التحريض في القانون السوري… الكلمة التي قد تتحول إلى جريمة
يعتقد البعض أن المسؤولية عن وقوع الجريمة أو أي فعل مخالف للقانون تقع فقط على عاتق من قام بالفعل بشكل مباشر، غير أن هذا التصور لا يعكس الصورة القانونية الكاملة، إذ لا تقتصر المسؤولية في كثير من الحالات على الفاعل وحده، بل تمتد لتشمل أيضاً من ساهم في دفعه أو توجيهه نحو ارتكاب الفعل.
وفي هذا الإطار يبرز مفهوم التحريض في القانون السوري كعنصر أساسي في تحديد المسؤولية الجنائية، حيث لا يُنظر إليه كدور ثانوي، بل كفعل مشترك قد يترتب عليه عقاب قانوني واضح.
في هذا السياق، قال الدكتور ركان رحال، محاضر في القانون الدولي ومحامٍ مزاول للمهنة في سوريا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التحريض يُعرَّف ببساطة على أنه زرع “فكرة الجريمة” في رأس شخص آخر ودفعه لارتكابها، حيث يكون المحرض هو “المخرج” الذي يخطط ويوجه، بينما يكون الفاعل هو “الممثل” الذي ينفذ على أرض الواقع، ولولا المخرج لما كانت الجريمة لتحدث.
وأشار إلى أن الفيصل في التمييز هو “الدعوة للفعل”، فالرأي يتمثل في قول: “أنا أكره هذا التصرف”، أما التحريض فيتمثل في قول: “اذهبوا واضربوا صاحب هذا التصرف”، وعندما يتحول الكلام من مجرد وجهة نظر إلى “أمر عمليات” أو دعوة صريحة لإيذاء الآخرين أو خرق القانون، ينتهي الرأي وتبدأ الجريمة.
وأضاف أن المسؤولية القانونية في أغلب القوانين تكون العقوبة فيها واحدة، لأن المحرض هو “الرأس المدبر” والسبب الحقيقي للجريمة، فالشخص الذي يضغط على الزناد يُعد مجرماً، لكن الشخص الذي يقنع بالقتل ويوفر المبرر يُعتبر أخطر، لأنه يمتلك القدرة على تحريض عشرات آخرين.
وأوضح أن القاضي يعتمد في إثبات جريمة التحريض على ثلاثة عناصر، تتمثل في دليل ملموس مثل صوت أو صورة أو منشور أو رسالة تثبت عملية التحريض، وتحريض مباشر تكون فيه الدعوة واضحة لارتكاب جريمة محددة وليست مجرد كلام عام، إضافة إلى نية واضحة تدل على القصد والتعمد في دفع الشخص للأذى وليس على سبيل المزاح.
وبيّن أن حرية التعبير سقفها واسع طالما أنها تبني ولا تهدم، إذ يحق للشخص أن ينتقد قانوناً أو أداء مسؤول أو فكرة مجتمعية بأقسى العبارات، لكن عندما ينتقل الكلام من نقد “الفكرة” إلى التحريض على إيذاء شخص أو حرق الممتلكات، هنا يسقط قناع حرية التعبير ويظهر وجه الجريمة.
وتحدث عن دور وسائل التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أنها “شاهد إثبات ومتاهة في آن واحد”، فهي تسهّل الإثبات لأنها تقدم دليلاً رقمياً موثقاً بالصوت والصورة، إذ إن المنشور أو الفيديو يُعد بمثابة اعتراف موثق، لكنها في المقابل تعقّد الإثبات بسبب الحسابات الوهمية وصعوبة تحديد هوية الفاعل الحقيقي أو عند استخدام أساليب مبطنة في التحريض.
ونوّه إلى أن القاعدة الذهبية في القانون هي: “من حرض على جرم نال عقوبته”، فإذا كان التحريض على قتل فإن العقوبة قد تصل إلى الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، وإذا كان التحريض على ضرب أو سرقة فإن المحرض ينال عقوبة الفاعل، فالكلمة في القانون تأخذ وزن الفعل المادي تماماً.
ولفت إلى أن النصيحة القانونية لتجنب الوقوع في هذا الفخ تتمثل في ضرورة التفكير مرتين قبل الضغط على زر “نشر”، موضحاً أنه في لحظات الغضب أو التعاطف قد تُكتب عبارات مثل “استأصلوهم” أو “احرقوا بيوتهم” أو “خربوا محلاتهم”، وقد تُفهم كأوامر بالهجوم، لذلك يمكن انتقاد القضايا بقسوة دون الدعوة إلى العنف، لأن القانون لا يحمي من خانته عباراته.
يشير مختصون إلى أهمية الانتباه إلى طبيعة ما يتم نشره أو تداوله من كلمات وآراء عبر مختلف المنصات، مؤكدين أن المسؤولية لا تقتصر على الفعل المباشر فقط، بل تشمل أيضاً طريقة التعبير وحدودها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمنشورات العامة التي قد تُفهم أو تُستخدم في سياقات حساسة.
ويؤكد المختصون ضرورة تجنب أي عبارات قد تُفسر على أنها تحريض أو دعوة للعنف، مع التشديد على أن حرية الرأي تبقى مكفولة ضمن حدود لا تمس القانون أو حقوق الآخرين، وأن أي تجاوز في هذا الإطار قد يترتب عليه تبعات قانونية واضحة.
يتبين أن المسؤولية القانونية عن الأفعال الجرمية لا تقتصر على الفاعل المباشر، بل تشمل أيضاً كل من ساهم في توجيه الفعل أو الدفع نحوه، بما في ذلك التحريض الذي يتعامل معه القانون كعنصر مؤثر في وقوع الجريمة، وليس مجرد قول أو رأي.
كما يبرز أهمية الانتباه إلى طبيعة ما يُنشر على مختلف المنصات الرقمية، وما قد تحمله بعض العبارات من معانٍ قد تؤثر في سلوك الآخرين، الأمر الذي يستدعي الحذر عند استخدام الكلمة، نظراً لما يمكن أن يترتب عليها من نتائج قانونية تمس الفعل نفسه.