الاكتناز في حياة المرأة السورية: من الذوق الشخصي إلى تحديات النزوح والظروف
لطالما امتازت المرأة السورية بميلها للاكتناز، الذي يتجلى في شراء الأغراض المختلفة مثل الأواني الزجاجية وصمديات الزينة، أدوات الطهي والمطبخ، الأثاث والمفروشات والمعدات الكهربائية، وحتى الملابس، حتى وإن لم تكن هناك حاجة فعلية لها، إلى جانب الاحتفاظ بأشياء قديمة لم تعد مستخدمة فعلياً لكنها لم تُرمَ أبداً.
هذه العادة تظهر حرص المرأة على أن يكون منزلها جاهزاً لأي ظرف مفاجئ، سواء لاستقبال الضيوف أو لتلبية الاحتياجات اليومية، وفي الوقت نفسه تعكس اهتمامها بالحفاظ على مقتنيات العائلة القديمة وتنظيمها بطريقة معتادة في المنازل السورية، حيث ترتبط كل قطعة بالذكريات والذوق الشخصي للمرأة.
وتتعدد أسباب ميل النساء لاقتناء الأشياء، فلا يقتصر الهدف على التوفير أو الادخار فحسب، بل يمتد أيضاً إلى إبراز الجانب الجمالي والحسّي للمنزل، فالنساء يعتنين بترتيب الأواني الزجاجية وأدوات الزينة في غرف الضيوف وغرف المنزل الأخرى، ويعتزّن بالمقتنيات المميزة التي يمتلكنها، إذ يعد المنزل بالنسبة إليهن مساحة شخصية يحرصن على تنظيمها وشراء ما يليق بها وفق ذوقهن الخاص.
وغالباً ما تحمل كل قطعة في المنزل ذكرى خاصة للسيدة، فقد تكون هدية من شخص عزيز، أو اقتنيت بمناسبة معينة، أو مرتبطة بحادثة بارزة في حياتها، لذا يصبح من الصعب عليها التخلّي عن أي قطعة من هذه المقتنيات، حتى وإن لم تعد تستخدمها، لأن كل شيء يعبّر عن جزء من تاريخها الشخصي وروابطها العاطفية بالمنزل والعائلة.
ورغم الطابع الإيجابي لهذه العادة في تنظيم المنزل والاستعداد لأي ظرف، إلا أنها تحمل جوانب سلبية واضحة، أبرزها استهلاك الموارد المالية بلا حاجة فعلية، إذ يؤدي شراء أشياء غير ضرورية إلى إنفاق مبالغ كبيرة تضغط على الميزانية الأسرية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
كما أن كثرة الأغراض وتكدسها يخلق فوضى في المنزل ويقلل من مساحة العيش، فيما يؤدي إهمال صيانة بعض المقتنيات أو عدم استخدامها إلى فقدان قيمتها العملية مع مرور الوقت.
أحياناً يرتبط الميل للاكتناز بالشعور بالقلق أو الخوف من الحاجة المستقبلية، ما يسبب توتراً مستمراً، إضافة إلى أن التعلق بالمقتنيات القديمة يمنع المرأة من استبدالها أو تجديد المنزل، ويحد من مرونتها في التكيف مع الاحتياجات الجديدة للأسرة.
خلال سنوات الثورة، تراجعت عادة الاكتناز لدى العديد من النساء السوريات لعدة أسباب، أبرزها ما تعرضت له آلاف العائلات من تهجير قسري نتيجة القصف العنيف من قبل النظام البائد واقتراب قواته من السيطرة على مناطقها، ما اضطر الأسر إلى مغادرة منازلها بشكل عاجل دون التمكن من إخراج محتوياتها.
وبذلك، فقدت الكثير من النساء ما جمعنه على مدار سنوات من مقتنيات وأغراض منزلية، والتي تحولت إلى ضحية لعمليات التعفيش التي قام بها جنود الأسد المخلوع، لتتبدد جهود سنوات طويلة من العمل والادخار.
قالت وصال عبدو، من قلعة المضيق بريف حماة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن لديها ابناً وحيدًا، وكانت تحرص على شراء مستلزمات منزلية ليستخدمها في تجهيز منزله بعد الزواج، مشيرة إلى أنها كانت تقتطع جزءاً من مدخولها كلما استطاعت لشراء قطعة جديدة.
وأضافت أنها تمكنت مع مرور الوقت من اقتناء عدد من الأجهزة، منها خلاط كهربائي، وفرن، وغسالة أوتوماتيك، ومكنسة كهربائية، إضافة إلى معدات متنوعة للمطبخ والمنزل، لافتة إلى أن ما كانت تحتفظ به يفوق ما تستخدمه فعلياً، قبل أن تفقد جميع هذه المقتنيات بعد تعرض منزلها للنهب، لتضيع بذلك حصيلة سنوات طويلة من الجهد والادخار.
كما ساهمت ظروف النزوح في تغيير سلوك النساء تجاه الاكتناز، إذ اضطرت كثيرات منهن للتنقل بين عدة منازل وعدم الاستقرار في مكان واحد، خاصة اللواتي لم يتمكنّ من تأمين سكن ثابت أو اللواتي هاجرن خارج البلاد، وحتى من استقررن لفترة في منازل مستأجرة، بقين عرضة لطلب المغادرة في أي وقت من قبل أصحاب المنازل، ما عزز الشعور بعدم الاستقرار.
وخلال هذه المرحلة، تراجعت فكرة شراء الأغراض والاحتفاظ بها، واقتصر الإنفاق على الضروريات فقط، نتيجة تدهور الوضع المادي وخسارة الموارد المالية من جهة، ولإدراك النساء أنهن مهددات بالرحيل في أي لحظة، ما جعل شراء المقتنيات أو تخزينها أمراً غير مجدٍ في ظل هذه الظروف.
كما أن خلال السنوات الماضية، لم يتخلَّ كثير من الأهالي عن أمل العودة إلى مناطقهم، إذ ظلّ هذا الأمل حاضراً في تفكيرهم، وكانوا يرجّحون أن العودة مسألة وقت لا أكثر، هذا الشعور انعكس على سلوكهم المعيشي، حيث حرصوا على تجنّب الإنفاق على أشياء قد تشكّل عبئاً لاحقاً، خاصة عند العودة إلى الموطن.
فبالنسبة للقادمين من تركيا، يشكّل نقل الأغراض عبئاً كبيراً سواء من ناحية التكاليف أو الجهد أو الإجراءات، بينما قد يكون نقلها من الدول الأوروبية أمراً صعباً أو غير ممكن، وحتى داخل سوريا يبقى الانتقال بالمقتنيات مرهقاً ومكلفاً، لذلك، اتجهت العديد من الأسر إلى الاكتفاء بالضروريات قدر الإمكان، تجنباً لأي أعباء إضافية عند الرجوع إلى البلد الأصل.
وحتى بعد عودة بعض الأسر إلى مناطقها، إلا أن أولويات جديدة فرضت نفسها، مثل ترميم المنازل المتضررة أو إعادة بنائها، وما يرافق ذلك من تكاليف إضافية، ما أجبر العائلات على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق ووضع حسابات دقيقة للمصروف، كما انعكس بشكل واضح على تراجع عادة الاكتناز لدى النساء، لصالح التركيز على الاحتياجات الأساسية وإعادة الاستقرار المعيشي.
لقد شكّلت عادة الاكتناز لدى النساء السوريات جزءاً من حياتهن اليومية وثقافتهن المنزلية، إلا أنها تعرضت لتغييرات جذرية بفعل الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية، ما دفع الكثير منهن للتركيز على الضروريات وإعادة ترتيب أولوياتهن، في محاولة للتكيف مع الواقع الجديد والظروف الصعبة المحيطة بهن.