مجتمع
٣٠ مايو ٢٠٢٦
أخطاء غير مقصودة.. كيف تؤثر تصرفات الأهل على نفسية الطفل في العيد؟

يُعدّ العيد من أكثر المناسبات التي ينتظرها الأطفال بشغف، لما يحمله من أجواء الفرح واللعب، والحصول على العيدية، وارتداء الملابس الجديدة، وتناول الحلويات، إضافة إلى اللقاءات العائلية والتجمع مع الأصدقاء. 

غير أن هذه الصورة المرتبطة بالبهجة قد تتأثر أحياناً ببعض الممارسات التربوية التي يقوم بها الأهل دون قصد، رغم حرصهم على إسعاد أطفالهم وتعليمهم الشعائر الدينية والواجبات الاجتماعية، ما قد ينعكس سلباً على نفسية الطفل، ويؤثر في تجربته للعيد، وقد يمتد أثر ذلك إلى ما بعد أيامه.

أخطاء تربوية في العيد وأثرها على الأطفال

في هذا السياق، قالت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان، الحاصلة على ماجستير في العلوم والبحوث السكانية – قسم حماية الأسرة، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن وقوع الأهل في بعض الأخطاء التربوية غير المقصودة خلال العيد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيتحول العيد من مصدر للبهجة والقيم إلى مصدر للخوف أو الضغط النفسي.

وأشارت إلى أن من أبرز هذه الأخطاء التهويل والتركيز على تفاصيل الذبح الصادمة، موضحةً أن إجبار الأطفال، خاصة دون سن السابعة، على مشاهدة عملية ذبح الأضحية أو وصف تفاصيل الدم والقطع بشكل مرعب، قد ينعكس سلباً عليهم، إذ قد يصاب الطفل بصدمة نفسية أو كوابيس، أو ينفر من تناول اللحوم، ويربط العيد بالقسوة بدلاً من الرحمة.

وأضافت أن من الأخطاء أيضاً تحويل العبادات إلى أوامر جافة وعقوبات، مبينةً أن إجبار الطفل على الاستيقاظ لصلاة العيد أو ترديد التكبيرات بأسلوب قائم على الصراخ أو التهديد بالعقاب، يجعله يربط الشعائر الدينية بمشاعر سلبية كالخوف والضغط، ما يضعف حبه لها.

وبيّنت أن إهمال التفسير المبسط للشعائر يمثل خطأً آخر، إذ يتم أحياناً ممارسة الطقوس، كشراء الأضحية أو زيارة الأقارب، بوصفها واجبات آلية دون شرح معانيها الإنسانية والدينية، الأمر الذي يفقد العيد قيمته التربوية ويجعله مجرد مناسبة للمرح المادي وتناول الطعام.

ولفتت إلى أن إجبار الطفل على التواصل الاجتماعي رغماً عنه، كإلزام الطفل الخجول أو الانطوائي بتقبيل جميع الأقارب أو توبيخه أمام الآخرين في حال رفض التحدث، يؤدي إلى شعوره بانتهاك مساحته الشخصية، وقد يحول العيد بالنسبة له إلى مصدر للقلق الاجتماعي.

ونوهت في حديث لـ شام إلى أن المبالغة في المقارنات المادية والطبقية تعد من الممارسات السلبية، مثل التركيز على مقارنة ملابس الطفل أو قيمة عيديته بأقرانه، أو التذمر من مصاريف العيد أمامه، ما ينمي لديه قيماً سلبية كالمادية والجشع أو الشعور بالنقص والحرمان.

وأكدت أن التمييز بين الأبناء في المهام أو العيديات، كإعطاء أحدهم عيدية أكبر دون مبرر واضح أو تكليف طفل واحد بمعظم المهام، يزرع الغيرة والضغينة بين الإخوة ويفسد فرحة العيد الجماعية، وتحدثت عن أهمية تحويل العيد إلى تجربة تربوية، من خلال نقل تركيز الطفل من الاستهلاك والأخذ إلى العطاء والمشاركة، ومن المظاهر الخارجية إلى القيم والمشاعر الداخلية، مشيرةً إلى عدد من الخطوات العملية لتحقيق ذلك.

وذكرت أن من هذه الخطوات الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج والعطاء، من خلال إشراك الطفل في صنع زينة العيد وتجهيز الحلوى لتقديمها للضيوف، إضافة إلى تخصيص جزء من ميزانية العيد لشراء هدايا بسيطة يختارها الطفل بنفسه لتقديمها لأطفال من عائلات متعففة، إلى جانب تشجيعه على اقتطاع جزء من عيديته ووضعه في صندوق تبرعات يختار وجهته.

وأضافت أن تفعيل "حوار المعاني" بدلاً من تلقين الأوامر يعد أمراً أساسياً، كأن تخصص العائلة وقتاً للحديث ليلة العيد عن فضل هذا اليوم وتبادل مشاعر الامتنان، مع طرح أسئلة مفتوحة تحفز تفكير الطفل الأخلاقي، مثل كيفية إسعاد أحد أفراد العائلة أو ما يمكن تعلمه من قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام.

وأفادت بضرورة ربط السلوك الاجتماعي بالقيم الإنسانية، من خلال تكليف الطفل بمهام بسيطة أثناء الزيارات، كالمشاركة في تقديم الضيافة أو المبادرة بالسلام على كبار السن، ما يسهم في تنمية مهاراته الاجتماعية، إلى جانب استثمار العيد لتشجيعه على المصالحة والتسامح وبدء صفحة جديدة مع الآخرين.

وشددت على أهمية تحقيق التوازن بين المتعة المادية والروحية، من خلال تعزيز مكانة الشعائر، مثل صلاة العيد، وإضفاء أجواء من الجمال والاهتمام بها، ليُدرك الطفل أن العيد عبادة قبل أن يكون مناسبة للترفيه، ولفتت إلى ضرورة ترسيخ قيم الرفق والمسؤولية، خاصة عند ذبح الأضحية، من خلال التركيز أمام الطفل على إطعام الحيوان وسقايته وملاطفته قبل الذبح، ليترسخ لديه أن الرحمة تسبق كل شيء.

في ظل هذه الممارسات، تبقى مسؤولية الأهل بحسب المختصين في الانتباه لتفاصيل تعاملهم مع أطفالهم خلال العيد أمراً أساسياً، بما يضمن الحفاظ على المعنى الحقيقي لهذه المناسبة، فالتوازن بين الفرح والتوجيه، وبين الشعائر والمشاعر، من شأنه أن يجعل العيد تجربة إيجابية راسخة في ذاكرة الطفل، تحمل معها قيماً إنسانية وتربوية تمتد آثارها إلى ما بعد أيامه.

اقرأ المزيد
٢٩ مايو ٢٠٢٦
كيف تصنع العيدية وعي الطفل المالي وتؤثر في سلوكه؟

تُعدّ العيدية من أبرز المظاهر المرتبطة بالأعياد، سواء في عيد الأضحى أو عيد الفطر، وينتظرها الأطفال عادةً بفرح كبير، إذ يحصلون عليها من الأهل والأقارب وأصدقاء العائلة خلال الزيارات والمعايدات، ولا يرتبط حضورها بقيمتها المادية فقط، بل بما تتركه من أثر نفسي لدى الطفل، خاصة أنها تشكّل جزءاً من أجواء العيد وتجربته الاجتماعية، ما يفتح الباب للحديث عن تأثيرها التربوي وانعكاسها على سلوك الأطفال وطريقة تعاملهم معها.

وفي هذا السياق، قالت هيفين هوري، المرشدة النفسية والاختصاصية في مجال الطفولة والأسرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العيدية تحمل أهمية خاصة لدى الأطفال، لأنها ترتبط لديهم بمشاعر الاهتمام والفرح خلال العيد، مشيرةً إلى أن الطفل يشعر من خلالها بأنه حاضر ضمن أجواء العائلة والتجمعات الاجتماعية، ولفتت إلى أن هذا التصرف يساهم في تعزيز شعور الطفل بالتقدير والانتماء داخل محيطه الأسري.


وأوضحت أن الطفل في سنواته الأولى يحتاج إلى مؤشرات ملموسة تدل على مكانته، فعندما يتلقى العيدية يتشكل لديه ارتباط بين هذا السلوك ومشاعر الدفء الأسري والاحتفال الجماعي، فيترسخ في ذاكرته أن هناك لحظات خاصة يُحتفى به فيها.

وأكدت أن هذا الارتباط يساهم في بناء صورة إيجابية عن ذاته، ويعزز لديه الثقة بأن وجوده له قيمة عند الآخرين، منوهةً إلى أن مثل هذه الخبرات تدعم النمو العاطفي والاجتماعي، خاصة أنها تمنحه إحساساً بالأمان الداخلي وتساعده على تطوير علاقات أكثر استقراراً مع محيطه.

وذكرت أن العيدية تصبح بهذا الشكل عاملاً نفسياً مهماً في تكوين الذاكرة العاطفية للطفل، وتترك أثراً طويل الأمد في شعوره بالاحتواء والارتباط بالأسرة والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها، مما يعزز لديه الإحساس بالاستقرار النفسي ويغذي تطوره العاطفي والاجتماعي بشكل متوازن.

وأشارت إلى أن العيدية تمنح الطفل تجربة أولية في التعامل مع المال، وهي تجربة تحمل أبعاداً نفسية عميقة لا تقتصر على جانب الإنفاق أو الادخار، موضحةً أن الطفل يحتاج إلى مواقف عملية تساعده على اختبار قدرته في اتخاذ قرارات صغيرة، وأن العيدية توفر له هذا المجال بشكل طبيعي ومبهج، وأضافت أنه عندما يقرر الطفل كيفية استخدام المبلغ الذي حصل عليه، يبدأ في إدراك قدرته على التحكم في اختياراته، وهو ما يعزز لديه الشعور بالكفاءة الذاتية ويغذي الثقة بالنفس.

وبيّنت أن هذا النوع من الخبرات يسهم في بناء شخصية أكثر استقلالية من الناحية النفسية، حيث يتعلم الطفل أن قراراته لها أثر مباشر على حياته اليومية، كما أفادت بأن ذلك يساهم في تعزيز النمو الاجتماعي، إذ يتفاعل الطفل مع محيطه من خلال مشاركة أفكاره حول ما يرغب بشرائه أو ما يود الاحتفاظ به، مما يعزز التواصل الأسري ويمنحه شعوراً بأن رأيه مسموع ومعتبر.

وأضافت أنه يمكن للأهل تقديم نماذج عملية تساعد الطفل على تنظيم ما يحصل عليه من مال، مثل تشجيعه على تقسيم المبلغ بين شراء شيء يرغب به، والاحتفاظ بجزء للادخار، والمساهمة بجزء صغير في عمل خيري، مشيرةً إلى أن الطفل بهذه الطريقة يتعلم أن المال وسيلة للتوازن بين المتعة والواجب الاجتماعي. 

وذكرت المرشدة النفسية في تصريح خاص لـ شام، أنه مع تكرار هذه التجربة في كل عيد، تتشكل لدى الطفل ذاكرة عاطفية إيجابية تربط بين العيدية والإحساس بالقدرة على اتخاذ القرار، مما يرسخ في داخله صورة أكثر نضجاً عن ذاته.

ونوهت إلى أهمية أن تُقدَّم العيدية بروح المحبة والاحتفاء، وأن يُترك للطفل مجال للتجربة والتعلم، وأضافت أنه يمكن للأهل مرافقة الطفل في اختياراته دون فرض مباشر، واستخدام الحوار لتوضيح معاني الإنفاق والادخار بأسلوب مبسط يناسب عمره، مؤكدةً أن هذا النهج يرسخ علاقة قائمة على الثقة ويعزز التواصل الأسري.

وحذّرت من أن استخدام العيدية كوسيلة مشروطة قد يؤدي إلى نتائج سلبية، إذ يشعر الطفل أن قيمته الشخصية مرتبطة بأدائه أو طاعته فقط، وأوضحت أن هذا الأسلوب يضعف الدافع الداخلي ويخلق توتراً في العلاقة بين الأهل والطفل، كما قد يزرع لديه شعوراً بالحرمان أو المقارنة مع الآخرين.

ولفتت إلى أنه، وخاصة في البيئة السورية حيث يتأثر الأطفال بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية، يصبح من الضروري تجنب هذا الأسلوب حتى لا ينعكس سلباً على نموهم النفسي.

وأكدت على أهمية أن يتعامل الأهل مع العيدية كرمز للمحبة والاهتمام، لما تحمله من دلالة وجدانية تعكس مكانة الطفل داخل الأسرة، مشيرةً إلى أن هذا الفهم يساهم في تقديمها للطفل بطريقة إيجابية وهادئة، بعيدًا عن أي شعور بالضغط أو التوجيه القسري.

وأضافت أن الحوار مع الطفل يعد وسيلة أساسية لتوضيح معنى الادخار والإنفاق، حيث يمكن للأهل أن يشرحوا بأسلوب مبسط كيف يُستخدم المال في تلبية الحاجات وتنظيم الحياة اليومية، مبينةً أن هذا الحوار يفتح أمام الطفل مجالاً لفهم المال كأداة للتوازن بين الرغبات والواجبات.

كما شددت على أن تشجيع الطفل على اتخاذ قرارات صغيرة يعزز ثقته بنفسه، مثل اختيار شراء كتاب أو لعبة، مع متابعة غير مباشرة من الأهل لضمان بقاء التجربة في إطار تربوي صحي، موضحةً أن هذا الأسلوب يرسخ لديه الشعور بالمسؤولية ويغذي استقلاليته تدريجياً.

وذكرت أنه يمكن أيضاً إشراك الطفل في أنشطة عملية، مثل استخدام دفتر صغير يسجل فيه ما أنفقه وما ادخره، مما يساعده على رؤية أثر قراراته بشكل ملموس، ويغرس في داخله عادة التنظيم ويمنحه وعياً مبكراً بقيمة المال.

وأكدت على أن المال وسيلة لتنظيم الحياة اليومية، وأن الهدف من العيدية هو تعزيز النمو النفسي والاجتماعي للطفل، لافتةً إلى أن هذا الأسلوب يجعل من العيدية تجربة تربوية متكاملة تدعم الطفل في بناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

وتُعدّ العيدية التي يتلقاها الأطفال في العيد لفتة بسيطة تحمل طابعاً جميلاً يرتبط بأجواء الاحتفال، كما تمنح الطفل فرصة للتعامل مع المال بشكل مباشر، من خلال تحديد كيفية إنفاقه سواء على احتياجاته أو رغباته، أو الاحتفاظ بجزء منه، ما يساهم، بحسب خبراء، بشكل تدريجي في تعوّده على فكرة الادخار وتنظيم المصروف.

اقرأ المزيد
٢٨ مايو ٢٠٢٦
حين لا تكتمل فرحة العيد عند بعض الأطفال في سوريا

حلّ عيد الأضحى المبارك، وامتلأت الساحات والأحياء بفرحة الأطفال الذين خرجوا بملابس العيد الجديدة، يلعبون ويجوبون المكان ببهجة، فيما يقف آخرون جانباً يراقبون أقرانهم بحزن، بعدما لم يتمكنوا من الحصول على زيّ العيد واكتفوا بملابسهم القديمة بسبب ضعف القدرة المادية لعائلاتهم، ليجدوا أنفسهم خارج أجواء الفرح التي يعيشها من حولهم.

تضطر كثير من الأسر في سوريا، في ظلّ الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها، إلى تقليص نفقاتها إلى الحدّ الأدنى، ما يدفعها إلى الاستغناء عن بعض الاحتياجات غير الأساسية أو تأجيلها، ومن بينها شراء ملابس العيد للأطفال، سواء بسبب ضعف القدرة المادية أو نتيجة توجيه ما يتوفر من دخل لتأمين متطلبات أكثر إلحاحاً كالغذاء والدواء.

وفي محاولة لتعويض غياب الملابس الجديدة، تلجأ بعض الأمهات إلى حلول بديلة، حيث يعتمدن على الملابس القديمة بعد غسلها وترتيبها بعناية لتبدو بحالة أفضل، أو يقمن بالحصول على ملابس مستعملة من أقارب أو معارف بعد الاستغناء عنها، بما يساهم في تأمين مظهر لائق لأطفالهن في العيد ولو بالحدّ الأدنى الممكن، ويخفف عنهم شعور النقص أمام أقرانهم.

قد يظن البعض أن عدم شراء كسوة العيد الجديدة للأطفال أمر عادي ولا يترك أثراً يُذكر، إلا أن هذا التصور لا يعكس الواقع النفسي لدى الطفل، إذ إن أجواء العيد في مخيلته ترتبط ارتباطاً مباشراً بالمظاهر الجديدة والحلوى والأجواء الاحتفالية، ما يجعل غياب هذه التفاصيل بالنسبة له تجربة مؤثرة قد تنعكس على مشاعره ونظرته لنفسه، خاصة عند مقارنته بأقرانه.

وفي هذا الإطار، قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل في منصة نفسجي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العيد في مجتمعنا يرتبط شرطياً بـ “الجديد”، وعندما يُحرم الطفل من هذا الطقس ويرى أقرانه في الحارة أو الأقارب بكامل زينة العيد فإنه يمر بهزات نفسية صامتة لكنها عميقة.

وأشارت إلى أن شعور النقص والدونية (Inferiority Complex) يتشكل في مراحل النمو الأولى، حيث يربط الطفل قيمته الذاتية بالمظاهر المادية الملموسة، فيترجم غياب الملابس الجديدة على أنه “أنا أقل من الآخرين” أو “أنا لا أستحق”.

وأضافت أن ألم المقارنة الاجتماعية يكون حاضراً بقوة، إذ يجد الطفل نفسه في مقارنة غير عادلة، فيسأل: “لماذا ابن جيراننا أو ابن عمي لديه وأنا لا؟”، وهنا قد يتسلل إليه شعور بالظلم أو الغيرة، لافتة إلى أن هذه المشاعر طبيعية في هذا السياق لكنها مؤلمة.

كما نوهت في تصريح خاص لـ شام إلى أن الحرج والانكفاء الاجتماعي يتجلى فيما وصفته بـ “قلق الضياع الاجتماعي”، حيث يفضّل الطفل الانسحاب والانعزال في المنزل أيام العيد خوفاً من نظرات الشفقة أو من أسئلة الأطفال العفوية والمؤذية أحياناً: “ليش ما لبست جديد اليوم؟”.

وبيّنت أن على المدى القريب تظهر تغيرات سلوكية مثل الانفعال السريع، العناد، البكاء على أسباب بسيطة أو الصمت الطويل والاكتئاب المؤقت خلال أيام العيد، بينما على المدى البعيد، وإذا تكرر الحرمان دون احتواء، قد تتشكل لدى الطفل “هوية سلبية عن الذات” قائمة على العجز.

أو قد ينشأ بحسد اجتماعي أو شعور ناقم على المحيط، أو على العكس قد ينشأ بشخصية استرضائية تحاول تعويض النقص المادي بأي ثمن، مؤكدة أنه في المقابل، ومن واقع السياق السوري، فإن احتواء الطفل نفسياً يمكن أن يحول هذه التجربة إلى عامل لصقل “المرونة النفسية” (Resilience)، شرط أن يفهم أن السبب ظرف خارجي وليس عيباً فيه أو في أسرته.

وأشارت إلى أن الدور الأكبر يقع على عاتق الوالدين في إعادة صياغة مفهوم العيد، بحيث يُشحن في غياب الإمكانيات المادية بالعاطفة، لافتة إلى ضرورة تجنب لوم الذات أو الشكوى المستمرة أمام الطفل، لأن إظهار العجز أو الحزن بشكل مبالغ فيه يضاعف شعوره بعدم الأمان.

وأضافت أن من المهم شرعنة مشاعر الطفل والتعاطف معها، فبدلاً من إنكار حزنه بقول “ليست مشكلة، الملابس ليست مهمة”، يُفضل قول: “أعلم أنك حزين لأنك كنت تتمنى ملابس جديدة، وأنا كنت أتمنى ذلك أيضاً، حقك أن تزعل، لكننا معاً وسنعوضها”، كما شددت على أهمية فصل القيمة الإنسانية عن المظاهر وتعزيز فكرة أن قيمة الطفل نابعة من داخله ومن حب أسرته له وليس من مظهره الخارجي.

وذكرت أنه يمكن للأسر، رغم الظروف، ابتكار وسائل بسيطة لدعم فرحة الطفل في العيد، مثل إعادة تدوير المتاح بذكاء عبر غسل الملابس وتجهيزها مع إضافة لمسة بسيطة تمنح شعوراً بالتجديد، أو طقس “شراء البديل” عبر شراء شيء صغير جداً وإشراك الطفل فيه ليشعر بمتعة الاختيار.

كما لفتت إلى أهمية ابتكار بهجة بديلة لا تكلف مالاً مثل تزيين المنزل وتحضير الحلويات البسيطة وتشغيل أجواء العيد، لما لذلك من أثر أقوى في ذاكرة الطفل من المظاهر الخارجية.

وأضافت أن إدارة الزيارات والخروج تحتاج إلى حكمة عبر اختيار بيئات تقل فيها المقارنات الاجتماعية الحادة، مع تعزيز الروابط العاطفية داخل الأسرة من خلال اللعب والاحتواء والاستماع، معتبرة أن هذا الرصيد العاطفي يعمل كـ “ممتص صدمات” (Buffer) يحمي الطفل من أثر المقارنات الخارجية، وأكدت أن غياب الثوب الجديد مؤلم، لكن غياب الأمان والدعم النفسي داخل الأسرة هو الأكثر تأثيراً في كسر الذات.

يؤكد مختصون تربويون أن بناء تجربة العيد لدى الطفل لا يعتمد فقط على المظهر الخارجي، بل على الأجواء العاطفية داخل الأسرة، حيث يمكن للدعم النفسي والتفاعل الأسري أن يعوض جزئياً عن غياب بعض المظاهر المادية.

لا يقتصر تأثير ضعف القدرة المادية على غياب بعض مظاهر العيد، بل يمتد إلى مشاعر الأطفال وطريقة نظرتهم لأنفسهم، وهو ما يشير إليه مختصون في علم النفس من حيث انعكاس الظروف المعيشية على الحالة النفسية للطفل وتفاعله مع محيطه خلال المناسبات الاجتماعية، مع الإشارة إلى وجود ممارسات أسرية يمكن أن تخفف من حدة هذا التأثير.

اقرأ المزيد
٢٨ مايو ٢٠٢٦
الأضحية في عيد الأضحى: طقس ديني يعكس التكافل الاجتماعي

حلّ عيد الأضحى المبارك حاملاً معه أجواء الفرح ومشاعر السرور بين الناس الذين بدأوا بأداء طقوسه الدينية والاجتماعية المتنوعة، وفي مقدمتها ذبح الأضاحي وتوزيعها على الٱخرين، والتي تُعدّ من أبرز الشعائر في هذه المناسبة لما تحمله من دلالات دينية وإنسانية.

وفي سوريا، كما هو الحال في العديد من المجتمعات، يحرص الأهالي على ذبح أضحية العيد في بلدهم وبين أقاربهم، إذ تحضر العائلة والجيران والأصدقاء عملية النحر، ويشاركون المضحي هذه الشعيرة، ويتبادلون التهاني في أجواء اجتماعية مملوءة بالمحبة خلال أيام العيد.

والأضحية هي من الماشية كالغنم والإبل والأبقار، حيث تُذبح خلال أيام عيد الأضحى تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى، ويبدأ وقت ذبحها بعد انتهاء الإمام من أداء صلاة العيد، ويمتد طوال أيام التشريق، أي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر وحتى عصر اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة.

وتعد سُنّة مؤكدة يُكره تركها عند توافر القدرة عليها، ويعود أصلها الديني والتاريخي إلى قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بأمر من الله عز وجل، فأخبره بذلك فاستجاب ابنه ووافق على الامتثال لأمر الله، وعندما همّ نبي الله إبراهيم بتنفيذ الرؤيا، فداه الله بذبحٍ عظيم، إذ أرسل له كبشاً ليذبحه بدلاً من ابنه إسماعيل.

وتتضمن الأضحية مواصفات وشروطاً أساسية يجب توفرها، إذ يجب أن تكون من بهيمة الأنعام حصراً، وتشمل الغنم بنوعيها الضأن والماعز، أو الإبل، أو الأبقار بما فيها الجاموس، كما يشترط في عمرها أن يبلغ الضأن ستة أشهر على الأقل، وأن يكون عمر الماعز سنة على الأقل عند بعض الفقهاء، فيما يرى آخرون اشتراط سنتين، أما الإبل فيجب أن تبلغ خمس سنوات فأكثر، في حين يشترط في البقر والجاموس أن تبلغ سنتين فأكثر.

كما يجب أن تكون الأضحية سليمة من العيوب، فلا تكون عوراء أو عمياء أو عرجاء أو مريضة أو هزيلة، وألا يكون فيها نقص ظاهر مثل قطع في الأذن أو الرجل أو كسر في القرون أو أي عيب يؤثر على سلامتها.

ولا تقتصر الشروط على الأضحية فقط، بل تشمل أيضاً المضحي، حيث يجب أن يكون مسلماً، وأن يكون بالغاً على القول الراجح، إضافة إلى توافر القدرة المالية لديه، كما يُسنّ للمضحي أن يذبح الأضحية بنفسه، لكن إن لم يستطع يمكنه أن يوكل غيره، ويُفضَّل أن يحضر عملية الذبح وأن يقول الدعاء المشروع.

ويُستحب أن يقول المضحي: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين، بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك، اللهم تقبله مني (أو عن فلان) كما تقبلته من إبراهيم خليلك ومحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيك ورسولك.

وفيما يتعلق بتوزيع لحم الأضاحي، يُقسَّم شرعاً إلى ثلاثة أقسام: ثلث للمضحي وأهل بيته، وثلث يُهدى للأقارب، وثلث يُتصدّق به على الفقراء، ويجوز إعطاء لحم الأضحية لغير المسلمين إذا كانوا جيراناً أو فقراء أو من ذوي القربى، بشرط ألا يكونوا من أهل الحرب.

أحياناً تكون الأضحية لشخص واحد، وقد يشترك فيها أكثر من شخص، إذ يجوز اشتراك سبعة أشخاص في الأضحية إذا كانت من الإبل أو البقر، أما إذا كانت شاة فتجزئ عن شخص واحد وأهل بيته.

يبيّن الفقهاء أنه لا يجوز للمضحي أن يشتري الأضحية من أموال الزكاة، كون الأضحية عبادة قائمة بذاتها ولا تدخل ضمن مصارف الزكاة الشرعية. كما يؤكدون على عدم جواز التصرف في أي جزء منها بالبيع، سواء كان اللحم أو الجلد أو غير ذلك من الأجزاء.

كما يوضحون جواز الانتفاع من الأضحية بالأكل والتوزيع والادخار، استناداً إلى قول النبي ﷺ: «كلوا وأطعموا وادخروا»، وفي السياق ذاته، ينبهون إلى أنه لا يجوز إعطاء الجزار جزءاً من الأضحية مقابل أجرته، سواء من اللحم أو الجلد، بينما يمكن منحه شيئاً منها لاحقاً على سبيل الإكرام أو الهدية بعد استيفاء أجره المتفق عليه.

اعتاد الأهالي في سوريا حضور ذبح الأضاحي أو الأضحية التي تُذبح نيابة عن ذويهم المتوفين، وتوزيعها بأنفسهم، لكن وبسبب الظروف التي مرّت بها البلاد خلال سنوات الثورة السورية وما رافقها من نزوح وشتات، طرأت تغييرات على هذه العادة، حيث أصبح بعض الأشخاص يضطرون إلى ذبح الأضحية في البلدان التي يقيمون فيها، أو التواصل مع أهاليهم داخل البلاد وإرسال المال لتوكيلهم بالذبح والتوزيع نيابة عنهم.

ويعكس حرص العوائل السورية على تأدية شعيرة الأضحية تمسّكها بالعادات والتقاليد الدينية والاجتماعية، رغم الظروف الصعبة التي مرّت بها البلاد، كما يعبّر عن رغبتهم في الحفاظ على أجواء العيد وإدخال الفرح إلى قلوب أفراد الأسرة، وتبرز هذه الشعيرة أيضاً قيم التكافل والتراحم، من خلال توزيع لحم الأضحية على الأقارب والجيران والمحتاجين، بما يعزز الروابط الاجتماعية.

وتُعدّ الأضحية من أبرز شعائر عيد الأضحى المبارك، وتُؤدّى تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى وإحياءً لذكرى نبي الله إبراهيم عليه السلام حين فداه الله بذبحٍ عظيم، كما تحمل قيماً دينية واجتماعية تقوم على التكافل والمعنى الإنساني، ما يجعلها شعيرة حاضرة بقوة في المجتمع خلال هذه المناسبة.

اقرأ المزيد
٢٦ مايو ٢٠٢٦
الإفراط في الحلويات خلال العيد وانعكاسه على صحة أسنان الأطفال

خلال فترة العيد، يجد الأطفال أنفسهم أمام أصناف متنوعة من الحلويات والمأكولات التي تُحضَّر خصيصاً لهذه المناسبة، سواء في منازلهم أو في المنازل التي يزورونها، هذا التنوع، إلى جانب أجواء العيد، يدفعهم إلى الإقبال على تناولها دون انتباه للكميات أو التوقيت، ما يستدعي متابعة من الأهل لتنظيم استهلاك أطفالهم، للحد من أي آثار صحية محتملة، ولا سيما ما يتعلق بصحة الأسنان.

وفي هذا السياق، قد ينعكس الإفراط في تناول الحلويات خلال أيام العيد على صحة الأطفال، حيث تكون أسنانهم أكثر حساسية لتأثير العادات الغذائية غير المنتظمة في هذه الفترة، ومع تكرار تناول السكريات وتنوع مصادرها، قد يتأثر الوضع الصحي للأسنان تدريجياً، خاصة في ظل عدم الالتزام الدائم بعادات النظافة اليومية بعد الأكل، ما يجعل هذه المرحلة من الفترات التي تتطلب وعياً ومراقبة للحفاظ على صحة الفم والأسنان.

قال طبيب الأسنان مصطفى خالد الموسى في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه يعمل في مجال تشخيص وعلاج مشكلات الفم والأسنان، وأضاف أنه يهتم بشكل خاص بصحة الأسنان الوقائية وعلاج مشكلات التسوس واللثة، كما أشار إلى اهتمامه بالتوعية الصحية للأطفال والأهالي حول العادات اليومية الصحيحة للحفاظ على صحة الأسنان.

وأوضح أن الإفراط في تناول الحلويات خلال العيد يزيد من نشاط البكتيريا الموجودة في الفم، والتي تقوم بتحويل السكر إلى أحماض تؤدي إلى تآكل طبقة المينا وحدوث التسوس، وبيّن أن كثرة تناول السكريات بين الوجبات ولفترات متقاربة ترفع خطر التسوس بشكل كبير، خاصة عند الأطفال.

وذكر أن أكثر المشكلات السنية التي تُلاحظ بعد فترة الأعياد تتمثل في زيادة حالات تسوس الأسنان، وألم الأسنان الناتج عن التسوس العميق، والتهاب اللثة بسبب إهمال التنظيف، إضافة إلى تكسر بعض الحشوات أو الأسنان نتيجة الحلويات القاسية، فضلًا عن حساسية الأسنان بسبب الإفراط في السكريات والمشروبات الغازية.

ونوه إلى أن الطريقة الآمنة لتناول الحلويات تتمثل في تناولها بكميات معتدلة وبعد الوجبات الرئيسية وليس بشكل متكرر طوال اليوم، ولفت إلى أهمية شرب الماء بعد الحلويات وتقليل الأكل الليلي قبل النوم، خاصة دون تنظيف الأسنان.

وأكد أن من أبرز العادات الوقائية التي يجب أن يلتزم بها الطفل تنظيف الأسنان بالفرشاة والمعجون المحتوي على الفلورايد، وشرب الماء بعد تناول الحلويات، والتقليل من تناول السكريات بين الوجبات، واستخدام خيط الأسنان عند الحاجة، إلى جانب زيارة طبيب الأسنان بشكل دوري للفحص المبكر.

وأضاف أن هناك أنواعاً من الحلويات تُعدّ أكثر تأثيراً على أسنان الأطفال من غيرها، حيث إن الحلويات اللزجة مثل التوفي والكراميل والعلك المحلى تُعتبر من أكثر الأنواع ضرراً لأنها تلتصق بالأسنان لفترات طويلة. كما أشار إلى أن الحلويات شديدة الحموضة والمشروبات الغازية تزيد من تآكل الأسنان.

وشدد الموسى في تصريح خاص لـ شام على أن تنظيف الأسنان مرة واحدة يومياً لا يكفي، خصوصاً خلال العيد مع زيادة تناول السكريات، وأضاف أن الأفضل هو تنظيف الأسنان مرتين يومياً على الأقل صباحاً وقبل النوم، مع التركيز على تنظيف الأسنان جيداً قبل النوم تحديداً.

وتحدث عن إمكانية ضبط استهلاك الطفل للحلويات دون حرمانه من فرحة العيد من خلال تنظيم أوقات تناول الحلويات بدلاً من منعها تماماً، مثل تخصيص وقت محدد بعد الوجبات مع تقديم كميات معتدلة، وتشجيع الطفل على شرب الماء وتنظيف أسنانه بعد الأكل، مؤكداً أن التوازن أفضل من المنع الكامل.

وبيّن أن من البدائل الصحية التي يمكن تقديمها للأطفال بدل الحلويات الفواكه الطازجة، والتمر بكميات معتدلة، والزبادي المنكه، والعصائر الطبيعية غير المضاف لها سكر، أو وجبات خفيفة صحية مثل المكسرات المناسبة لعمر الطفل.

وأوضح أن النصيحة الأهم للأهالي هي أن المشكلة لا تكمن في تناول الحلويات بحد ذاته، بل في كثرتها وتكرارها مع إهمال تنظيف الأسنان، مؤكداً أن الاعتدال والاهتمام بالنظافة اليومية هما أساس حماية أسنان الأطفال خلال العيد وبعده.

تُعتبر مراقبة الأهل لكمية الحلويات التي يتناولها الأطفال خلال فترة العيد، إلى جانب الانتباه إلى صحة أسنانهم، من الممارسات المرتبطة بالعادات الغذائية في هذه المرحلة، خاصة في ظل الإقبال المتزايد على تناول السكريات، وقد يرتبط هذا النمط من الاستهلاك بزيادة احتمالية التعرض لبعض المشكلات الصحية المتعلقة بالفم والأسنان، ما يجعل تنظيم تناول الحلويات خلال هذه الفترة من العوامل التي تنعكس على صحة الطفل بشكل عام.

اقرأ المزيد
٢٦ مايو ٢٠٢٦
الثأر كجريمة: كيف يتعامل القانون مع ظاهرة اجتماعية معقّدة؟

أثارت حادثة قيام شاب يُدعى مالك العابد بقتل شاب آخر يُدعى عبد الله رمضان في مدينة الرقة جدلاً واسعاً، بعد ظهور الشاب في مقطع مصوّر اعترف فيه بارتكاب الجريمة عن سبق إصرار، مشيراً إلى أن الدافع يعود إلى ثأر بينه وبين الضحية، وسلطت هذه الحادثة الضوء على ظاهرة الثأر، التي تُعد من الظواهر السلبية الموجودة في بعض المجتمعات، ومنها المجتمع السوري، والتي تؤدي إلى انتشار حالات من العنف وردود الفعل الانتقامية، بما ينعكس على مستوى الاستقرار والأمان داخل المجتمع.

كما تسهم هذه الظاهرة في خلق حالة من الخوف والقلق لدى الأفراد والأسر، وتحدّ من شعورهم بالطمأنينة في حياتهم اليومية، خاصة في ظل أي خلافات أو نزاعات قابلة للتصعيد، الأمر الذي يؤثر سلباً على الأمن المجتمعي والتماسك الاجتماعي، وفي الوقت ذاته تبرز تساؤلات حول موقف القانون من هذا النوع من القضايا وكيفية تعامله معها.

وفي هذا السياق، قالت المحامية أسماء نعسان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري لا يعرّف “الثأر” كجريمة مستقلة بحد ذاتها، ولا يوجد توصيف قانوني خاص تحت هذا الاسم ضمن قانون العقوبات، موضحةً أن الثأر يُنظر إليه قانونياً على أنه دافع أو باعث لارتكاب الجريمة وليس جريمة قائمة بذاتها.

وأضافت أنه يتم تكييف الفعل وفق طبيعته القانونية؛ فإذا كان الفعل قتلاً يُطبّق عليه توصيف القتل العمد، وإذا كان إيذاءً أو تهديداً أو تحريضاً فتُطبق النصوص المتعلقة بهذه الجرائم، مشيرةً إلى أن المشرّع ينظر إلى النتيجة الجرمية نفسها لا إلى التسمية الاجتماعية المرتبطة بها.

وأشارت إلى أنه في أغلب قضايا الثأر يتم الاستناد إلى المواد المتعلقة بالقتل العمد ضمن قانون العقوبات السوري، وعلى رأسها المادة 533 التي تنص على معاقبة من يقتل إنساناً قصداً بالأشغال الشاقة المؤبدة.

ونوهت إلى أنه تُطبق المادة 535 في الحالات التي يتوافر فيها سبق الإصرار أو الترصد، وهو أمر شائع في جرائم الثأر نظراً لطبيعتها القائمة على التخطيط والانتقام المسبق، ما قد يرفع العقوبة إلى الإعدام، ولفتت إلى أنه في بعض الحالات قد تُطبق أيضاً مواد إضافية تتعلق بالاتفاق الجنائي أو التحريض أو التدخل، خاصة إذا كانت الجريمة ناتجة عن تنسيق جماعي أو ضمن سياق نزاع ممتد بين عائلات.

وذكرت أن القانون يأخذ الدافع بعين الاعتبار عند دراسة ظروف الجريمة، لكن هذا لا يعني بالضرورة اعتباره سبباً مخففاً، موضحةً أن جرائم الثأر تحديداً يُنظر فيها إلى الدافع باعتباره باعثاً انتقامياً قائماً على التخطيط والإرادة المسبقة لا مجرد ردة فعل لحظية أو غضب مفاجئ.

وأضافت أن القضاء في كثير من الحالات يعتبر الثأر ظرفاً مشدداً لا مخففاً، خاصة عندما تكون الجريمة مدبرة أو ناتجة عن نية انتقام واضحة، مشيرةً إلى أن الخلفية الاجتماعية قد تؤخذ بعين الاعتبار من الناحية الواقعية لفهم السياق لكنها لا تبرر الجريمة قانونياً، لأن حماية الحق لا تكون عبر الانتقام الفردي وإنما عبر القضاء.

وأوضحت أن القضاء يتعامل مع كل جريمة كواقعة مستقلة من الناحية القانونية حتى لو كانت جزءاً من سلسلة ثأر ممتدة بين عائلات أو أفراد، مشيرةً إلى أن وجود هذا السياق قد يدفع المحكمة إلى التشدد في العقوبات نظراً لما تشكله هذه الجرائم من تهديد للسلم الأهلي والأمن المجتمعي.

ونوهت إلى أنه في بعض الحالات، إذا ثبت وجود اتفاق أو تنظيم أو تحريض جماعي، فقد يتم تطبيق نصوص إضافية تتعلق بالاتفاق الجنائي أو التدخل أو الاشتراك الجرمي، وأفادت بأن دور القانون لا يقتصر فقط على العقوبة بعد وقوع الجريمة بل يمتد إلى الدور الوقائي أيضاً عبر فرض هيبة الدولة وتعزيز الثقة بالقضاء وتسريع الوصول إلى العدالة.

وأضافت أن كثيراً من حالات الثأر تنشأ من شعور الأفراد بأن حقهم لن يصل عبر القضاء فيلجؤون إلى الانتقام الشخصي، مشيرةً إلى أنه كلما كان القانون أكثر حضوراً وفعالية وسرعة تراجعت الحاجة الاجتماعية لفكرة الثأر.

ولفتت إلى أن للمصالحات القانونية والقضائية دوراً مهماً في احتواء النزاعات ومنع انتقالها من خلاف فردي إلى صراع ممتد بين العائلات، وأوضحت أنه لا توجد في القانون السوري نصوص مستقلة خاصة بجرائم الثأر، لكن يتم التعامل معها ضمن القواعد العامة لقانون العقوبات.

وبينت أنه في الواقع العملي غالباً ما يتم اللجوء إلى المصالحات التي تتم بإشراف القضاء أو الوجهاء أو الجهات المحلية، والتي قد تترافق مع إسقاط الحق الشخصي بهدف تهدئة النزاع ومنع تجدد العنف، موضحةً أن إسقاط الحق الشخصي لا يلغي الحق العام وإنما قد يُؤخذ كسبب تقديري لتخفيف العقوبة فقط.

وأشارت إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بالقانون وإنما أيضاً بمستوى الثقة بتطبيقه، موضحةً أنه حين يشعر الناس أن العدالة بطيئة أو غير قادرة على حمايتهم يبدأ البعض باللجوء إلى الأعراف الاجتماعية ومنطق الانتقام باعتباره الطريق الأسرع لاسترداد الحق.

وأضافت أن بعض البيئات العشائرية ما تزال تنظر إلى الثأر باعتباره جزءاً من مفهوم الكرامة أو الرد الاعتباري، مما يجعل الضغط الاجتماعي أحياناً أقوى من الخوف من العقوبة القانونية، لافتةً إلى أن ضعف حضور مؤسسات الدولة في بعض المناطق قد يفتح المجال أمام سلطة العرف لتأخذ مكان سلطة القانون.

وأفادت بأن الثأر لا يعيد الحق بل يخلق ضحايا جدداً ويفتح باباً دائماً للخسارة والألم، موضحةً أنه في معظم الحالات لا تنتهي جريمة الثأر عند شخص واحد وإنما تمتد آثارها إلى عائلات كاملة وأطفال ومستقبل بأكمله.

وذكرت أن اللجوء إلى القضاء ومؤسسات الصلح القانونية يبقى الطريق الوحيد الذي يحفظ الحقوق ويمنع تحول الغضب إلى دائرة دم لا تنتهي، مشيرةً إلى أن التوعية القانونية والاجتماعية ضرورية جداً خاصة لدى الشباب.

وأكدت أن دور القانونيين يجب ألا يبقى محصوراً بالتدخل بعد وقوع الجريمة، لأن معالجة النتائج وحدها لا تكفي في قضايا الثأر، موضحةً أن المطلوب هو الانتقال من منطق “رد الفعل” إلى منطق “التدخل الوقائي والاستباقي” عبر خلق تقاطع حقيقي بين القانون والمؤسسات الاجتماعية الفاعلة.

وأضافت أن الخطوة الأولى تبدأ من مأسسة لجان الصلح وإعطائها غطاءً قانونياً أوضح، مشيرةً إلى ضرورة أن يكون للمحامين دور كمستشارين قانونيين لهذه اللجان، مع توثيق صكوك الصلح رسمياً أمام الكاتب بالعدل أو المحكمة، ولفتت إلى أهمية التوعية القانونية لدى الفئة الشابة، منوهةً إلى أن كثيراً من الشباب ينظر إلى الثأر باعتباره امتداداً لفكرة الكرامة دون إدراك للتبعات القانونية والإنسانية.

وشددت على أن القانون لا يستطيع العمل بمعزل عن القوى الاجتماعية المؤثرة، وأن قناعة الوجهاء بأن سيادة القانون هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع أمر أساسي، ولفت إلى أن الضغط القانوني المطلوب ليس زجرياً فقط بل توعوي وحمائي يهدف إلى إعادة بناء الثقة بالقانون.

تُعتبر ظاهرة الثأر من الظواهر السلبية الموجودة في بعض المجتمعات وبعض البيئات العائلية، والتي تنعكس على مستوى الأمن والاستقرار الاجتماعي، من خلال زيادة حدة النزاعات وخلق حالة من الخوف داخل المجتمع، كما قد تؤدي إلى وقوع ضحايا وتوسيع دائرة العنف، ما يجعل الحدّ منها بحسب مختصون وقانونيون مرتبطاً بتعزيز الوعي المجتمعي وتفعيل دور القانون في معالجة هذه القضايا.

اقرأ المزيد
٢٦ مايو ٢٠٢٦
عيد الأضحى المبارك.. شعائر دينية وطقوس اجتماعية

يستعدّ المسلمون في مختلف أنحاء العالم لاستقبال عيد الأضحى المبارك الذي يحلّ في اليوم العاشر من ذي الحجة من كل عام هجري، وسط أجواء يغمرها الفرح وتعلو فيها مظاهر البهجة مع اقتراب هذه المناسبة، وتُعدّ هذه المناسبة فرصة لتعزيز الروابط الأسرية وبثّ روح الألفة بين الناس، إلى جانب إحياء شعائر العيد والتقرب إلى الله.

ويحمل عيد الأضحى تسميات مختلفة في الثقافات الشعبية للدول العربية والإسلامية، إذ يُعرف بـ"العيد الكبير" في مناطق من المغرب العربي وبعض مناطق الشام، و"عيد الحجاج" في بعض دول الخليج العربي، كما يُطلق عليه "عيد القربان" لدى بعض الشعوب المسلمة في آسيا مثل تركيا وإيران.

تاريخياً، فُرض عيد الأضحى في السنة الثانية للهجرة، وقد ذكر الفقهاء ورواة السيرة أنّ أول صلاة عيد أداها النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت صلاة عيد الفطر في تلك السنة، ثم صلّى بعدها صلاة عيد الأضحى في العام نفسه.

وخلال هذه المناسبة يؤدي المسلمون عدداً من الشعائر التي تُعد من المظاهر الأساسية لهذا العيد، والتي تجتمع عليها الأمة الإسلامية في مختلف أماكن وجودها، ومن أبرز هذه الشعائر التكبير وصلاة العيد والأضحية، إلى جانب ما يرافقها من مظاهر الفرح والتواصل الاجتماعي.

ويُشرع التكبير في المساجد من فجر يوم عرفة وحتى عصر آخر أيام التشريق (اليوم الثالث عشر من ذي الحجة)، استناداً إلى قوله تعالى: "واذكروا الله في أيام معدودات". ومن أشهر صيغ التكبير: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".

كما يؤدي المسلمون صلاة العيد ركعتين، يخطب الإمام بعدها خطبتين، ولا يُشرع لها أذان ولا إقامة، وتُصلّى جهراً، حيث يُكبّر في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات، ومن السنة أن يسلك المصلّي طريقاً مختلفاً عند عودته من المصلى، إلى جانب استحباب الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب بحسب الاستطاعة.

وتأتي الأضحية كإحدى أبرز شعائر العيد، وهي من السنن المؤكدة، حيث يُشرع ذبحها والتصدق بجزء منها على الفقراء والمحتاجين، على أن تكون من بهيمة الأنعام كالإبل والبقر والغنم، ولا يتم ذبح الأضاحي إلا بعد الانتهاء من صلاة العيد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح".

فيما يذبح الحجاج في منى بعد ارتفاع الشمس لعدم وجود صلاة عيد عليهم، ويستمر وقت الذبح من يوم النحر (العاشر من ذي الحجة) وحتى نهاية أيام التشريق، لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أيام التشريق ذبح".

وفي سياق متصل، يُستحب في أيام العيد إظهار الفرح بهذه المناسبة، إلى جانب زيارة الآخرين من الجيران والأقارب والأصدقاء والمعارف وغيرهم، وتبادل عبارات التهاني المتداولة بينهم ومشاركتهم أجواء ومظاهر الاحتفال، مثل: "عيدكم مبارك"، "كل عام وأنتم بخير"، و"عساكم من عوادة".

من الناحية الاجتماعية، تظهر مظاهر أخرى للاحتفال في العيد، من أبرزها إعطاء العيديات للأطفال والزوجة والأبناء والأشقاء والشقيقات، حيث تختلف قيمتها بحسب الإمكانات المادية لمن يقدمها، بما يعكس روح المشاركة والاهتمام بهذه المناسبة.

كما يُعتبر العيد مناسبة لإقامة الولائم والعزائم التي تجمع أفراد العائلة والأقارب، حيث تُقدَّم وجبات مشتركة غالباً ما تتضمن لحوم الأضاحي، في أجواء تسودها الألفة والتقارب بين الجميع، ويحرص كثيرون على استثمار هذه المناسبة في تعزيز الروابط الاجتماعية وإصلاح بعض الخلافات القديمة، إذ تشكّل هذه الأيام المباركة فرصة لطيّ الخلافات وإعادة التواصل بين الأفراد.

كما يشهد عيد الأضحى مظاهر أخرى بارزة، من بينها توزيع لحوم الأضاحي على الفقراء والمحتاجين والأقارب، في إطار يعزز قيم التكافل الاجتماعي ويجسد المعاني الإنسانية للمناسبة، وتظهر في الأحياء خلال أيام العيد أجواء احتفالية هادئة، تتجسد في الحركة العامة والزيارات العائلية وتجمّع الأفراد في أجواء يغلب عليها الفرح، بما يعكس الطابع الاجتماعي للمناسبة.

وتبقى هذه المناسبة من أبرز الأعياد الدينية حضوراً في المجتمعات الإسلامية، بما تحمله من طقوس وشعائر دينية ومظاهر اجتماعية تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، وتمنحها حيوية متجددة تعكس روح المودة وتعزز الروابط داخل الأسرة والمجتمع.

اقرأ المزيد
٢٦ مايو ٢٠٢٦
عيد الأضحى في وعي الطفل.. بين المشاركة والتوجيه الأسري

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا يقتصر التحضير على الكبار فقط، بل يمتد ليشمل الأطفال الذين يعيشون أجواء مختلفة تمزج بين الفرح والفضول والتساؤلات، وبينما ينشغل الأهل بتفاصيل العيد، يبرز سؤال مهم داخل كثير من البيوت: كيف يمكن للطفل أن يفهم معنى هذه المناسبة، وأن يتعامل معها بطريقة تربوية تبني لديه قيماً وسلوكاً إيجابياً، بدل أن تبقى فقط عبارة عن طقوس يراها دون إدراك معناها العميق.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان، ماجستير في العلوم والبحوث السكانية – قسم حماية الأسرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن زرع القيم الدينية في الطفل وتعليمه شعائر عيد الأضحى يحتاج إلى الجمع بين القدوة الحسنة والأنشطة التفاعلية البسيطة والممتعة، مؤكدة أن الطفل بطبيعته يقلّد أفعال والديه قبل أقوالهم، ما يجعل القدوة العملية الركيزة الأساسية في بناء السلوك الديني لديه.

وأوضحت أن عملية غرس القيم تقوم على مجموعة من الأسس التربوية، من بينها الربط بين العبادات ومحبة الله والرحمة بدلاً من الخوف، واعتماد القصص الهادفة، مثل قصص الأنبياء، بأسلوب مشوّق ومبسط يتناسب مع عمر الطفل، إلى جانب التحفيز الإيجابي عبر مدح السلوكيات الأخلاقية كالأمانة ومساعدة الآخرين، فضلاً عن أهمية توفير بيئة صالحة تُشرك الطفل في أنشطة المسجد والمجتمعات الإيجابية التي تعزز سلوكه الديني والاجتماعي.

وبيّنت سرحان أن تعليم الطفل شعائر عيد الأضحى يتطلب تبسيط المعاني وربطها بالتجربة الحسية، بدءاً من قصة الفداء الخاصة بسيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، مروراً بمشاركة الطفل في ترديد تكبيرات العيد داخل المنزل وفي أثناء التنقل، ووصولاً إلى إشراكه في رؤية الأضحية والتعرف على معنى الرفق بالحيوان، إضافة إلى إدخاله في تجربة توزيع لحوم الأضاحي على الفقراء والجيران، وتعزيز مفهوم صلة الرحم عبر مشاركته في تجهيز الهدايا وزيارة الأقارب والأصدقاء.

ولفتت إلى أن الأنشطة التفاعلية تلعب دوراً محورياً في تثبيت هذه المفاهيم في ذهن الطفل، مثل إشراكه في اختيار وترتيب ملابس العيد، وصناعة مجسمات رمزية للكعبة أو الخروف، وتخصيص حصالة للصدقة يجمع فيها التبرعات، فضلاً عن إعداد بطاقات معايدة يوزعها بنفسه، بما يحول المفاهيم الدينية إلى سلوك عملي ملموس.

وأشارت إلى أهمية مراعاة الفروق العمرية في تقديم مفاهيم العيد، إذ يقتصر التركيز في المرحلة الأولى من (2 إلى 4 سنوات) على البهجة والمظاهر الخارجية مثل الملابس والهدايا والتكبيرات، بينما تُبنى المرحلة الثانية (من 5 إلى 7 سنوات) على القصص والمشاركة الرمزية في الأنشطة، في حين تُعالج المرحلة الثالثة (من 8 إلى 11 سنة) الفهم العميق للحكمة من الشعائر، وتحمل المسؤولية، وتعزيز الإدراك الاجتماعي والديني.

وشددت على ضرورة التدرج في طرح المعلومات، والإجابة عن أسئلة الطفل بما يناسب قدراته العقلية، مع تجنب أي أسلوب يقوم على التخويف أو ربط الشعائر الدينية بالعنف أو القلق، كما أوضحت أن الاحتفال بالعيد يسهم بشكل مباشر في تعزيز شعور الطفل بالانتماء والأمان النفسي، إذ يعزز الهوية الدينية والخصوصية الثقافية، ويقوي الإحساس بالانتماء للأمة والمجتمع من خلال الشعائر الجماعية مثل الصلاة والتكبيرات، إضافة إلى ترسيخ الروابط الأسرية.

وأضافت في تصريح خاص لـ شام أن هذا الاحتفال يرسّخ الأمان النفسي لدى الطفل عبر تكرار الطقوس السنوية وما تمنحه من استقرار وتوقع، إلى جانب مساهمته في تصفية الخلافات بين الكبار، وإشعار الطفل بالقبول من خلال الهدايا والثناء، فضلاً عن دوره في تفريغ الضغوط النفسية عبر أجواء اللعب والاحتفال.

ونوّهت بأن هذه التجارب تسهم في تشكيل ما وصفته بـ"الملاذ النفسي الآمن"، حيث تتحول الذكريات الإيجابية إلى رصيد وجداني يرافق الطفل في مراحل لاحقة من حياته، ويساعده على مواجهة الضغوط واستحضار مشاعر الطمأنينة عند الحاجة.

يرى باحثون اجتماعيون أن مشاركة الطفل في أجواء عيد الأضحى بشكل مباشر تسهم في تعزيز شعوره بالانتماء، وتساعده على بناء ارتباط إيجابي بالمناسبات الدينية والاجتماعية، من خلال التجربة الحسية والممارسة الفعلية وليس التلقي النظري فقط، كما يوضحون أن هذه المشاركة تُسهم في ترسيخ قيم التعاون والعطاء والتفاعل داخل الأسرة والمجتمع، بما ينعكس على سلوكه في مراحل لاحقة من حياته.

ويشير الباحثون إلى أن غياب التوجيه الأسري خلال هذه المناسبة أو الاكتفاء بالمظاهر الشكلية قد يجعل الطفل يكتسب فهماً سطحياً للعيد، دون إدراك لمعانيه التربوية والإنسانية، ويؤكدون أن دور الأسرة يبقى محورياً في تحويل هذه المناسبة إلى تجربة تعليمية متكاملة تُعزز القيم وتدعم النمو الاجتماعي والنفسي للطفل.

وتبقى مشاركة الطفل في أجواء عيد الأضحى فرصة لتعزيز القيم الدينية والاجتماعية لديه، وتوسيع فهمه لمعاني هذه المناسبة بما يتجاوز المظاهر الاحتفالية، كما يظل دور الأسرة أساسياً في توجيه هذه التجربة بالشكل الذي يحقق التوازن بين الفرح والتربية.

اقرأ المزيد
٢٥ مايو ٢٠٢٦
قبل الامتحانات.. لماذا يشعر الطالب بأنه نسي ما درسه؟

مع اقتراب امتحانات الصف التاسع وامتحانات الشهادة الثانوية بفروعها العلمي والأدبي، تبرز واحدة من المشكلات التي يعاني منها العديد من الطلاب، خاصة في الأيام القليلة التي تسبق الامتحان، والمتمثلة في شعورهم بأنهم نسوا المعلومات التي درسوها وحفظوها، وعدم قدرتهم على تذكرها أو استرجاعها، ما يدخلهم في حالة من القلق والخوف من الامتحان، وينعكس في الوقت ذاته على أهاليهم الذين يعيشون حالة من التوتر والقلق عليهم.

غالباً ما يعود شعور الطلاب بأنهم نسوا ما درسوه إلى عدة أسباب، من أبرزها التوتر والقلق الزائد والخوف من الامتحان، ما يضعف القدرة على الاسترجاع حتى في حال كانت المعلومات محفوظة ومدروسة، كما تلعب المذاكرة السطحية، القائمة على الحفظ دون فهم، دوراً في ذلك، إذ يتمكن الطالب من حفظ المعلومات بسرعة دون ترسيخها، ما يجعله أكثر عرضة لنسيانها. 

ويضاف إلى ذلك لجوء بعض الطلاب إلى تكديس الدراسة في وقت قصير، والاعتماد على الدراسة المكثفة قبيل الامتحان مباشرة، الأمر الذي يرهق الدماغ ويحدّ من قدرته على تثبيت المعلومات، كما تسهم قلة النوم والإرهاق الناتج عن السهر الطويل في التأثير على الذاكرة والتركيز، إلى جانب غياب المراجعة الدورية، إذ إن المعلومات التي لا يتم تكرارها تكون عرضة للنسيان بشكل طبيعي.

 ولا يمكن إغفال تأثير التشتت الناتج عن الاستخدام المفرط للهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ضعف الثقة بالنفس، والتعرض أحياناً لضغط عائلي، ما يزيد من حدة هذا الشعور لدى الطلاب.

قد يؤدي الاستسلام لشعور النسيان أو المبالغة فيه إلى تداعيات سلبية لدى الطالب، إذ ينعكس ذلك على حالته النفسية من خلال زيادة التوتر والقلق، وفقدان الثقة بقدرته على التذكر، ما يضعف من أدائه أثناء الامتحان، كما يمكن أن يساهم هذا الشعور في تشتيت الذهن وصعوبة التركيز، إضافة إلى تأثيره على الحالة المزاجية ودفع الطالب نحو الإحباط أو التراجع في المتابعة.

ولا يقتصر الأمر على الطالب فحسب، بل يمتد ليؤثر على الأجواء داخل الأسرة، حيث قد يؤدي القلق المستمر إلى توتر في العلاقات وزيادة الضغط المحيط بالطالب، ما يعمّق المشكلة بدلاً من الحدّ منها.

ويشير معلمون إلى أنّ شعور الطالب بأنه نسي ما درسه يزداد عادة في الأيام الأخيرة قبل الامتحان، نتيجة الضغط النفسي وتراكم المواد، ما يجعل الطالب يشعر بأن حجم المعلومات أكبر من قدرته على الاستيعاب، ويوضحون أنّ الانتقال السريع بين المواد أثناء فترة المراجعة قد يخلق حالة من التداخل الذهني، فيظن الطالب أنه فقد المعلومات أو لم يعد يتذكرها، رغم أنها تكون مخزّنة لديه لكنه لا يستطيع استحضارها في تلك اللحظة تحت الضغط.

ويدعو المعلمون الطلاب إلى توزيع المراجعة على فترات زمنية متقاربة بدل التركيز في وقت قصير، مع تنظيم الوقت بين المواد بشكل متوازن، وتجنب المراجعة العشوائية في اللحظات الأخيرة، ويؤكدون أهمية حل نماذج أسئلة تدريبية قبل الامتحان، لما لذلك من دور في تعزيز الألفة مع نمط الأسئلة وتقليل التوتر أثناء الامتحان، إضافة إلى الحفاظ على فترات راحة كافية والنوم الجيد لما له من أثر مباشر على الذاكرة والتركيز.

يرى اختصاصيون نفسيون أنّ شعور “النسيان المفاجئ” قبل الامتحان يرتبط أحياناً بطريقة تعامل الطالب مع لحظة التذكر نفسها، حيث يؤدي التركيز الشديد ومحاولة استرجاع المعلومة تحت الضغط إلى تعطّل مؤقت في الاستدعاء الذهني، حتى وإن كانت المعلومة محفوظة، كما يشيرون إلى أنّ هذا الشعور قد يتفاقم عندما يربط الطالب بين تذكر كل التفاصيل وبين تقييم أدائه النهائي، فيضع نفسه تحت معيار صارم يزيد من حدة التوتر.

وينصح الاختصاصيون بالابتعاد عن محاولة “إجبار الذاكرة” أثناء القلق، والتعامل مع المعلومة بهدوء عبر الانتقال لأسئلة أخرى ثم العودة إليها لاحقاً، إضافة إلى تقليل التركيز على فكرة الكمال في الإجابة، لأن ذلك يخفف من الضغط الذهني ويساعد على استرجاع المعلومات بشكل أفضل.

وتُعدّ حالة الشعور بالنسيان قبل الامتحانات من الظواهر التي تتكرر لدى عدد من الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، وتتداخل فيها عوامل نفسية وتنظيمية مرتبطة بطريقة التحضير وظروف المراجعة، ما يجعل التعامل معها جزءاً من التجربة الامتحانية لدى كثيرين.

اقرأ المزيد
٢٥ مايو ٢٠٢٦
بين الترفيه والضغط.. ملاحظات تربوية حول استغلال العطلة الصيفية

انتهت الامتحانات الانتقالية في سوريا، وبدأت معها العطلة الصيفية التي يستقبلها الطلاب بارتياح بعد عام دراسي حافل، غير أن طرق استثمار هذه الفترة تختلف من طالب إلى آخر، فبينما يتجه بعضهم إلى استغلالها في أنشطة مفيدة أو تطوير مهاراتهم، يمضي آخرون وقتهم في التسلية أو الاستخدام المفرط لوسائل الترفيه، في حين يجد بعض الطلاب أنفسهم مضطرين للعمل تبعاً لظروفهم المعيشية.

 وفي هذا السياق، يدعو معلمون وأخصائيون إلى أهمية استثمار العطلة بشكل متوازن يجمع بين الراحة والفائدة، وتجنب قضائها في اللهو فقط دون تحقيق أي جانب من التطوير الشخصي أو المعرفي.

وقال الأستاذ محمد عساف، مدرس اللغة الإنكليزية في ثانوية معصران للبنين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنّه لا يمكن النظر إلى العطلة الصيفية لطلاب الصفوف الانتقالية كحالة من "الفراغ الممتد"، بل هي ضرورة نفسية وتربوية ملحّة.

وأضاف أنه بعد عام دراسي مليء بالضغط الذهني والامتحانات، تأتي العطلة كفترة "إعادة شحن" للمخازن النفسية والجسدية، وهي المساحة الزمنية التي تسمح للطالب بالتخلص من احتراق ما بعد الامتحانات، وتجديد شغفه بالتعلم، والانتقال من التلقين الأكاديمي الصارم إلى التعلم الحر المستند إلى المتعة والاستكشاف.

ونوه إلى أنّ من واقع معايشتهم للطلاب، يلاحظون وقوعهم في فخّين متناقضين، يتمثل الأول في الخمول التام من خلال الاستسلام لوسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو، واضطراب نظام النوم كالسهر الطويل والنوم نهاراً، ما يؤدي إلى مظهر من مظاهر الخمول الفكري.

 فيما يتمثل الفخ الثاني في الضغط المستمر، عبر إصرار بعض الطلاب أو أولياء الأمور على البدء الفوري بدراسة مناهج العام القادم دون أخذ قسط من الراحة، الأمر الذي يحرم الطالب من حقه في الاستجمام ويقوده إلى النفور المبكر.

وأشار إلى أنّ المعادلة الذهبية تكمن في "الراحة النشطة"، موضحاً أنّ الراحة لا تعني التوقف عن الحركة أو التفكير، بل تعني تغيير نوع النشاط، حيث يمكن للطالب أن ينال قسطاً كافياً من الاسترخاء والنوم في الأسبوعين الأولين بعد الامتحانات، ثم يبدأ تدريجياً بإدخال أنشطة تتطلب جهداً ذهنياً خفيفاً وممتعاً، بحيث لا يشعر أنّه يدرس، بل يمارس هواية.

ونوّه إلى أنّه لتجنب ضياع الوقت دون فائدة، يُنصح الطلاب بتجنب العشوائية، إذ ليس المطلوب جدولاً صارماً كأيام المدارس، بل "هيكل مرن" لليوم، مع استثمار الساعات الأولى من النهار في الأنشطة المفيدة كالرّياضة والقراءة والدورات التدريبية، وترك بقية اليوم للتسلية والترفيه، إضافة إلى تحديد الأولويات من خلال وضع هدفين أو ثلاثة كبار للعطلة برمتها، مثل تحسين مهارة معينة أو قراءة عدد محدد من الكتب.

وبيّن أنّ هناك أنشطة ذهنية وعملية ممتازة تبني شخصية الطالب، من أبرزها تعلم اللغات، حيث يُعد الصيف فرصة مثالية، وبصفته أستاذ لغة إنكليزية يرى أنّه أفضل وقت لتطوير مهارات المحادثة والاستماع عبر الأفلام الوثائقية أو التطبيقات التفاعلية بعيداً عن تعقيدات القواعد الجافة.

ونصح بالعمل على تنمية المهارات الرقمية وعلوم الحواسيب مثل تعلم أساسيات البرمجة أو التصميم أو المونتاج، إضافة إلى المطالعة الحرة التي تنمي الخيال والوعي الفكري والاجتماعي، وكذلك الأنشطة الرياضية لبناء جسد صحي وتفريغ الطاقات الحركية.

ولفت إلى أنّ دور الأهل يتمثل في التوجيه الذكي دون ضغط، فهم "الميسّرون" وليسوا "المراقبون"، حيث ينبغي الابتعاد عن لغة الأوامر والاضطرار واستبدالها بلغة الحوار والمشاركة، مع مساعدة الأبناء في اكتشاف شغفهم وتوفير الأدوات المتاحة لدعمهم كتشجيعهم على التسجيل في نوادٍ أو دورات محلية، إضافة إلى مراقبة المحتوى الرقمي الذي يستهلكه الأبناء بذكاء ودون انتهاك لخصوصيتهم، وتجنب المقارنات الهدامة بينهم وبين أقرانهم.

وأشار الأستاذ إلى أنّ العطلة الصيفية تُعد "الجسر" الذي يربط بين مرحلتين، فعندما يستثمر الطالب وقت الصيف في سدّ الفجوات التعليمية السابقة، خاصة في المواد التراكمية كالمنطق الرياضي أو أساسيات اللغات، فإنه يدخل العام الدراسي الجديد بثقة عالية ونفسية مرتاحة، بعيداً عن القلق الذي يصيب الطلاب الذين انقطعوا تماماً عن الأجواء المعرفية لثلاثة أشهر متواصلة.

وتحدث برسالة إلى طلاب الصفوف الانتقالية قال فيها: "مبارك لكم إنهاء عامكم الدراسي وجهدكم المبذول، وتذكروا دائماً أن العطلة الصيفية ليست مكافأة لنهاية العمل، بل هي فرصة لبداية نمو من نوع آخر، وأنتم اليوم تبنون شخصياتكم وهوياتكم خارج أسوار المدرسة".

وأضاف في حديثه للطلاب: استمتعوا بأوقاتكم، واجعلوا من هذا الصيف نقطة تحول تكتشفون فيها مهارات جديدة تفتخرون بها غداً، فإجازتكم هي ملككم، فاصنعوا منها ذكريات وإنجازات تليق بطموحكم".

وأوضح أنّ هذه المرحلة تمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات وبناء توازن صحي بين الراحة والتعلم، مؤكداً أهمية استثمارها بالشكل الأمثل، وأكد أنّ استثمار العطلة الصيفية بصورة صحيحة ينعكس بشكل مباشر على جاهزية الطالب للعام الدراسي القادم.

وشدد على ضرورة وعي الطلاب والأهالي بأهمية هذه الفترة، واعتبارها جزءاً مكملاً للعملية التربوية وليست فترة انقطاع عنها.

يرى أخصائيون نفسيون أنّ العطلة الصيفية تمثل فرصة لإعادة بناء التوازن النفسي لدى الطالب، من خلال منحه مساحة أوسع لاتخاذ قراراته اليومية بعيداً عن الإلزام، بما يعزز شعوره بالاستقلالية والمسؤولية، مشيرين إلى أنّ غياب أي إطار منظم، ولو بسيط، قد ينعكس سلباً على مزاج الطالب ويزيد من الإحساس بالفراغ.

ويؤكد مختصون أنّ الإفراط في استخدام الشاشات خلال العطلة قد يؤدي إلى تراجع التفاعل الاجتماعي، مقابل أهمية تشجيع الأنشطة التي تقوم على التواصل المباشر، إضافة إلى إشراك الطالب في بعض المسؤوليات اليومية بما يدعم نضجه النفسي والاجتماعي.

وتبقى العطلة الصيفية فترة تختلف فيها أنماط قضاء الوقت بين الطلاب وفق ظروفهم واهتماماتهم، سواء من خلال الراحة أو ممارسة أنشطة متنوعة أو الالتحاق بأعمال موسمية لدى بعضهم، كما تشكل مرحلة زمنية تمتد لأسابيع خارج الإطار الدراسي المعتاد.

اقرأ المزيد
٢٤ مايو ٢٠٢٦
مظاهر ضعف الثقة بالنفس لدى الطفل بين السلوك اليومي والعوامل التربوية المؤثرة

يلاحظ بعض الأهالي أن أطفالهم قد يعانون من ضعف في الثقة بالنفس، ويظهر ذلك في مواقف متعددة داخل المدرسة والحياة اليومية، مثل التردد في الإجابة أو المشاركة، وصعوبة التفاعل بثبات مع المحيط، ما ينعكس على قدرة الطفل على المبادرة واتخاذ القرار.

وقد يترتب على ذلك عدد من التداعيات التي تمتد إلى جوانب مختلفة من حياة الطفل، حيث قد يؤثر على تحصيله الدراسي من خلال ضعف المشاركة داخل الصف، كما ينعكس على علاقاته الاجتماعية عبر الميل إلى الانسحاب أو صعوبة تكوين صداقات، إضافة إلى تراجع الجرأة في التعامل مع المواقف الجديدة، ما يحدّ من فرصه في تنمية مهاراته بشكل مستقل ومتوازن.

قال مصعب محمد علي، أخصائي علم نفس وصحة نفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ضعف الثقة بالنفس عند الطفل يُعرَّف من منظور نفسي بأنه انخفاض إدراكه لكفاءته وقدرته على التأثير والنجاح، مع ميل للنظر إلى نفسه بصورة سلبية أو مشروطة بالنجاح أو رضا الآخرين، موضحاً أن الطفل لا يعبّر عن ذلك دائماً بشكل مباشر، بل يظهر في سلوكه.

وأضاف أن أبرز العلامات التي تدل على ضعف الثقة بالنفس تشمل الخوف الزائد من الخطأ أو العقاب، وتجنب المشاركة أو تجربة أشياء جديدة، إلى جانب الانسحاب الاجتماعي أو التردد في تكوين صداقات، وطلب الطمأنة المستمر، والانزعاج الشديد من النقد البسيط، وكثرة استخدام عبارات مثل «ما بعرف – ما بقدر – أنا سيء»، فضلاً عن البكاء أو الغضب السريع عند الفشل، والاعتماد الزائد على الكبار في اتخاذ القرار.

وأشار إلى أن الأسباب الأكثر شيوعاً لهذه الحالة لا تقتصر على عامل واحد، بل هي نتيجة مجموعة من العوامل، منها النقد المتكرر أو التركيز على الأخطاء، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، والحماية الزائدة، إلى جانب التنمر أو الرفض الاجتماعي، ووجود توقعات عالية لا تناسب عمر الطفل، والتعرض للإحراج أو السخرية، إضافة إلى الخبرات المتكررة بالفشل دون دعم.

ونوّه إلى أن طريقة تعامل الأهل تلعب دوراً مباشراً وكبيراً، مبيناً أن الطفل يبني صورته عن نفسه من خلال انعكاس نظرة الكبار إليه، حيث إن سماعه لعبارات سلبية بشكل مستمر قد يدفعه لتصديقها، في حين أن الدعم الصحي لا يعني المديح المبالغ فيه، بل الاعتراف بالمجهود، وإتاحة مساحة للتجربة والخطأ، ووضع حدود باحترام، مع الفصل بين السلوك وقيمة الطفل.

ولفت إلى أن ضعف الثقة بالنفس ينعكس على الأداء المدرسي والعلاقات الاجتماعية، حيث قد يظهر من خلال عدم المشاركة رغم معرفة الإجابة، وانخفاض المبادرة، وتجنب الأنشطة الجماعية، والتأثر السريع بآراء الآخرين، وصعوبة الدفاع عن النفس، أو الميل لإرضاء الجميع أو الانسحاب منهم، مضيفاً أنه قد يظهر أحياناً بشكل معاكس كسلوك عدواني أو استعراض زائد لإخفاء الشعور بالنقص.

وبيّن في تصريح خاص لـ شام أن المقارنة بين الأطفال تُعد من أكثر العوامل المؤذية عندما تتحول إلى أسلوب دائم، موضحاً أن الرسالة التي تصل للطفل حينها ترتبط بقيمته مقارنة بغيره، وليس بتطوره، مشدداً على أن الأفضل هو مقارنة الطفل بنفسه وملاحظة تقدمه.

وتحدّث عن الأخطاء التربوية التي تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، مثل النقد أو الإهانة أمام الآخرين، والسخرية من المشاعر، والمديح المشروط بالنجاح فقط، والتدخل المفرط ومنع الاستقلال، إلى جانب التوقعات المثالية، وعدم الإصغاء للطفل، ومعاقبته على المحاولة بدل السلوك.

وأوضح أن تعزيز الثقة بالنفس يمكن تحقيقه من خلال خطوات عملية، كإعطاء الطفل مهام تناسب عمره، ومدح الجهد أكثر من النتيجة، والسماح بالخطأ الآمن والتعلم منه، والإصغاء لرأيه، وتعليمه مهارات حل المشكلات، وتشجيعه على أنشطة يشعر فيها بالكفاءة، واستخدام لغة إيجابية تعزز التعلم من التجربة.

وأكد أن الأمر يصبح بحاجة إلى تدخل مختص نفسي عندما يستمر ضعف الثقة لفترة طويلة، أو يؤثر على الدراسة والعلاقات، أو يترافق مع قلق شديد أو حزن أو انسحاب واضح، أو يمنع الطفل من أداء مهامه الطبيعية، أو يظهر معه خوف مفرط أو أعراض جسدية متكررة.

يشير أخصائيون نفسيون إلى أن ضعف الثقة بالنفس لدى الطفل لا يرتبط فقط بأسلوب التربية داخل الأسرة، بل يتأثر أيضاً بالبيئة المحيطة به، سواء في المدرسة أو المجتمع، مشددين على أن شعور الطفل بعدم الأمان أو غياب الدعم قد يعزز لديه الإحساس بعدم الكفاءة، كما أن التجارب اليومية المتكررة مثل التجاهل أو التقليل من الرأي قد تسهم في تكوين صورة سلبية عن ذاته.

ويرى الأخصائيون أن بناء الثقة بالنفس عملية تدريجية تحتاج إلى وقت واستمرارية، موضحين أن منح الطفل مساحة لاتخاذ قرارات مناسبة لعمره، وإشراكه في اختياراته اليومية، يسهم في تعزيز شعوره بالمسؤولية، مؤكدين أن التوازن بين الدعم والتحدي، بعيداً عن الحماية الزائدة أو الضغط المفرط، هو ما يساعد الطفل على تكوين ثقة مستقرة بنفسه.

يُعدّ ضعف الثقة بالنفس أحد المشكلات التي قد يعاني منها الطفل، والتي تنعكس على حياته اليومية ودراسته ونشاطه وتفاعله مع محيطه، بما قد يؤثر على قدرته على المشاركة واتخاذ القرار والتعامل مع المواقف المختلفة بثبات واستقلالية.

اقرأ المزيد
٢٤ مايو ٢٠٢٦
إعادة تأهيل مشتل بسليا لدعم المزارعين بغراس الزيتون في إدلب

أعلنت مديرية الزراعة في إدلب عن إعادة تشغيل مشتل "بسليا" لإنتاج غراس الزيتون بعد خروجه من العملية الإنتاجية خلال السنوات الماضية نتيجة الأضرار التي لحقت به، موضحة أنه كان يرفد القطاع الزراعي بأكثر من 200 ألف غرسة سنوياً. 

وأضافت في منشور لها عبر معرفاتها الرسمية أنها تعمل حالياً على تنفيذ خطة لإنتاج 20 ألف غرسة زيتون تشمل مراحل التجذير والتقسية والتربية، بهدف دعم المزارعين وتخفيف الأعباء المالية عنهم، في ظل حاجة المحافظة لأكثر من مليون غرسة.

وأشارت إلى أنها وزّعت هذا العام، بالتعاون مع وزارة الزراعة، أكثر من 200 ألف غرسة زيتون، مع استمرار الجهود لرفع الطاقة الإنتاجية للمشاتل الحكومية، بالتوازي مع عودة الكوادر الفنية والعمال إلى مواقع عملهم، وبدعم ومتابعة من مدير زراعة إدلب المهندس مصطفى الموحد.

وفي هذا السياق، قال حيان الحاج يوسف، رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية في مديرية زراعة إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن مشتل بسليا كان يُعد من أهم المشاتل في إنتاج الغراس على مستوى محافظة إدلب، موضحاً أنه كان يزوّد المزارعين بغراس الزيتون التي يفوق عددها 200 ألف غرسة، وذلك ضمن الخطط الإنتاجية التي كانت توضع سنوياً، إضافة إلى إنتاج غراس الأشجار الحراجية.

وأضاف أن سبب إعادة تشغيل وتأهيل المشتل في هذا الوقت يعود إلى حاجة محافظة إدلب ومزارعيها لغراس الزيتون، نتيجة تعرض أشجار الزيتون لديهم لعمليات قلع وقطع وحرق من قبل النظام البائد، وأشار إلى أن أبرز الأعمال التي تم تنفيذها لإعادة تأهيل المشتل شملت إعادة تأهيل البيوت المحمية الضرورية لتجذير عقل الزيتون، لتصبح غرسة جاهزة للنقل إلى الأرض الدائمة لدى المزارعين.

وبيّن في تصريح خاص لـ شام أن العمل جارٍ حالياً بطاقة إنتاجية تبلغ 20 ألف غرسة، من خلال تأهيل بيت محمي واحد وتأمين الظروف المناسبة لتجذير العقل، ومن ثم تقسيتها وتربيتها قبل نقلها إلى مرحلة الزراعة الدائمة.

ولفت إلى أن إنتاج 20 ألف غرسة زيتون لا يكفي مقارنة بحاجة محافظة إدلب التي تُقدّر بنحو مليون غرسة، موضحاً أنها كمية محدودة، إلا أنه مع الوقت سيتم رفع الطاقة الإنتاجية تدريجياً لتصل إلى 200 ألف غرسة سنوياً.

وأوضح أن الآلية المعتمدة لتوزيع الغراس على المزارعين تقوم على تقييم الأضرار لدى المتضررين، حيث يتم توزيع غراس الزيتون على المزارعين الأكثر تضرراً، من خلال لجان حسيّة تخرج للكشف على الأراضي الزراعية المشجرة سابقاً، وترفع الاحتياجات إلى مديرية الزراعة، ليتم تأمين الغراس عبر دائرة الشؤون الزراعية وتوزيعها على المزارعين.

وأكد أن إعادة تشغيل مشتل بسليا في هذا التوقيت يساهم في تخفيف الأعباء والنفقات المالية والزراعية على المزارعين، وأضاف أن وزارة الزراعة تعمل على تأمين احتياجات المشتل من خلال وضع خطط استثمارية سنوية وتحديد كميات الإنتاج الممكنة خلال العام، مع التنسيق على مختلف المستويات.

وأشار إلى وجود خطط مستقبلية لتوسيع وزيادة الإنتاج وإعادة تأهيل مشاتل أخرى في المحافظة، مثل مشتل طعوم الذي كان يُعد من المشاتل المهمة والمزروعة بأمهات الزيتون التي يتم من خلالها الحصول على عقل الزيتون لتجذيرها وتربيتها.

ونوّه إلى أن أبرز التحديات التي تواجه رفع القدرة الإنتاجية للمشاتل الحكومية تتمثل في الحاجة إلى كادر متمرس، إلى جانب تأمين مستلزمات الإنتاج، وأكد في أن الغراس المقدمة للمزارعين تتميز بأنها من الأصناف المحلية ومعروفة الأصل، إضافة إلى كونها خالية من الأمراض.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات تعكس محاولة لإعادة التوازن إلى النشاط الزراعي في المنطقة، عبر توفير بدائل محلية للغراس وتخفيف الأعباء المالية عن المزارعين، بما يساهم في تعزيز الاستقرار الزراعي وفتح المجال أمام إعادة إحياء المساحات المشجرة التي تأثرت خلال السنوات الماضية.

اقرأ المزيد
9 10 11 12 13

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢ يوليو ٢٠٢٦
من القطيعة إلى الانفتاح .. كيف تبدّل المشهد اللبناني تجاه سوريا مع زيارة الشيباني ..؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ يونيو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا بنك أهداف من 13 ألف موقع.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الحرب الأمريكية على إيران؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
٣١ مايو ٢٠٢٦
العدالة ضماد جراح السوريين.. لأن الوجع لا يموت بالنسيان
محمد العلي
● آراء ومقالات
٢١ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٤ مايو ٢٠٢٦
حين تقود التكنولوجيا الحرب.. كيف غيّرت الدرونز موازين القتال؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٠ مايو ٢٠٢٦
عن حب الحماصنة لحمص..!!
محمد العلي
● آراء ومقالات
٧ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا غوغل تعيد تشكيل البحث.. الذكاء الاصطناعي "يستعين بالبشر" لإظهار نتائج أفضل
فريق العمل