٢٣ يوليو ٢٠٢٦
لا يتعلم الطفل القيم الإنسانية من خلال النصائح فقط، بل من خلال المواقف اليومية التي يعيشها داخل أسرته ومحيطه، فمساعدة الآخرين، واحترام من حوله، والالتزام بالقواعد، ليست مفاهيم يولد الطفل وهو يدركها، وإنما سلوكيات تتشكل تدريجياً مع التربية والتجربة والقدوة.
وتلعب السنوات الأولى دوراً مهماً في بناء شخصية الطفل وطريقة تعامله مع المجتمع، إذ إن ما يكتسبه من قيم في هذه المرحلة ينعكس لاحقاً على قدرته في تحمل المسؤولية، وتكوين علاقات صحية، والتفاعل مع الآخرين، لذلك، يصبح دور الأهل في غرس هذه المبادئ وتقديمها بطريقة تناسب عمر الطفل عاملاً أساسياً في نموه النفسي والاجتماعي.
قالت هيفين هوري، اختصاصية نفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الواجبات الإنسانية التي يمكن أن يتعلمها الطفل منذ سنواته الأولى هي مجموعة من السلوكيات التي تعكس وعيه بالآخرين وبالمجتمع المحيط به، وتشمل احترام الكبار، والاهتمام بالنظام والنظافة في البيئة التي يعيش فيها، وتقديم المساعدة لمن يحتاجها، إضافة إلى الالتزام بالقواعد التي تحافظ على سلامة الجميع.
وأضافت أن هذه الممارسات تُقدَّم للطفل كخبرات حياتية يومية يختبر من خلالها معنى التفاعل الاجتماعي، حيث يكتشف عند مشاركته فيها أن وجوده مرتبط بالآخرين وأنه قادر على أن يكون عنصراً فاعلاً في محيطه، وهو ما يعزز لديه الشعور بالمسؤولية والانتماء ويهيئه لبناء علاقات صحية في المستقبل.
وأشارت إلى أن القيم التي يحتاج الطفل إلى اكتسابها منذ سنواته الأولى تُعد الأساس الذي يبني عليه شخصيته وسلوكه لاحقاً، ومن أبرزها الصدق الذي يرسخ الثقة بين الطفل وأسرته ويمنحه شعوراً بالأمان الداخلي.
ونوهت إلى أهمية الاحترام الذي يبدأ من احترام الذات ثم يمتد إلى احترام الآخرين، وهو ما ينعكس على قدرة الطفل في تكوين علاقات متوازنة، مشيرة إلى أن المسؤولية تتعزز من خلال تكليف الطفل بمهام صغيرة تناسب عمره، ليشعر بقدرته على الإنجاز ويطور حس الاعتماد على النفس.
ولفتت إلى أن التعاطف، أي القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معها، يساعد الطفل على بناء شخصية اجتماعية ناضجة، وذكرت أن هذه القيم تُغرس من خلال الممارسة اليومية والتجارب التي يعيشها الطفل داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وعندما تُزرع هذه المبادئ في وقت مبكر يصبح الطفل أكثر استعداداً لمواجهة تحديات الحياة بطريقة متوازنة وأكثر قدرة على تكوين علاقات صحية ومستقرة في المستقبل.
وتحدثت عن كيفية تعليم الطفل مساعدة الآخرين، موضحة أن ذلك يرتبط بمرحلة نموه وقدرته على الاستيعاب، ففي السنوات الأولى يمكن تشجيعه على مشاركة ألعابه أو المساهمة في ترتيب البيت، وهي خطوات بسيطة لكنها تغرس لديه معنى التعاون.
وأوضحت أنه مع تقدمه في العمر يصبح قادراً على تحمل مسؤوليات أكبر مثل مساعدة زملائه في المدرسة أو المشاركة في نشاط جماعي، أما في مرحلة المراهقة فيمكن توجيهه نحو أنشطة تطوعية أو دعم أخ أصغر، مما يعزز لديه الشعور بالانتماء والوعي الاجتماعي.
وأكدت أن الأساس في هذه العملية أن تكون المهام واقعية ومتناسبة مع قدرات الطفل، وأن يتلقى تعزيزاً إيجابياً عند القيام بها، لتتحول المساعدة إلى جزء من شخصيته وممارسة يومية تعكس نضجه النفسي والاجتماعي.
وشددت على أن هناك فرقاً بين التوجيه المباشر والقدوة، حيث يقوم التوجيه على الشرح واستخدام الكلمات لتوضيح المعنى، بينما تعتمد القدوة على الفعل والسلوك الذي يراه الطفل أمامه، وأفادت أن الطفل يتأثر بما يشاهده أكثر مما يسمع، فإذا طُلب منه التحلي بالصدق دون أن يرى ذلك مطبقاً في محيطه فإن الرسالة تفقد قوتها، مشيرة إلى أن القدوة تجعل القيم ملموسة وقابلة للتجربة، في حين يمنحها التوجيه تفسيراً ومعنى.
وأضافت أن الجمع بين الطريقتين هو الأسلوب الأكثر فاعلية، إذ يترسخ المبدأ في وعي الطفل عبر الممارسة اليومية ويُدعم بالشرح الذي يوضح أهميته، ما يجعل التعليم عملية متكاملة تعزز النمو النفسي والاجتماعي للطفل وتمنحه أساساً متيناً لبناء شخصية متوازنة.
وبيّنت أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض الأهل عند تعليم أطفالهم القيم الإنسانية الإفراط في الحماية ومنع الطفل من التجربة، مما يحد من قدرته على اكتساب مهارات حياتية أساسية، ولفتت إلى أن المقارنة السلبية مع الآخرين تُضعف الثقة بالنفس وتؤثر على صورة الطفل عن ذاته، كما أن الاعتماد على العقاب والصراخ بدلاً من التشجيع والتعزيز الإيجابي يؤدي إلى ترسيخ الخوف أو التمرد.
وذكرت أن التناقض بين ما يقوله الأهل وما يفعلونه أمام الطفل يضعف مصداقية الرسالة التربوية ويجعل الطفل يعيش حالة من الارتباك الداخلي، مؤكدة أن هذه الأساليب قد تُنتج شخصية مترددة أو متمردة، في حين أن التربية القائمة على الاتساق بين القول والفعل، وعلى التشجيع والتجربة، تمنح الطفل بيئة صحية تساعده على النمو النفسي والاجتماعي بشكل متوازن.
وأكدت أن الطفل الذي ينشأ في بيئة تُغرس فيها القيم الإنسانية يكبر وهو أكثر قدرة على بناء علاقات صحية، وأكثر استعداداً لتحمل المسؤولية، وأقل عرضة للاضطرابات السلوكية، وأضافت أن هذه التربية تعزز لديه مهارات التكيف وتجعله قادراً على مواجهة ضغوط الحياة بطريقة ناضجة، لافتة إلى أن القيم التي يتعلمها في سنواته الأولى تصبح أساساً للكفاءة الاجتماعية، وهي ما يحدد نجاحه لاحقاً في العمل والعلاقات، ويمنحه القدرة على التفاعل مع المجتمع بشكل صحي ومتوازن.
في المحصلة، تسهم القيم الإنسانية التي يكتسبها الطفل في سنواته الأولى في تشكيل سلوكه وتفاعله مع محيطه، من خلال ما يتلقاه من توجيه وما يراه من قدوة، ضمن بيئة تقوم على التجربة والتفاعل اليومي، بما ينعكس على تطور شخصيته في المراحل اللاحقة.
٢٢ يوليو ٢٠٢٦
تنشأ الخلافات بين الأفراد، وغالباً ما تبدأ على هيئة نقاشات أو مشاجرات كلامية، إلا أنها قد تتطور في بعض الحالات لتصل إلى الاشتباك الجسدي واستخدام الضرب، ما يوضح كيف يمكن لنزاع بسيط أن يتحول إلى سلوك ينطوي على أذى مباشر يمس سلامة الأفراد.
ولا تقتصر تداعيات هذه الممارسات على اللحظة التي تقع فيها، بل تمتد لتشمل تبعات متعددة، إذ تخلّف أضراراً جسدية على المتضرر، وفي المقابل تضع المعتدي أمام مسؤوليات وتبعات قانونية نتيجة ما صدر عنه من فعل، وبالتالي، فإن اللجوء إلى العنف الجسدي لا يؤدي فقط إلى إلحاق الأذى بالآخرين، وإنما يمتد إلى آثار قانونية وجسدية على حد سواء.
وفي هذا الإطار، يرتبط اللجوء إلى الضرب في كثير من الأحيان بعوامل اجتماعية وسلوكية متداخلة، حيث يلعب المحيط دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة العنف كوسيلة لحل النزاعات، فبعض الأفراد ينشأون في بيئات تُبرّر استخدام القوة، أو تعتبرها تعبيراً عن القوة والهيبة، كما أن غياب مهارات الحوار وضبط النفس يسهم في تصعيد الخلافات بسرعة، لتتحول من نقاش إلى شجار جسدي.
إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الضغوط اليومية، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، إلى زيادة التوتر لدى الأفراد، ما يجعلهم أكثر عرضة للانفعال وردود الفعل العنيفة، ومع تكرار هذه السلوكيات، تصبح جزءاً من نمط التعامل مع الآخرين بدلاً من كونها استثناءً.
الإطار القانوني للعنف الجسدي
وبالانتقال إلى الجانب القانوني، تندرج هذه الأفعال ضمن أفعال يعاقب عليها القانون وفقاً لدرجة الضرر الناتج، وفي هذا السياق، قالت المحامية أحلام أحمد دعدوع في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قانون العقوبات السوري يعتبر كل اعتداء يقع على سلامة جسم الإنسان جرماً معاقباً عليه.
وأوضحت أن التسمية القانونية والعقوبة تختلفان بحسب جسامة النتيجة التي تترتب على الاعتداء، سواء كان إيذاءً بسيطاً أو شديداً أو أدى إلى عاهة دائمة أو وفاة، وأضافت أن المشرّع نظّم جرائم الإيذاء في المواد (540 وما بعدها) من قانون العقوبات.
وأشارت إلى أن الشجار يتحول إلى جريمة بمجرد أن ينتج عنه إيذاء جسدي للغير ولو كان بسيطاً، مبينةً أن الفاعل يُعاقب وفق أحكام المواد (540 إلى 543) من قانون العقوبات، وذلك بحسب درجة الإصابة ومدة التعطيل وما إذا استُخدمت أداة أو سلاح.
ولفتت إلى أن القانون يعتمد على عدة معايير لتحديد شدة العقوبة، وذكرت من بينها جسامة الإصابة، ومدة التعطيل عن العمل، ووجود عاهة دائمة، ووسيلة الاعتداء، والقصد الجرمي، إضافة إلى الظروف المشددة كاستعمال السلاح أو سبق الإصرار، موضحةً أن المحكمة تستند في ذلك إلى المواد (540 إلى 543) من قانون العقوبات، إلى جانب الأحكام العامة المتعلقة بالأسباب المشددة.
وتحدثت عن دور التقرير الطبي، مؤكدةً أنه يُعد من أهم وسائل الإثبات في جرائم الإيذاء، إذ يحدد طبيعة الإصابة ومدة التعطيل والعجز إن وجد، وأوضحت أنه يُعتبر المرجع الأساسي لتكييف الجرم وفق المواد (540 وما بعدها)، مع بقائه خاضعاً لتقدير المحكمة إلى جانب باقي الأدلة وفق قواعد الإثبات في قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وأفادت بأن المشرّع السوري أجاز الدفاع المشروع إذا كان لرد اعتداء حالّ وغير مشروع، على أن يكون الدفاع متناسباً مع الخطر، وشددت على أن تجاوز حدود الدفاع المشروع يرتب المسؤولية الجزائية، مبينةً أن ذلك نُظّم في المواد (183 إلى 187) من قانون العقوبات السوري.
وبينت أنه في بعض جرائم الإيذاء البسيطة قد يؤدي إسقاط الحق الشخصي أو الصلح إلى تخفيف العقوبة أو انقضاء الدعوى إذا نص القانون على ذلك، ونوهت إلى أن الجرائم الجسيمة لا يمنع فيها التنازل من استمرار دعوى الحق العام متى كانت الملاحقة واجبة قانوناً، وذلك وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية والنصوص الخاصة بجرائم الإيذاء.
وأكدت أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الأشخاص أثناء الشجار وتزيد من مسؤوليتهم القانونية استخدام السلاح أو الأدوات الخطرة، وتوجيه ضربات تؤدي إلى عاهة أو إصابة خطيرة، والاستمرار في الاعتداء بعد زوال الخطر، والاشتراك الجماعي في الاعتداء، إضافة إلى التهديد أو إتلاف الممتلكات أثناء الشجار، مشددةً على أن جميع هذه الوقائع قد تؤدي إلى تشديد العقوبة أو تغيير الوصف الجرمي وفق المواد (540 إلى 543) من قانون العقوبات، إلى جانب النصوص المتعلقة بالظروف المشددة.
الانعكاسات النفسية للعنف على الفرد
من جهة أخرى، يرتبط اللجوء إلى الضرب بعوامل نفسية متعددة، إذ غالباً ما يكون انعكاساً لحالة من الغضب أو الإحباط أو الشعور بالعجز عن التعبير بوسائل أخرى، كما يلعب ضعف القدرة على ضبط الانفعالات دوراً مهماً في اندفاع بعض الأفراد نحو ردود فعل عنيفة، خاصة في ظل غياب مهارات الحوار والتواصل، ولا يمكن إغفال تأثير التنشئة، حيث إن التعرض للعنف في مراحل مبكرة قد يسهم في ترسيخ هذا السلوك كوسيلة للتعامل مع الخلافات.
في المقابل، لا تقف الآثار النفسية عند المعتدي فحسب، بل تمتد إلى الطرف المتضرر، الذي قد يعاني من مشاعر الخوف والقلق وفقدان الإحساس بالأمان، وقد تصل أحياناً إلى صدمات نفسية طويلة الأمد، كما أن الضغوط اليومية المتراكمة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، قد تزيد من حدة التوتر لدى الأفراد، ما يجعلهم أكثر عرضة للانفعال والسلوك العدواني، ويكرّس هذا النمط مع تكراره في التعامل مع الآخرين.
وفي ظل تكرار هذه السلوكيات، يؤكد المختصون على ضرورة تعزيز ثقافة الحوار، وتنمية مهارات التواصل وضبط النفس، إلى جانب نشر الوعي بمخاطر اللجوء إلى العنف، بما يسهم في الحد من انتشار هذه الظواهر والتخفيف من آثارها على الأفراد والمجتمع.
٢١ يوليو ٢٠٢٦
انطلقت برعاية محافظة إدلب وبإشراف مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، حملة "1000 صهريج مياه شرب" الهادفة إلى تأمين مياه الشرب للأسر المقيمة في مخيمات أطمة الواقعة في ريف إدلب الشمالي، وذلك بتنفيذ مؤسسة الاستجابة الطارئة وبدعم من شركة للمشتقات النفطية.
وذكرت مديرية الشؤون في منشور لها عبر معرفاتها الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي، أن هذه الحملة تأتي في إطار الجهود الإنسانية الرامية إلى تحسين واقع الخدمات الأساسية في المخيمات، والتخفيف من معاناة الأهالي، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة والحاجة المتزايدة إلى توفير مياه شرب آمنة ونظيفة.
وأكدت على أهمية هذه المبادرة، مشيرة إلى أنها تعكس تكامل الجهود بين الجهات الحكومية والمؤسسات الإنسانية والقطاع الخاص، بما يسهم في دعم الأسر الأكثر احتياجاً وتعزيز الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في مخيمات المحافظة.
في هذا السياق، قال محمد جميل باكير، مدير الدائرة الشمالية للشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن إطلاق حملة "1000 صهريج مياه شرب" في مخيمات أطمة جاء في ظل توقف الدعم المخصص للمياه بعد انتهاء عقد المنظمة الداعمة، ما استدعى توجيه نداء إلى الجمعيات والمنظمات وفاعلي الخير لتأمين احتياجات المخيمات.
وأوضح أن القطاع يضم أعداداً كبيرة من المهجرين والنازحين، وتم إيقاف ضخ المياه عنهم، وأشار إلى أن توزيع المياه يتم عبر صهاريج، وفي بعض القطاعات من خلال شبكة ضخ مياه ممتدة إلى المساكن، لافتاً إلى أن حجم الاحتياج اليومي يبلغ نحو 1500 متر مكعب.
وبيّن أن المياه تخضع لفحوصات دورية من قبل أصحاب الآبار المغذية للمخيمات، للتأكد من سلامتها، وأضاف أن من أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ الحملة قلة صهاريج التوزيع وضعف الدعم المادي، وأكد أن الماء أهم مادة يجب أن تتوفر في المخيمات.
يُشار إلى أن النازحين في مخيمات أطمة يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة، في ظل توقف معظم الخدمات الأساسية التي كانت توفرها المنظمات الإنسانية، الأمر الذي أثّر بشكل مباشر على قطاعات المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية، ودفع السكان إلى تنظيم احتجاجات للمطالبة بعودة هذه الخدمات.
وبحسب الأهالي الذين تحدثنا معهم، فإن توقف ضخ المياه أجبرهم على شراء المياه من الصهاريج الخاصة على نفقتهم، ما زاد من الأعباء المالية عليهم، خاصة أن سعر خمسة براميل يتراوح بين 100 و150 ليرة سورية.
تبقى مشكلة المياه في مخيمات أطمة من القضايا الملحّة التي تحتاج إلى استجابة سريعة، خاصة مع اعتماد آلاف العائلات عليها في تأمين احتياجاتهم اليومية، في وقت تتزايد فيه الأعباء على الأهالي مع استمرار توقف الخدمات الأساسية.
٢١ يوليو ٢٠٢٦
في كل عائلة مساحة خاصة وتفاصيل لا تُشارك مع الجميع، وهذا أمر يدركه الكبار بشكل طبيعي، لكن الطفل لا يولد وهو يفهم هذه الحدود، لذلك يحتاج إلى من يعرّفه تدريجياً على معنى الخصوصية، وكيف يمكنه التمييز بين ما يمكن قوله وما يُفضل الاحتفاظ به داخل الأسرة، من خلال التوجيه والتدريب الهادئ الذي يساعده على الفهم دون خوف أو ارتباك.
في هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية سدرة حسن الأحمد، المختصة بمجال الدعم النفسي الاجتماعي وحماية الطفل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الطفل لا يولد وهو يدرك معنى الخصوصية أو حدود ما يمكن مشاركته مع الآخرين، بل يكتسب هذا الوعي تدريجياً من خلال أسلوب التربية الذي ينشأ فيه.
وأضافت أن مختصين في علم النفس يرون أن تعليم الطفل مفهوم خصوصية الأسرة لا يتعلق بتلقينه الصمت أو منعه من الحديث، بل ببناء وعي تدريجي يساعده على التمييز بين احترام الحياة الخاصة للعائلة وبين حقه في التعبير وطلب المساعدة عند الحاجة، لافتة إلى أن الطريقة التي يُقدَّم بها هذا المفهوم في الطفولة تترك أثراً مباشراً في شعور الطفل بالأمان، وفي ثقته بنفسه وبالآخرين، وفي قدرته لاحقاً على بناء علاقات صحية قائمة على الاحترام والحدود الواضحة.
وأشارت إلى أنه من منظور علم النفس لا يُنصح بتعليم الطفل مفهوم "أسرار العائلة" على أنه واجب لإخفاء ما يحدث داخل المنزل، لأن الطفل في سنواته الأولى لا يمتلك القدرة الكاملة على التمييز بين السر الآمن والسر الذي قد يخفي خطراً أو إساءة، ونوهت إلى أنه يُفضل استخدام مفهوم "خصوصية الأسرة" لكونه أكثر دقة من الناحية التربوية.
وبيّنت أنه يمكن للأهل شرح أن لكل عائلة مساحة خاصة، كما أن لكل شخص خصوصيته، وأن احترام هذه الخصوصية يعني عدم مشاركة بعض التفاصيل الشخصية أو الحساسة مع الجميع، وليس إخفاء المشكلات أو الامتناع عن طلب المساعدة، مؤكدة أهمية فهم الطفل أن الخصوصية قيمة قائمة على الاحترام وليست وسيلة لفرض الصمت أو الكتمان.
بين الخصوصية وحق التعبير: كيف نفهم الطفل الحدود؟
ولفتت إلى أن الطفل يبدأ بين عمر 3 و4 سنوات بفهم القواعد البسيطة المتعلقة بالخصوصية، بينما يصبح بين 5 و7 سنوات أكثر قدرة على استيعاب سبب وجود هذه الحدود، خاصة مع دخوله المدرسة واتساع دائرة علاقاته الاجتماعية، وذكرت أن أسلوب الحوار يجب أن يتطور بما يتناسب مع عمر الطفل، مع ضرورة الابتعاد عن العبارات المطلقة التي قد تُربك فهمه لمعنى الخصوصية.
وتحدثت عن الحدود الطبيعية بين خصوصية الأسرة وحق الطفل في التعبير، موضحة أنه من المهم أن يفهم الطفل أن الحفاظ على الخصوصية لا يعني منعه من التعبير عن مشاعره أو طلب المساعدة.
وأوضحت أن من حقه اللجوء إلى والديه أو إلى شخص بالغ موثوق إذا شعر بالخوف أو تعرض للأذى أو التنمر أو أي موقف يهدد سلامته، مؤكدة أن الخصوصية تهدف إلى احترام الحياة الشخصية للأسرة لكنها لا تعني إخفاء الإساءة أو السكوت عن المشكلات التي تستدعي طلب الدعم والحماية.
وأكدت أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الأهل استخدام لغة التخويف، مثل تهديد الطفل بالعقاب في حال تحدث عما يحدث داخل المنزل، لأن ذلك يخلق لديه شعوراً بالذنب والقلق وقد يدفعه إلى كبت مشاعره أو إخفاء معاناته.
وشددت على أن مطالبة الطفل بإخفاء كل ما يراه أو يسمعه داخل المنزل يربك نموه الأخلاقي ويضعف قدرته على التمييز بين الخصوصية المشروعة والكتمان الضار، مضيفة أن غياب القدوة يؤثر بشكل كبير، فالطفل الذي يرى والديه يتحدثان عن خصوصيات الآخرين أو ينشران تفاصيل حياتهما الخاصة سيجد صعوبة في استيعاب الرسائل المتعلقة باحترام الخصوصية.
وأفادت بأن الطفل يتعلم بالسلوك أكثر مما يتعلم بالكلام، لذلك فإن احترام الأهل لخصوصية بعضهم البعض وعدم السخرية من أسرار الآخرين أو تداولها أمام الأبناء يعد الرسالة التربوية الأكثر تأثيراً، وقالت إن التدريب العملي على التمييز بين ما يمكن مشاركته وما يفضل إبقاؤه داخل الأسرة يتم من خلال المواقف اليومية، حيث يمكن إشراك الطفل في حوارات بسيطة حول مواقف افتراضية بدلاً من تقديم قائمة طويلة بالممنوعات، لما لذلك من دور في تنمية التفكير النقدي والقدرة على اتخاذ القرار.
وأضافت أن اعتماد قاعدة بسيطة يفيد في هذا السياق، وهي أن أي معلومة قد تسبب إحراجاً لأحد أفراد الأسرة أو تمس خصوصيته أو تحتوي على معلومات شخصية، فمن الأفضل عدم مشاركتها، في حين لا يشكل الحديث عن الإنجازات والهوايات والأنشطة اليومية مشكلة.
تعليم الخصوصية دون خوف: التوازن بين الأمان والدعم النفس
وأشارت الاختصاصية سدرة الأحمد إلى أن مفهوم الخصوصية لم يعد يقتصر على ما يقوله الطفل في المدرسة، بل أصبح يشمل الخصوصية الرقمية أيضاً، حيث يجب تعليمه عدم مشاركة صور المنزل أو عنوان السكن أو المعلومات الشخصية للعائلة أو تفاصيل الحياة اليومية عبر الإنترنت أو تطبيقات التواصل.
ونوهت إلى أن التشدد المبالغ فيه في هذا الموضوع قد يترك آثاراً نفسية عميقة، فالطفل الذي ينشأ على عبارات تمنعه من الحديث قد يطور خوفاً من التعبير عن نفسه أو شعوراً بالذنب عند الحديث عن مشكلاته، وقد يمنعه ذلك أحياناً من الإبلاغ عن تعرضه للعنف أو الاستغلال، وبيّنت أن هناك مؤشرات قد تدل على المبالغة في ترسيخ مفهوم السرية، مثل تردد الطفل في الإجابة عن الأسئلة البسيطة أو خوفه من الحديث عن يومه في المدرسة.
ولفتت إلى أن الأسلوب التربوي الأفضل لغرس هذا المفهوم يتمثل في بناء علاقة قائمة على الأمان والحوار، حيث يتعلم الأطفال من العلاقة أكثر مما يتعلمون من التعليمات المباشرة، وذكرت أن شعور الطفل بأنه مسموع ومحترم يجعله أكثر استعداداً لتبني القيم التي يزرعها والداه، كما أن القدوة تبقى العامل الأكثر تأثيراً من خلال احترام الأهل لخصوصية بعضهم البعض والاستئذان قبل مشاركة صور الطفل أو معلوماته الشخصية.
وتحدثت عن أهمية مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، موضحة أنه لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع، فالطفل الاجتماعي قد يحتاج إلى تدريب أكبر على فهم الحدود، بينما يحتاج الطفل الخجول إلى تشجيع مستمر على التعبير عن نفسه حتى لا يفسر الخصوصية على أنها صمت دائم، مؤكدة ضرورة مراعاة عمر الطفل وسماته الشخصية عند تناول هذا الموضوع.
وأكدت في ختام حديثها أن تعليم الطفل مفهوم خصوصية الأسرة عملية تربوية دقيقة تتطلب وعياً وتوازناً، لأنها لا تهدف إلى صناعة طفل يخشى الحديث، بل إلى تنشئة إنسان يدرك قيمة الحدود والاحترام والثقة.
٢١ يوليو ٢٠٢٦
لا يقتصر تأثير البيئة التي ينشأ فيها الطفل على الجوانب المادية أو التعليمية فقط، بل يمتد ليشمل الحالة النفسية للأهل، وما ينعكس عنها من أساليب تعامل يومية داخل المنزل، فالتوتر، والقلق، أو الاستقرار والهدوء، جميعها عوامل حاضرة في سلوك الوالدين، وتترك آثاراً متفاوتة على الطفل، تظهر في تصرفاته وتفاعله مع محيطه، وقد تمتد لتشكل ملامح شخصيته مع مرور الوقت.
أهمية الصحة النفسية داخل الأسرة
قالت سعاد عمقي، أخصائية ومعالجة نفسية، تعمل في مجال الصحة النفسية والعلاج النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تؤمن بأن الصحة النفسية ليست مجرد علاج للمشكلات بعد حدوثها، بل هي استثمار وقائي يبدأ من الأسرة، لأنها البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل وشعوره بالأمان، ومن هنا يأتي اهتمامها بمساندة الأفراد والأسر للوصول إلى حياة أكثر توازناً وصحة نفسية.
كيف تنعكس نفسية الأهل على سلوك الطفل؟
وأشارت إلى أن الطفل يتعلم من خلال الملاحظة أكثر مما يتعلم من خلال التوجيه، فهو يراقب طريقة والديه في التعامل مع الضغوط والخلافات والانفعالات، ثم يبني من خلالها فهمه للعالم ولنفسه.
ونوهت إلى أنه عندما يعيش الطفل في بيئة يسودها الهدوء والاستقرار العاطفي، فإن ذلك يساعده على بناء الثقة بالنفس، وتطوير القدرة على فهم مشاعره وتنظيمها، أما عندما تكون البيئة مليئة بالتوتر أو القلق أو الانفعالات غير المستقرة، فقد ينعكس ذلك على سلوكه وشخصيته، فيظهر لديه القلق أو سرعة الانفعال أو الانسحاب أو صعوبات في التعبير عن احتياجاته.
وبينت عمقي أن الحديث عن تأثير الحالة النفسية للأهل لا يقتصر على وجود اضطرابات نفسية مثل القلق أو الاكتئاب، وإنما يشمل أيضاً طريقة تفاعل الأهل مع أنفسهم ومع أطفالهم ومع بعضهم البعض داخل الأسرة، لافتةً إلى أن الطفل يتأثر بجودة العلاقة مع والديه أكثر من تأثره بالتشخيصات النفسية بحد ذاتها.
العوامل التي تؤثر في الصحة النفسية للطفل
وذكرت الأخصائية أن من العوامل التي قد تنعكس على الطفل ضعف التواصل العاطفي عندما لا يجد من يصغي إليه أو يفهم مشاعره ويحتويها، والخلافات المستمرة بين الوالدين خاصة إذا اتسمت بالصراخ أو الإهانة أو التهديد أو الصمت العقابي، والضغوط المزمنة التي تجعل الوالدين أقل صبراً وأكثر انفعالاً في التعامل مع الأبناء.
إضافة إلى ما سبق الاكتئاب أو القلق عندما يؤثران على قدرة الوالدين على التفاعل والاحتواء، والانشغال الدائم وضغوط الحياة التي تقلل من الوقت النوعي الذي يقضيه الأهل مع الطفل، والتربية القائمة على النقد المستمر أو المقارنة أو التوقعات المبالغ فيها، فضلاً عن الصدمات النفسية غير المعالجة لدى أحد الوالدين والتي قد تنعكس على أسلوب التربية والعلاقات داخل الأسرة.
أهمية الحوار والشعور بالأمان
وأوضحت عمقي لـ "شام" أن الطفل لا يتأثر فقط بما يفعله والداه، بل أيضاً بما يغيب عن العلاقة، فغياب الحوار والاحتواء والشعور بالقبول قد يترك أثراً عميقاً حتى في الأسر التي لا تظهر فيها خلافات واضحة، مؤكدةً أن مرور الأهل بضغوط أو صعوبات نفسية لا يعني بالضرورة أن الطفل سيتأثر بشكل سلبي، إذ إن وعي الأهل بالمشكلة ومحاولتهم تحسين التواصل والقدرة على إصلاح العلاقة عند الخطأ عوامل تعزز قدرة الأسرة على تجاوز الصعوبات.
كيف يقرأ الطفل مشاعر والديه؟
وشددت على أن الأطفال يمتلكون حساسية عالية تجاه الإشارات غير اللفظية، فهم يلتقطون نبرة الصوت وتعابير الوجه ولغة الجسد وحتى التغيرات البسيطة في الروتين اليومي، مبينةً أن الطفل قد يشعر بوجود أمر غير مريح حتى لو حاول الأهل إخفاء مشاعرهم أو عدم الحديث عنها، لكنه غالباً لا يمتلك القدرة على تفسير هذه المشاعر، وقد يلجأ إلى تفسيرها بطريقة شخصية، فيعتقد أحياناً أنه السبب في توتر والديه أو في حدوث المشكلات من حوله.
وأفادت بأنه من المهم أن يدرك الأهل أن الهدف ليس إخفاء المشاعر أو الظهور بصورة مثالية دائماً، فالطفل يتعلم أيضاً من رؤية والديه وهما يتعاملان مع مشاعرهما بطريقة صحية، والأهم أن يشعر بأن ما يحدث ليس مسؤوليته، وأن هناك شخصاً بالغاً قادراً على التعامل مع الموقف وحمايته عاطفياً.
وتحدثت عمقي عن إمكانية تعبير الوالدين بطريقة بسيطة تناسب عمر الطفل مثل: "أنا أشعر ببعض التوتر اليوم بسبب أمور تخص الكبار، لكنني سأتعامل معها، وأنت لست السبب"، لافتةً إلى أن هذه الرسائل تمنح الطفل شعورًا بالأمان وتساعده على فهم المشاعر دون أن يحمل نفسه مسؤوليتها، مؤكدةً أن الأطفال قد لا يفهمون ما يحدث حولهم، لكنهم يشعرون بما يحدث داخل من يحبون.
أخطاء شائعة وطرق دعم الطفل داخل الأسرة
وأوضحت الأخصائية أن هناك مجموعة من العلامات التي قد تظهر لدى الطفل وتشير إلى وجود ضغط نفسي أو تأثر عاطفي، وتختلف بحسب عمر الطفل وشخصيته، ومن أبرزها تغيرات مفاجئة في السلوك أو المزاج، وزيادة العصبية أو نوبات الغضب المتكررة، والانسحاب الاجتماعي أو فقدان الاهتمام باللعب والأنشطة، واضطرابات النوم أو الكوابيس، وتراجع التركيز أو الأداء الدراسي، والتعلق الزائد بالوالدين أو الخوف المبالغ فيه من الانفصال، إضافة إلى ظهور أعراض جسدية متكررة مثل آلام البطن أو الصداع دون سبب طبي واضح.
وأكدت أن ظهور بعض هذه العلامات لفترة قصيرة قد يكون استجابة طبيعية لظرف عابر، لكن استمرارها أو ازدياد حدتها أو صعوبة التعامل معها يستدعي استشارة مختص نفسي لتقييم الحالة وفهم احتياجات الطفل ووضع التدخل المناسب، مما يساعد على الوقاية من تفاقم الصعوبات ودعم نموه النفسي بشكل صحي، مشددةً على أن الهدف من التدخل النفسي ليس وصم الطفل أو اعتباره يعاني من مشكلة، بل تقديم الدعم له ولأسرته ومساعدتهم على فهم ما يحدث وبناء بيئة أكثر توازناً وأماناً.
الخلافات الزوجية وأثرها على الأطفال
ولفتت إلى أن الخلاف بين الوالدين بحد ذاته ليس أمراً غير طبيعي، فجميع العلاقات الإنسانية تمر بلحظات اختلاف، لكن التأثير السلبي يظهر عندما يتحول الخلاف إلى نمط مستمر من الصراع، أو عندما يكون الطفل حاضرًا بشكل متكرر أمام الصراخ أو الإهانة أو التهديد أو التجاهل العاطفي.
وذكرت عمقي أنه في هذه الحالات قد يفقد الطفل شعوره بالأمان ويعيش في حالة من الترقب والقلق، وقد يشعر بأنه مسؤول عن إصلاح ما يحدث أو أنه سبب في الخلافات، مما قد يؤثر على ثقته بنفسه وعلى طريقته في بناء العلاقات مستقبلاً، مبينةً أن الطفل لا يتعلم فقط من الكلمات، بل من الطريقة التي يرى بها والديه يتعاملان مع الاختلافات، إذ يتعلم كيف يعبر عن غضبه وكيف يحل المشكلات وكيف يحافظ على العلاقة رغم وجود الخلاف.
ونوهت إلى أن الطفل لا يحتاج إلى بيئة خالية تماماً من الخلافات، بل إلى نموذج صحي في إدارة هذه الخلافات يقوم على الاحترام والحوار والقدرة على الإصلاح عند الخطأ، مشيرةً إلى أن الطفل الذي يرى والديه يختلفان ثم يعودان إلى التواصل والاحترام يتعلم أن العلاقات يمكن إصلاحها، وأن الاختلاف لا يعني فقدان الحب أو الأمان.
اختلاف التأثير بحسب عمر الطفل
وبينت لـ "شام" أن تأثير الحالة النفسية للأهل يختلف بحسب عمر الطفل ومرحلة نموه، لأن قدرته على فهم الأحداث والتعبير عن مشاعره تتغير مع تقدمه في العمر، لافتةً إلى أن الطفل لا يتأثر فقط بما يحدث حوله، بل أيضاً بالطريقة التي يفسر بها ما يحدث، فقد يمر طفلان بنفس التجربة لكن طريقة فهم كل منهما قد تجعل التأثير مختلفاً.
وأشارت إلى أنه في السنوات الأولى يحتاج الطفل إلى الشعور بالأمان والاستجابة المستقرة من والديه، أما في مرحلة الطفولة المتوسطة فيبدأ بفهم العلاقات والأحداث بشكل أكبر لكنه قد يفسر بعض الأمور بطريقة شخصية، في حين يصبح في مرحلة المراهقة أكثر وعياً بما يحدث وقد يظهر تأثره من خلال الانسحاب أو التمرد أو زيادة الحساسية والانفعال أو صعوبة التعبير عن احتياجاته، مؤكدةً أن طريقة دعم الطفل يجب أن تتناسب مع عمره ومرحلة نموه، مع الحفاظ على الحوار المفتوح وتعزيز شعوره بالقبول والانتماء، وأن الطفل في جميع المراحل يحتاج إلى رسالة أساسية مفادها أن ما يحدث بين الكبار ليس مسؤوليته، وأن مشاعره مسموعة، وأنه محبوب وآمن.
أبرز الأخطاء التربوية الشائعة
وأفادت الأخصائية عمقي بأن من أكثر الأخطاء شيوعاً تركيز الأهل على تصحيح سلوك الطفل دون الانتباه إلى المشاعر والاحتياجات التي تقف خلف هذا السلوك، موضحةً أن من هذه الأخطاء الشجار أمام الأطفال بصورة متكررة أو إدخال الطفل في الخلافات، والتقليل من مشاعره أو السخرية منها، واستخدامه كوسيط في الخلافات الزوجية أو تحميله مسؤوليات عاطفية لا تناسب عمره، والمقارنة المستمرة بين الأطفال أو التركيز على الأخطاء أكثر من الجهود، واستخدام التهديد أو الخوف كوسيلة أساسية للتربية، وتوقع النضج والانضباط العاطفي قبل امتلاك القدرة النفسية لذلك، إضافة إلى الاعتقاد أن تلبية الاحتياجات المادية وحدها كافية مع إهمال القرب والاحتواء والحوار.
إصلاح العلاقة أهم من الكمال
وتحدثت عن أهمية إدراك أن الوقوع في بعض هذه الأخطاء لا يعني أن الأهل سيئون، فالأبوة والأمومة رحلة تعلم مستمرة، والأهم هو القدرة على المراجعة والاعتراف بالخطأ وإصلاح العلاقة مع الطفل، لأن الإصلاح بحد ذاته يعلمه المسؤولية والاحترام، مؤكدةً أن الطفل لا يحتاج إلى والدين لا يخطئون، بل إلى والدين يملكون الوعي والشجاعة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وأنه لا يتذكر فقط ما قيل له، بل كيف جُعل يشعر تجاه نفسه وتجاه العالم من حوله.
كيف يحمي الأهل أبناءهم نفسياً؟
وشددت على أن المطلوب من الأهل ليس الكمال أو العيش دون ضغوط، بل الوعي بطريقة تأثير هذه الضغوط على علاقتهم بأطفالهم، والسعي للحفاظ على التواصل والشعور بالأمان داخل الأسرة.
وذكرت أن من طرق حماية الأطفال نفسياً تخصيص وقت للتواصل الحقيقي والاستماع دون مقاطعة أو أحكام، والتعبير عن المشاعر بطريقة صحية، وطمأنة الطفل بأن مشكلات الكبار ليست مسؤوليته، والحفاظ على روتين يومي يمنحه الاستقرار، والاعتذار عند الخطأ وإصلاح العلاقة، إضافة إلى الاهتمام بالصحة النفسية للأهل أنفسهم لأن الوالد الذي يحصل على الدعم يكون أكثر قدرة على الاحتواء والاستجابة.
وأكدت أن الطفل لا يحتاج إلى والدين كاملين، بل إلى والدين حاضرين عاطفياً وقادرين على التعلم والتغيير وإصلاح العلاقة عند الحاجة، لافتةً إلى أن اعتناء الأهل بصحتهم النفسية يسهم في بناء بيئة أكثر أماناً لأطفالهم.
الدعم النفسي خطوة نحو التعافي
وأشارت الأخصائية النفسية في ختام حديثها إلى أن التوجه لطلب الدعم النفسي أو الاستشارة الأسرية عند الحاجة خطوة مهمة ومسؤولة، وليس دليلاً على الضعف أو الفشل، إذ يساعد ذلك الأسرة على فهم التحديات واكتساب أدوات أفضل للتعامل معها، ويشكل جزءاً أساسياً من رحلة التعافي والنمو وبناء علاقات أسرية أكثر صحة وأماناً.
٢١ يوليو ٢٠٢٦
افتتح وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، أول مكتبة عامة في ريف دمشق بعد التحرير، وذلك في مدينة معضمية الشام، في خطوة وصفتها وزارة الثقافة بأنها ضمن مسار إعادة إحياء المؤسسات الثقافية وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتعزيز دور الثقافة في مرحلة التعافي وإعادة بناء المجتمع.
وجرى افتتاح المكتبة بعد استكمال أعمال تأهيلها من قبل مجلس مدينة معضمية الشام بالتعاون مع منظمة "مارس"، لتتحول إلى مركز ثقافي ومجتمعي يتيح لسكان المدينة فضاءً للقراءة والتعلّم واستضافة الأنشطة والفعاليات الثقافية، في أول مشروع من نوعه على مستوى ريف دمشق بعد التحرير.
وتضم المكتبة تشكيلة واسعة من الكتب في مجالات الثقافة والتاريخ والعلوم والأدب، إضافة إلى القصص والروايات، كما زُودت بعدد من أجهزة الحاسوب المخصصة للتصفح الإلكتروني وخدمة الإنترنت، فضلاً عن جناح مخصص للأطفال، بما يعزز دورها كمركز معرفي متكامل يخدم مختلف الفئات العمرية.
رئيس دائرة المكتبات الفرعية لـ"شام": المكتبة خطوة لترميم الفجوة الثقافية وبناء مجتمع مدني واعٍ
وأكد رئيس دائرة المكتبات الفرعية في وزارة الثقافة عبد السلام الحسين في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن افتتاح أول مكتبة عامة في ريف دمشق يمثل محطة مهمة في مشروع الوزارة لإعادة تنشيط الحياة الثقافية، مشدداً على أن أهمية هذه الخطوة تتجاوز افتتاح مبنى جديد لتصل إلى المساهمة في إعادة بناء الإنسان السوري.
وقال الحسين إن افتتاح المكتبة "يمثل خطوة أساسية في بناء المجتمع المدني الواعي، ويعكس شراكة قوية بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني في سبيل ترميم الفجوة الثقافية التي نشأت في المجتمع السوري خلال سنوات الحرب".
وأضاف أن هذه المبادرات تسهم في تعزيز قيم المحبة والتآخي، وإعادة الاعتبار للدور الثقافي باعتباره أحد أهم أدوات بناء المجتمع، مؤكداً أن وزارة الثقافة ستكون الداعم الأساسي لمثل هذه المشاريع من خلال تزويد المكتبة بالكتب واستكمال احتياجاتها من المستلزمات اللازمة لضمان استمرارية عملها وتطوير خدماتها.
وكشف الحسين في تصريحه لـ"شام" أن الوزارة تعمل وفق خطة استراتيجية تهدف إلى إحداث مكتبات وطنية في جميع المحافظات السورية، بما يضمن توسيع انتشار المؤسسات الثقافية وإتاحة المعرفة أمام المواطنين في مختلف المناطق، ضمن رؤية تستهدف تعزيز القراءة وترسيخ الثقافة كجزء من عملية التنمية وإعادة الإعمار.
وجاء افتتاح مكتبة معضمية الشام في وقت تعمل فيه وزارة الثقافة على إعادة تفعيل البنية التحتية الثقافية في المناطق المحررة، عبر تأهيل المراكز والمكتبات وإطلاق مبادرات تشجع على القراءة والتعلم، في إطار توجه أوسع لإعادة الحياة إلى المؤسسات الثقافية وربطها بالمجتمع المحلي، بما يعزز دورها في دعم التعليم وبناء الوعي وترسيخ الهوية الثقافية السورية.
وفي آذار/ مارس الماضي، افتتحت مديرية أوقاف حمص المكتبة الوقفية الأولى داخل جامع الأتاسي بمدينة حمص، في خطوة تهدف إلى إحياء دور المساجد كمراكز للعلم والمعرفة وتعزيز حضورها في المجال الثقافي والتعليمي.
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أوضح محمد نور الصالح رئيس دائرة الإعلام والاتصال في مديرية أوقاف حمص أن المكتبة الوقفية في جامع الأتاسي تضم مجموعة واسعة من الكتب والموسوعات في مختلف العلوم الإسلامية، تشمل الفقه والتفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه، إضافة إلى اللغة العربية وآدابها والتاريخ والتراجم والسير، فضلاً عن مصادر تعليمية متنوعة تخدم الباحثين وطلاب العلم وتدعم مسيرتهم العلمية.
وأشار إلى وجود خطط لتوسيع تجربة المكتبة الوقفية لتشمل مكتبات أخرى في المحافظة، من بينها مكتبة المسجد الكبير وغيرها، بهدف تعزيز دور المساجد كمراكز إشعاع علمي ومعرفي، لافتاً إلى أن افتتاح مكتبة جامع الأتاسي يمثل بداية لسلسلة من المكتبات الوقفية التي تسعى المديرية إلى إطلاقها خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي افتتاح أول مكتبة عامة في ريف دمشق بعد التحرير في سياق حراك تشهده وزارة الثقافة لإعادة تفعيل قطاع المكتبات وتطويره، وهو التوجه الذي عكسته أيضاً من خلال تنظيم المؤتمر التخصصي الأول لمكتبات سوريا، الذي ناقش واقع المكتبات وآفاق تطويرها في ظل التحول الرقمي.
هذا ويؤكد ذلك توجه الوزارة نحو بناء شبكة مكتبات حديثة وتعزيز دورها كمراكز للمعرفة والتعلم، انسجاماً مع خطتها الاستراتيجية لإحداث مكتبات وطنية في مختلف المحافظات السورية.
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
بينما تعتبر بعض العائلات في سوريا أن تعليم الفتاة عنصر أساسي في بناء مستقبلها وتنمية قدراتها، وتحرص على دعمها في إكمال دراستها، ترى عائلات أخرى أن الأولوية تكمن في الزواج، انطلاقاً من اعتقاد بأن هذا المسار يمثل الاستقرار الأهم في حياة الفتاة.
وفي هذا السياق، تمتنع بعض الأسر عن الاستمرار في تعليم بناتها، ليس بالضرورة رفضاً للتعليم بحد ذاته، وإنما نتيجة قناعات اجتماعية وثقافية متوارثة تحدد أدوار المرأة ومسار حياتها، هذا التباين في المواقف يعكس اختلافاً في التصورات داخل المجتمع، ويؤثر بشكل مباشر في الفرص المتاحة أمام الفتيات، خاصة اللواتي يرغبن في متابعة تعليمهن وبناء مسارهن المهني.
قالت الأخصائية النفسية ميسم سواس في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قرارات الأسرة لا تنشأ بمعزل عن البيئة الثقافية والاجتماعية، بل تتشكل وفقاً لما يُعرف بالمعايير الاجتماعية والمعتقدات المشتركة داخل المجتمع، موضحةً أن الأفراد يكتسبون المعتقدات والأدوار الجندرية من خلال الملاحظة والتقليد والتعزيز الاجتماعي، مما يؤدي إلى ترسيخ الاعتقاد بأن تعليم الذكور أكثر أهمية من تعليم الإناث.
وأضافت أن التوقعات الوالدية تؤثر في القرارات التعليمية، إذ تشير الدراسات إلى أن انخفاض توقعات الوالدين تجاه قدرات البنات وفرصهن المستقبلية يرتبط بانخفاض الاستثمار في تعليمهن، لافتةً إلى أن الضغوط الاقتصادية تشكل عاملاً مهماً، حيث تميل الأسر محدودة الدخل إلى اتخاذ قرارات تستند إلى العائد الاقتصادي المتوقع من التعليم، وقد تعتقد أن هذا العائد أعلى لدى الذكور مقارنة بالإناث.
وأشارت إلى أن بعض الأسر تعتقد أن الدور الأساسي للمرأة هو الزواج والأمومة، وبالتالي يصبح التعليم أمراً ثانوياً، ويرتبط ذلك بمعتقدات راسخة مثل الاعتقاد بأن الزواج هو الضمان الأساسي لمستقبل الفتاة، وأن التعليم لن يغير من دورها الأسري، أو أن المرأة لا تحتاج إلى مؤهل علمي طالما ستتولى مسؤوليات المنزل.
ونوهت إلى أن البعض قد يعتقد أن التعليم قد يؤخر الزواج أو يؤثر في التزام الفتاة بالقيم الأسرية، وهي أفكار لا تستند إلى أدلة علمية، بل إلى تصورات اجتماعية موروثة، وبيّنت أن نظرية الدور الاجتماعي تشير إلى أن توزيع الأدوار التقليدية بين الجنسين يؤدي إلى ترسيخ تصورات نمطية حول قدرات المرأة وواجباتها، مما يدفع بعض الأسر إلى الاعتقاد بأن الزواج يوفر للفتاة مستقبلاً أكثر استقراراً من التعليم.
ولفتت إلى أنه من الناحية النفسية يشبع التعليم ثلاث حاجات أساسية هي الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء، موضحةً أن التعليم يسهم في تنمية الكفاءة الذاتية، وهي اعتقاد الفرد بقدرته على النجاح في مواجهة التحديات.
وذكرت أنه عندما تُحرم الفتاة من التعليم، فإن فرص تطوير الكفاءة الذاتية والاستقلالية واتخاذ القرار تتراجع، مما قد يزيد من اعتمادها على الآخرين، كما يضيق فرصها في الحصول على عمل مناسب وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وكذلك يقلل من شعورها بالانتماء وقدرتها على التعامل مع المشكلات الحياتية واتخاذ قرارات واعية بشأن صحتها وأسرتها ومستقبلها.
وتحدثت عن تفسير ذلك من خلال النموذج البيئي الذي يرى أن نمو الفرد يتأثر بتفاعل عدة أنظمة بيئية، تشمل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والسياسات العامة، موضحةً أن الفتيات اللاتي ينشأن في أسر تؤمن بقيمة التعليم وتحظين بدعم اجتماعي ومؤسسات تعليمية مناسبة تكون فرص استمرارهن في التعليم أكبر.
وأوضحت أن الفتيات في البيئات التي تنتشر فيها الأعراف المقيدة لتعليم الإناث أو تعاني من الفقر وضعف الخدمات التعليمية، تزداد احتمالات التسرب أو الحرمان من التعليم.
وأكدت أن تعديل الاتجاهات يحتاج إلى معالجة المعتقدات وليس مجرد تقديم المعلومات، مشيرةً إلى أن تغيير قناعات الأسرة لا يتحقق بالانتقاد أو فرض الآراء، وإنما من خلال تعديل المعتقدات والاتجاهات تدريجياً، فكلما أدرك الوالدان أن تعليم الفتاة يعزز ثقتها بنفسها، وينمي مهاراتها في حل المشكلات واتخاذ القرار، ويزيد من قدرتها على بناء أسرة مستقرة مستقبلاً، أصبحت مواقفهما أكثر إيجابية تجاه استمرارها في التعليم.
وشددت على أن الحوار مع الأسر واحترام قيمها، مع توضيح الفوائد النفسية والاجتماعية والاقتصادية للتعليم، يسهم في تقليل المقاومة للتغيير ويعزز اقتناعهم بأن تعليم الفتاة لا يتعارض مع دورها الأسري، بل يدعمه ويطوره وهو جزء أساسي منه.
وأفادت بأن التدخلات الأكثر فاعلية هي التدخلات متعددة المستويات، وتشمل تعزيز برامج الإرشاد النفسي والتربوي للأسر، وتقديم حوافز مالية ومنح تعليمية للأسر منخفضة الدخل، وتوفير بيئات مدرسية آمنة وداعمة نفسياً، وتنفيذ حملات إعلامية تهدف إلى تغيير الصور النمطية حول أدوار المرأة، وتدريب المعلمين على تطبيق ممارسات تعليمية تراعي الفروق بين الجنسين وتعزز العدالة التعليمية، إضافة إلى سن سياسات تضمن حق الفتيات في التعليم وتحد من التسرب والزواج المبكر.
من جانب آخر، يرى مختصون في علم الاجتماع أن مسألة الحد من تعليم الفتيات لا ترتبط فقط بقرار فردي داخل الأسرة، بل تتصل بمنظومة أوسع من القيم والتصورات التي تحدد أدوار المرأة في المجتمع، ويشيرون إلى أن بعض هذه القناعات ترسخت عبر سنوات طويلة، ما يجعل تغييرها يحتاج إلى وقت وجهود توعوية مستمرة، وليس مجرد قرارات آنية.
ويضيف المختصون أن إيقاف تعليم الفتاة لا يؤثر على مسارها الشخصي فقط، بل ينعكس أيضاً على المجتمع ككل، إذ يحدّ من فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للنساء، ويؤثر على مستوى الوعي داخل الأسرة مستقبلاً، كما يؤكدون أن التعليم لا يتعارض مع الزواج، بل يمكن أن يكون عاملاً داعماً لاستقرار الأسرة، من خلال تمكين المرأة وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات واعية.
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
ليس من السهل على أي طفل أن يفهم معنى المسؤولية من تلقاء نفسه، هي ليست فكرة تُشرح مرة واحدة وتنتهي، بل سلوك يُبنى تدريجياً من خلال مواقف يومية يمر بها داخل البيت وخارجه.
حين لا يُمنح الطفل الفرصة ليتحمل شيئاً بسيطاً، يكبر وهو معتاد على الاتكال، وقد يجد نفسه لاحقاً عاجزاً عن إدارة أبسط التزاماته، من هنا تأتي أهمية هذا الدور التربوي، الذي لا يتوقف عند التوجيه، بل يعتمد على التجربة، والخطأ، والمحاولة.
تنمية المسؤولية لدى الطفل وفق مراحله العمرية
في هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية غالية معقالي في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تحمل المسؤولية عند الطفل هو الخطوة الأولى التي يبدأ من خلالها في إدراك عواقب أفعاله، وتأجيل رغباته، وفهم أن لديه واجبات يجب الالتزام بها تجاه نفسه وعائلته ومجتمعه.
وأضافت أن تعليم الطفل تحمل المسؤولية يختلف باختلاف العمر، لكن يمكن البدء به من عمر السنة والنصف إلى سنتين، من خلال إشراكه في أعمال بسيطة جداً تتناسب مع قدراته.
وأشارت إلى أن الأطفال بين عمر 2 إلى 3 سنوات يمكنهم وضع الملابس في سلة الغسيل وترتيب الألعاب بمساعدة، بينما يستطيع الأطفال بين 4 إلى 5 سنوات سقي النباتات واختيار ملابسهم.
ونوهت إلى أن الأطفال من عمر 6 إلى 8 سنوات يمكنهم ترتيب السرير وتحضير الحقيبة المدرسية والمساعدة في أعمال بسيطة داخل المطبخ، في حين يمكن للأطفال من عمر 9 إلى 12 سنة القيام بمهام مثل كنس الأرض، وإدارة واجباتهم بشكل مستقل، والانتباه لمواعيد دروسهم أو مراجعاتهم الطبية.
وبينت أن تحديد المهام المناسبة لكل مرحلة عمرية يعتمد على عدة معايير، أولها التوافق النمائي، بحيث تكون المهمة مناسبة لقدرات الطفل الحركية والمعرفية، موضحة أن الطفل في عمر 3 سنوات مثلاً لا يستطيع ربط رباط حذائه.
ولفتت إلى أهمية التدرج في تقديم المهام، بحيث يتم تقسيمها إلى خطوات واضحة ومتسلسلة، إلى جانب التقييم الدوري، حيث إن شعور الطفل بالإحباط المتكرر يدل على أن المهمة غير مناسبة أو تحتاج إلى تبسيط.
وذكرت أن هناك طرقاً عملية تساعد الطفل على تعلم المسؤولية داخل المنزل، من بينها استخدام قائمة مهام مرئية تتضمن صوراً أو كلمات للمهام اليومية، مع إمكانية التأشير عند إنجازها، وتحدثت عن أهمية الروتين الثابت من خلال ربط المهام بأوقات محددة، مثل القيام بمهمة معينة بعد الانتهاء من الأكل، إضافة إلى منح الطفل خيارات بدلاً من إصدار الأوامر المباشرة.
وأوضحت أن التدريب العملي مع الطفل في البداية خطوة ضرورية، بحيث يتم تعليمه تنفيذ المهمة تدريجياً ثم تركه يعتمد على نفسه، مؤكدة أهمية التعزيز الإيجابي الفوري من خلال الثناء على السلوك نفسه، وأكدت أن من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهالي القيام بالمهام بدلاً عن الطفل، مما يحرمه من فرصة التعلم، إضافة إلى تحميله مهام تفوق قدراته أو طلب عدد كبير من المهام دفعة واحدة.
وشددت على أن العقاب القاسي أو النقد اللاذع عند فشل الطفل يؤدي إلى خلق الخوف بدلاً من تنمية المسؤولية، كما أن عدم الثبات في القواعد والتراجع عنها بشكل متكرر يربك الطفل، وأفادت أن الاعتماد على المكافآت المادية بشكل مفرط يحول الدافع الداخلي لدى الطفل إلى دافع خارجي قائم على المكافأة، ما يؤثر على استمرارية السلوك الإيجابي.
وأشارت إلى أن تشجيع الطفل على الالتزام بمهامه لا يتطلب الضغط أو العقاب، بل يمكن تحقيقه من خلال استخدام العواقب الطبيعية، بحيث يتحمل نتيجة أفعاله ضمن حدود آمنة، مع توضيح ذلك مسبقاً، وبينت أن تحويل المهام إلى لعبة أو تحدٍ يساعد في زيادة دافعية الطفل، إلى جانب التركيز على السلوك الإيجابي الجديد وتجاهل الأخطاء البسيطة قدر الإمكان.
ولفتت إلى أهمية إشراك الطفل في مناقشة توزيع المهام داخل الأسرة، من خلال عقد اجتماعات عائلية، مما يعزز شعوره بالمسؤولية والالتزام، وذكرت أن دور القدوة في ترسيخ مفهوم المسؤولية يعد أساسياً، موضحة أن الطفل يقلد أكثر مما يتلقى من تعليمات مباشرة.
وتحدثت عن مواقف عملية تلاحظها، حيث قد يشتكي أحد الوالدين من سلوك معين لدى الطفل، في حين يكون هذا السلوك موجوداً لديه، ما يستدعي البدء بتعديل سلوك الأهل أنفسهم، وأوضحت أن الأبحاث تؤكد أن الأطفال يتعلمون المسؤولية من خلال الملاحظة والنمذجة أكثر من التلقين، حيث يشكل سلوك الوالدين نموذجاً داخلياً لديهم.
وأكدت أن التزام الوالدين بمهامهم واحترامهم للوقت واعترافهم بأخطائهم أمام الطفل يعزز لديه مفهوم المسؤولية بشكل عملي، وشددت على أن المسؤولية لا تعني الكمال، بل تعني القدرة على الاعتراف بالخطأ والعمل على إصلاحه، وهو ما يتعلمه الطفل من خلال سلوك والديه اليومي.
في المقابل، يرى مختصون في علم النفس التربوي أن مسألة تحمّل الطفل للمسؤولية لا ترتبط فقط بالتوجيه المباشر، بل بطريقة تعامل الأهل مع أخطاء أبنائهم، فالإفراط في الحماية والتدخل السريع لحل كل مشكلة يواجهها الطفل قد يحرمه من فرصة التعلّم، ويضعف قدرته على اتخاذ القرار لاحقاً.
ويشيرون إلى أن منح الطفل مهاماً بسيطة تتناسب مع عمره، وترك مساحة له ليخطئ ويتعلم دون توبيخ قاسٍ، يساهم في بناء ثقته بنفسه تدريجياً، ويعزز لديه الإحساس بأنه قادر على الاعتماد على ذاته في مواقف الحياة المختلفة.
يبقى تعليم الطفل تحمّل المسؤولية مساراً طويلاً يتطلب صبراً وتوازناً في التعامل، إذ لا يتحقق بالضغط والتشدد ولا بالترك والإهمال، وبين هذا وذاك تتشكل شخصية الطفل تدريجياً، مدعومة بالتجربة والتوجيه، ليكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة واستقلالية.
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
في ضوء ما تشهده بعض المجتمعات من حوادث مؤلمة وتداعيات إنسانية قاسية، تبرز في عدد من الحالات عوامل مرتبطة باضطرابات نفسية لم تُلاحظ مبكراً أو لم تُعالج بالشكل المناسب، ما يسلّط الضوء على أهمية الانتباه لهذه القضايا والتعامل معها بجدية.
وفي هذا الإطار، تزداد الحاجة إلى التعرف على العلامات المبكرة للاضطرابات النفسية، وفهم أساليب التعامل الصحيح معها داخل الأسرة والمحيط، إلى جانب إدراك ما قد يترتب على إهمالها من نتائج سلبية.
قال الدكتور غزوان بويضاني، خريج كلية الطب البشري في جامعة دمشق ومختص بالاختصاص النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العلامات المبكرة لاضطراب نفسي تتمثل في تغير ملحوظ في النوم، سواء على شكل أرق أو نوم مفرط، إلى جانب الانسحاب الاجتماعي، وتقلب المزاج الحاد، والإهمال في النظافة، فضلاً عن الهلاوس مثل سماع أصوات، أو وجود أفكار غريبة، أو تراجع الأداء في العمل أو الدراسة.
وأشار إلى أن كيفية تعامل الأسرة الصحيح تقوم على تعلمهم عن المرض، والتواصل بهدوء مع المريض والاستماع دون حكم، مع تشجيع الاستقلالية بقدر الإمكان، ومواجهة الأعراض فقط دون المساس بالشخصية، إضافة إلى الاهتمام بأنفسهم لتقديم دعم مستدام، والتعاون مع الطبيب كفريق.
ونوه إلى أن الأخطاء الشائعة تشمل اللوم أو النقد، واستخدام عبارات دارجة مثل "تمالك نفسك" أو "شد حيلك"، إلى جانب إخفاء المرض خوفاً من الوصمة، والحماية الزائدة أو التهميش، وكذلك إيقاف الدواء دون استشارة الطبيب.
وبين أن إقناع المريض الرافض للعلاج يتطلب تجنب الجدال، والتعبير عن القلق بحب مثل "أنا خائف عليك"، مع ربط العلاج بأمر محبوب لديه كتحسين النوم أو الطاقة، واقتراح الذهاب إلى "استشارة عامة" أو إلى اختصاصي موثوق، مع تقديم خيارين، ووضع حد أقصى للانتظار إن كان هناك خطر.
ولفت إلى أن دور المحيط من الأصدقاء والمجتمع يتجلى في جانب داعم يتمثل في التوعية، وإدماج المريض، والتحدث بلطف، والإبلاغ عن أي تدهور للأسرة، إلى جانب تأثير آخر يتمثل في أن النظرة السلبية تزيد العزلة، وأن الوصمة تمنع طلب المساعدة.
وذكر أن مخاطر إهمال الحالة النفسية تتضمن تدهوراً حاداً في الصحة الجسدية، وتفاقم الأعراض، وفقدان الوظيفة والعلاقات، إضافة إلى إدمان الكحول أو المخدرات، أو إيذاء النفس، أو الوصول إلى الانتحار، ولفت إلى أن العلاج المبكر يحمي الدماغ ويُحسّن فرص التعافي.
وفي سياق متصل، كانت الدكتورة إيمان تللو، طبيبة بشرية خريجة جامعة حلب، اختصاص طب نفسي، أكدت في تصريح سابق لـ شام أن الصحة النفسية تُعد حجر الزاوية في قدرة الإنسان على إعادة بناء حياته بعد الكوارث.
وأضافت أن أهمية الصحة النفسية بعد النزوح والفقد تكمن في استعادة التوازن؛ فهي المحرك الذي يسمح للفرد بالعمل، ورعاية أسرته، والتكيف مع البيئة الجديدة، مشيرةً إلى أنه بدونها يتحول الألم من جرح عابر إلى إعاقة تمنع الاستمرار في الحياة.
وأشارت إلى أن التجارب القاسية تؤدي غالباً إلى ما يُعرف بصدمات الفقد والنزوح، والتي تظهر في أشكال متعددة، منها فقدان الشعور بالأمان والانتماء، واضطراب الهوية، وطرح تساؤلات مثل: من أنا بعد خسارة منزلي وعملي؟، إضافة إلى الشعور بالذنب أو ما يُعرف بعقدة الناجي.
ولفتت إلى أن من أسباب تردد الأهالي في طلب المساعدة الخوف من "الوصمة"، أي الاعتقاد الخاطئ بأن العلاج النفسي مخصص فقط لحالات "الجنون"، إلى جانب ثقافة الصبر التي تربط المعاناة النفسية بضعف الإيمان أو قلة الصبر، مما يجعل الشكوى تبدو تذمراً، فضلاً عن الجهل بالبدائل وعدم معرفة وجود تخصصات تتعامل مع الصدمات، وليس فقط الأمراض العقلية المزمنة.
وبيّنت أن من أسباب إنكار أهمية الجانب النفسي أيضاً الأولويات المادية، إذ ينشغل الناس بتأمين المأكل والمأوى، ويعتبرون الصحة النفسية ترفاً، إضافة إلى آليات الدفاع، حيث يُعد الإنكار وسيلة لا شعورية للهروب من مواجهة الألم العميق الذي قد لا يطيقه الشخص.
ونوهت إلى أن إهمال الجانب النفسي يؤدي إلى تداعيات عدة، منها تحول الألم النفسي إلى أعراض جسدية مثل الصداع المزمن وآلام الظهر والقرحة، إضافة إلى تفكك الروابط الأسرية نتيجة العصبية المفرطة أو الانعزال، فضلاً عن توارث الصدمات عبر الأجيال من خلال انتقال القلق من الآباء إلى الأبناء.
وذكرت أن هناك علامات تستوجب مراجعة المختص، من بينها اضطرابات النوم والشهية المستمرة لأكثر من أسبوعين، ونوبات الغضب أو البكاء غير المبرر، والانعزال الاجتماعي التام، وفقدان الشغف بما كان ممتعاً، إضافة إلى تراود أفكار إيذاء النفس أو الشعور باليأس المطبق من المستقبل.
وتحدثت عن سبل تعزيز الوعي في سوريا، مشيرة إلى أهمية عرض نماذج واقعية لقصص نجاح لأشخاص تجاوزوا الصدمات بمساعدة نفسية، ودمج التوعية بمفاهيم الصحة النفسية ضمن المبادرات الإغاثية والتعليمية، إلى جانب تغيير المصطلحات باستخدام عبارات مثل "دعم الصمود" أو "تفريغ الضغوط" بدلاً من "علاج نفسي" لتقليل الحساسية المجتمعية.
وقدمت تللو مجموعة من النصائح العملية للاهتمام بالصحة النفسية، منها قبول المشاعر، والتأكيد على أن الحزن والقلق بعد الكوارث رد فعل طبيعي لظرف غير طبيعي، إضافة إلى أهمية خلق روتين يومي بسيط يعيد الشعور بالسيطرة، وتعزيز التواصل الاجتماعي مع المقربين، فضلاً عن التوثيق من خلال الكتابة أو التدوين، لما له من دور في مساعدة العقل على ترتيب أحداث الصدمة ومعالجتها تدريجياً.
ترتبط الصحة النفسية بحياة الإنسان اليومية، وبقدرته على الاستمرار والتكيف مع ما يمرّ به من ظروف وتجارب، وتشمل هذه الجوانب ما يتعلق بالعلامات المبكرة للاضطرابات، وأساليب التعامل داخل الأسرة والمحيط، إضافة إلى تأثير الظروف القاسية، وما قد ينجم عن إهمالها من تداعيات على الفرد وعلاقاته.
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
تعد خيبة الأمل واحدة من التجارب الإنسانية الشائعة التي ترافق مختلف جوانب الحياة اليومية، إذ تنشأ غالباً نتيجة فجوة بين ما يتوقعه الفرد وما يواجهه في الواقع، سواء على صعيد العلاقات أو العمل أو الأهداف الشخصية، ولا تقتصر هذه التجربة على ظرف بعينه، بل تمتد لتشمل مواقف متعددة، كعدم تحقق فرصة منتظرة، أو تعثر مشروع، أو صدور تصرف غير متوقع من شخص مقرّب.
وفي هذا الإطار، تبرز خيبة الأمل حالةً ترتبط بحجم التوقعات المسبقة، حيث ينعكس أثرها بشكل مباشر على الحالة النفسية وطريقة التفكير، وقد تدفع الفرد إلى إعادة تقييم مواقفه أو التردد في خوض تجارب لاحقة، ومع تعدد أشكالها واختلاف أسبابها، يزداد الاهتمام بفهم طبيعتها وانعكاساتها، خاصة في ظل تأثيرها على قرارات الأفراد وتفاعلهم مع محيطهم.
ومن هذا المنطلق، تؤثر خيبة الأمل على طريقة تفكير الفرد وآلية اتخاذه للقرارات، فقد تدفعه إلى التردد أو فقدان الثقة بخياراته، كما قد تجعله أكثر حذراً أو ميلاً لتجنب التجارب الجديدة، وفي بعض الحالات، تؤدي إلى تضخيم المخاوف أو إعادة تقييم مستمرة للخطوات المقبلة، ما ينعكس على قدرته على الحسم والمبادرة، خاصة إذا تكررت التجارب السلبية دون معالجة واضحة.
خيبة الأمل نفسياً: من التوقعات غير الواقعية إلى الحاجة للدعم
قال أحمد ضياء نحاس، اختصاصي في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن خيبة الأمل في علم النفس تُعد تجربة عاطفية تنتج عن الفرق بين توقع الشخص لنتيجة معينة والواقع الذي لم يُلبِّ هذه التوقعات، مبيناً أن الألم ينجم عن فقدان الأمل وتوقع شيء إيجابي لم يتحقق، ما يسبب شعوراً بالإحباط وعدم الرضا، وأن هذه المشاعر مرتبطة بتأثيرات في الدماغ على نظام المكافأة والعاطفة مما يجعلها مؤلمة.
وأضاف أن من الأسباب الأكثر شيوعاً لخيبة الأمل وضع توقعات غير واقعية أو مثالية، وحدوث ظروف خارجية غير متوقعة تعرقل تحقيق الأهداف، إلى جانب فقدان الثقة في الأشخاص أو الظروف، والتأثيرات الاجتماعية أو العائلية التي تضع ضغطاً عالياً على الشخص.
وأشار إلى أن هناك آثاراً نفسية قد تظهر إذا لم يتم التعامل مع خيبة الأمل بشكل صحيح، منها الشعور المستمر بالحزن، والشعور بالتوتر، إضافة إلى القلق والتفكير، وفقدان الدافع والاهتمام بالحياة أو العمل، فضلاً عن مشاكل في الشهية والنوم، والانعزال الاجتماعي، لافتاً إلى أنه في بعض الحالات قد تؤدي إلى مشاكل صحية جسدية نتيجة التوتر المزمن.
ونوّه إلى أنه من الممكن إعادة بناء التوقعات بطريقة واقعية لتجنب تكرار خيبات الأمل، وذلك من خلال تقييم الظروف الحالية بموضوعية، وتحديد أهداف قابلة للتحقيق بخطوات صغيرة، وتقبل أن بعض الأمور خارجة عن السيطرة، واستشارة أشخاص ذوي خبرة أو مختصين للمساعدة في صياغة التوقعات، إلى جانب تطوير مهارات التفكير الإيجابي والمرونة.
وأوضح نحاس نقطة مهمة تتمثل في إمكانية تحول خيبة الأمل إلى حالة تستدعي دعماً أو تدخلاً نفسياً، وذلك عندما تستمر مشاعر الحزن لفترة طويلة وتؤثر على الحياة اليومية وتعطل الأداء الوظيفي للفرد، أو عند ظهور أفكار سلبية متكررة أو ما يعرف باليأس، أو فقدان القدرة على أداء المهام أو التواصل مع الآخرين، أو الشعور بالغضب المفرط، مؤكداً أنه في حال بدأت تظهر أفكار مؤذية أو انتحارية، فلا ينبغي التردد في طلب مساعدة فورية من أشخاص مختصين في علم النفس.
ويرى مختصون أن الاستجابة لخيبة الأمل تختلف من شخص لآخر تبعاً لخبراته السابقة وطبيعة شخصيته، إذ قد يتعامل البعض معها بمرونة ويحوّلونها إلى دافع للتغيير، في حين يواجهها آخرون بصعوبة أكبر، ما يستدعي وقتاً أطول للتعافي، خاصة في حال غياب الدعم أو تراكم التجارب السلبية.
وبحسب معالجين نفسيين، فإن خيبة الأمل قد تتحول إلى نقطة تحوّل مهمة في حياة الفرد إذا أُحسن التعامل معها، إذ تتيح فرصة لإعادة تقييم الأولويات وفهم الذات بشكل أعمق، بدلاً من النظر إليها كفشل نهائي.
كما يرون أن بناء القدرة على التكيّف النفسي لا يأتي من تجنب الخيبات، بل من مواجهتها بشكل تدريجي، واكتساب مهارات تساعد على الاستمرار، مثل إدارة التوتر، وتنظيم التفكير، والحفاظ على التوازن بين التوقعات والواقع.
تُظهر خيبة الأمل تجربة نفسية طبيعية مدى ارتباط الإنسان بتوقعاته وطموحاته، إلا أن التعامل معها بوعي وإدراك أسبابها يساهم في الحد من آثارها السلبية، ويعزز قدرة الفرد على التكيف والاستمرار، خاصة في ظل أهمية الدعم النفسي عند الحاجة.
١٩ يوليو ٢٠٢٦
في السنوات الأخيرة، لم تعد الضغوط النفسية مسألة فردية معزولة، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها كثيرون بصمت، ورغم ذلك، ما زال الحديث عن الصحة النفسية في مجتمعاتنا محاطاً بالتردد أو التجاهل، وكأن ما لا يُرى لا يستحق الاهتمام، فبين ضغوط المعيشة، والعادات الاجتماعية، وضعف الوعي، يجد الفرد نفسه أحياناً أمام معاناة حقيقية لا يملك الأدوات لفهمها أو التعبير عنها.
الصحة النفسية بين الوصمة الاجتماعية وضعف الوعي اليومي
في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية راما كريّم، الحاصلة على شهادة الماجستير في الإرشاد النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن كثيراً من الناس لا يزالون ينظرون إلى الصحة النفسية على أنها رفاهية وليست ضرورة، لأن الألم النفسي مخفي وأقل وضوحاً من الألم الجسدي الذي تشير إليه الفحوصات الطبية بشكل واضح ودقيق، مما يجعل الأفراد يعتقدون أنها مجرد وهم أو فترة عابرة، على عكس الألم الجسدي.
وأشارت إلى أن صعوبة الوضع الاقتصادي والمعيشي في مجتمعنا تسهم أيضاً في هذا التصور، حيث تُعطى الأولوية للغذاء والسكن والتعليم أكثر من الاحتياجات النفسية، ونوهت إلى أنه بحسب هرم ماسلو الذي يرتب الاحتياجات البشرية ضمن مستويات، نجد أن الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والراحة والمسكن تحتل المكانة الأولى وتسبق الاحتياجات الاجتماعية والنفسية كالشعور بالانتماء والتقدير، لذلك يُنظر إلى الخدمات النفسية على أنها خدمات تكميلية وليست أساسية.
وبيّنت أن هناك عوامل اجتماعية وثقافية تساهم في إهمال الصحة النفسية، من أبرزها الوصمة الاجتماعية التي ترافق طالبي الخدمات النفسية، حيث يُطلق عليهم ألقاب مثل "المجنون" أو "المختل"، مما يدفع الأفراد إلى تجاهل أو إنكار معاناتهم النفسية.
ولفتت إلى أن التنشئة الأسرية تلعب دوراً في ذلك، خاصة حين تُفرض على الذكور قيود تمنعهم من التعبير عن مشاعرهم، ويُنظر إلى إظهار الحزن أو الخوف على أنه ضعف، من خلال عبارات مثل "أنت رجل والرجل لا يبكي"، ما يؤدي إلى ترسيخ فكرة أن التعبير عن الصعوبات النفسية يتنافى مع مفاهيم القوة والرجولة.
وذكرت أن الافتقار إلى التثقيف النفسي في المجتمع يؤدي إلى تفسير الأعراض النفسية المبهمة على أنها سحر أو عمل موجه ضد الفرد، فيلجأ البعض إلى المشعوذين والدجالين، مما يُدخلهم في دوامة أكثر خطورة من عدم التعامل مع هذه الأعراض من الأساس.
وتحدثت عن تأثير تجاهل الصحة النفسية على حياة الفرد اليومية وعلاقاته، مؤكدة أنه لا يقل أهمية عن إهمال جرح عميق ينزف، إذ يتفاقم ويزداد سوءاً كلما طال إهماله، وأوضحت أن ذلك ينعكس على تراجع الأداء الوظيفي والإنتاجية في العمل أو الدراسة، وحتى في إنجاز المهام اليومية البسيطة، إضافة إلى الميل للعزلة والحد من العلاقات الاجتماعية بسبب اضطرابات المزاج، وقد يتطور الأمر ليأخذ شكل أمراض جسدية مثل القولون العصبي والقرحة المعدية والصداع وغيرها.
وأكدت وجود مؤشرات مبكرة تدل على أن الشخص يحتاج إلى دعم نفسي لكنه يتجاهلها، مثل اضطرابات النوم بالزيادة أو النقصان، وفقدان المتعة حتى بالأنشطة التي كانت ممتعة سابقاً، والعزلة والتهرب من التجمعات والمناسبات، وسرعة الاستثارة والانفعال المبالغ فيه تجاه المواقف البسيطة، إلى جانب شعور مستمر بالتعب والخمول لا يزول حتى بعد ساعات من النوم.
وشددت على أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً حول العلاج النفسي هو الاعتقاد بأن الأدوية النفسية تسبب الإدمان أو تدمر الدماغ، موضحة أن الحقيقة هي أن هذه الأدوية آمنة إذا تم تناولها تحت إشراف طبي، وتهدف إلى إعادة توازن كيمياء الدماغ وليست مخدراً.
وأفادت بأن هناك مفهوماً خاطئاً آخر يتمثل في الاعتقاد بأن مسؤولية العلاج النفسي تقع بالكامل على عاتق المرشد أو المعالج، بينما في الواقع هو رحلة تفاعلية تساعد الأفراد على فهم مشاعرهم واكتشاف الحلول المناسبة لهم.
وأضافت أنه يمكن تغيير نظرة المجتمع تجاه الصحة النفسية من خلال جهود موجهة وتراكمية تبدأ منذ سن المدرسة، عبر دمج مفاهيم الذكاء العاطفي وإدارة المشاعر في المناهج الدراسية. وأشارت إلى أهمية الحديث عن الصعوبات النفسية بشكل عفوي داخل الأسرة، تماماً كما يتم تبادل الحديث حول الصعوبات اليومية أو الآلام الجسدية، لما لذلك من دور في مساعدة الفرد منذ الطفولة على فهم احتياجاته النفسية والتعامل معها.
ولفتت لـ "شام" إلى أن الأسرة تُعد خط الدفاع الأول، وتلعب دوراً مزدوجاً في تعزيز أو إهمال الصحة النفسية، حيث يمكنها أن توفر بيئة آمنة ومساحة للتعبير عن المشاعر من حزن وخوف وضعف، في حين أن بعض البيئات الأسرية التي تميل إلى النقد المستمر أو التمييز بين الأبناء وكبت المشاعر قد تسهم في إضعاف الصحة النفسية.
وبيّنت أن هناك خطوات بسيطة يمكن لأي شخص البدء بها للاهتمام بصحته النفسية، من خلال تبني عادات يومية مثل وضع حدود واضحة وتعلم قول "لا" للعلاقات المستنزفة، وقضاء وقت مع الذات بالتأمل والامتنان، واعتماد روتين يومي مريح من حيث تنظيم النوم والطعام والأنشطة، إضافة إلى التواصل مع أشخاص موثوقين وداعمين يراعون ما يمر به الفرد من صعوبات.
تُعدّ الصحة النفسية أحد الجوانب المرتبطة بحياة الفرد اليومية، وتتأثر بعدد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما أن مستوى الوعي بها يختلف من بيئة إلى أخرى، وهو ما ينعكس على طريقة التعامل معها، ويُظهر تناول هذا الموضوع أهمية فهم أبعاده المختلفة، ودور كل من الفرد والأسرة والمجتمع في التعامل مع التحديات المرتبطة به.
١٩ يوليو ٢٠٢٦
عادةً ما يتلقى بعض الأهالي خبر رسوب ابنهم في المدرسة بصدمة ثقيلة، خصوصاً أنه سيضطر لإعادة السنة الدراسية مرة أخرى، ما يفتح الباب أمام مشاعر الإحباط والقلق على مستقبله، وفي الوقت ذاته، لا يكون وقع النتيجة أقل قسوة على الطالب نفسه، الذي قد يشعر بالفشل أو الخجل أو فقدان الثقة بقدراته، لا سيما إذا لم يجد تفهماً لما يمر به.
في مثل هذه الحالات، ينصح المختصون التربويون بعدم التوقف عند النتيجة بحد ذاتها، بل التوجه للبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الرسوب، سواء كانت دراسية أو نفسية أو مرتبطة بالبيئة المحيطة، مؤكدين أن فهم المشكلة يعد الخطوة الأولى نحو معالجتها، كما أن دعم الأهل ومساندتهم يمكن أن يساعدا الطالب على تجاوز هذه المرحلة، والاستعداد بشكل أفضل للعام الدراسي المقبل، بما يعزز فرص نجاحه.
في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية رهف قرنفل، العاملة ضمن منصة "نفسجي"، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الرسوب لدى الطلاب لا يحدث نتيجة سبب واحد فقط، بل غالباً ما يكون حصيلة تداخل عوامل نفسية وعضوية وبيئية متعددة، موضحة أن من أبرز هذه الأسباب صعوبات التعلم غير المشخصة، مثل عسر القراءة (الديسليكسيا) أو اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة (ADHD).
وأضافت أن الفجوات المعرفية التراكمية تشكل سبباً مهماً أيضاً، إذ إن إهمال أساسيات المادة في سنوات دراسية سابقة يجعل استيعاب المفاهيم اللاحقة أمراً بالغ الصعوبة، إلى جانب الأزمات النفسية مثل القلق المفرط من الامتحانات أو الاكتئاب أو تدني تقدير الذات، فضلاً عن غياب التنظيم لدى الطالب وافتقاده لمهارات إدارة الوقت واستراتيجيات الدراسة الفعالة.
وأشارت إلى أن البيئة الأسرية تلعب الدور الأكبر في تشكيل عقلية الطالب وتحصيله الدراسي، باعتبار أن المنزل هو البيئة النفسية الأولى للتعلم، مبينة أن الأمان العاطفي الناتج عن الاستقرار الأسري والابتعاد عن الخلافات يتيح للطفل توجيه طاقته الذهنية نحو الدراسة.
ونوهت إلى أهمية النمذجة السلوكية داخل الأسرة، حيث إن رؤية الوالدين يقرؤون أو يعملون على تطوير مهاراتهم تحفز الطفل بشكل تلقائي على تقليدهم، إضافة إلى أن التوقعات الواقعية التي تركز على بذل "أفضل جهد" بدلاً من السعي إلى "الكمال" تسهم في حماية الطفل من الإحباط المرتبط بالفشل.
وبينت أن الدعم اللوجستي الذي توفره الأسرة، مثل تأمين مكان هادئ للدراسة، وتقديم تغذية سليمة، وتنظيم ساعات النوم والتعرض للشاشات، يعد من العوامل الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر في قدرة الطالب على التحصيل.
ولفتت قرنفل إلى أن طريقة تعامل الأهل مع الرسوب تعد لحظة مفصلية في تحديد دافعية الطفل، حيث إن الرد العقابي القاسي يربط التعلم بالألم والخوف، ما قد يدفع الطفل إلى النفور من المدرسة أو اللجوء إلى الغش هرباً من العقاب.
وذكرت أن الإحباط واللوم المستمرين يؤديان إلى تدمير الدافعية الداخلية لدى الطفل، ويقنعانه بأنه "فاشل"، الأمر الذي قد يدفعه إلى التوقف عن المحاولة فيما يعرف بحالة "العجز المتعلم"، في حين أن الاحتواء والتوجيه يعززان ما يسمى "عقلية النمو"، حيث يدرك الطفل أن الذكاء قابل للتطور من خلال الجهد.
وتحدثت عن مجموعة من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهل عند اكتشاف رسوب أبنائهم، من بينها الصراخ والتعنيف الجسدي أو اللفظي، والذي قد يخفف من غضب الأهل مؤقتاً، لكنه يزرع الخوف والعدائية في نفس الطفل.
وأوضحت أن المقارنة مع الآخرين، كقول "انظر إلى ابن عمك أو صديقك"، تؤدي إلى تدمير ثقة الطفل بنفسه وتزرع لديه مشاعر الغيرة والحقد، كما أن الحرمان المطلق والعشوائي من الأنشطة الترفيهية يولد ضغطاً نفسياً كبيراً ويحرم الطفل من وسائل تفريغ طاقته.
وأكدت لـ "شام" أن توجيه الإهانات إلى شخصية الطفل بدلاً من سلوكه، مثل وصفه بـ"الغبي"، ينعكس سلباً على صورته الذاتية، في حين ينبغي التركيز على النتيجة بوصفها "غير مرضية" والعمل على تحسينها، وشددت على أهمية اتباع خطة عملية للتعامل الإيجابي مع الرسوب، تبدأ بامتصاص الصدمة، من خلال فصل مشاعر الحب غير المشروط للطفل عن الاستياء من النتيجة، يلي ذلك عقد جلسة احتواء يتم فيها طمأنة الطفل والتأكيد على أن المشكلة يمكن حلها.
وأفادت بضرورة إجراء تحليل مشترك مع الطفل لمعرفة أسباب الرسوب، سواء كانت مرتبطة بصعوبة المادة أو ضيق الوقت أو الخوف، ثم وضع خطة دراسية واقعية تقوم على تقسيم المواد إلى أجزاء صغيرة وتحديد ساعات دراسة يومية ثابتة تتخللها فترات راحة، وأضافت أنه من المهم الاستعانة بالمختصين عند الحاجة، سواء أخصائي نفسي أو مدرس مختص بصعوبات التعلم، لضمان تقديم الدعم المناسب للطالب.
وبينت أن الرسوب يمكن أن يتحول إلى دافع إيجابي من خلال تعزيز مفهوم "المرونة النفسية"، عبر إعادة تعريف الفشل كحدث أو تجربة تعلم، وليس هوية ثابتة تعكس قدرات الطفل، ولفتت إلى أهمية التركيز على الإنجازات الصغيرة، مثل التزام الطفل بالخطة اليومية أو تحسنه في اختبار قصير، لما لذلك من دور في إعادة بناء ثقته بنفسه تدريجياً.
وذكرت أن هذه التجربة قد تسهم أيضاً في تعليم الطفل مهارة حل المشكلات، حيث يتعلم كيفية التعامل مع الأزمات بدلاً من الاستسلام لها، كما قد تكون فرصة لاكتشاف جوانب أخرى من شخصيته أو مواهبه، سواء كانت فنية أو رياضية أو تقنية، بما يدعم نموه وتفوقه بشكل عام.
يرى معلمون أن الرسوب لا ينبغي التعامل معه كنقطة نهاية، بل كمؤشر يحتاج إلى قراءة هادئة لما جرى داخل الصف وخارجه، ويؤكدون أن كثيراً من الطلاب الذين يتعثرون دراسياً لا يعانون بالضرورة من ضعف في القدرات، بل من غياب المتابعة اليومية أو عدم فهمهم لطريقة المذاكرة المناسبة لكل مادة، وهو ما يتراكم تدريجياً حتى يظهر في النتيجة النهائية.
ويشيرون إلى أن دور المدرسة لا يقتصر على التقييم، بل يمتد إلى مساعدة الطالب على استعادة توازنه، من خلال تبسيط المفاهيم التي تعثر فيها، وتشجيعه على طرح الأسئلة دون خوف، إضافة إلى بناء علاقة قائمة على الثقة بينه وبين المعلم، كما يلفتون إلى أهمية تعاون الأهل مع المدرسة، لأن معالجة المشكلة تتطلب جهداً مشتركاً يضع مصلحة الطالب في المقام الأول، ويمنحه فرصة حقيقية للعودة بشكل أقوى في العام التالي.
يبقى الرسوب تجربة صعبة لكنها ليست نهاية الطريق، بل محطة يمكن التوقف عندها لإعادة التقييم والتصحيح، وبين دور الأسرة، وجهود المدرسة، ودعم المختصين، تتشكل فرصة حقيقية لمساعدة الطالب على تجاوز هذه المرحلة بشكل أكثر وعياً ونضجاً، فالتعامل المتوازن مع هذه التجربة قد يصنع فارقاً ليس فقط في نتائجه الدراسية، بل في نظرته لنفسه وقدرته على مواجهة التحديات مستقبلاً.