم.

وأشارت إلى أن التنفيس عن الغضب والإحباط يُعد من الدوافع كذلك، حيث قد يُسقِط الشخص مشاعره السلبية على الحيوانات لأنها أهداف سهلة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، إضافة إلى ما وصفته بالفضول المرضي أو البحث عن الإثارة، خصوصاً لدى بعض الأطفال أو المراهقين الذين لم يطوروا بعد فهماً كافياً للألم والمعاناة، وإن كان ذلك لا يبرر السلوك.

بالإضافة إلى ذلك البحث عن الشهرة وعدد المتابعين في حال كان السلوك يتم على وسائل التواصل لجذب أكبر عدد من الإعجابات، وهو ما قد نراه شائعاً في زماننا الذي تسيطر عليه وسائل التواصل الاجتماعي وتوجه سلوك كثير من البشر للبحث عن الإثارة حتى لو كانت من خلال سلوكيات مؤذية أو خطيرة على الفرد نفسه أو على المجتمع، حسب ما ذكرت الخضر.


ولفتت إلى أن التقليد والتعلم الاجتماعي يلعبان دوراً مهماً، إذ إن مشاهدة العنف ضد الحيوانات أو اعتباره أمراً عادياً قد يزيد احتمالية تكراره، وأوضحت أن هذا السلوك قد يرتبط أحياناً باضطرابات نفسية أو سلوكية، لكن ليس دائماً، حيث يمكن أن يظهر ضمن بعض الاضطرابات مثل اضطراب السلوك لدى الأطفال والمراهقين، والذي يُعد فيه إيذاء الحيوانات من المؤشرات المهمة.

وكذلك اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وبعض الحالات التي تتسم بالقسوة الشديدة ونقص التعاطف أو ما يسمى بالسمات "القاسية غير العاطفية"، وفي حالات أقل شيوعاً قد يرتبط بأعراض ذهانية أو اضطرابات عصبية معينة تؤثر في الحكم على السلوك.

وأكدت صهباء الخضر، أنه من المهم التأكيد أن ليس كل من يؤذي حيواناً يعاني اضطراباً نفسياً محدداً، كما أن معظم المصابين باضطرابات نفسية لا يمارسون هذا السلوك، وبينت أن الدراسات تُظهر وجود ارتباط إحصائي بين القسوة المتكررة والمتعمدة على الحيوانات وبين زيادة احتمالية السلوك العدواني تجاه البشر لاحقاً، خاصة إذا كان السلوك متكرراً وليس حادثة منفردة، أو متعمداً ويهدف إلى إحداث الألم، أو مصحوباً بانعدام الندم أو الشعور بالمتعة من المعاناة، أو جزءاً من نمط أوسع من التنمر أو العدوان.

وشددت على ضرورة الحذر من المبالغة، موضحة أن وجود هذا السلوك لا يعني حتماً أن الشخص سيصبح عنيفاً تجاه البشر، لكنه يُعد علامة تستحق التقييم والمتابعة، وأضافت أن البيئة تلعب دوراً كبيراً جداً، فالتعرض للعنف الأسري أو الإساءة في الطفولة ومشاهدة أفراد الأسرة يمارسون القسوة على الحيوانات يتيح الفرصة لممارسة السلوك العدواني في المستقبل، كما أن الإهمال العاطفي الشديد قد يولد عنفاً يتم تفريغه بالكائنات الضعيفة، إضافة إلى دور جماعات الأقران والثقافة أو البيئة التي تقلل من قيمة الرفق بالحيوان وتبرر العدوان وتجعله فرصة للتميز بين الأقران.

وأشارت إلى أن التعامل مع من يمارسون هذا السلوك يعتمد على العمر وشدة السلوك ودوافعه، حيث يتطلب الأمر بالنسبة للأطفال والمراهقين تقييم الأسباب الكامنة وراء السلوك، وتدريبهم على التعاطف وفهم معاناة الكائنات الأخرى، والعلاج السلوكي المعرفي عند الحاجة، والعمل مع الأسرة لتحسين البيئة المنزلية.

ولفتت المعالجة صهباء إلى أنه بالنسبة للبالغين، يستدعي الأمر تقييماً نفسياً شاملاً إذا كان السلوك متكرراً أو شديداً، إلى جانب علاج المشكلات المصاحبة مثل الغضب أو الاندفاعية أو اضطرابات الشخصية، وبرامج تعديل السلوك وتنمية مهارات التعاطف والمسؤولية، بالإضافة إلى أهمية وجود قوانين صارمة تحاسب المعتدين على الحيوانات خاصة إذا كان السلوك بهدف الشهرة وحصد الإعجابات حتى لا يصبح هذا السلوك معتاداً في المجتمع.

الإطار القانوني لتعذيب الحيوانات في سوريا

وبالانتقال إلى الجانب القانوني، أكد المحامية أسماء نعسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن قانون العقوبات السوري لا يتضمن تعريفاً صريحاً لجريمة "تعذيب الحيوانات"، إلا أن المادة 728 تُعد النص الأبرز الذي ينظم هذا الموضوع، إذ تجرّم قتل أو إيذاء بعض الحيوانات المملوكة للغير، وتحديداً حيوانات الجر والحمل والركوب والمواشي، ومن ثم فإن مفهوم التعذيب يُستخلص من الأفعال التي تنطوي على قسوة أو إيذاء غير مبرر يسبب للحيوان ألماً أو إصابة أو معاناة.

وأضافت أن هذه الأفعال تشمل الضرب المبرح، وإحداث الإصابات، والتحميل بما يفوق القدرة الجسدية لحيوانات النقل، والإهمال الذي يفضي إلى معاناة الحيوان أو نفوقه، وكذلك التسميم أو أي اعتداء يقع ضمن نطاق الحماية التي رسمها القانون، مشيرة إلى أن الإشكالية الجوهرية تكمن في أن الحماية الجزائية الحالية لا تمتد صراحة إلى الحيوانات السائبة أو كثير من الحيوانات الأليفة، وهو ما يكشف عن قصور تشريعي يستوجب المعالجة.

وأشارت إلى أن العقوبات تختلف باختلاف طبيعة الفعل والوسيلة المستخدمة والنتائج المترتبة عليه، إذ نصت المادة 728 من قانون العقوبات السوري على معاقبة من يقتل أو يؤذي الحيوانات المشمولة بالحماية القانونية بالحبس التكديري أو بالحبس الذي قد يصل إلى ستة أشهر بحسب ظروف الواقعة، بينما شدد المشرع العقوبة في حال ارتكاب الفعل بواسطة السم، إذ قد تصل إلى الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، نظراً لما يشكله التسميم من خطر لا يقتصر على الحيوان وحده، وإنما يمتد إلى الصحة والسلامة العامة.

ونوهت نعسان إلى أن هذه العقوبات، برأيها، لا تزال محدودة مقارنة بخطورة هذه الأفعال، ولا تحقق الردع الكافي في كثير من الحالات، وأوضحت أن التعامل مع مثل هذه الوقائع يجب أن يتم ضمن الأطر القانونية، حيث تبدأ الخطوة الأولى بتوثيق الواقعة بطريقة مشروعة من خلال الصور أو مقاطع الفيديو التي تُظهر الفعل ومكانه وتوقيته بوضوح، مع تجنب أي تصرف قد يعرّض الشخص للمساءلة أو للخطر.

وأكدت أنه بعد ذلك يجب التقدم بشكوى لدى أقرب مركز شرطة لتنظيم ضبط أصولي، مع الإشارة – متى انطبقت شروطها – إلى المادة 728 من قانون العقوبات، وإرفاق الأدلة المتوافرة، كما يمكن إبلاغ الجهات البيطرية المختصة، والاستعانة بالتقارير الفنية عند الحاجة، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة لتحريك الدعوى العامة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق الفاعل.

وبينت أن التحدي الأكبر يتمثل في أن التشريع السوري لا يزال يفتقر إلى قانون مستقل وشامل لحماية الحيوانات، وأن الحماية الجزائية الواردة في قانون العقوبات ما تزال ذات نطاق ضيق، إذ ترتبط في كثير من الحالات بملكية الحيوان للغير وبأن يكون من الحيوانات التي حددها النص.

ولفتت إلى أن هذا القصور ينعكس عملياً على الحيوانات السائبة أو الأليفة التي لا يشملها النص صراحة، مما يحد من إمكانية الملاحقة القانونية، ويضاف إلى ذلك ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الإبلاغ عن هذه الجرائم، فضلاً عن محدودية الإمكانات الرقابية وغياب آليات متخصصة للتعامل مع جرائم القسوة على الحيوانات.

وتحدثت أسماء نعسان في تصريح خاص لـ شام عن أن المنظومة التشريعية الحالية، من وجهة نظرها القانونية، لا تحقق مستوى الردع المأمول، ليس فقط بسبب محدودية العقوبات، وإنما أيضاً بسبب ضيق نطاق الحماية القانونية وغياب نصوص مستقلة تجرّم جميع صور العنف والقسوة ضد الحيوانات.

وشددت في ختام حديثها على أن الحاجة باتت ملحة إلى تطوير التشريع من خلال إصدار قانون مستقل لحماية الحيوان، يوسّع نطاق الحماية ليشمل جميع الحيوانات دون تمييز، ويضع تعريفاً واضحاً لأفعال التعذيب والإساءة، ويقر عقوبات أكثر تناسباً مع جسامة الفعل، بما يحقق الردع ويحمي الحيوان باعتباره كائناً حياً، ويعزز في الوقت ذاته قيم الرحمة وسيادة القانون.

اقرأ المزيد
٦ أغسطس ٢٠٢٦
اختبارات صادمة.. هل أصبح الذكاء الاصطناعي يخدع البشر لتحقيق أهدافه؟

لم تعد المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تقتصر على إنتاج معلومات مضللة أو كتابة شيفرات برمجية متقدمة، بل امتدت إلى الكيفية التي قد يسلكها لتحقيق الأهداف الموكلة إليه. 

فقد أثارت اختبارات أجراها معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني (AISI) جدلًا واسعًا بعدما وثقت حالات استخدمت فيها نماذج متقدمة من OpenAI وAnthropic أساليب خداع وهندسة اجتماعية خلال تقييمات أمنية، في تطور يراه خبراء مؤشرًا على تحديات جديدة يفرضها الجيل القادم من وكلاء الذكاء الاصطناعي.

كيف بدأت القصة؟

في محاولة لقياس حدود قدرات النماذج المتقدمة، أجرى المعهد سلسلة اختبارات داخل بيئة خاضعة للرقابة، مُنحت خلالها النماذج صلاحيات واسعة شملت الاتصال بالإنترنت، واستخدام البريد الإلكتروني، وتشغيل أدوات برمجية، مع تعطيل بعض وسائل الحماية عمدًا لمحاكاة أسوأ السيناريوهات.

وخلال 122 تجربة، وثق الباحثون 19 حالة سلوك غير مصرح به، بينها 17 حالة ارتبطت بأحد نماذج Anthropic، وحالتان بنموذج تابع لـOpenAI. لكن اللافت لم يكن عدد الحالات، بل طبيعة السلوك الذي أظهرته بعض النماذج.

لماذا لجأ إلى خداع البشر؟

بدلًا من محاولة اختراق الأنظمة مباشرة، اختارت بعض النماذج طريقًا مختلفًا؛ إذ أنشأت هويات إلكترونية مزيفة، وصاغت رسائل بريد إلكتروني مقنعة، ثم تواصلت مع مطورين حقيقيين في محاولة لإقناعهم بإدراج شيفرة برمجية خبيثة داخل مشاريع مفتوحة المصدر.

ويُعرف هذا الأسلوب في الأمن السيبراني باسم الهندسة الاجتماعية، وهو يعتمد على استغلال ثقة الإنسان بدلًا من استغلال الثغرات التقنية. ويرى الباحثون أن هذه هي المرة الأولى التي يُوثق فيها استخدام وكيل ذكاء اصطناعي لهذا النوع من الخداع بصورة مستقلة ضمن اختبارات رسمية.

هل يكذب الذكاء الاصطناعي فعلًا؟

يؤكد الباحثون أن النماذج لا تمتلك وعيًا أو إرادة مستقلة، لكنها قادرة على تحليل الخيارات المتاحة واختيار الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق الهدف المطلوب.

وعندما وجدت بعض النماذج أن اختراق الأنظمة مباشرة أمر معقد، خلصت إلى أن التأثير في الإنسان سيكون أسرع وأكثر فاعلية. ومن هنا، فإن ما حدث لا يعكس "نية للكذب"، بقدر ما يكشف قدرة النماذج على تبني استراتيجيات غير متوقعة إذا مُنحت صلاحيات واسعة دون ضوابط كافية.

لماذا يثير ذلك قلق خبراء الأمن؟

تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تتعلق بما يعرف بـوكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents)، وهي أنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تستطيع تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة.

ويحذر خبراء الأمن السيبراني من أن هذه الأنظمة قد تصبح قادرة مستقبلًا على جمع المعلومات عن أهدافها، وصياغة رسائل احتيالية مخصصة، وإنشاء هويات مزيفة، وتعديل خططها تلقائيًا عند فشلها، وهو ما قد يجعل الهجمات الإلكترونية أكثر دقة وصعوبة في الاكتشاف.

هل كان العالم في خطر؟

رغم ما أثارته نتائج الاختبارات من مخاوف، شدد المعهد على أن جميع التجارب أُجريت داخل بيئة بحثية مغلقة، وأن الصلاحيات الممنوحة للنماذج لا تتوافر للمستخدمين في الظروف الاعتيادية.

كما أكد أن جميع محاولات الخداع أُحبطت قبل تحقيق أهدافها، ولم تُدمج أي شيفرة خبيثة في المشاريع المستهدفة، ولم تسجل أي أضرار فعلية. بدورها، أوضحت OpenAI وAnthropic أن هذه السلوكيات ظهرت في ظروف اختبارية استثنائية، مؤكدة العمل على تعزيز الضمانات الأمنية وتطوير آليات أكثر صرامة لتقييم النماذج المتقدمة.

إلى أين يتجه الذكاء الاصطناعي؟

تكشف هذه الحادثة أن التحدي لم يعد يقتصر على تطوير نماذج أكثر ذكاءً، بل أصبح يتمثل في ضمان بقائها خاضعة للرقابة. فكلما ازدادت استقلالية أنظمة الذكاء الاصطناعي واتسعت صلاحياتها، ازدادت الحاجة إلى معايير أمنية وتشريعات قادرة على ضبط سلوكها قبل إتاحة استخدامها على نطاق واسع.

ولا يعني ما حدث أن الذكاء الاصطناعي أصبح واعيًا أو خارجًا عن السيطرة، لكنه يسلط الضوء على مرحلة جديدة في الأمن السيبراني، لم يعد فيها الخطر محصورًا في الثغرات البرمجية، بل بات يشمل أيضًا قدرة الأنظمة الذكية على ابتكار وسائل غير متوقعة لتحقيق أهدافها، الأمر الذي يفرض على الحكومات وشركات التكنولوجيا إعادة رسم حدود الأمان في عصر الذكاء الاصطناعي.

اقرأ المزيد
٦ أغسطس ٢٠٢٦
حادثة مقتل الطفلة نور الدوس تفتح ملف الحضانة في القانون السوري

فتحت حادثة مقتل الطفلة نور الدوس الحديث مجدداً حول قضايا الحضانة وتنظيمها في القانون السوري، وما يرتبط بها من حقوق وواجبات على الحاضن، كما سلطت الضوء على حق كلٍّ من الأم أو الأب، الطرف الٱخر، في حال لم تكن الحضانة له، في اللجوء إلى القضاء واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية الطفل وضمان حصوله على حقوقه، خاصة عند وجود تقصير أو سوء معاملة.

وقال سلمان عبيدو، محامٍ أستاذ في نقابة المحامين في سوريا – فرع اللاذقية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قانون الأحوال الشخصية السوري (المرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته، ولا سيما القانون رقم 4 لعام 2019) ينظم مسألة الحضانة كحق للمحضون بالدرجة الأولى، بما يضمن توفير الرعاية السليمة والتنشئة المناسبة له.

وأضاف أن تنظيم الحضانة والمعايير الأساسية لتحديد الحاضن تبدأ بالسن القانونية، حيث تمتد حضانة النساء (الأم) للطفل، ذكراً كان أم أنثى، حتى إتمام سن الخامسة عشرة من عمره، وبعد بلوغ سن الـ 15 يُخيَّر المحضون أمام القاضي الشرعي بين البقاء لدى الأم أو الانتقال للعيش مع الأب، وتستمر الحضانة حتى بلوغ سن الرشد (18 سنة).

وأشار إلى الشروط الواجب توافرها في الحاضن وفق المادة (137)، والتي تشمل العقل والبلوغ والأهلية الكاملة، والأمانة الأخلاقية والسلوكية على الصغير، والقدرة البدنية والصحية والمالية على العناية بالطفل وتربيته، والخلو من الأمراض السارية أو المعدية الخطيرة التي تهدد صحة الطفل.

ونوّه عبيدو إلى التسلسل القانوني لانتقال الحضانة، وأوضح أنه وفقاً للتعديل الأخير للمادة (139) من القانون، ينتقل حق الحضانة بالترتيب التالي: الأم، ثم الأب (بشرط وجود من يعينه على رعاية الطفل في منزله كالزوجة أو الأم أو الأخت)، ثم أم الأم وإن علت، ثم أم الأب وإن علت، ثم الأخت الشقيقة، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب، ثم بنت الشقيقة، ثم بنت الأخت لأم، ثم بنت الأخت لأب، ثم الخالات، ثم العمات حسب الترتيب الشرعي، ثم العصبات من الذكور حسب ترتيب الإرث.

وبيّن حالات سقوط الحضانة قانوناً، فأوضح أنها تسقط عن الأم أو الأب إذا تحقق أحد الأسباب التالية: فقدان أحد شروط الأهلية، كالإصابة بمرض عقلي أو مرض معدٍ خطير، أو زواج الأم الحاضنة من رجل أجنبي (غير محرم للمحضون) ما لم تقدر المحكمة أن مصلحة المحضون تقتضي بقاءه معها، أو سوء السلوك الأخلاقي أو صدور حكم قضائي مبرم بحق الحاضن بجرم مخل بالشرف والآداب.

وأضاف أن من بين الأسباب أيضاً الإهمال الجسيم، كترك الصغير دون رعاية أو الامتناع عن تعليمه وعلاجه بما يعرض حياته أو مستقبله للخطر، أو الإخلال بحق الرؤية أو معارضة الولي عبر امتناع الحاضن عن تمكين الطرف الآخر من رؤية طفله أو تعطيل ولايته دون مسوغ مشروع، ولفت إلى أن المادة 141 تنص على أن حق الحضانة يعود إذا زال سبب سقوطه، كطلاق الأم من الزوج الأجنبي أو شفاء الحاضن.

وذكر سلمان عبيدو في تصريح خاص لـ شام الإجراءات القانونية عند تعرض الطفل للقسوة أو الإهمال، وأوضح أنه إذا كان الحاضن يعامل الطفل بقسوة أو يظلم رعيته، يمكن اتخاذ الخطوات التنسيقية والقانونية التالية: رفع دعوى "إسقاط حضانة" أمام المحكمة الشرعية المختصة بناءً على عدم صلاحية الحاضن وأهليته الأخلاقية أو الصحية.

وأشار إلى أنه يمكن أيضاً طلب التدابير المستعجلة عبر التقدم بطلب للقاضي الشرعي لاتخاذ قرار احترازي مؤقت بنزع الطفل وتسليمه للمستحق التالي حمايةً لسلامته الجسدية أو النفسية أثناء سير الدعوى، إضافة إلى الادعاء الجزائي (في حالات التعذيب والإيذاء) من خلال تقديم شكوى أمام النيابة العامة بجرم الإيذاء أو تعريض قاصر للخطر، ليتم تنظيم ضبط شرطة فوراً وعرض الطفل على الطب الشرعي.

وتحدث عن طرق الإثبات والأدلة المعتمدة قانوناً لإثبات عدم أهلية الحاضن أو سوء معاملته أمام القضاء الشرعي، وإلى اعتماد تقارير الطب الشرعي والتقارير الطبية الرسمية لإثبات الآثار الجسدية للإيذاء أو الضرب أو الاضطرابات النفسية، إضافة إلى التقرير الاجتماعي والخبرة القضائية من خلال تكليف الكشف الاجتماعي أو الخبرة الطبية والنفسية بواسطة خبراء معتمدين لمعاينة البيئة التي يعيش فيها الطفل.

وذكر أن وسائل الإثبات تشمل أيضاً شهادة الشهود عبر استماع القاضي لشهادات الجيران والمعلمين أو الأقارب ممن عاينوا الإهمال أو المعاملة القاسية، إلى جانب الضبوط والمحاضر الرسمية كضبوط الشرطة وأحكام القضاء الجزائي المبرمة الصادرة بحق الحاضن.

وأكد أن مدى مصلحة المحضون الفضلى تُعتبر المبدأ الحاكم والأساسي في كافة القرارات والنزاعات القضائية المتعلقة بالحضانة في سوريا، حيث تنص المادة (140) صراحة على أنه: "إذا تعدد أصحاب حق الحضانة فللقاضي حق اختيار الأصلح".

ونوه إلى أنه يملك القاضي الشرعي سلطة تقديرية واسعة لترجيح مصلحة الصغير النفسية والصحية والدراسية على النصوص الشكلية عند استثناء بعض الحالات (مثل إبقاء الحضانة مع الأم بعد زواجها إذا كان النقل يضر بالطفل).

وفي المحصلة، تبقى أحكام الحضانة في القانون السوري محكومة بجملة من الضوابط والمعايير التي تهدف إلى حماية الطفل وضمان رعايته في بيئة سليمة، مع منح القضاء سلطة تقديرية واسعة لمراعاة خصوصية كل حالة، بما يحقق المصلحة الفضلى للمحضون.

اقرأ المزيد
٦ أغسطس ٢٠٢٦
الذكاء العاطفي في بيئة العمل… مفتاح التوازن المهني ومواجهة الضغوط اليومية

مع تزايد الضغوط اليومية داخل بيئات العمل، لم يعد التعامل مع التحديات المهنية داخل المؤسسة مسألة مهارات تقنية أو خبرة فقط، بل أصبح يرتبط بقدرة الموظف على إدارة مشاعره وفهم سلوك من حوله، والتعامل بمرونة مع المواقف المختلفة، بما ينعكس على جودة الأداء واستقرار العلاقات داخل مكان العمل.

مهارات أساسية لتعزيز التوازن ومواجهة ضغوط العمل

قالت الأخصائية النفسية راما كريّم في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الذكاء العاطفي في بيئة العمل بات عنصراً أساسياً لا يقل أهمية عن الذكاء العقلي، موضحة أنه في وقتنا الحالي لم يعد الذكاء العقلي وحده كافياً للنجاح، وإنما أصبح النجاح مقترناً بالذكاء العاطفي والعقلي على حد سواء، إذ يمثل الذكاء العاطفي قدرة الموظف على رصد مشاعره وفهمها وإدارتها بذكاء، إلى جانب إمكاناته في قراءة انفعالات الآخرين وبناء علاقات مهنية متوازنة.

وأضافت أن الذكاء العاطفي في مواجهة الضغوط اليومية يمثل ما يشبه “ممتص الصدمات النفسية”، إذ يحمي الموظف من الانسياق نحو الاحتراق الوظيفي ويمنحه القدرة على فصل التحديات المهنية عن تقديره الذاتي، ما يحول ردود الفعل العاطفية العشوائية إلى استجابات عقلانية مدروسة ومثمرة.

وأشارت إلى أن هناك مجموعة من المهارات التي تساعد في إدارة المشاعر ضمن البيئات الضاغطة في العمل، أولها الوعي الذاتي الانفعالي، أي قدرة الموظف على تسمية مشاعره فور ولادتها مثل إدراك أنه يشعر بالقلق وليس الغضب، إضافة إلى مهارة التنظيم الذاتي التي تتمثل في ضبط الميول الانفعالية والتمهل قبل اتخاذ أي قرار أو رد فعل تحت تأثير الضغط.

ونوّهت كريّم إلى أهمية المرونة النفسية كقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات والمستجدات المهنية دون الشعور بتهديد شخصي، إلى جانب التعاطف المهني الذي يتيح رؤية الموقف من منظور الطرف الآخر، ما يمنع شخصنة الأمور.

وبيّنت أن مفتاح التعامل مع الزملاء أو المدراء الذين يتسببون بالتوتر يكمن في الإدارة الذاتية وليس في محاولة تغييرهم، موضحة أن ذلك يعتمد على استراتيجيات واضحة، أبرزها رسم الحدود النفسية من خلال إدراك أن سلوك المدير غير المحبب أو توتر الزميل هو انعكاس لضغوطه الداخلية وليس تقييمًا شخصياً.

ولفتت إلى أهمية استخدام لغة “أنا” الحازمة، عبر استبدال صيغ الاتهام بصيغ تعبيرية مهنية، فبدلاً من قول “أنت تسبب لي التوتر بطريقتك”، يمكن القول “أنا أحتاج إلى مساحة من الهدوء لأتمكن من إنجاز المهمة بدقة”، إضافة إلى اعتماد قاعدة التوقيت الذكي، من خلال تجنب مناقشة المواضيع الحساسة في أوقات الذروة أو عندما تكون الشحنات العاطفية في أعلى مستوياتها.

وذكرت أن من الأخطاء الشائعة عند محاولة التحكم بالمشاعر في العمل الكبت العاطفي، الذي يتمثل في التظاهر بالهدوء التام مع غليان داخلي، وهو فخ قد يؤدي لاحقًا إلى انفجار مهني مدمر أو إلى أعراض جسدية سيكوسوماتية مثل القولون العصبي والصداع النصفي، إلى جانب ما يُعرف بالإيجابية السامة التي تقوم على إجبار النفس على التفاؤل المزيف وإنكار المشاعر السلبية الطبيعية كالإحباط أو التعب.

استراتيجيات تحافظ على المهنية وتدعم بيئة آمنة

وتحدثت راما كريّم في تصريح خاص لـ شام عن التماهي مع الوظيفة كخطأ آخر، يتمثل في ربط الإنسان قيمته الذاتية بمدى رضا مديره عنه أو بإنتاجيته اليومية فقط، وأوضحت أن الاحترافية لا تعني التحول إلى روبوتات عديمة المشاعر، بل يمكن تحقيق التوازن بين التعبير عن المشاعر والحفاظ على المهنية من خلال التعبير اللفظي الذكي، كأن يقول الموظف “أنا أشعر بخيبة أمل من مخرجات المشروع السابق وأطمح للأفضل”، بدلاً من الصراخ أو البكاء في بيئة العمل.

وأكدت أهمية تفعيل قنوات التفريغ الخارجي عبر الكتابة الحرة بعد الدوام أو الحديث مع شخص مقرب خارج بيئة العمل، إلى جانب اعتماد قاعدة الـ24 ساعة في الرد على الرسائل الإلكترونية المستفزة، بحيث لا يتم الرد فوراً بل تُترك مسودة الرد ليوم كامل حتى يهدأ الجهاز العصبي وتتم مراجعتها بعقلانية، وشددت على ضرورة تطبيق تقنيات عملية تعزز الذكاء العاطفي ضمن فرق العمل، تبدأ بفصل الأداء عن الشخص عبر تدريب الفريق على نقد الفكرة أو المنتج دون نقد الإنسان الذي يقف خلفه.

وأفادت بأن الإنصات المتمركز حول الفهم يعد من الأدوات الأساسية، من خلال الاستماع للزميل بهدف استيعاب موقفه كاملاً، وليس بهدف تجهيز رد دفاعي سريع، وأكدت أهمية الأمان النفسي داخل بيئة العمل، عبر تشجيع القادة على خلق بيئة تسمح للموظف بالاعتراف بالخطأ أو طلب المساعدة دون الخوف من العقاب أو السخرية.

وفي سياق متصل، أكد اختصاصيون نفسيون أن الذكاء العاطفي في بيئة العمل لا يقتصر على إدارة المشاعر الفردية، بل يمتد ليشمل فهم ديناميكيات الفريق والتفاعل معها بمرونة، مشيرين إلى أن القدرة على قراءة المناخ العاطفي العام تساعد الموظف على اتخاذ قرارات أكثر اتزاناً، وتقلّل من احتمالات سوء الفهم بين الزملاء نتيجة اختلاف أساليب التواصل.

وأضافوا أن هذا النوع من الوعي يسهم بشكل مباشر في إدارة النزاعات داخل المؤسسات، إذ يساعد على احتواء التوتر والتركيز على جوهر المشكلة بدل الانجرار وراء ردود الفعل الانفعالية، كما أن القادة الذين يمتلكون مستوى مرتفعاً منه ينجحون في ترسيخ بيئة قائمة على الثقة والانفتاح، ما ينعكس إيجاباً على الأداء الجماعي والاستقرار المهني.

ترتبط مهارات الذكاء العاطفي في بيئة العمل بجملة من السلوكيات العملية، مثل الوعي بالمشاعر وتنظيمها قبل الاستجابة، واستخدام أساليب تواصل تقلّل من التوتر كالتعبير المهني الواضح، إلى جانب المرونة النفسية والتعاطف في التعامل مع الآخرين، كما تسهم هذه المهارات في الحد من سوء الفهم داخل الفرق، وتخفيف آثار الضغوط المستمرة، ما يدعم استقرار الأداء المهني.

اقرأ المزيد
٥ أغسطس ٢٠٢٦
تداخل الأدوار والمسؤوليات بين العمل والحياة وأثره على الفرد

يعيش الإنسان بين مسارين متوازيين؛ حياة مهنية تفرض متطلباتها اليومية، وحياة شخصية تقوم على الاستقرار والعلاقات الأسرية، غير أن الحفاظ على التوازن بينهما لا يكون متاحاً دائماً.


إذ يواجه البعض صعوبة في الفصل بين الجانبين، فتتداخل الضغوط وتنعكس من أحدهما على الآخر؛ فحمل هموم الأسرة إلى العمل قد يؤثر في الأداء والتركيز، كما أن نقل ضغوط العمل إلى المنزل ينعكس على طبيعة العلاقات وجودة الحياة اليومية، ما يجعل هذا التوازن تحدياً مستمراً.


قال الباحث والمحاضر الجامعي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية الثانية في حلب – قسم علم الاجتماع، سعد ويس في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه يهتم بدراسة الإنسان في بيئته الاجتماعية والمهنية، وما يطرأ على سلوكه من تغيرات نتيجة الضغوط والتحولات المعاصرة، وبين أنه يعمل أيضاً في مجال التدريب ويؤمن بأن نجاح المؤسسات يبدأ من الاهتمام بالإنسان قبل الأرقام، وأكد أن "العمل وسيلة لتحقيق جودة الحياة، وليس غاية تستهلك الحياة نفسها".


وأضاف أن بعض الأشخاص يواجهون صعوبة في الفصل بين حياتهم العملية والشخصية، لأننا نعيش في زمن ألغت فيه التكنولوجيا كثيراً من الحدود التقليدية بين المكتب والمنزل، حيث جعل الهاتف الذكي والبريد الإلكتروني وتطبيقات التواصل الموظف في حالة اتصال دائم بعمله، وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند التكنولوجيا، بل تمتد إلى ثقافة بعض المؤسسات التي تكافئ الحضور الدائم أكثر مما تقدّر جودة الإنجاز.


ونوّه إلى أن هناك جانباً نفسياً يتمثل في ربط بعض الأشخاص قيمتهم الذاتية بإنجازاتهم المهنية، ما يدفعهم للشعور بالذنب عند التوقف عن العمل، أو الاعتقاد بأن الراحة تعني التقصير، فتتحول الوظيفة تدريجياً إلى محور حياتهم بالكامل، ولفت إلى أنه "عندما تختفي الحدود بين العمل والحياة، يبدأ الإنسان بخسارة ذاته دون أن يشعر".


وذكر ويس أن عدم الفصل بين العمل والحياة الخاصة ينعكس نفسياً على المدى القريب بظهور اضطرابات النوم والقلق والتوتر وصعوبة التركيز وسرعة الانفعال، وبين أن استمرار هذه الحالة يقود إلى الاحتراق النفسي والاكتئاب والإرهاق المزمن وفقدان الدافعية والشعور بأن الحياة أصبحت سلسلة من الواجبات فقط.


ولفت إلى أن العديد من الدراسات تشير إلى أن التعرض المستمر للضغوط ينعكس أيضاً على الصحة الجسدية، ما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وضعف المناعة، وأوضح أن "العقل لا يميز بين ضغط مؤقت وضغط دائم؛ فإذا لم يحصل على فرصة للتعافي، سيدفع الجسد ثمن ذلك".


وتحدث عن أن الاحتراق النفسي لا يحدث بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة استنزاف طويل للطاقة النفسية والعاطفية، إذ إن العمل المستمر دون راحة والشعور بأن المطلوب يفوق القدرة يؤديان إلى نفاد المخزون النفسي تدريجياً.


وأوضح الباحث سعد ويس أنه مع مرور الوقت يفقد الإنسان شغفه، ويصبح العمل عبئاً، وتتراجع قدرته على التعاطف والتفاعل الإيجابي، حتى يصل إلى مرحلة يشعر فيها بالعجز عن تقديم المزيد مهما بذل من جهد، وأكد أن "أخطر أنواع الإرهاق هو ذلك الذي يجعل الإنسان حاضراً بجسده وغائباً بعقله وروحه".


وأكد أن نقل مشاكل العمل إلى المنزل يؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية، لأن الأسرة تحتاج إلى الحضور النفسي والعاطفي وليس الجسدي فقط، وأوضح أن الإنسان عندما يعود مثقلاً بالضغوط يصبح أقل صبراً وأكثر انفعالاً، ما ينعكس على جودة الحوار مع شريك الحياة والأبناء.


وأفاد في حديثه لـ "شام" بأن تكرار هذا النمط يحوّل الضغوط المهنية إلى توتر أسري، وقد يشعر أفراد الأسرة بالإهمال، رغم أن مصدر المشكلة خارج المنزل، وأشار إلى أن "المنزل يجب أن يكون مساحة للتعافي، لا امتداداً لمكتب العمل".


وبيّن ويس أن هناك علامات واضحة تدل على فقدان التوازن بين العمل والحياة، منها التفكير المستمر في العمل حتى أثناء الإجازات، وعدم القدرة على الاسترخاء، والشعور بالذنب عند الراحة، وإهمال الأسرة والهوايات والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى اضطرابات النوم والإرهاق المستمر وتراجع الرضا عن الحياة رغم تحقيق نجاحات مهنية.


وشدد على أن تحقيق التوازن يبدأ بقرار شخصي ويتطلب بيئة عمل داعمة، وذكر أن من الخطوات العملية تحديد وقت واضح لانتهاء الدوام، والامتناع عن متابعة الرسائل المهنية خارج أوقات العمل إلا عند الضرورة، وتخصيص وقت للأسرة، وممارسة الرياضة والهوايات، والحرص على الإجازات الدورية، وتعلم إدارة الوقت وتفويض بعض المهام.


وأضاف أن المؤسسات مطالبة ببناء ثقافة إدارية تقيس الموظف بإنجازه لا بعدد ساعات العمل، لأن الموظف المتوازن نفسياً أكثر إبداعاً وإنتاجية وولاءً لمؤسسته.


وأكد سعد ويس على أن التوازن بين العمل والحياة ليس معادلة مثالية يصعب الوصول إليها، بل مهارة يمكن تعلمها وممارستها يومياً، وشدد على أن الإنسان الذي يحافظ على صحته النفسية ويمنح أسرته وقتها ويؤدي عمله بإتقان هو الأكثر قدرة على الاستمرار والنجاح، وقال: "ليس النجاح أن تصل إلى القمة منهكاً، بل أن تصل إليها وأنت ما زلت تحتفظ بصحتك وأسرتك وسلامك الداخلي".


في المحصلة، يظهر أن التوازن بين العمل والحياة يرتبط بشكل مباشر بالصحة النفسية وجودة العلاقات والأداء المهني، في ظل تزايد الضغوط اليومية، كما يتبين أن تحقيق هذا التوازن يعتمد على مجموعة من العوامل الفردية والمؤسساتية، بما ينعكس على استقرار الإنسان وقدرته على الاستمرار في العمل والإنتاج.

اقرأ المزيد
٥ أغسطس ٢٠٢٦
خوف الطلاب من ارتكاب الخطأ أثناء التعلّم… أسبابه وتأثيراته داخل الصف

في العملية التعليمية، لا يقتصر التحدي على فهم المادة الدراسية، بل يمتد إلى كيفية تعامل الطالب مع الخطأ، إذ يتحول هذا الخطأ في كثير من البيئات الصفية من فرصة للتعلّم إلى مصدر قلق يحدّ من المشاركة ويضعف التفاعل، خاصة عندما يرتبط بالنقد أو الإحراج. 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية فهم الأسباب التي تجعل بعض الطلاب يخشون الوقوع في الخطأ، وما يترتب على ذلك من آثار على ثقتهم بأنفسهم ودافعيتهم، إلى جانب تسليط الضوء على دور المعلم والبيئة الصفية في تعزيز هذا الخوف أو الحدّ منه، وسبل تحويل الخطأ إلى أداة فاعلة تدعم التعلّم وتنمّي مهارات التفكير.

العوامل التي تُسهم في خوف الطلاب من ارتكاب الخطأ

قال الدكتور محمد الحمادي، عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الدراسات التربوية تشير إلى أن خوف بعض الطلاب من ارتكاب الخطأ أثناء التعلّم يعود إلى مجموعة من العوامل، أهمها الخوف من التقييم السلبي، إذ يخشى الطالب أن يؤدي الخطأ إلى انتقاد المعلم أو سخرية الزملاء، مما يهدد صورته أمام الآخرين.


وأضاف أن انخفاض الكفاءة الذاتية يُعد سبباً مهماً، فعندما لا يثق الطالب بقدرته على النجاح فإنه يفسر الخطأ على أنه دليل على عدم كفاءته، وليس جزءاً طبيعياً من عملية التعلّم، وأشار إلى أن الخبرات التعليمية السلبية السابقة، مثل التعرض المتكرر للعقاب أو التوبيخ أو النقد عند الوقوع في الخطأ، تجعل الطالب يربط الخطأ بالخوف.


ونوه إلى أن القلق الأكاديمي، وارتفاع مستوياته خاصة في المواقف الصفية أو الاختبارات، يزيد من خوف الطالب من ارتكاب الأخطاء، وبيّن أن النزعة إلى الكمالية تدفع بعض الطلاب إلى السعي نحو الأداء المثالي، فيعتبرون أي خطأ فشلاً شخصياً، ممّا يدفعهم إلى تجنب المشاركة أو المحاولة، ولفت إلى أن المناخ الصفي غير الداعم، عندما يفتقر إلى بيئة آمنة تشجع على التجريب وطرح الأسئلة، يسهم في زيادة خوف الطلاب من الخطأ.


وفيما يتعلق بتأثير هذا الخوف، ذكر الحمادي أن الخوف من ارتكاب الخطأ يؤثر سلبًا في مشاركة الطالب داخل الصف، إذ يدفعه إلى تجنب الإجابة عن الأسئلة أو طرح الاستفسارات أو المشاركة في المناقشات الصفية خوفاً من النقد أو الإحراج، وتحدث عن أن الطالب قد يفضل الصمت حتى عندما يعرف الإجابة، ويقل تفاعله مع المعلم وزملائه، ممّا يحد من فرص التعلّم النشط ويؤثر في ثقته بنفسه ودافعيته للتعلّم.


وأوضح أن الخوف من الخطأ يمكن أن يحدّ من التفكير والإبداع بشكل واضح، فالطالب الذي يخشى الوقوع في الخطأ يميل إلى اختيار الإجابات المألوفة والآمنة، ويتجنب تجربة أفكار جديدة أو تقديم حلول غير تقليدية، وأكد أن ذلك ينعكس أيضاً على انخفاض مستوى التفكير الناقد والإبداعي، لأن الإبداع يتطلب حرية التجريب وتقبّل احتمال الخطأ كجزءٍ طبيعي من عملية التعلّم.


وشدد على أن أسلوب المعلم يُعد من أكثر العوامل تأثيراً في تشكيل اتجاهات الطلاب نحو الخطأ، إذ يمكن أن يسهم في تعزيز الخوف أو الحد منه، وأفاد أنه إذا كان أسلوب المعلم قائماً على النقد أو العقاب، يزداد خوف الطالب من المشاركة والإجابة، ويتجنب طرح الأسئلة أو تجربة أفكار جديدة، وترتفع مستويات القلق، وتنخفض ثقته بنفسه، ويصبح هدفه تجنب الخطأ أكثر من السعي إلى التعلّم.


كما أوضح أنه في المقابل، إذا كان أسلوب المعلم داعماً ومشجعاً، يشعر الطالب بالأمان النفسي داخل الصف، ويدرك أن الخطأ جزء طبيعي من عملية التعلّم، ويزداد استعداده للمشاركة وطرح الأسئلة، وتتحسن ثقته بقدراته وإمكانياته للتعلّم، ويتشجع على التفكير الناقد والإبداع وتجربة حلول جديدة دون خوف من الفشل.

إمكانية تحويل الخطأ إلى فرصة للتعلّم

وأشار الدكتور محمد الحمادي في تصريح خاص لـ شام إلى إمكانية تحويل الخطأ إلى فرصة للتعلّم من خلال تبني ممارسات تربوية تجعل الخطأ جزءاً طبيعياً من عملية التعلّم، وليس مؤشراً على الفشل، وأضاف أن ذلك يتحقق عبر تغيير النظرة إلى الخطأ، بحيث يُقدَّم فرصةً لاكتشاف جوانب القصور وتحسين الأداء، وليس سبباً للعقاب أو الإحراج.


ولفت إلى أهمية تقديم تغذية راجعة بنّاءة تركز على كيفية تصحيح الخطأ وتحسين الأداء، بدلاً من الاكتفاء بالإشارة إلى وجوده، وذكر أن تحسين عقلية النمو يُعد من الأساليب الفعالة، من خلال ترسيخ قناعة لدى الطلاب بأن القدرات والمهارات يمكن تحسينها بالممارسة والجهد، وأن الأخطاء خطوة طبيعية في طريق التعلّم.

وتحدث عن ضرورة تهيئة بيئة صفية آمنة نفسياً تشجع على طرح الأسئلة والمناقشة والتجريب دون الخوف من السخرية أو الانتقاد، وأوضح أهمية تشجيع التأمل في الخطأ، عبر مساعدة الطالب على تحليل أسبابه واستخلاص الدروس المستفادة، ووضع خطة لتجنب تكراره، وأكد أن مكافأة المحاولة والاجتهاد، وليس التركيز فقط على الإجابة الصحيحة، تسهم في تعزيز الدافعية وتقليل الخوف من الفشل.


وشدد الحمادي على دور التعلم التعاوني، حيث يتيح تبادل الأفكار ومناقشة الأخطاء مع الزملاء، ممّا يقلل الشعور بالخجل ويحسن التعلّم المشترك، وأفاد أن نمذجة تقبّل الخطأ من قبل المعلم تُعد ممارسة مهمة، فعندما يعترف المعلم بخطئه ويبيّن كيفية تصحيحه، فإنه يرسخ لدى الطلاب أن الخطأ سلوك طبيعي يمكن التعلّم منه.


وأشار إلى أن الخوف من ارتكاب الخطأ يمثل عائقاً أمام التعلّم الفعّال، إذ يقلل من مشاركة الطلاب ويحدّ من تفكيرهم وإبداعهم ويضعف ثقتهم بأنفسهم، في حين يسهم تبني المعلم لأساليب داعمة وتوفير بيئة صفية آمنة وتعزيز ثقافة تقبّل الخطأ كفرصة للتعلّم، في تنمية الدافعية وتحسين نواتج التعلّم لدى الطلاب.

وفي سياق متصل، يؤكد مختصون في التربية أن خوف الطالب من ارتكاب الخطأ يرتبط غالباً بطريقة التعامل معه داخل الصف، إذ يتكوّن هذا الخوف عندما يشعر الطالب أن أي إجابة غير دقيقة ستُقابل بالنقد أو الإحراج، فيفضّل التزام الصمت على المشاركة، ومع تكرار هذا النمط، يتراجع حضوره داخل الحصة، ويصبح تركيزه منصباً على تجنّب الخطأ بدل محاولة الفهم، ما ينعكس على مستوى تفاعله وثقته بنفسه.


كما يشير تربويون إلى أن تقليل هذا الخوف لا يعتمد على التوجيه النظري فقط، بل على ممارسات واضحة داخل الصف، مثل إتاحة وقت كافٍ للتفكير، وتقبّل الإجابات غير المكتملة، والتعامل مع الخطأ بطريقة هادئة ومباشرة، ما يساعد الطالب على المشاركة دون تردد ويدفعه إلى المحاولة، وينعكس تدريجياً على تحسّن أدائه وقدرته على التفكير بشكل أوسع.


يرتبط الخوف من ارتكاب الخطأ داخل البيئة التعليمية بعوامل تربوية ونفسية متداخلة، تتأثر إلى حدٍّ كبير بأسلوب التدريس وطبيعة المناخ الصفي، وبينما قد يحدّ هذا الخوف من مشاركة الطالب ويؤثر في تطوّر مهاراته، فإن التعامل الواعي معه، إلى جانب تهيئة بيئة تعليمية داعمة، يتيحان تحويل الخطأ إلى عنصر إيجابي في عملية التعلّم، بما يسهم في تعزيز ثقة الطلاب بأنفسهم وتحسين جودة تعلّمهم على المدى البعيد.

اقرأ المزيد
٥ أغسطس ٢٠٢٦
حين تغيب الدافعية.. لماذا يفقد الطلاب رغبتهم في التعلم؟

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه العملية التعليمية، يبرز موضوع دافعية التعلم كأحد العوامل الأساسية التي تحدد مدى تفاعل الطالب مع دراسته واستمراريته في تحقيق النجاح، فليست القدرة وحدها كافية لضمان التفوق، بل يرتبط ذلك بدرجة كبيرة بمدى رغبة الطالب في التعلم واستعداده لبذل الجهد.

ومع تنوع المؤثرات التي تحيط بالطالب، من بيئة أسرية وتعليمية واجتماعية، تتباين مستويات الدافعية بين الأفراد، ما يفتح المجال أمام تساؤلات حول العوامل التي تسهم في تعزيزها أو إضعافها، ودور كل من الأسرة والمدرسة في دعم هذا الجانب الحيوي.

العوامل المؤثرة في دافعية التعلم

قال المختص النفسي أحمد حمشو، دراسات عليا في الإرشاد النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن هناك عوامل متعددة تؤثر في مستوى دافعية التعلم لدى الطلاب، وأشار إلى أن هذه العوامل تختلف من طالب إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى.

وأضاف أن مراجع علم النفس التربوي تشير إلى مجموعة من العوامل التي تؤثر في مستوى دافعية التعلم، منها ما يتعلق بالطالب نفسه كاتجاهاته وقيمه وإدراكه لمعنى الحياة ولقيمة ما يتعلمه، إضافة إلى الأحداث الضاغطة التي يمر بها، وصحته النفسية، وخبراته السابقة، إلى جانب عوامل خارجية كالمدرسة والأسرة والأصدقاء والبيئة المحيطة.

ونوّه إلى أن المدرس يعد من أبرز هذه العوامل، إذ تؤثر شخصيته وأسلوبه وطريقة تدريسه وقدرته على تعزيز الطلاب في مستوى دافعيتهم، وأوضح أن المعلّم الذي يشرح المادة شرحاً واضحاً، ويربطها بحياة الطلاب واهتماماتهم، وينوّع في طرائق التدريس، ويتيح لهم فرص الحوار والمشاركة، يسهم في رفع مستوى الدافعية لديهم.

دور الأسرة والأصدقاء 

وذكر حمشو أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المدرس، ولفت النظر إلى أن الطريقة التي تتعامل بها الأسرة مع الابن ودراسته تُعد من العوامل المؤثرة أيضاً، فعندما تهتم الأسرة بالعلم وتقدّر التعلم والتقدم، وتستمع إلى الصعوبات التي تواجه ابنها، وتساعده على تنظيم وقته وتشجعه، فإنها تسهم في رفع مستوى الدافعية لديه، في حين أن انخفاض توقعات الأهل أو عدم الاهتمام بتعلّم ابنهم قد يجعله يرى أن الدراسة غير مهمة.

وبيّن في تصريح خاص لـ شام أن الأصدقاء يؤثرون كذلك في دافعية الطالب، فقد يكونون عاملاً مثبطاً إن كانوا ينظرون إلى الدراسة نظرة دونية أو يسخرون من الطلاب المجتهدين، وأكد أن أهمية هذا العامل تزداد في مرحلة المراهقة نظراً لتأثير الأصدقاء الكبير في هذه المرحلة.

ولفت الانتباه إلى أهمية اطلاع المدرسين على نموذج كيلر (Keller, 1987) الوارد في كتاب مبادئ علم النفس التربوي للدكتور عماد الدين الزغول، إذ يساعدهم على إثارة الدافعية لدى المتعلمين، ويشتمل النموذج على إثارة الاهتمام لدى المتعلم نحو موضوع التعليم، وملاءمة المحتوى لدوافعه، وتوضيح المفاهيم وتبسيطها، واستخدام أمثلة من البيئة التي يعيش فيها المتعلم، إضافة إلى استخدام معززات متنوعة كالمديح ولوحات الشرف وشهادات التقدير وعرض أعمال الطالب في الصف أو المدرسة.

وذكر أحمد حمشو أن الأهل الذين يلاحظون تدني مستوى دافعية التعلم لدى ابنهم ينبغي أن يشجعوه على وضع أهداف صغيرة وواقعية يمكن تحقيقها، لأن ذلك يساعده على البدء ويمنحه شعوراً بالإنجاز، مؤكداً على أهمية إظهار الاهتمام بدراسته وتقدمه ومتابعته بشكل لطيف ومستمر.

تبقى دافعية التعلم نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المرتبطة بالطالب وبيئته، سواء داخل المدرسة أو ضمن الأسرة والمحيط الاجتماعي، وهو ما يفسر اختلاف مستوياتها بين الأفراد، ويشير ذلك إلى أهمية الانتباه لهذه الجوانب مجتمعة عند التعامل مع ضعف الدافعية، بما يساعد على خلق بيئة أكثر دعماً لاستمرار الطالب في التعلم وتقدمه.

اقرأ المزيد
٥ أغسطس ٢٠٢٦
نقيب أطباء حماة لـ"شام": خارطة طريق وطنية لتطوير طب حديثي الولادة وتحديث أقسام الحواضن

انطلقت في مدينة حماة أعمال المؤتمر الأول لتطوير طب حديثي الولادة تحت شعار "لأجل مستقبل أفضل لحديثي الولادة"، برعاية وزارة الصحة ونقابة أطباء سوريا، وتنظيم نقابة أطباء حماة، وبحضور وزير الصحة الدكتور مصعب العلي، ومحافظ حماة عبدالرحمن السهيان، ونقيب أطباء سوريا الدكتور مالك العطوي، إلى جانب مشاركة واسعة من الأطباء والاستشاريين والخبراء من داخل سوريا وخارجها، حضورياً وعبر الجلسات الإلكترونية.

وحسب المخرجات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة يهدف المؤتمر إلى تطوير خدمات رعاية حديثي الولادة، وتحسين الممارسات الطبية، وتبادل الخبرات بين المختصين، ومواكبة أحدث المستجدات العلمية في هذا الاختصاص، بما يسهم في رفع مستوى الخدمات الصحية المقدمة للأطفال حديثي الولادة.

وأكد وزير الصحة الدكتور مصعب العلي، خلال افتتاح المؤتمر، أن رعاية حديثي الولادة تمثل استثماراً في مستقبل الإنسان، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على تطوير هذا القطاع من خلال توحيد البروتوكولات العلاجية، وتأهيل الكوادر الطبية، وتحسين جودة الرعاية الصحية ومنظومة الإحالة، بالتعاون مع الكفاءات الطبية السورية في الداخل والخارج.

وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تقييماً شاملاً لخدمات حديثي الولادة في مختلف المشافي، واعتماد بروتوكولات وطنية موحدة، وتوسيع برامج التدريب والتأهيل، وتطوير منظومة الإسعاف والإحالة، بما يسهم في رفع جودة الرعاية الصحية وخفض معدلات الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة.

وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أكد نقيب أطباء حماة الدكتور محمد شريف، أن المؤتمر الأول لتطوير طب حديثي الولادة يمثل محطة مفصلية في مسار تطوير هذا الاختصاص في سوريا، موضحاً أنه لم يكن مجرد فعالية علمية، وإنما نقطة انطلاق لوضع رؤية وطنية متكاملة للنهوض بخدمات رعاية حديثي الولادة.

وقال إن المؤتمر خرج بجملة من المخرجات والتوصيات التي تركز على تحديث البروتوكولات العلاجية وفق أحدث الأدلة العلمية والمراجع الطبية العالمية، وتعزيز برامج التعليم الطبي المستمر، وتكثيف التدريب للأطباء والكوادر التمريضية، وتطوير أقسام حديثي الولادة والعناية المشددة، إلى جانب توسيع التعاون مع الخبرات السورية في الداخل والخارج.

وأضاف الدكتور شريف أن المؤتمر أكد أيضاً ضرورة إنشاء شبكة وطنية لتبادل الخبرات بين الأطباء والمؤسسات الصحية، وإطلاق مبادرات بحثية وعلمية متخصصة تسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية للأطفال حديثي الولادة، مشدداً على أن الاستثمار في هذه المرحلة العمرية يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل المجتمع وصحة أجياله القادمة.

وحول انعكاس مخرجات المؤتمر على واقع المشافي في محافظة حماة، أوضح شريف أن التطوير الحقيقي لا يقتصر على توفير أجهزة ومعدات حديثة، بل يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في الكوادر البشرية، والمنظومة الصحية، والتجهيزات الطبية.

وأشار إلى أن المؤتمر وضع خارطة طريق واضحة لتطوير أقسام الحواضن والعناية المشددة للأطفال، من خلال رفع كفاءة الأطباء والممرضين، واعتماد بروتوكولات علاجية موحدة، وتحسين معايير الجودة وسلامة المرضى، والعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة لتطوير التجهيزات الطبية والبنية التحتية وفق أولويات مدروسة، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين جودة الخدمات الصحية والنتائج العلاجية للأطفال حديثي الولادة في محافظة حماة.

وفي معرض حديثه عن تأهيل الكوادر، أوضح نقيب أطباء حماة أن هناك شراكة حقيقية بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء تقوم على مبدأ أن تطوير القطاع الصحي يبدأ بتطوير العنصر البشري، مؤكداً العمل على تحويل التعليم الطبي المستمر إلى نهج دائم عبر تنظيم مؤتمرات تخصصية، ودورات تدريبية، وورش عمل تطبيقية، وبرامج تدريب سريري داخل المشافي، مع الاستفادة من الخبرات الوطنية والكفاءات السورية المنتشرة في مختلف دول العالم.

وأكد أن الكوادر التمريضية ستكون شريكاً أساسياً في هذه البرامج، نظراً لدورها المحوري في منظومة رعاية حديثي الولادة، مشيراً إلى أن العمل بروح الفريق بين الأطباء والممرضين يشكل الأساس للوصول إلى أفضل النتائج الطبية.

وفيما يتعلق بمستقبل هذه المبادرة، أعرب شريف عن أمله في تعميم تجربة المؤتمر على مختلف المحافظات السورية، معتبراً أن النجاح الذي تحقق في حماة يثبت قدرة التعاون بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء على إطلاق مبادرات علمية ذات أثر مباشر على تطوير الواقع الصحي.

وأضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد سلسلة من المؤتمرات التخصصية في مختلف الاختصاصات الطبية، بما يضمن استمرار تطوير المعرفة الطبية وتبادل الخبرات، باعتبارهما أساساً لتطوير الخدمات الصحية والارتقاء بجودة الرعاية المقدمة للمواطنين.

وختم نقيب أطباء حماة تصريحه لشبكة شام الإخبارية بالتأكيد على أن نقابة أطباء حماة ستبقى شريكاً فاعلاً في جميع المبادرات العلمية والمهنية التي تسهم في تطوير المهنة الطبية، ودعم الكوادر الصحية، والارتقاء بمستوى الخدمات العلاجية، بما ينعكس إيجاباً على صحة المرضى وجودة الرعاية الصحية في سوريا.

وتأتي تصريحات نقيب أطباء حماة في وقت تواصل فيه وزارة الصحة تنفيذ خطوات لتطوير القطاع الصحي في المحافظة، حيث بحث وزير الصحة الدكتور مصعب العلي مع محافظ حماة عبد الرحمن السهيان سبل الارتقاء بالخدمات الطبية، واحتياجات المشافي والمراكز الصحية، وآليات دعمها بالكوادر والتجهيزات، إلى جانب متابعة المشاريع الصحية وخطط إعادة التأهيل.

وفي إطار هذه الجهود، افتتح وزير الصحة أول مركز متخصص للعلاج الشعاعي في المنطقة الوسطى والشمالية بمدينة حماة، بدعم من منظمة SAMS وبالتعاون مع جمعية أعمال البر، ليقدم خدمات علاج الأورام لأكثر من ستة ملايين نسمة، ويخفف أعباء السفر وفترات الانتظار الطويلة للمرضى.

كما شهدت المحافظة افتتاح قسم العناية المشددة في مشفى الأطفال والتوليد بطاقة استيعابية تبلغ 10 أسرّة، مزوداً بـ8 أجهزة تنفس اصطناعي و4 حواضن، إلى جانب استكمال تجهيزه بالمعدات والأدوية وتأمين الكوادر المؤهلة، ما أسهم في مضاعفة الطاقة الاستيعابية للقسم بنسبة تقارب 100% خلال العام الجاري، ضمن خطة الوزارة لتوسيع الخدمات الصحية التخصصية وتعزيز رعاية الأطفال وحديثي الولادة.

اقرأ المزيد
٤ أغسطس ٢٠٢٦
من هو العلامة الراحل مازن المبارك الذي كرّمته وزارة الثقافة في المكتبة الوطنية بدمشق؟

أعلنت وزارة الثقافة يوم الأربعاء 4 آب/ أغسطس، تكريم أحد أبرز أعلام اللغة العربية في العصر الحديث، العلامة الراحل الدكتور مازن عبد القادر المبارك، عبر حفل تكريم أقيم في المكتبة الوطنية السورية بدمشق، وفاءً لإرثه اللغوي والثقافي، وتقديراً لعطاء امتد لعقود طويلة في ميادين النحو والتحقيق والتأليف والتعليم.

وشارك في الحفل وزير الثقافة الأستاذ محمد ياسين الصالح، الذي كرم الراحل بتسليم درع التكريم إلى نجله الدكتور زاهر المبارك، بحضور عدد من الأدباء واللغويين والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي، في مناسبة استحضرت مكانة عالم كرّس حياته للغة العربية، وجعل من البحث والتدريس والتأليف مشروعاً علمياً متواصلاً.

وأكد وزير الثقافة أن تكريم الدكتور مازن المبارك يمثل وفاءً لقامة علمية وثقافية تركت أثراً عميقاً في المشهد العربي، مشيراً إلى أن الراحل لم يكن مجرد أستاذ جامعي أو باحث في علوم اللغة، بل كان أحد حراس العربية الذين جمعوا بين دقة العالم وخلق المعلم، وتركوا بصمة واضحة في مسيرة الفكر والثقافة السورية والعربية.

وتضمن الحفل ندوة فكرية شارك فيها الأستاذ الدكتور محمد حسان الطبّان والدكتور أيمن الشوا، تناولت محطات من حياة العلامة الراحل ومسيرته العلمية، واستعرضت جهوده في دراسة النحو العربي وتحقيق كتب التراث، إضافة إلى دوره في خدمة اللغة العربية وتعزيز حضورها في المؤسسات العلمية والجامعية.

ابن دمشق الذي خرج من بيت العلم

ولد الدكتور مازن المبارك في دمشق عام 1930، في أسرة علمية عريقة ارتبط اسمها باللغة والمعرفة، فهو ابن العلامة الشيخ عبد القادر المبارك، أحد الأعضاء المؤسسين للمجمع العلمي العربي الذي أصبح لاحقاً مجمع اللغة العربية بدمشق، وشقيق الأستاذ والمفكر محمد المبارك.

نشأ الراحل في بيئة دمشقية عرفت بالعلم والاهتمام بالتراث العربي، حيث كان للبيت الذي تربى فيه أثر كبير في تكوين شخصيته العلمية، فنهل من مجالس العلماء وكتب اللغة والأدب، قبل أن يبدأ رحلته الأكاديمية التي قادته إلى أن يصبح واحداً من أبرز المتخصصين في علوم العربية.

وتعود جذور أسرته إلى الشيخ محمد المبارك الدلسي القيرواني، الذي قدم إلى دمشق مع الأمير عبد القادر الجزائري بعد عام 1854، واستقرت الأسرة في المدينة، محافظة على حضورها العلمي والثقافي عبر أجيال متعاقبة.

رحلة علمية من دمشق إلى القاهرة

تلقى مازن المبارك علومه الأولى في دمشق، ثم التحق بجامعة دمشق حيث حصل على إجازة في الآداب وأهلية التعليم الثانوي، قبل أن يتابع دراساته العليا في جامعة القاهرة، التي نال منها درجتي الماجستير والدكتوراه في الآداب وعلوم اللغة العربية.

شكلت هذه الرحلة العلمية أساساً لمساره البحثي، إذ انصرف منذ بداياته إلى دراسة قضايا النحو العربي، وتحليل مؤلفات أعلام اللغة، وإعادة قراءة التراث النحوي بمنهج علمي يجمع بين التحقيق والدراسة النقدية.

وخلال مسيرته الجامعية، ارتبط بعلاقات علمية مع عدد من أعلام عصره، وكان من بين زملائه في جامعة دمشق الدكتور عبد الكريم الأشتر والأستاذ عاصم بهجة البيطار، ضمن جيل علمي أسهم في إثراء الحياة الثقافية السورية.

أستاذ جامعي وصانع أجيال

أمضى الدكتور مازن المبارك سنوات طويلة في التدريس الجامعي، متنقلاً بين عدد من الجامعات العربية، فدرّس في جامعة دمشق، وجامعة الرياض، وجامعة قطر، والجامعة اللبنانية، كما تولى رئاسة قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي.

وخلال عمله الأكاديمي، لم يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل أسهم في بناء أجيال من الباحثين والمتخصصين في اللغة العربية، وكان معروفاً بقدرته على الجمع بين عمق المادة العلمية ووضوح العرض، ما جعله قريباً من طلابه ومحبيه.

كما كان عضواً في اتحاد الكتاب العرب منذ تأسيسه، وعضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بدمشق، وشارك في أعمال لجانه العلمية المتخصصة، ولا سيما اللجان المرتبطة بالمعجمات واللغة العربية وعلومها والمعجم التاريخي للغة العربية.

إرث لغوي ومكتبة حافلة بالمؤلفات

ترك العلامة مازن المبارك وراءه إنتاجاً علمياً واسعاً شمل التأليف والتحقيق والدراسات اللغوية، وأصبحت العديد من كتبه مراجع أساسية في الدراسات العربية الحديثة.

ومن أبرز مؤلفاته كتاب "الرماني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه"، الذي تناول فيه شخصية أحد كبار علماء النحو العربي، وكتاب "الزجاجي: حياته وآثاره ومذهبه النحوي"، إضافة إلى كتب "النحو العربي"، و"النصوص اللغوية"، و"الموجز في تاريخ البلاغة"، و"نحو وعي لغوي".

كما اهتم بقضايا اللغة العربية المعاصرة، فألف كتباً تناولت مكانة العربية في التعليم والبحث العلمي، ومن بينها "اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي"، و"اللغة العربية هوية ونسب"، و"اللغة العربية حصن الأمة"، مؤكداً أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل مكوّن أساسي من مكونات الهوية والثقافة.

محقق للتراث وحارس للنصوص القديمة

إلى جانب التأليف، كان للدكتور مازن المبارك دور بارز في تحقيق كتب التراث العربي وإخراجها بصورة علمية، ومن أهم أعماله تحقيق كتاب "الإيضاح في علل النحو" للزجاجي، وتحقيق "مغني اللبيب" لابن هشام بالاشتراك مع الأستاذ محمد علي حمد الله، بإشراف أستاذهما العلامة سعيد الأفغاني.

كما حقق عدداً من مؤلفات ابن جني والزجاجي، ومنها "كتاب اللامات"، و"المباحث المرضية المتعلقة بمن الشرطية"، و"المقتضب"، و"الألفاظ المهموزة"، و"عقود الهمز"، ليترك بذلك أثراً مهماً في حفظ النصوص النحوية وإتاحتها أمام الباحثين.

شيخ النحاة وجائزة تقدير عربية

حظي الدكتور مازن المبارك بمكانة واسعة بين علماء العربية، حتى وصفه تلامذته بـ"شيخ النحاة"، نظراً إلى سعة اطلاعه وتمكنه من علوم اللغة والنحو، وقدرته على الربط بين التراث العربي واحتياجات العصر.

وفي عام 2025، نال جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية تقديراً لمسيرته العلمية وإسهاماته في خدمة العربية، لتكون واحدة من محطات التكريم التي سبقت رحيله.

كما أفرد تلميذه الدكتور أحمد محمد قدور كتاباً بعنوان "مازن المبارك: جهوده العلمية وجهاده في سبيل العربية"، تناول فيه سيرته ومسيرته العلمية وإسهاماته في الدفاع عن اللغة العربية.

رحيل عالم بعد قرن من العطاء

توفي العلامة الدكتور مازن المبارك في دمشق في 25 تموز/يوليو 2026، عن عمر ناهز مئة عام هجرية، بعد حياة امتدت قرابة قرن من الزمن، أمضاها في التدريس والبحث والتأليف والتحقيق.

وشُيّع جثمانه بعد الصلاة عليه في جامع الطيب المبارك بحي المزة في دمشق، بحضور عدد من العلماء والمثقفين وطلابه ومحبيه، وأقيم له تأبين شارك فيه عدد من الشخصيات الدينية والعلمية، قبل أن يوارى الثرى في مقبرة الباب الصغير.

ونعت الراحل جهات رسمية وثقافية عدة، بينها مجمع اللغة العربية بدمشق، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الثقافة، واتحاد الكتاب العرب، معتبرة رحيله خسارة كبيرة للثقافة العربية وللمشهد العلمي السوري.

وبرحيل الدكتور مازن المبارك فقدت العربية واحداً من أبرز علمائها في العصر الحديث، غير أن مؤلفاته وتحقيقاته وطلابه ستبقي حضوره قائماً، شاهداً على مسيرة عالم جعل من اللغة العربية رسالة عمر وحياة.

اقرأ المزيد
٤ أغسطس ٢٠٢٦
انتحال الهوية عبر الإنترنت… احتيال يواجه المساءلة القانونية

شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة تزايداً في حالات انتحال الشخصية، حيث اشتكى عدد من الأشخاص من قيام مجهولين بإنشاء حسابات وصفحات بأسمائهم واستخدام صورهم الشخصية، والتواصل مع الآخرين على هذا الأساس.


وفي بعض الحالات، عمد المنتحلون إلى طلب مبالغ مالية من معارف الضحايا، مستغلين الثقة المرتبطة بأسمائهم، فيما تجاوز الأمر ذلك أحياناً إلى نشر محتوى أو منشورات قد تسيء إلى أصحاب الهوية الحقيقية أو تتسبب لهم بمشكلات اجتماعية أو قانونية.


وتعكس هذه الممارسات أحد أبرز أشكال الاحتيال الإلكتروني وانتحال الشخصية عبر منصات التواصل، ما يسلط الضوء على خطورة هذه الظاهرة واتساع نطاقها في الآونة الأخيرة، وأمام تصاعد هذه الممارسات، يطرح ذلك تساؤلات حول توصيفها القانوني والإجراءات التي يمكن اتخاذها لملاحقة مرتكبيها والحد من انتشارها.


التكييف القانوني لـ جريمة انتحال الشخصية

في هذا السياق، قال الدكتور ركان رحال، محاضر في القانون الدولي ومحامٍ مزاول في سوريا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن انتحال الشخصية رقمياً يُعد جريمة تزوير معلوماتي واعتداءً صريحاً على الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة، موضحاً أن الحساب المزيّف ليس مجرد "مزحة"، بل هو انتحال هوية تُعاقب عليه القوانين بالجدية نفسها التي يُعاقَب بها التزوير في الواقع.


وأضاف أن قيام شخص بطلب مبالغ مالية من الآخرين باستخدام أسماء وصور أشخاص آخرين ينقل الفعل من مجرد انتحال صفة إلى جريمة احتيال إلكتروني كاملة الأركان، حيث يستخدم الجاني مناورات احتيالية ويستغل ثقة الناس باسم الشخص وصورته لإيهامهم بسيناريوهات كاذبة وسلب أموالهم، ما يعني أنه جمع بين جريمتي التزوير الرقمي والاحتيال.


وأشار إلى أن العقوبات القانونية المترتبة على هذه الأفعال، في حال ثبوتها، منصوص عليها في قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، حيث تُطبق عقوبات متدرجة ومشددة، مبيناً أن انتحال الشخصية والتزوير الرقمي وفق المادتين 24 و28 يُعاقب عليه بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة مالية تتراوح بين 500 ألف إلى مليون ليرة سورية.


عقوبة الاحتيال الإلكتروني 


ونوّه رحال إلى أن الاحتيال الإلكتروني وجمع الأموال وفق المادة 21 يؤدي إلى مضاعفة العقوبة لتصل إلى الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات، وغرامة مالية من 2.5 إلى 3 ملايين ليرة سورية، وذلك في حال كان الاحتيال على الأموال العامة أو الجمعيات الخيرية، أو في حال الاستيلاء على مبالغ كبيرة بما يشكل ضرراً جسيماً، أو عند استغلال القاصرين أو كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة، أو في حال تعدد الضحايا ضمن ما يُعرف بالاحتيال المنظم.


وبيّن أن الحق المدني يُلزم الجاني بإرجاع كافة الأموال المسلوبة، مع حق الضحية في المطالبة بتعويض مدني عن الضرر المعنوي الذي لحق بسمعته، ولفت إلى أن إثبات وقوع جريمة انتحال الشخصية والاحتيال الإلكتروني يعتمد على أدلة وتقنية قاطعة، مؤكداً أن البرهان الرقمي لا يكذب.


وذكر أن من أبرز هذه الأدلة التوثيق الرقمي، من خلال لقطات الشاشة المحفوظة التي تُظهر اسم الحساب ورابطه (URL) أو رقم الهاتف، إضافة إلى الخبرة الفنية الرقمية المتمثلة في التقرير الصادر عن فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية، والذي يتضمن استخراج المعرف الرقمي (IP Address).


أهمية الأدلة المالية


وتحدث الدكتور ركان في تصريح خاص لـ شام عن الأدلة المالية، موضحاً أنها تشمل إيصالات التحويل المالي عبر شركات الهرم أو الفؤاد أو المحافظ الإلكترونية، والتي تُعد من أهم الأدلة التي تربط الجاني بالجريمة، وأوضح أن الإجراءات القانونية التي يجب على المتضرر اتخاذها فور اكتشاف هذه الأفعال تقوم على ما وصفه بـ"القاعدة الذهبية: التوثيق – التنبيه – الشكوى"، حيث يتمثل التوثيق في حفظ المحادثات ورابط الحساب فوراً وقبل أن يقوم الجاني بحذفها أو حظر الضحية.


وأكد أن التنبيه يتم عبر نشر تنبيه علني سريع على الحساب الأصلي ينفي العلاقة بالحساب المزيف، بهدف حماية المعارف والجمهور من الوقوع ضحية الاحتيال، وشدد على أن الشكوى تتطلب التحرك القانوني الفوري من خلال تقديم شكوى رسمية أمام النيابة العامة أو مراجعة فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية لفتح ضبط شرطة وتتبع الحساب.


وأفاد بأنه يمكن تتبع الجاني قانونياً حتى في حال استخدامه حسابات أو أرقاماً وهمية، مؤكداً أنه لا يوجد إخفاء تام على شبكة الإنترنت، وأن الأرقام الوهمية لا توفر الحماية للجاني، حيث يتم تتبعه عبر العنوان الرقمي (IP Address) من خلال المزودات، إضافة إلى نقطة استلام الأموال، إذ لا تتم أي عملية استلام مالي دون تقديم هوية شخصية حقيقية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى كشف الجناة.


ويرى محامون أن مخاطر انتحال الشخصية عبر وسائل التواصل لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد لتشمل الإضرار بالسمعة والاعتبار الشخصي، خاصة عند استخدام الحسابات المزيفة في نشر محتوى مسيء أو التفاعل باسم الضحية، ما قد يندرج ضمن جرائم التشهير ويستدعي الملاحقة القانونية.


كما يشيرون إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب تحركاً سريعاً من المتضرر، من خلال الإبلاغ عن الحسابات المزيفة واتخاذ الإجراءات المناسبة، إلى جانب دور منصات التواصل في الاستجابة للشكاوى، بما يحد من انتشار هذه الظاهرة ويخفف من آثارها.


وتستمر حالات انتحال الشخصية والاحتيال الإلكتروني في الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ظل تنوع أساليبها واعتمادها على استغلال الثقة والعلاقات بين المستخدمين، ما يجعل التعامل معها مرتبطًا بمتابعة الإجراءات القانونية المعتمدة وتوافر الأدلة الرقمية لإثباتها.

اقرأ المزيد
5 6 7 8 9

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٦ أكتوبر ٢٠٢٦
مواجهة خطاب الكراهية في سوريا.. كيف نوازن بين حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٤ أكتوبر ٢٠٢٦
بين العقيدة والمصلحة.. هل تحكم الرواية الدينية الإسرائيلية مسار التفاوض مع سوريا؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان