التفريق لعلة الغياب: حل قانوني لزوجات المفقودين في سوريا
شهدت سوريا خلال السنوات الماضية ظروفاً قاسية انعكست على حياة الأسر بشكل مباشر، ومن بينها حالات اختفاء أزواج في ظروف متعددة، سواء داخل السجون والمعتقلات، أو خلال التنقل والسفر بين المناطق، أو في سياقات غامضة لم تتضح ملابساتها حتى اليوم.
وأمام هذا الواقع، وجدت العديد من الزوجات أنفسهن في حالة فقدان طويل الأمد دون أي معلومات عن مصير أزواجهن، ما دفع بعضهن إلى اللجوء للمحاكم لإنهاء الرابطة الزوجية، في ظل تراجع الأمل بعودتهم ورغبتهن في استكمال حياتهن، إضافة إلى ظروف اجتماعية وشخصية أخرى فرضت عليهن هذا الخيار.
وفي هذا السياق، يوضح قانون الأحوال الشخصية السوري الإطار الناظم لهذه الحالات، حيث يكفل للمرأة حق إنهاء الرابطة الزوجية في حال الغياب القسري للزوج، بما يهدف إلى حمايتها من الضرر وتفادي بقائها في حالة “تعليق” قانوني واجتماعي.
وقال باسل موسى، المحامي والأستاذ المزاول للمهنة في نقابة المحامين بدمشق، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن قانون الأحوال الشخصية السوري كفل للمرأة حق إنهاء الرابطة الزوجية في حال غياب الزوج القسري، وذلك بهدف حمايتها من الضرر وتفادي الوقوع في حالة “التعليق”.
وأضاف موسى أن هذا النوع لا يُعد “طلاقاً” بالمعنى الحرفي، وإنما يُصنّف ضمن “التفريق لعلة الغياب” أو “التفريق لعلة الفقد”، مشيراً إلى مجموعة من الإجراءات القانونية المتبعة في هذا السياق بما يضمن حفظ حقوق الزوجة وتنظيم وضعها القانوني.
وذكر في البداية الشروط القانونية لرفع الدعوى، موضحاً أن للزوجة الحق في طلب التفريق إذا توفرت مجموعة من المعايير، من بينها مدة الغياب، بحيث يغيب الزوج لمدة سنة فأكثر، إضافة إلى تحقق الضرر المتمثل في “الوحشة” وفقدان السكن والأمان، بغض النظر عما إذا كان للزوج مال تنفق منه الزوجة أم لا.
إلى جانب الشروط السابقة، أشار إلى أن طبيعة الغياب تُعد عنصراً أساسياً، موضحاً أن هذا الحق يسري حتى في حالات الغياب القسري، مثل الاعتقال أو الفقدان في ظروف الحرب أو الكوارث.
وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية المتبعة، وبما أن الزوج غائب قسراً وغالباً ما يكون مكان إقامته مجهولاً، تتبع المحكمة الشرعية عدداً من الخطوات، تبدأ بقيام الزوجة برفع دعوى “تفريق لعلة الغياب” أمام المحكمة الشرعية في محل إقامتها.
والخطوة التالية هي التبليغ بالنشر، إذ ونظراً لجهالة مكان الزوج يتم تبليغه عبر النشر في صحيفتين يوميتين رسميتين، إلى جانب لصق الإعلان على لوحة إعلانات المحكمة، أما الخطوة الثالثة فهي الإمهال القانوني، حيث يمنح القاضي الزوج مدة محددة غالباً ما تكون شهراً للظهور أو تقديم رد، وفي حال انتهاء المهلة دون ظهور الزوج أو ورود أي معلومات عنه، يصدر القاضي حكماً بفسخ عقد الزواج.
وبالنسبة لكيفية ضمان القانون حقوق الزوجة المالية، أكد المحامي أن غياب الزوج لا يسقط حقوق المرأة، بل يتم التعامل معها كالتالي: المؤخر (المهر المؤجل): عند صدور حكم التفريق للغيبة يُعتبر الزواج منتهياً بحكم القاضي، ويحق للزوجة المطالبة بمؤخر صداقها المسجل في عقد الزواج.
والنفقة: يحق للزوجة المطالبة بنفقة “ماضية” و“مستمرة” لها ولأولادها، وفي حال وجود أموال أو عقارات أو سيارات باسم الزوج يمكن للمحكمة الحجز عليها واستيفاء النفقة منها، أما الحضانة، فيبقى حق الحضانة قائماً للزوجة على أطفالها، ولا يؤثر غياب الزوج على هذا الحق، بل يمنحها القدرة على تسيير شؤونهم القانونية والدراسية بوصفها الحاضنة.
وبالنسبة للعدة، أوضح موسى أن عدة الزوجة تبدأ من تاريخ صدور الحكم القضائي واكتسابه الدرجة القطعية، وليس من تاريخ اختفاء الزوج.
وفي حال كان الزوج “مفقوداً”، أوضح المحامي باسل أنه إذا اختفى في ظروف يغلب عليها الهلاك، مثل المعارك أو الكوارث الطبيعية، فإن ذلك يُعالج عبر مسار قانوني يُعرف بـ“دعوى لعلة الفقد”، وفي هذه الحالة يمكن للقاضي اعتبار الزوج مفقوداً، وتعيين الزوجة وكيلاً قضائياً لإدارة أمواله والإنفاق منها على نفسها وعلى الأولاد، إلى حين البت في مصير الزوج قانونياً.
وأعطى موسى في ختام حديثه نصيحة إجرائية تمثلت في تجهيز بيان قيد مدني حديث، وشهادة من مختار الحي أو شهود لإثبات واقعة الغياب ومدتها أمام المحكمة، بما يساهم في تسريع الإجراءات القضائية.