٢ أبريل ٢٠٢٦
يلعب المعلم دوراً محورياً في تجربة الطالب التعليمية، إذ يمتلك القدرة على جعل المادة محبوبة أو مكروهة في أعين طلابه، ويعتمد ذلك بشكل أساسي على أسلوبه في التعامل معهم وطريقة تقديم المعلومة بأسلوب جذاب وفعّال، خاصة أن التعليم لا يقتصر على إعطاء الدر س فحسب، بل يقوم على الثقة والتفاعل وغرس الشغف في الطالب للتعلم.
ويعد الانطباع الأول الذي يتركه المعلم لدى الطلاب أمراً بالغ الأهمية في علاقة الطالب بالمادة وبالصف نفسه، فاللقاء الأول يحدد شعور الطالب بالأمان والراحة ويؤثر على مدى استعداده للتفاعل والمشاركة في الدروس القادمة، لذلك يُنصح بأن يظهر المعلم هدوءه وطريقته الودية منذ البداية، فيستقبل الطلاب بابتسامة أو نبرة إيجابية، ما يكسبهم ثقتهم ويسهّل عملية التعلم لاحقاً، كما يُفضل أن تكون الحصة الأولى فرصة للتعارف والترحيب وبعث شعور الاطمئنان في نفوس الطلاب، ليحبوا الدروس ويشاركوا فيها بفاعلية.
يروي محمد تقى، طالب في الصف الثامن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أنه في بداية العام الدراسي دخل معلم مادة التاريخ محاولاً السيطرة على الصف منذ اللقاء الأول، فكان مقطب الجبين، ووبخ الطلاب بسبب الضوضاء في الصف، ثم بدأ الدرس مباشرة دون أي مقدمات، مما جعل الطلاب يشعرون بالخوف منه، فصاروا يتجنبون المزاح معه، وحتى طرح الأسئلة عليه أصبح أمراً يقلقهم أحياناً.
في المقابل، يستقبل الطلاب أحياناً حصة المعلم بحماس بالغ، ينتظرونها بلهفة ويجلسون في مقاعدهم مستعدين، بل يشارك بعضهم في تزيين اللوح وتنظيفه للمعلم، وما إن تبدأ الحصة، تتحول دقائقها إلى لحظات مليئة بالمشاركة والتفاعل والحماس، مع أيادٍ مرتفعة وأسئلة متدفقة، لدرجة أن الطالب قد لا يشعر بمرور الوقت وقد يندهش عند نهايتها.
وعلى النقيض، هناك طلاب يتهربون من الحصة، يتجنبون التواصل مع معلمهم، ويشعرون بالملل طوال فترة الدرس، ملتزمين بالصمت، يراقبون الساعة مراراً ويعدون الدقائق حتى نهايتها، فتبدو أعينهم مع المعلم بينما يسرح ذهنهم في مكان آخر بعيد.
في هذا السياق، يؤكد العديد من الطلاب أن الموضوع مرتبط بالمعلم وطريقة تعامله معهم وتدريسه للمادة، فالبعض منهم يدخل إلى الصف يلقي التحية فقط ثم يتجه إلى الدرس مباشرة، ويشرح المعلومات وكأنه يسردها دون أي نشاط ترفيهي، حتى أن هناك من يتعامل مع الطلاب بأسلوب قاسي عند ارتكاب خطأ، مما دفعهم لتجنب المشاركة أو طرح الأسئلة.
في المقابل، هناك معلمون يتبعون أساليب مختلفة خلال الدرس، ويدعمونها بالأنشطة الجماعية، ويضيفون روح الفكاهة والمزاح إلى الدرس، كما يهتمون بالشؤون الخاصة للطلاب إذا تغيبوا عن الدرس أو واجهوا ظروفاً طارئة، أو عانوا من مشاكل تؤثر على حياتهم ودراستهم.
وتروي جميلة الصالح، 36 عاماً، أم لأربعة أطفال من مدينة أطمة في ريف إدلب الشمالي، أن ابنتها غابت عن المدرسة بسبب المرض، ومنذ اليوم الأول تواصلت معها معلمة ابنتها، مطمئنة إياها بأنها سترسل لها المعلومات والدروس التي فاتتها.
وتضيف أن المعلمة زارتهم في المنزل للاطمئنان على وضع الطفلة، مما جعل ابنتها تشعر بالسعادة لاهتمام المعلمة بها، وكتبت لها المعلومات المهمة التي حصل عليها الطلاب خلال الأيام السابقة، ووعدتها بشرح أي نقطة صعبة لم تفهمها، ونوهت الأم إلى أنها قدرت هذه اللفتة من المعلمة وتمنت لو أن جميع المعلمين يتعاملون بنفس هذا الاهتمام والرعاية.
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، يروي المدرس علي السلوم تجربته قائلاً إنه يعمل مدرّسا منذ 37 عاماً، حيث بدأ مسيرته التعليمية عام 1990 في تدريس مادة الرياضيات، مشيراً إلى أن حبه للمادة كان سبب دخوله هذا المجال، وأنه كان من الأوائل في المواد العلمية خلال دراسته الثانوية العامة.
ويضيف أن العديد من طلابه اختاروا دراسة الرياضيات في الجامعة نتيجة محبتهم للمادة بفضل أسلوب تعامله معهم، بينما التحق القسم الآخر بتخصصات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة، ويلفت إلى أنه كان دائماً يتعامل مع الطلاب بوجه مبتسم وبشوش، منوهاً إلى أنه في بداية مسيرته لم تتوفر لدى مدارسهم سوى وسائل تعليمية بسيطة مثل دفتر التحضير.
ويتابع السلوم أنه كان يحفز الطلاب على التفاعل والمنافسة من خلال إعطائهم تمارين ومسائل تشجيعية تجعلهم يتسابقون لحلها، مردفاً إلى أن أكبر تحدٍ كان لديه هو العدد الكبير في الصف، ومع ذلك كان قادراً على ضبط الصف والسيطرة عليه.
ويشير إلى أنه كان يعتبر الطلاب أبناءه، وأن علاقته الشخصية بهم تقوم على أسس الأبوة والاحترام، وهو ما ساهم في نجاحه المهني، مضيفاً أنه بالكاد جلس على الكرسي أثناء إعطاء الدروس، إلا أحياناً عند حل الطلاب للتمارين.
ويظهر التعامل الجيد للمعلم تأثيراً واضحًا في النتائج، حيث يحب الطالب المادة ويدرك أهميتها، ويهتم بالدفاتر والواجبات والملاحظات، ويشارك بفاعلية في الصف، وتظهر علامات تحسّن واضحة في امتحاناته، ويشعر بسعادة وحماس خلال الحصة.
أما الأسلوب القاسي أو الجاف في التدريس فيؤدي إلى نتائج سلبية، فالطلاب قد يفقدون اهتمامهم بالمادة، تقل مشاركتهم، يهملون الواجبات، وقد تنخفض درجاتهم، ويشعرون بالملل وعدم الرغبة في الحصة، ما يؤثر على تجربتهم التعليمية بشكل عام.
ويشير الخبراء إلى أن أسلوب المعلم وطريقة تقديمه للمادة تؤثر مباشرة على تعلق الطالب بها، فربط الدروس بالحياة اليومية واستخدام الأنشطة التفاعلية وطرح الأسئلة المفتوحة يزيد من مشاركة الطالب ويجعله يرى المادة ممتعة وذات معنى، بينما الأسلوب الجاف أو الصارم قد يؤدي إلى الملل وفقدان الاهتمام.
كما يؤكد التربويون أن العلاقة الإيجابية بين المعلم والطالب تؤثر على أداء الطالب، فالثقة المتبادلة والاستماع لاحتياجات الطالب تجعله أكثر استعداداً للمشاركة، وتزيد قدرته على فهم المادة وتطبيقها، كما تحوّل التعلم من واجب إجباري إلى تجربة محفزة ومحبوبة.
ويعد أسلوب المعلم وطريقة تعامله مع الطلاب في الصف من أبرز العوامل التي تؤثر على تجاوبهم مع المادة ومستوى مشاركتهم، فالتعامل الإيجابي يعزز الاهتمام والتحصيل، بينما الأسلوب الجاف يقلل التفاعل ويؤثر على أداء الطالب الدراسي.
١ أبريل ٢٠٢٦
تعود مدينة حمص لإحياء أحد أبرز موروثاتها الشعبية مع انطلاق “مسير خميس النبات”، في مشهد يعكس استعادة الهوية الثقافية للمدينة وإعادة وصل الحاضر بجذور تاريخية ضاربة في القدم، ضمن جهود رسمية ومجتمعية لإحياء “الخماسات الحمصية” التي شكّلت لعقود طويلة جزءاً من الذاكرة الجمعية لأهالي حمص.
وفي حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أكدت سيماز ناجي، مديرة التسويق والإعلام السياحي، أن أهمية “خميس النبات” لا تقتصر على كونه فعالية تراثية، بل تمثل خطوة عملية لإعادة إحياء عادات وتقاليد حمصية توقفت منذ عشرات السنين.
ولفتت إلى أن هذا المسير يرتبط رمزياً ببداية فصل الربيع، ويحمل دلالات التفاؤل وتجدد الحياة، إلى جانب تسليط الضوء على معالم تاريخية بارزة في المدينة، أبرزها ضريح عكرمة ومقام الخضر المعروف بـ“الخضر البراني”.
وأوضحت أن جذور هذا التقليد تعود إلى مئات السنين، حيث كان يشكل مناسبة سنوية ينتظرها الأهالي، قبل أن يتوقف إحياؤه مع دخول الاحتلال الفرنسي وتحويل قلعة حمص إلى ثكنة عسكرية، ما أدى إلى انقطاع هذا الموروث عن الحياة العامة.
وأضافت أن ما يجري اليوم هو محاولة جادة لإعادة هذا التقليد إلى الواجهة، من خلال مبادرات تقودها الجمعية التاريخية في حمص، بالتعاون مع فرق تطوعية ونشاطات سياحية وإعلامية تسعى لتذكير المجتمع المحلي بهذا الإرث وإعادة دمجه في الحياة اليومية.
وحول طقوس “خميس النبات”، بيّنت ناجي أن هذه المناسبة كانت تحمل طابعاً اجتماعياً واحتفالياً مميزاً، حيث اعتادت بنات حمص والأطفال على نقع الورود قبل يوم من المسير، ثم الاغتسال بمائها صباحاً في طقس رمزي يعبر عن الطهارة والتجدد.
وبعد ذلك، ينطلق الأهالي في نزهة جماعية نحو قلعة حمص، قادمين من أحياء المدينة القديمة مثل باب هود وباب التركمان وباب السباع، ليتنقلوا بين مصلى عكرمة في الجهة الشرقية ومقام الخضر البراني في الجهة الغربية، وسط أجواء من الفرح والتلاقي الاجتماعي.
وترافقت هذه المسيرات تاريخياً مع نشاطات شعبية مرافقة، حيث تنتشر تجمعات الباعة المتنقلين الذين يقدمون المأكولات التقليدية والحلويات، إضافة إلى النباتات والخضروات، ولا سيما “الخس” الذي يُعد رمزاً للتفاؤل ببداية موسم زراعي جديد وتجدد دورة الحياة.
وفي إطار استثمار هذا الموروث، أشارت ناجي إلى أن مديرية سياحة حمص تعمل على إدراج “خميس النبات” ضمن روزنامة الفعاليات السياحية الرسمية، عبر تثبيت موعد سنوي له، وتنظيمه ضمن مسارات سياحية تمر في أحياء حمص القديمة، بما يشمل باب هود وباب التركمان وباب السباع وصولاً إلى القلعة، وذلك ضمن خطط تهدف إلى دمج التراث الشعبي بالمنتج السياحي.
وأضافت أن هذه الخطوة ستترافق مع حملات ترويجية عبر المنصات الرقمية، ومشاركة واسعة من الفرق التطوعية والجمعيات الأهلية والجهات الثقافية المختصة بالتراث، بما يسهم في إعادة تقديم حمص كوجهة سياحية نابضة بالحياة، خاصة في ظل المؤشرات الإيجابية لتعافي القطاع السياحي بعد مرحلة التحرير.
وفي سياق متصل، أكدت ناجي أن المديرية تسعى إلى توسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل “الخماسات الحمصية” الأخرى، مثل “خميس الحلاوة” و“خميس المشايخ”، باعتبارها جزءاً من منظومة متكاملة من الفعاليات التراثية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للموسم السياحي الربيعي، وتعيد الاعتبار للهوية الثقافية للمدينة.
وبيّنت أن العمل جارٍ بالتنسيق مع وزارة السياحة ومديرية الثقافة والجهات المعنية بشؤون المدينة القديمة، إلى جانب الجمعية التاريخية، لتوثيق هذه التقاليد بشكل علمي وتنظيم فعاليات تعكس الطابع الحمصي الأصيل، مع إمكانية إطلاق أنشطة شعبية جديدة مستوحاة من التراث المحلي.
وختمت ناجي بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية من إحياء “خميس النبات” تتجاوز البعد الاحتفالي، لتصل إلى دعوة الأهالي لاحتضان مدينتهم بعد سنوات من الدمار، والمشاركة في إعادة الحياة إلى شوارعها وأسواقها، مشيرة إلى أن هذه الفعاليات تترك أثراً إيجابياً واضحاً في نفوس المشاركين، وتعزز الشعور بالأمان والألفة، وتدعم في الوقت ذاته عودة النشاط الاقتصادي والسياحي إلى حمص، المدينة التي تستحق أن تستعيد مكانتها وتاريخها، وفق تعبيرها.
١ أبريل ٢٠٢٦
يشغل كبار السن مكانة رفيعة في المجتمع السوري، فهم يمثلون مصدراً للحكمة والتجارب الحياتية، وجسراً يربط الأجيال بالماضي، ويعكس القيم الاجتماعية الأصيلة، فمن خلال خبراتهم الطويلة، يسهمون في نقل التراث والثقافة والقصص الشعبية، كما يشكّلون مرجعاً للأبناء في المواقف التي تتطلب نصائح وتوجيهاً، خاصة أن خبرتهم الرزينة تُعد دليلاً يُستند إليه في اتخاذ القرارات المهمة.
احترام وتقدير كبار السن في الحياة اليومية
فمن الناحية الاجتماعية، يحظى كبار السن باحترام وتقدير كبيرين في الوسط المحيط، إذ يسارع الناس إلى الترحيب بهم وإلقاء السلام عليهم، وعرض المساعدة في قضاء حاجاتهم أو تلبية ما يريدونه، وعند دخولهم المجالس، يحرص أهل المجلس على وضعهم في الصدر تعبيراً عن الاحترام والتقدير، ويستمع إليهم الآخرون بانتباه واهتمام.
وبفضل مكانتهم الاجتماعية وخبرتهم، يُعدّ كبار السن من أبرز الشخصيات التي تُشكّل ما يُعرف في المجتمع السوري بـ«الجاهة»، وهي وفد من الوجهاء وأهل المكانة يزور منزل الطرف الآخر في قضايا الزواج أو حل النزاعات وغيرها، حيث يمنح وجودهم ضمن هذا الوفد ثقلاً معنوياً كبيراً ويزيد من تأثير كلمته وفرص قبول وساطته.
نقل التراث والحكايات والذكريات
في الوقت ذاته يميل أغلب الأشخاص إلى الجلوس مع كبار السن للاستماع إلى الحكايات الممتعة والذكريات القديمة التي ينقلونها، فهم يمثلون مصدر التراث والذاكرة، حيث يروون القصص الشعبية والتاريخية والعادات والتقاليد الثقافية التي كانت موجودة في الفترات التي عاشوها سابقاً ولم تعد موجودة اليوم، الأمر الذي يربط الأجيال الجديدة بماضيها ويمنحها صورة أوضح عن تاريخها الاجتماعي.
كما يحرص كثيرون على الاستفادة من حكم كبار السن وخبراتهم، خاصة أنهم عاشوا تجارب حياتية متنوعة وواجهوا صعوبات مختلفة، مما يجعل نصائحهم قيّمة وملائمة للمواقف التي يمر بها الآخرون، كما تسهم خبراتهم في تعليم الأبناء الصبر والتحمل والاحترام وغيرها من القيم، لينشأ الجيل الجديد مدركاً لهذه المبادئ المهمة في الحياة، وفي الوقت نفسه، يشعر كبار السن بالسعادة عند استعادة تلك الذكريات، ويسلّون الآخرين الجالسين معهم بما يحملونه من قصص ومواقف.
الملجأ الآمن للأطفال
ولا يقتصر دور كبار السن في المجتمع السوري على نقل الحكمة والتراث، خاصة أنهم يمنحون الأطفال الحب والاهتمام، حيث يسعون إلى قضاء الوقت معهم والاستماع إلى أحاديثهم ومشاركتهم اللعب والأنشطة اليومية، ما يعكس حجم الحنان والعاطفة التي يحملونها لأفراد الأسرة.
كما يقدمون الدعم العاطفي للأطفال، ويحرصون على تهدئتهم وتوجيههم بأسلوب محبّ، مما يعزز الروابط الأسرية ويقوّي المودة والتفاهم بين الأجيال، ويجعل الأطفال يشعرون بالأمان والانتماء داخل الأسرة.
وفي كثير من الأحيان، يمثل كبار السن الملجأ الآمن للأطفال، خاصة عند ارتكابهم أخطاء قد يتعرضون بسببها للتأنيب أو العقاب من قبل الأسرة، إذ يكون الجد أو الجدة نقطة أمان لهم، يحمونهم ويدافعون عنهم عند التعرض للقسوة أو الظلم، مما يمنحهم الصغار شعوراً بالطمأنينة والثقة داخل محيطهم الأسري والمجتمعي.
تعليم الأبناء احترام كبار السن ومساعدتهم
ويحرص الأهالي في سوريا بدورهم على تعليم أبنائهم احترام كبار السن في الوسط المحيط، وتشجيعهم على مساعدتهم وتقديم الخدمات لهم عند الحاجة، سواء في تلبية احتياجاتهم اليومية أو دعمهم في المواقف المختلفة، كما يعلّمون الشباب أهمية مراعاة مكانتهم والتقدير لقيمتهم، بما يعزز الروابط الاجتماعية ويضمن استمرار نقل الثقافة والخبرات بين الأجيال.
تقول المعلمة فاطمة قنطار، في حديثها لشبكة شام الإخبارية، إن الأهالي في سوريا يربّون أبناءهم منذ الصغر على احترام كبار السن وتقديرهم في مختلف تفاصيل الحياة اليومية، مؤكدة أن هذا الاحترام لم يكن مجرد كلمات أو نصائح، بل سلوكاً عملياً تعلّموه في المنزل والشارع معاً.
وتضيف أنهم اعتادوا مناداة كبار السن بألقاب تقدير مثل "الحجي" و"يا عمي" و"أبو فلان"، كما كانوا يرون آباءهم يفسحون لهم المجال في الدور داخل المؤسسات أو أمام الأفران، ويسارعون إلى مساعدتهم عند الحاجة.
ويشير باحثون اجتماعيون إلى أن كبار السن يشكلون دعامة أساسية في المجتمع، ليس فقط من حيث نقل الخبرة والحكمة للأجيال الجديدة، بل أيضاً في تعزيز التماسك الأسري والاجتماعي، فهم يرسّخون القيم والأعراف التقليدية، ويوجهون الشباب نحو احترام من هم أكبر سناً ومراعاة مكانتهم، كما يسهمون في توفير بيئة أكثر استقراراً وأماناً للأطفال، مما يجعل حضورهم عنصراً لا غنى عنه في توازن الأسرة والمجتمع.
ويظل الجيل القديم في المجتمع السوري رمزاً للحكمة والحنان، وحضورهم يغني الحياة اليومية ويشكل مرجعية للأجيال، خاصة أنه حلقة وصل تربط الماضي بالحاضر، ومصدر إلهام للفخر بالموروث والعادات التي يصونونها وينقلونها.
١ أبريل ٢٠٢٦
أكدت الحقوقية السورية نور عبد الغني عربو المعروفة باسم نور الخطيب، في مقال نشرته صحيفة الثورة السورية بعنوان "حفظ السردية كشرط تأسيسي للعدالة"، أن مسألة حماية روايات الضحايا تمثل أساساً جوهرياً لأي مسار حقيقي نحو العدالة، مشددة على أن القلق من ضياع القصة أو تحريفها يرتبط مباشرة بإمكانية تحقيق الإنصاف.
شهادة تكشف عمق المعاناة
استعرضت الكاتبة شهادة لامرأة هجّرت قسرياً من منزلها في بلدة إحسم بريف إدلب، قبل أن تعود إليه بعد عامين من هدوء القصف، موضحة أنها لم تتعرف على المكان، ليس فقط بسبب الدمار، بل نتيجة شعورها بأن ما عاشته قد يُنسى أو يُعاد سرده بشكل مختلف، في إشارة إلى الخطر الذي يهدد الحقيقة ذاتها.
السردية كإطار للحقيقة
أوضحت عربو أن الانتهاكات في سوريا لم تكن حوادث منفصلة، بل جاءت ضمن سياق معقّد ومترابط، ما يجعل تحديد "ما الذي حدث" نقطة الانطلاق لكل مسارات العدالة، مبينة أن السردية تقوم على تجميع الشهادات والأدلة وربطها ضمن إطار يتيح فهم الصورة الكاملة وتحديد المسؤوليات.
أهمية السردية للمساءلة
أشارت الكاتبة إلى أن أي مسار للعدالة، لا سيما الجنائية، يعتمد على وجود سردية متماسكة توضح كيفية وقوع الانتهاكات وتكرارها، مؤكدة أن هذا التماسك هو ما يمنح الأدلة معناها القانوني، ويميز بين حادثة فردية وجريمة ممنهجة.
مخاطر تحريف الرواية
نبهت إلى أن محاولات إعادة صياغة الرواية العامة في سوريا، سواء عبر الإنكار أو التقليل من حجم الانتهاكات أو تقديم روايات تساوي بين الضحية والجاني، تؤدي إلى تشويه الحقيقة وحرمان الضحايا من الاعتراف، وهو أحد أهم عناصر العدالة.
السردية كحق إنساني
لفتت إلى أن السردية لا تُعد مجرد أداة تقنية، بل حقاً أساسياً للضحايا، إذ إن الاعتراف بما تعرضوا له يشكل جزءاً من استعادة كرامتهم، بينما يؤدي تجاهل هذه الروايات إلى مضاعفة الضرر الواقع عليهم.
دورها في العدالة الانتقالية
بيّنت عربو أن أهمية السردية تمتد إلى مسارات العدالة الانتقالية، بما يشمل لجان تقصي الحقائق وبرامج جبر الضرر والإصلاح المؤسسي، مؤكدة أن غياب سردية شاملة قد يؤدي إلى اعتماد مقاربات انتقائية تُقصي بعض الضحايا.
تحديات التوثيق
أوضحت الحقوقية في مقالها، أن التحدي لا يقتصر على جمع الشهادات، بل يشمل التحقق منها وربطها وتقديمها بشكل دقيق، بما يسمح بفهم بنية الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها بشكل فعّال.
تحذير من تجاوز الحقيقة
حذّرت من أن التركيز على إعادة الإعمار أو تجاوز الماضي في المرحلة الحالية قد يدفع نحو القفز فوق الحقيقة أو التعامل معها بشكل انتقائي، ما قد يؤدي إلى تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
اختتمت الكاتبة بالتأكيد على أن حفظ السردية يمثل ضرورة أخلاقية وقانونية، كونه الضامن لعدم إنكار الانتهاكات والأساس لبناء عدالة مستدامة، مشددة على أن التحدي لا يتعلق فقط بكيفية التوثيق، بل بمن يمتلك القدرة على تعريف الحقيقة.
١ أبريل ٢٠٢٦
يصادف اليوم الأول من نيسان، عيد رأس السنة البابلية الآشورية، المعروف بعيد "أكيتو"، أحد أقدم الأعياد في التاريخ، الذي يحتفل به الآشوريون والسريان والكلدان، لتأكيد الانتماء للهوية الثقافية والحفاظ على التراث الحضاري، وإبراز قيم التعايش والمحبة بين مختلف شعوب المنطقة.
جذور عيد أكيتو التاريخية والحضارية
ويُعد عيد أكيتو من أقدم الأعياد التي عرفتها الحضارة الإنسانية، حيث احتفل به الأكاديون والعموريون والآشوريون والكلدان والبابليون والسريان في مناطق سوريا والعراق منذ حوالي العام 4747 قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي، ولا يزال هذا العيد يُستخدم اليوم كتقويم تقليدي وثقافي لدى المجتمع الآشوري في سوريا.
وخلال الاحتفال بالعيد، يتبادل الناس عبارة "أكيتو بريخو"، التي تعني، بحسب المصادر التاريخية، الفرح والسرور بمناسبة حلول العيد.
وكلمة "أكيتو" أصلها سومري، ويؤكد الباحثون أنها تعني "البداية" أو "العتبة"، ويقوم الاحتفال بهذا العيد على الترحيب بفصل الربيع وحصاد الشعير، ويُلاحظ هنا الارتباط اللغوي بين كلمة "شعير" في البابلية والأكدية ومفهوم "الشعائر" المتعلق بالطقوس الدينية.
حزب الاتحاد السرياني .. تهنئة بعيد أكيتو
أعلن حزب الاتحاد السرياني تهانيه بمناسبة عيد أكيتو، رأس السنة السريانية الآشورية 6776، موجهاً التبريكات إلى أبناء الشعب السرياني الآشوري، ومهنئاً عموم السوريين بهذه المناسبة، مؤكداً أن سوريا تُعد مهداً لهذا العيد التاريخي، ومنها انطلقت بدايات الحضارة والإنسانية واللغة والعلم، حيث اعتادت الشعوب القديمة الاحتفال في الأول من نيسان ببداية عام جديد يرمز إلى الانبعاث والتجدد ضمن طقوس جامعة بين الإنسان والطبيعة والسلطة.
التمسك بالهوية والتراث
أكد الحزب أن الشعب السرياني الآشوري الكلداني حافظ على إرثه الثقافي واللغوي والتراثي عبر التاريخ، مشيراً إلى أن الاستمرار في الاحتفال بعيد أكيتو يعكس أصالة هذا الشعب وعراقته، ويجسد إرادته الراسخة رغم ما تعرض له من سياسات الإبادة والتهجير والإقصاء التي لم تنجح في طمسه أو إلغائه.
دعوة لإصلاح سياسي شامل
شدد الحزب على أهمية المرحلة التي تمر بها سوريا في ظل مرحلة النهوض بعد الحرب في سوريا وسقوط نظام الأسد البائد، موضحاً أنه رغم جهود الحكومة الانتقالية لتحقيق الاستقرار وتأمين الخدمات، إلا أن هناك فجوات كبيرة ما تزال تؤثر على السلم الأهلي، لافتاً إلى أن أحداث السقيلبية الأخيرة تمثل نموذجاً مقلقاً، وتحمّل السلطات المعنية مسؤولية ما جرى.
الحاجة إلى حوار وطني ودستور جديد
دعا الحزب إلى تبني نهج جديد في إدارة البلاد يقوم على التعددية والتشاركية، مع ضرورة سن قوانين تجرّم خطاب الكراهية والطائفية، مؤكداً أن سوريا بحاجة ملحة إلى حوار وطني شامل يضم جميع القوى، والعمل على صياغة دستور دائم يضمن سيادة الشعب والقانون، ويحمي الحريات العامة والفردية، ويعترف بالتنوع القومي والديني، ويكفل الحقوق الدستورية لمختلف المكونات، بما فيها الشعب السرياني الآشوري.
رسائل وفاء وتقدير
اختتم الحزب بيانه بتجديد التهنئة بهذه المناسبة، مستذكراً تضحيات الشهداء، ومثمناً جهود جميع من ناضلوا من أجل قضية الشعب ومستقبل سوريا، معبراً عن الأمل ببناء وطن أفضل قائم على العدالة والشراكة بين جميع أبنائه.
التقويم الآشوري وأسماء الأشهر القديمة
ويرجع أصل هذا العيد إلى السلالة البابلية الأولى في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، حيث كان تحديد بداية السنة يعتمد على عناصر طبيعية متعددة، أبرزها حركة القمر، إذ كان معروفًا أن شهر "نيسانو" (نيسان) يبدأ وفق التقويم الآشوري ليلة الاعتدال الربيعي.
ففي العصور القديمة، كان التقويم الآشوري يبدأ بشهر نيسان وينتهي بشهر آذار، وقد سُمّيت هذه الأشهر نسبةً إلى الآلهة التي كانت تُعبد في تلك الفترة قبل الميلاد، وهي:
شهر الإله (أنوو انليل) نيسان، 2- شهر الإله (ايا) سيد الشعوب "أيار"، 3- شهر الإله (نتورتو) البطل الكبير "تمّوز"، 4- شهر الإله (عشتار) سيدة الشعوب "أيلول"، 5- شهر الإله (شمش) بطل كل العالم "تشرين الأول".
6- شهر اراه ساحين شهر الإله (مردوخ) أكثر الآلهة حكمة "تشرين الثاني"، 7- شهر كسلق شهر الإله (نركال) البطل الكبير "كانون الأول"، 8- شهر تبت شهر الإله (بابسوكال) وزير الإله انو والإله عشتار "كانون الثاني"، 9- شهر الإله (ادد) سيد المياه والسماء والأرض "شباط"، 10- شهر الآلهة السبعة (الآلهة العظام) "أذار".
كما تشير المصادر التاريخية إلى أن عيد أكيتو من أقدم الاحتفالات الثقافية والدينية في المنطقة، ويعود الاحتفال به إلى العصور السومرية والآشورية، حيث كان مرتبطاً بالدورة الزراعية، خاصة فصلي البذار والحصاد، اللذين كانا يرمزان إلى تجدد الحياة وبداية عام جديد.
وكان مرتبطاً في الأصل بطقوس دينية تُقام في معابد بلاد ما بين النهرين، للاحتفال بانتصار النظام والخير على الفوضى والشر، ويشكل الاحتفال به اليوم رمزاً لهوية وثقافة الشعوب السريانية والآشورية والكلدانية.
كيفية الاحتفال بعيد أكيتو
عادة ما يحتفل بعيد أكيتو من خلال مجموعة من الفعاليات الثقافية والدينية التي تشارك فيها فرق فنية متنوعة، مع ارتداء الأزياء التراثية التقليدية وأداء الأغاني الشعبية، بهدف تعزيز قيم المحبة والسلام بين جميع شعوب المنطقة.
غالباً ما يرتدي الرجال السراويل الفضفاضة والأوشحة الطويلة مع إضافات ملونة على طيات العمامة، ويُعد هذا أحد أبرز طقوس الاحتفال بعيد أكيتو، كما تُقام الرقصات الشعبية في الساحات والأماكن العامة على أنغام الموسيقى والأغاني التقليدية، مما يضفي جوًا من البهجة والاحتفال.
ومن أبرز التقاليد التي تقوم بها العائلات تحضيرها المأكولات التقليدية الشهية، وتجمعها حول موائد الطعام لتبادل الأطباق والفرحة بمناسبة حلول العام الجديد.
وتُقسم أيام الاحتفال بعيد أكيتو إلى طقوس متتابعة، حيث تُخصص الأيام الثلاثة الأولى للطقوس المرتبطة بالحزن، تليها يومان مخصصان للطهارة وطلب الغفران، ثم يختتم الاحتفال بيومي الأمل والرجاء.
ويذكر أن الآشوريون والكلدان والسريان يشكلون مجموعة عرقية دينية سامية مسيحية، يقيمون تقليديًا في شمال ما بين النهرين، في مناطق من العراق وسوريا وتركيا، وبأعداد أقل في إيران، كما توجد جاليات كبيرة منهم في المهجر، خصوصاً في الولايات المتحدة ودول أوروبا.
ويتحدثون اللغة السريانية كلغة أم، وهي إحدى اللغات السامية الشمالية الشرقية، وينحدرون تاريخياً من حضارات قديمة في الشرق الأوسط، أبرزها الحضارة الآشورية والحضارة الآرامية.
١ أبريل ٢٠٢٦
شهدت الدروس الخصوصية خلال السنوات الأخيرة في سوريا انتشاراً واسعاً بين الطلاب، في ظل ما رافق تلك الفترة من ظروف أثرت على مستوى التحصيل الدراسي وجودة التعليم داخل المدارس، ما دفع كثيراً منهم إلى الاعتماد عليها لتعويض هذا التراجع، رغم ما يترتب عليها من أعباء اقتصادية إضافية على أسرهم.
تتعدد دوافع لجوء الطلاب إلى الدروس الخصوصية، فمنها ما يرتبط بالطالب نفسه، ومنها ما يتعلق ببيئة التعليم داخل المدرسة، فبعض الطلاب يعانون ضعفاً في مادة معينة نتيجة ضعف التأسيس في المراحل السابقة أو صعوبة الاستيعاب، كما أن شعور بعضهم بالخجل يمنعهم من طرح الأسئلة داخل الصف أمام زملائهم، ما يدفعهم إلى تفضيل الدروس الخصوصية حيث يكون عدد الطلاب أقل ويشعرون بارتياح أكبر في طرح استفساراتهم.
أما الأسباب المرتبطة بالمدرسة، فتشمل ازدحام الصفوف وضيق الوقت المخصص للشرح، الأمر الذي قد لا يتيح للمعلم متابعة مستوى جميع الطلاب بشكل كافٍ، وفي المقابل، يلتحق بعض الطلاب بالدروس الخصوصية رغم عدم حاجتهم الفعلية إليها، وذلك بدافع من الأهالي الذين يسعون للاطمئنان على مستوى أبنائهم وضمان حصولهم على درجات مرتفعة.
تقول الطالبة فاطمة الموسى، طالبة بكالوريا علمي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن مادة الرياضيات تُعد من أكثر المواد التي تحتاج إلى جهد إضافي خارج المدرسة، موضحةً أنه رغم حضورها الحصص الدراسية، وحرص المعلم على شرح الدروس وحل المسائل والإجابة عن أسئلة الطلاب، فإنها عند مراجعة الدرس في المنزل تشعر أحياناً بوجود نقاط لم تفهمها بالشكل الكافي وتحتاج إلى إعادة شرح.
ومن جانبها، تشير الطالبة ريماس العبدو إلى أن منهاج اللغة الإنجليزية يتطلب جهداً إضافياً خارج الصف، موضحةً أنه يضم قواعد لغوية ودروساً نظرية ومصطلحات تحتاج إلى ترجمة وفهم دقيق، إلى جانب تمارين متعددة تتطلب شرحاً مستمراً.
وتؤكد أن ذلك يدفعها إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية أو الالتحاق بدورات إضافية إلى جانب المدرسة، لافتةً إلى أن بعض الطلاب لا يحتاجون إلى ذلك بسبب تفوقهم في المادة، إلا أن وضعها يختلف، لأن مستواها ضعيف في اللغة الإنجليزية ولا سيما في القواعد.
أدت الدروس الخصوصية إلى تحميل الأهالي أعباءً مالية ثقيلة، إذ فرضت عليهم تكاليف إضافية إلى جانب التزاماتهم المعيشية اليومية، ما دفع بعض الأسر إلى الاستدانة أو إنفاق مدخراتها، بل وحتى تقليص بعض احتياجاتها الأساسية، في سبيل تأمين هذه الدروس لأبنائها، خاصة طلاب شهادتي التعليم الأساسي (التاسع) والثانوي (البكالوريا).
ويؤكد عدد من الأهالي أن هذه المرحلة تُعد مفصلية في حياة أبنائهم، ولا سيما شهادة البكالوريا التي تحدد مستقبل الطالب والاختصاص الذي سيلتحق به لاحقاً، ما يجعلهم مستعدين لتحمل أعباء مالية كبيرة وتقديم تضحيات من أجل ضمان تحصيل دراسي أفضل لأبنائهم.
تروي ميادة محمد، 50 عاماً، لشبكة شام أن لديها ابنة تدرس في مرحلة البكالوريا، مشيرةً إلى أنها كانت تملك إسورة ذهبية تزن نحو 8 غرامات، فقررت بيعها مؤخراً وتخصيص المال لتأمين ما قد تحتاجه ابنتها من دروس خصوصية ومصاريف تعليمية أخرى.
وتؤكد ميادة أنها لم تكن تملك سوى هذه الإسورة، لكنها لم تتردد في بيعها، موضحة أن الأهم بالنسبة لها هو نجاح ابنتها هذا العام وحصولها على مجموع يؤهلها لدخول كلية الصيدلة، مشددةً على استعدادها لتقديم أي تضحية مادية أو معنوية من أجل تحقيق هذا الحلم.
في المقابل، هناك طلاب يحتاجون فعلاً إلى دروس خصوصية، لكن أهاليهم غير قادرين على تحمل تكاليفها، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل أخرى، مثل الدراسة الذاتية المكثفة، أو الاستعانة بالإنترنت، أو سؤال زملائهم في الصف، أو المعلمين، أو أي أشخاص من محيطهم يمكن أن يقدموا لهم المساعدة، ورغم أن هذه البدائل تكبدهم جهداً إضافياً مقارنة بالدروس الخصوصية، إلا أنها تبقى الحل الوحيد المتاح أمامهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
من ناحية أخرى، توفر الدروس الخصوصية مصدر دخل للمدرسين، ويتم اختيارهم من قبل الطلاب بحسب شهرتهم ومهارتهم وقدرتهم على تقديم الدروس بفعالية، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليهم أعباء إضافية، خاصة بعد انتهاء دوام المدرسة والتزاماتها، إذ يُضطر الأستاذ للعودة إلى المنزل لإعطاء الدروس للطلاب الآخرين ومتابعة مستواهم، مما يجعل يومه حافلاً بالمسؤوليات والمهام.
عادةً ما يلجأ المعلمون إلى تقديم الدروس الخصوصية لعدة أسباب، أبرزها ضعف الرواتب التي يتقاضونها وعدم كفايتها لتلبية احتياجاتهم الأساسية، إلى جانب ظروفهم الاقتصادية المتردية ومعاناتهم من مشاكل مادية، فضلاً عن رغبتهم في تحسين أوضاعهم المعيشية.
وترتبط أسعار الدروس الخصوصية بعدة عوامل، أبرزها مستوى الأستاذ وخبرته، فغالباً ما تكون أسعار المعلمين المشهورين في المنطقة أعلى مقارنة بغيرهم، خاصة إذا كان الطلاب الذين حضروا دروسهم سابقاً قد حصلوا على درجات تامة أو شبه تامة، أو أظهروا اهتماماً وشغفاً بالمادة.
كما تؤثر طبيعة المادة التعليمية على السعر، فبعض المواد تحتاج إلى شرح وتمارين أكثر فتكون تكلفتها أعلى، ويُعدّ عدد الطلاب في الدرس عاملاً آخر، حيث تكون الدروس الفردية أغلى من الدروس الجماعية لأن الطالب يحصل على انتباه كامل من المدرس، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل صعوبة المنهاج والطلب على المادة.
يشير تربويون إلى أن الدروس الخصوصية أصبحت ظاهرة منتشرة بين الطلاب، لكنهم يحذرون من الاعتماد المفرط عليها، معتبرين أن الهدف الأساسي هو دعم الطالب في نقاط ضعفه وليس تعويض المنهاج بالكامل، لأن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الاعتماد على المدرسة وتثبيط قدرة الطالب على التعلم الذاتي، ما يجعل الحاجة إليها مستمرة ويثقل كاهل الأهالي مالياً.
ويرون أن الحلول لتخفيف هذا العبء تتمثل في تحسين جودة التعليم داخل المدرسة نفسها، من خلال منح الطلاب وقتاً إضافياً للتمارين والتوضيح أثناء الحصص أو بعد انتهاء اليوم الدراسي، وتفعيل حصص تقوية صغيرة للطلاب الذين يواجهون صعوبة في فهم المادة.
ويؤكدون أنه يمكن للأهل والطلاب الاستفادة من الموارد المتاحة على الإنترنت كالشرح المبسط للفيديوهات التعليمية والتمارين التفاعلية، أو طلب مساعدة مدرسين متطوعين أو زملاء متمكنين عند الحاجة، ما يوفر بدائل أقل تكلفة للدروس الخصوصية التقليدية ويخفف العبء المالي عن الأسرة.
تعد الحاجة إلى الدروس الخصوصية من الظواهر المنتشرة في المجتمع السوري، حيث يلجأ إليها الطلاب أحياناً نتيجة ضعفهم في بعض المواد أو حرص الأهالي على ضمان تفوق أبنائهم، ما يضطر الطلاب لبذل جهود إضافية ويكلف الأهالي نفقات مالية إضافية.
١ أبريل ٢٠٢٦
تُعد ولادة طفل جديد لحظة هامة ومناسبة خاصة لدى العائلات في سوريا، إذ تستقبلها بجملة من التحضيرات الاجتماعية والعائلية التي تندرج ضمن العادات والتقاليد السائدة في المنطقة، تعبيراً عن فرحتها بقدوم المولود وحرصاً على الالتزام بالممارسات التي اعتادت الأسر القيام بها في مثل هذه المناسبات السعيدة.
ولا تقتصر التحضيرات لاستقبال المولود على الوالدين فقط، وإنما تمتد لتشمل الجدات وأفراد العائلة الممتدة من أعمام وعمّات وأخوال وخالات، إلى جانب الأصدقاء والمعارف، مع وجود بعض الاختلافات في طبيعة الأدوار التي يؤديها كل طرف بحسب صلته بالعائلة وقربه منها.
يحرص الوالدان على تجهيز مستلزمات الطفل الأساسية قبل ولادته مثل الملابس والسرير والأغطية المناسبة، إلى جانب ترتيب المنزل وتهيئته لاستقبال الضيوف الذين يتوافدون لتهنئتهم بعد الولادة، وفي بعض الحالات يقوم الأب بتزيين المنزل بطريقة جميلة تعبيراً عن فرحته بقدوم المولود وسلامة زوجته.
ويُطلق في اللهجة المحلية السورية على ملابس الطفل اسم "الديارة"، وهي من أولى المستلزمات التي يتم تجهيزها قبل الولادة، إذ تتولى الأم إعدادها في بعض العائلات، بينما تُسند هذه المهمة في عائلات أخرى إلى الجدة، سواء كانت والدة الأم أو والدة الأب، وذلك تبعاً للعادات والتقاليد السائدة في كل منطقة واختلاف الأعراف بين الأسر.
وتلعب الجدات دوراً مهماً في هذه المرحلة من خلال تقديم الخبرة والنصائح للأم، إذ يفضّل بعضهن البقاء إلى جانبها لمساعدتها، خاصة أنها تكون متعبة في هذه الفترة ويصاحبها الألم، ما يجعلها بحاجة إلى مساندة مستمرة من الجدات، بالإضافة إلى الزوج وأفراد العائلة الآخرين.
كما تميل بعض العائلات لتوزيع الحلويات على الجيران والأقارب والأصدقاء فرحا بمناسبة قدوم الطفل وتجاوز الأم مرحلة الولادة بسلام، بعد الولادة، يتوافد المهنئون لتهنئة العائلة ومشاركة فرحتهم بالمولود الجديد، حاملين هدايا تتنوع بحسب إمكانياتهم والمعروفة باسم "النقوط"، وقد تكون موجهة للأم أو للطفل، وتشمل الملابس أو المال أو أشياء أخرى ذات فائدة وأهمية، وتتراوح بين البسيطة والثمينة، لتعكس مشاعر الفرح والمودة بين العائلة والمحيطين بها.
رغم الظروف القاسية التي مرت بها سوريا من نزوح وقصف وتراجع الإمكانيات المادية، بقيت هذه العادات والتقاليد محافظة على حضورها في مناسبات استقبال المواليد، مع بعض التغيرات الطفيفة، وما تزال تمارسها العائلات لتعبّر عن فرحتها بالمولود الجديد.
حتى العائلات التي هجرت أو نزحت خارج البلاد كانت تحرص على المشاركة في فرحة استقبال المولود مع أقاربهم وأصدقائهم وأفراد العائلة الذين بقوا في سوريا، من خلال إرسال الحوالات المالية وتهنئتهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ما يعكس استمرارية الروابط الاجتماعية والدعم المتبادل بين أفراد الأسرة رغم البعد والمسافات.
تساهم هذه العادات والتقاليد في تقديم العديد من الإيجابيات للعائلة، فهي توفر الدعم والمساعدة مباشرة بعد ولادة الطفل، خاصة في الحالات التي تواجه فيها الأسرة صعوبات مادية في تغطية احتياجات المولود، كما تمنح الأم مساندة معنوية وتؤكد لها وللأسرة أنهم ليسوا وحدهم في هذه المرحلة التي تتطلب تحضيرات وتجهيزات متعددة لاستقبال الطفل الجديد.
وتُقوي هذه العادات الروابط الاجتماعية والعلاقات بين أفراد الأسرة الممتدة والأقارب والأصدقاء، حيث يجتمع الجميع حول حدث فرح مشترك، ما يعزز تلاحم الأسرة والمجتمع المحلي، كما يساعد على حفظ التراث الثقافي واستمرار التقاليد السورية، ما يعكس صورة مميزة عن المجتمع وممارساته الاجتماعية، إضافة إلى تعليم الأجيال الجديدة قيم التعاون والاحترام ومساندة الآخرين في المناسبات السعيدة والحزينة من خلال المشاركة في هذه الطقوس.
يؤكد المختصون أن هذه العادات والتقاليد تعكس مدى حرص المجتمع السوري على المحافظة على هويته الثقافية والروابط الأسرية، فهي لا تقتصر على الاحتفال بالمولود، بل تعمل أيضاً كإطار اجتماعي يربط بين الأجيال وينقل القيم والتقاليد، كما تعكس المكانة الرمزية للطفل داخل الأسرة وتشجع على التفاعل والمشاركة بين أفراد العائلة والمجتمع المحيط، مما يجعل قدوم الطفل مناسبة تجمع بين البعد الشخصي والعائلي والمجتمعي في آن واحد.
٣١ مارس ٢٠٢٦
تعتبر تسمية المواليد من القرارات الهامة التي تشغل الأسرة في سوريا، إذ يسعى الوالدان جاهدين لاختيار اسماً يليق بالطفل ويستند إلى سبب محدد لاختياره، سواء ارتبط بالدين أو الثقافة أو حدث اجتماعي معين، ما يعكس مكانة الاسم في الهوية الشخصية والاجتماعية، كما تظل هذه المرحلة محورية في حياة الأسرة.
عادةً، يختار الأهل اسم المولود بعد الكشف عن جنسه خلال فترة الحمل، سواء كان ذكراً أم أنثى، بينما تفضل عائلات أخرى تأجيل الموضوع إلى ما بعد الولادة مباشرة، وقد يحدث في بعض الحالات أن تحدد الأسرة اسماً مسبقاً ثم تغيّره لاحقاً نتيجة ظروف طارئة أو اعتبارات جديدة حصلت، ما يعكس حساسية اختيار الاسم وأهميته لدى العائلة.
وتتعدد العوامل التي تؤثر في اختيار الاسم، فبعض العائلات تميل إلى تسمية أبنائها بأسماء شخصيات تاريخية بارزة تركت أثراً واضحاً، مثل صلاح الدين الأيوبي الذي قاد معركة حطين، ومحمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، وطارق بن زياد الذي فتح الأندلس، وغيرها من الشخصيات التي ارتبطت بانتصارات شكلت محطات مهمة في التاريخ.
في هذا السياق، يقول محمد المصطفى، 60 عاماً، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه كان معجباً بشخصية صلاح الدين الأيوبي، الذي تمكن من تحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى من احتلال الصليبين، وازداد تعلقه بهذا الاسم بعد مشاهدته لعمل فني تاريخي يتناول قصته، لذلك أطلق الاسم على ابنه متمنياً أن يكون شجاعاً مثله في المستقبل، إلا أن الطفل توفي عن عمر يناهز 13 عاماً بسبب مرض مفاجئ.
وبجانب التأثر بالتاريخ، تتأثر تسمية المواليد أحياناً بالميول السياسية لدى بعض العائلات، التي تختار إطلاق أسماء شخصيات سياسية أو رئاسية بارزة على أبنائها، تقديراً لمكانتها أو لدورها في المجتمع، وقد تشمل هذه الأسماء رؤساء سابقين أو حاليين أو شخصيات حكومية شهيرة أثرت في الحياة العامة.
فخلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961)، انتشر في سوريا اسمَي "جمال" و"ناصر"، تعبيراً عن تقدير الأهالي وإعجابهم بشخصية الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر.
كما تميل بعض العائلات إلى اختيار أسماء تحمل طابعاً دينياً، ففي العائلات المسلمة تتكرر أسماء مثل فاطمة، محمد، أحمد، ومحمود، بينما تختار الأسر المسيحية غالباً أسماء مثل جورج، ميخائيل، بطرس، وأنطون وغيرها.
في حالات أخرى، يفضل الأزواج إطلاق أسماء آبائهم على أبنائهم، فغالباً ما يُسمى الابن البكر باسم جده، والابنة الكبرى باسم جدتها، وكان من الشائع أن الشخص الذي لا يلتزم بذلك ينزعج الوالدان منه ويتعرض للنقد من قبل الآخرين، فيما بعد شهد هذا التقليد بعض التراجع نتيجة ميول العائلات لاختيار أسماء أكثر حداثة لأبنائهم.
ويروي عبد القادر حاج محمد، 50 عاماً، لـ شام قصة حصلت معه قبل خمسة وعشرين عاماً، قائلاً إن والدته كانت تُدعى 'نعوس'، مشيراً إلى أنه لو كان اسمها مختلفاً لاختار إطلاقه على ابنته، لكنه رأى أن 'نعوس' لا معنى له وغير مقبول، وخشي ألا تسامحه ابنته مستقبلاً لو أطلق عليها هذا الاسم.
ويضيف أنه اختار في النهاية اسم 'إكرام' الذي يحمل معنى أفضل وطابعاً دينياً، منوهاً إلى أن والدته شعرت بالانزعاج في البداية ولم تزره لتهنئته بالمولودة، واستمرت في ملامته لفترة قصيرة، قبل أن تُنسى المسألة وتعود الأمور بينهما إلى طبيعتها.
في حالات أخرى، يميل الأهل أحياناً إلى تسمية أبنائهم بأسماء أقارب رحلوا عن الحياة، تعبيراً عن الوفاء لهم وإحياء لذكراهم داخل الأسرة، كما قد يستلهمون أسماء شخصيات ناجحة من الوسط المحيط، متمنين أن يحظى أبناؤهم بنفس النجاح والتميز.
ولا تقتصر مصادر الأسماء على العائلة فقط، فالأهل أحياناً يختارون أسماء مستوحاة من الفنانين أو الشخصيات التي ظهرت في أعمال فنية حظيت بمتابعة وشهرة، أو أسماء جديدة ذُكرت في مسلسلات وبرامج تلفزيونية، تعبيراً عن إعجابهم أو تأثرهم بها.
تشير ابتهال العمر، 50 عاماً، إلى أنها عندما كانت حاملاً بابنتها الأولى كانت تسمع عن معلمة في قريتها تُدعى ولاء، معروفة بثقافتها وترتيب منزلها، مضيفة أنها عندما التقت بها وجهاً لوجه أُعجبت بجمالها وأسلوب حديثها، فقررت أن تُسمي ابنتها على اسمها، متمنية أن تشبهها في أخلاقها ومستقبلها.
ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان الأهالي الوصول إلى مجموعة واسعة من الأسماء ومعانيها، والتعرف على الأكثر انتشاراً والأكثر قبولاً اجتماعياً، مقارنة بالماضي حين كان الأهل يسألون الأقارب ويجمعون الأسماء على ورقة قبل الاختيار، فبات بإمكانهم اليوم تصفح قوائم متعددة واختيار الاسم الأنسب لأبنائهم بسهولة ومرونة.
وقد تركت الثورة السورية وأحداثها أثراً واضحاً في اختيار أسماء المواليد، حيث فضّلت العديد من العائلات أن تطلق على أبنائها أسماء شهداء استشهدوا خلال سنوات الثورة، تخليداً لذكراهم وتعبيراً عن التقدير والتأثر بهذه التضحيات.
كما أطلق بعض الأهالي على أبنائهم أسماء تعكس الظروف القاسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية، مثل هاجر وفراق، تعبيراً عن تجاربهم وتأثير النزوح والغربة على حياتهم.
وشهد اسم 'بشار' تراجعاً كبيراً في التداول في المناطق التي لم تكن خاضعة لسيطرته قبل التحرير، إذ لم يقتصر الأمر على معارضة سياسة النظام القمعية فحسب، بل أصبح كثير من الأهالي يتجنبون إطلاق هذا الاسم على أبنائهم، مما يعكس التأثير الذي قد يتركه الشخص نفسه بالاسم الذي يحمله.
وخلال معركة ردع العدوان التي قادت إلى النصر وإسقاط نظام الأسد، كثرت الأحاديث والأخبار عن طائرات 'شاهين' المسيّرة ودورها الحاسم في المعركة، فاختارت بعض العائلات إطلاق اسم 'شاهين' على مواليدها، بينما أطلق آخرون أسماء مرتبطة بالانتصار مثل 'نصر' على الأبناء.
ويشير الباحثون الاجتماعيون إلى أن اختيار الأسماء ليست وسيلة للتمييز بين الأفراد فقط، وإنما انعكاس للقيم والمعتقدات والميول الثقافية والاجتماعية للعائلة، ويساهم في تشكيل الهوية الشخصية والاجتماعية للطفل منذ ولادته، كما يوضح طبيعة البيئة التي ينشأ فيها والأحداث التي تؤثر على الأسرة والمجتمع المحيط.
ويظل اختيار اسم المولود في سوريا تقليداً اجتماعياً يجمع بين الثقافة والدين والتأثر بالأحداث المحيطة، ويعكس ميول العائلة وقيمها، ويمنح الاسم دلالة ومعنى لا يقتصر على مجرد التسمية، بل يصبح جزءاً من هوية الشخص عندما يكبر وروابطه الأسرية والاجتماعية.
٣١ مارس ٢٠٢٦
تُعد ولادة طفل جديد لحظة هامة ومناسبة خاصة لدى العائلات في سوريا، إذ تستقبلها بجملة من التحضيرات الاجتماعية والعائلية التي تندرج ضمن العادات والتقاليد السائدة في المنطقة، تعبيراً عن فرحتها بقدوم المولود وحرصاً على الالتزام بالممارسات التي اعتادت الأسر القيام بها في مثل هذه المناسبات السعيدة.
ولا تقتصر التحضيرات لاستقبال المولود على الوالدين فقط، وإنما تمتد لتشمل الجدات وأفراد العائلة الممتدة من أعمام وعمّات وأخوال وخالات، إلى جانب الأصدقاء والمعارف، مع وجود بعض الاختلافات في طبيعة الأدوار التي يؤديها كل طرف بحسب صلته بالعائلة وقربه منها.
يحرص الوالدان على تجهيز مستلزمات الطفل الأساسية قبل ولادته مثل الملابس والسرير والأغطية المناسبة، إلى جانب ترتيب المنزل وتهيئته لاستقبال الضيوف الذين يتوافدون لتهنئتهم بعد الولادة، وفي بعض الحالات يقوم الأب بتزيين المنزل بطريقة جميلة تعبيراً عن فرحته بقدوم المولود وسلامة زوجته.
ويُطلق في اللهجة المحلية السورية على ملابس الطفل اسم "الديارة"، وهي من أولى المستلزمات التي يتم تجهيزها قبل الولادة، إذ تتولى الأم إعدادها في بعض العائلات، بينما تُسند هذه المهمة في عائلات أخرى إلى الجدة، سواء كانت والدة الأم أو والدة الأب، وذلك تبعاً للعادات والتقاليد السائدة في كل منطقة واختلاف الأعراف بين الأسر.
وتلعب الجدات دوراً مهماً في هذه المرحلة من خلال تقديم الخبرة والنصائح للأم، إذ يفضّل بعضهن البقاء إلى جانبها لمساعدتها، خاصة أنها تكون متعبة في هذه الفترة ويصاحبها الألم، ما يجعلها بحاجة إلى مساندة مستمرة من الجدات، بالإضافة إلى الزوج وأفراد العائلة الآخرين.
كما تميل بعض العائلات لتوزيع الحلويات على الجيران والأقارب والأصدقاء فرحا بمناسبة قدوم الطفل وتجاوز الأم مرحلة الولادة بسلام، بعد الولادة، يتوافد المهنئون لتهنئة العائلة ومشاركة فرحتهم بالمولود الجديد، حاملين هدايا تتنوع بحسب إمكانياتهم والمعروفة باسم "النقوط"، وقد تكون موجهة للأم أو للطفل، وتشمل الملابس أو المال أو أشياء أخرى ذات فائدة وأهمية، وتتراوح بين البسيطة والثمينة، لتعكس مشاعر الفرح والمودة بين العائلة والمحيطين بها.
رغم الظروف القاسية التي مرت بها سوريا من نزوح وقصف وتراجع الإمكانيات المادية، بقيت هذه العادات والتقاليد محافظة على حضورها في مناسبات استقبال المواليد، مع بعض التغيرات الطفيفة، وما تزال تمارسها العائلات لتعبّر عن فرحتها بالمولود الجديد.
حتى العائلات التي هجرت أو نزحت خارج البلاد كانت تحرص على المشاركة في فرحة استقبال المولود مع أقاربهم وأصدقائهم وأفراد العائلة الذين بقوا في سوريا، من خلال إرسال الحوالات المالية وتهنئتهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ما يعكس استمرارية الروابط الاجتماعية والدعم المتبادل بين أفراد الأسرة رغم البعد والمسافات.
تساهم هذه العادات والتقاليد في تقديم العديد من الإيجابيات للعائلة، فهي توفر الدعم والمساعدة مباشرة بعد ولادة الطفل، خاصة في الحالات التي تواجه فيها الأسرة صعوبات مادية في تغطية احتياجات المولود، كما تمنح الأم مساندة معنوية وتؤكد لها وللأسرة أنهم ليسوا وحدهم في هذه المرحلة التي تتطلب تحضيرات وتجهيزات متعددة لاستقبال الطفل الجديد.
وتُقوي هذه العادات الروابط الاجتماعية والعلاقات بين أفراد الأسرة الممتدة والأقارب والأصدقاء، حيث يجتمع الجميع حول حدث فرح مشترك، ما يعزز تلاحم الأسرة والمجتمع المحلي، كما يساعد على حفظ التراث الثقافي واستمرار التقاليد السورية، ما يعكس صورة مميزة عن المجتمع وممارساته الاجتماعية، إضافة إلى تعليم الأجيال الجديدة قيم التعاون والاحترام ومساندة الآخرين في المناسبات السعيدة والحزينة من خلال المشاركة في هذه الطقوس.
يؤكد المختصون أن هذه العادات والتقاليد تعكس مدى حرص المجتمع السوري على المحافظة على هويته الثقافية والروابط الأسرية، فهي لا تقتصر على الاحتفال بالمولود، بل تعمل أيضاً كإطار اجتماعي يربط بين الأجيال وينقل القيم والتقاليد، كما تعكس المكانة الرمزية للطفل داخل الأسرة وتشجع على التفاعل والمشاركة بين أفراد العائلة والمجتمع المحيط، مما يجعل قدوم الطفل مناسبة تجمع بين البعد الشخصي والعائلي والمجتمعي في آن واحد.
٣٠ مارس ٢٠٢٦
تشتكي العديد من النساء السوريات من تعرضهن لسلسلة من العقبات الاجتماعية والعائلية بعد الطلاق، حيث وجدن أنفسهن أمام نظرات قاسية وأحكام مسبقة من المحيطين بهن، ما أثر على حالتهن النفسية وعلاقتهن بالآخرين، فبعضهن استسلم لهذه الضغوط، بينما عملت أخريات على البحث عن طرق لإعادة بناء حياتهن واستعادة ثقتهن بأنفسهن.
غالباً ما تنبع هذه التحديات من عدة عوامل، أبرزها ربط الطلاق بسلوك المرأة وتحميلها مسؤولية الانفصال، إذ تُنتقد بأنها لم تصبر على الظروف التي واجهتها وأنها اختارت إنهاء العلاقة الزوجية بدل محاولة تصحيح الأمور، كما يتدخل المجتمع المحيط في حياة المطلقة وقراراتها اليومية، فيصبح الطلاق ذريعة لتبرير أي سلوك يُفرض عليها أو يُنتقدها عليه، حتى في الأمور التي لا ترغب بالقيام بها.
تقول سلمى بيوش، 33 عاماً، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها أمضت عشر سنوات مع زوجها الذي كان يعتمد الضرب المبرح وسيلة للتعامل معها لأتفه الأسباب، وكثيراً ما كانت تلجأ إلى منزل أهلها، ليعيدها زوجها بعد وعود متكررة بتغيير سلوكه، إلا أنه لم يلتزم بذلك طوال تلك السنوات.
وتضيف أنها لم تعد تتحمل العيش تحت هذا الضغط فقررت الطلاق، لكنها سرعان ما واجهت تحديات جديدة، إذ صار إخوتها يتدخلون في تفاصيل حياتها اليومية ويفرضون قيوداً عليها، بينما يتحدث بعض الناس عنها بسلبية ويحملونها مسؤولية ما حصل، ما زاد من الضغوط النفسية عليها.
تعود الصعوبات التي تواجهها النساء بعد الطلاق إلى عدة عوامل، أبرزها العادات والتقاليد المجتمعية، إذ ينظر البعض إلى الطلاق على أنه وصمة ويحمل المرأة مسؤولية الانفصال حتى لو لم تكن السبب، كما تخشى بعض العائلات على سمعة الأسرة وتأثير طلاق الابنة على فرص زواج الأخريات أو على صورتها أمام المجتمع.
وفي بعض الحالات، تضطر المرأة إلى التنازل عن أطفالها، مما قد يُظهرها للبعض كأنها تخلت عنهم، في حين يعود السبب غالباً إلى غياب الدعم المالي، أو لارتباط الطلاق بشروط محددة من الزوج، أو لعدم توفر مسكن مستقل، ويزيد غياب الاستقلال المالي من اعتماد المرأة على أسرتها، ما يضاعف شعورها بالضغط والمعاناة.
تروي جليلة إسماعيل، 30 عاماً، أنه بعد طلاقها وعودتها إلى منزل أسرتها، واجهت معاملة قاسية من زوجة والدها، التي كانت مستاءة من وجودها، فبدأت تحرض والدها وإخوتها ضدها، ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ كانت تُكلف جليلة بأعمال المنزل كاملة دون أي مساعدة، وتتعرض يومياً لكلمات مؤذية، متهمةً إياها بأن طلاقها شوه صورة العائلة أمام الآخرين.
وتضيف جليلة أن هذه الضغوط والمعاملة القاسية دفعتها إلى الموافقة على أول خاطب تقدم لها، رغم أنها لم تكن ترغب في الزواج مرة ثانية، فقط لتجد مخرجاً يخفف من معاناتها اليومية ويحرّرها من الأجواء الصعبة التي كانت تعيشها في منزل أسرتها.
يشير أخصائيون نفسيون إلى أن المعاملة القاسية والضغوط اليومية التي تتعرض لها المرأة المطلقة تؤثر بشكل كبير على حالتها النفسية، فتولد لديها توتراً مستمراً وقلقاً شديداً نتيجة الكلمات المؤذية والشعور بعدم وجود دعم من الأسرة أو المجتمع، كما تؤدي الاتهامات المستمرة بأنها شوهت صورة العائلة أو أنها السبب في فشل الزواج إلى تراجع ثقتها بنفسها وتشكيكها في قدرتها على اتخاذ القرارات، كما يضاعف غياب الدعم العاطفي شعورها بالعزلة والوحدة ويزيد من معاناتها النفسية.
تقول نور محمد، عاملة دعم نفسي مع إحدى المنظمات الإنسانية، في حديث لـ شبكة شام، إن السيدة المطلقة بإمكانها مواجهة الصعوبات التي تعترض طريقها من خلال البحث عن مصادر دعم متنوعة، مثل إيجاد فرصة عمل مناسبة تتماشى مع العادات والتقاليد المجتمعية، مما يمكّنها من الاعتماد على نفسها وتحقيق الاستقلال المالي ويشغل وقتها بما يقلل شعورها بالوحدة.
كما تنصح السيدات بتعلم مهنة أو المشاركة في تدريبات وأنشطة تعزز خبراتها، إلى جانب التواصل مع أشخاص داعمين من العائلة والمجتمع، مع ضرورة عدم الاستسلام للكلام السلبي أو الانتقادات، والاستعانة بالاختصاصيين النفسيين والمستشارين عند الحاجة.
وتنوه نور محمد أن مهمة تجاوز المصاعب والتجارب القاسية تقع على عاتق السيدات المطلقات أنفسهن، لكنها في الوقت ذاته تتطلب دعماً من الأسرة والمجتمع المحيط، مشيرة إلى أن العديد من النساء نجحن بعد الطلاق في مواجهة هذه التحديات وبناء تجارب جديدة، وتمكنَّ من تحقيق تغيير إيجابي في حياتهن.
يؤكد أخصائيون نفسيون أن دعم المرأة المطلقة بعد الطلاق يجب أن يكون متعدد الجوانب، ليس فقط على مستوى الاعتماد على النفس، بل يشمل التوعية المجتمعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، موضحين أن الحلول تشمل تنظيم برامج توعية لتغيير النظرة السلبية تجاه المطلقات، وإنشاء مجموعات دعم نسائية لتبادل الخبرات وتقديم الدعم النفسي، بالإضافة إلى توفير ورش عمل ودورات تدريبية لتطوير المهارات الحياتية والمالية.
ويضيف الخبراء أن تقديم استشارات قانونية ونفسية مجانية، ودعم متابعة تعليم الأبناء، يمثل خطوة مهمة لتخفيف الضغط النفسي على المرأة، إلى جانب توجيه المجتمع والأسرة نحو احترام قرارات المرأة وعدم تحميلها تبعات الطلاق، مما يسهم في تعزيز ثقتها بنفسها وقدرتها على إعادة بناء حياتها بشكل سليم ومستقل.
لا تقل التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجهها المرأة بعد الطلاق قسوة عن تجربة الزواج الفاشل، وتتطلب مواجهتها، بحسب الأخصائيين، الاستفادة من الدعم الأسري والمجتمعي، والحصول على الإرشاد النفسي عند الحاجة، إلى جانب العمل على تحقيق الاستقلال المالي وإعادة تنظيم حياتها بما يعزز قدراتها على التعامل مع الضغوط اليومية واتخاذ قراراتها الشخصية بشكل مستقل.
٢٩ مارس ٢٠٢٦
تتميّز الخطوبة التقليدية في سوريا بجملة من العادات والتقاليد التي تحرص العائلات على الالتزام بها، وتُعدّ الرؤية الشرعية من أبرز مراحلها، إذ تمثّل اللقاء الأول بين الشاب والفتاة قبل إتمام الخطبة بشكل رسمي، تمهيداً لاتخاذ قرار الارتباط.
وغالباً ما تُرتّب هذه الجلسة بعد أن تكون والدة الشاب أو شقيقاته قد شاهدن الفتاة مسبقاً وأبدين موافقتهن المبدئية عليها، في حين تكون الفتاة قد اطّلعت على مواصفات الشاب وسمعته، فيجري اللقاء بحضور والد الفتاة ووالدتها وعدد من أفراد أسرتها، في أجواء عائلية تهدف إلى التعارف واتخاذ قرار أولي بشأن المضي في الخطبة.
وترتبط جلسة الرؤية الشرعية بعدد من الشروط التي تحكمها دينياً واجتماعياً، في مقدّمتها وجود نية جدّية للزواج ودراسة إمكانية الارتباط، لا أن تكون بدافع الفضول أو التعارف العابر، كما تُجرى الرؤية عادة بحضور أحد المحارم أو أفراد العائلة، إذ لا تقبل معظم العائلات أن يجلس الشاب والفتاة بمفردهما، وإن كانت بعض الأسر تسمح بحديث منفرد بينهما لفترة قصيرة، على أن يكون ذلك تحت إشرافها أو في مكان قريب من المنزل وتحت أنظارها.
ويُفترض أن يقتصر نظر الخاطب على القدر المباح شرعاً، وأن تظهر الفتاة بمظهرها المعتاد دون مبالغة في الزينة، حتى يكون القرار مبنياً على صورة واقعية، كما يُتاح للطرفين التحاور ضمن حدود الأدب والاحترام، وطرح أسئلة تتعلق بالجوانب الأساسية للحياة والتوقعات المستقبلية، في إطار رسمي وبحضور الأسرة.
وفي حال أبدى الشاب إعجابه بالفتاة بعد جلسة الرؤية الشرعية، ينتقل الأمر إلى مرحلة أكثر رسمية، حيث يتقدّم بطلب يدها للزواج من أسرتها، وقد يتم ذلك في جلسة لاحقة تُرتّب خصيصاً لهذا الغرض، أو في بعض الحالات خلال اللقاء ذاته إذا كان الانطباع إيجابياً لدى الطرفين، ما يمهّد لإعلان الخطبة بشكل رسمي.
وتحرص بعض العائلات في سوريا على التعبير عن إعجابها بالفتاة في نفس جلسة الرؤية الشرعية، من خلال عبارات متعارف عليها تحمل دلالات القبول، مثل قول والدة الشاب أو إحدى قريباته: "البنت من حصتنا" وغيرها من العبارات التي تشير إلى رغبة العائلة في المضي قدماً في إجراءات الخطبة.
كما يلجأ بعض الشباب إلى تقديم هدية خلال الجلسة فيما يُعرف بـ"حق الشوفة"، حيث يوضع مبلغ مالي في صينية القهوة أو هدية رمزية أو ثمينة تعبيراً عن إعجاب الشاب بالفتاة، فإذا كانت الفتاة موافقة على الارتباط، تحتفظ بالهدية، أما في حال عدم رغبتها في إتمام الزواج، فتُعيدها إليه في إشارة مهذبة إلى الرفض.
وبعد أن يعلن كلٌّ من الطرفين موافقته على الآخر، تنتقل العائلتان إلى مناقشة الإجراءات التالية: مثل تحديد قيمة المهر، والاتفاق على موعد الخطبة أو عقد القران، إضافة إلى الترتيبات المرتبطة بالسكن وتفاصيل حفل الزفاف وغيرها من الجوانب التنظيمية التي تسبق إتمام الزواج بشكل رسمي.
تروى رنا المصطفى، 25 عاماً من مدينة إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أنه عندما خطبها زوجها ضمن خطبة تقليدية، وخلال اللقاء الأول، الذي حضره والدها ووالدتها والعريس وعائلته، قدمت القهوة للعائلة وجلست معهم، وبعد أن شرب العريس فنجان القهوة، وضع مبلغاً من المال في صينية القهوة، وهو ما فهمته على أنه دلالة على موافقته ورغبته في إتمام الخطوبة والزواج.
وتضيف أنها شعرت بمزيج من الحرج والسعادة أمام أهلها، فحملت الصينية وذهبت إلى المطبخ، مشيرة إلى أنها تعتبر هذه اللحظة ذكرى جميلة من الخطوبة واللقاء الأول مع زوجها، وتحب أن تحكيها لأبنائها مستقبلاً، بل إنها تتباهى بها أحياناً أمام صديقاتها.
وتتباين الآراء حول تقليد "حق الشوفة" في المجتمع، إذ يرى البعض أنه يشكّل نوعاً من التكريم للفتاة وعائلتها ومبادرة لطيفة لإدخال الفرح إلى قلبها وإظهار جدية الشاب في الارتباط، كما يُنظر إليه على أنه عربون للموافقة.
في المقابل، يعتبر آخرون أنه قد يتحول إلى عبء إضافي على الشاب، خاصة في ظل الأوضاع المادية الصعبة، ولا سيما عندما تتنافس بعض العائلات في قيمة الهدية أو شكلها لإظهار مكانتها الاجتماعية، كما تعترض بعض الفتيات على هذه العادة، معتبرات أن ربط الهدية بالموافقة قد يضعهن تحت ضغط اجتماعي، ويرفضن أن يُحكم عليهن أو يُتخذ قرار الارتباط بناءً على الانطباع الأول أو المظهر الخارجي فقط.
في بعض الحالات تُختصر العادات التقليدية مثل الرؤية الشرعية، خصوصاً عندما يكون الشاب والفتاة على معرفة مسبقة، أو تربطهما صلة قرابة، أو تتقارب ظروفهما الاجتماعية مثل العيش في نفس الحي أو العمل في نفس المكان، فيتقدم الشاب مباشرة لأهل الفتاة، وينتظر موافقتهم قبل المضي في إجراءات الخطوبة، ويشمل هذا الإطار حالات الزواج عن حب والزواج غير التقليدي، حيث تُستبدل بعض المراحل التقليدية بما يتناسب مع ظروف الطرفين ورغباتهما الشخصية.
خلال سنوات الثورة السورية، ومع سفر العديد من الشباب خارج البلاد ورغبة عائلاتهم في تزويجهم فتيات من نفس الوسط المحيط، أصبح من الشائع إجراء الرؤية الشرعية عن بُعد، سواء عبر مكالمات الفيديو أو تبادل الصور أحياناً.
وفي بعض الحالات، يتواصل الطرفان عبر الهاتف قبل أي إجراءات رسمية للموافقة على الخطبة، ما أتاح لهما التعارف ضمن حدود الضوابط التقليدية رغم البعد الجغرافي، وقد امتد هذا التكيف ليشمل أحياناً إجراءات عقد القران، حيث ينوب عن الشاب أحد المحارم لإتمام العقد، على أن تسافر الفتاة لاحقاً للعيش مع زوجها.
وتبقى الرؤية الشرعية جزءاً من الزواج التقليدي السوري، إذ تتيح للشاب والفتاة التعرف على بعضهما ضمن حدود العائلة، لكنها قد تُختصر أو تُلغى في حالات الزواج عن حب أو عندما يكون الطرفان على معرفة مسبقة، كما ساهمت الظروف الحديثة، مثل سفر الشباب أو البعد الجغرافي، في انتقال الرؤية الشرعية أحياناً إلى تطبيقات التواصل، مع الحفاظ على إطار ضوابط العائلة.
٢٩ مارس ٢٠٢٦
تُعد علاقات الجيرة من أبرز الروابط الاجتماعية في سوريا، إذ لا تقتصر الصلة بين الجيران على التحية والاحترام والتعارف، بل تشمل مساندة بعضهم البعض، وتقديم الدعم المادي والمعنوي عند الحاجة، والمشاركة في شؤون الحياة اليومية بحلوها ومرها، ما يعكس عمق الترابط والتضامن بين الأفراد داخل الحي أو المنطقة الواحدة.
في هذا السياق، يعير السوريون اهتماماً كبيراً بسلوك وسمعة الجيران قبل الانتقال إلى أي حي أو منزل جديد، مسترشدين بالمثل الشعبي القديم "الجار قبل الدار"، الذي يؤكد أن معرفة الجيران لا تقل أهمية عن مواصفات السكن نفسه، لأن العلاقات معهم تؤثر مباشرة على حياتهم اليومية من الناحية الإيجابية أو السلبية، خاصة أنهم سوف يحتكون معهم بشكل متكرر.
أحياناً يكون الفرد بعيداً عن عائلته وأقاربه بسبب العمل أو ظروف الحياة المختلفة، ومن الطبيعي أن يواجه تحديات متعددة قد تخف وطأتها أو تزول تماماً حين يحظى بجيران ودودين ومحبين يهتمون به ويساعدونه عند تعرضه لأي ظرف، ما يساهم في ملء الفراغ الناتج عن غيابه عن أهله، وهو ما يعكس ثقة السوريين بمثلهم الشائع: "جارك القريب أفضل من شقيقك البعيد".
يمضي الجيران أوقاتاً طويلة معاً نظراً للقرب المكاني، حيث يتبادلون الأحاديث والهموم والقصص، ويقدمون الاستشارات والنصائح، كما يقضون لحظات ترفيهية تخفف عنهم الضغوط النفسية الناتجة عن مشكلات الحياة اليومية والتزاماتها.
يتجلّى الدعم بين الرجال في أوجه عملية متعددة، منها المساعدة في البناء والترميم والزراعة ونقل الأغراض، والمشاركة في حماية الحي وصيانة الممتلكات المشتركة، والمساهمة في حل النزاعات، إلى جانب تقديم الدعم عند الضائقات المالية ومساندة بعضهم في مختلف الظروف، ما يعكس روح التعاون والتكافل ويقوّي روابط الأمان الاجتماعي في الحي.
كما تتعاون السيدات داخل الحي أو المبنى في مختلف الظروف والمناسبات، فعند ولادة إحداهن أو تعرضها لطارئ مرضي، على سبيل المثال، تبادر جاراتها إلى الاهتمام بها، فيساعدن في تنظيف المنزل وإعداد الطعام والاعتناء بأطفالها الآخرين والاطمئنان عليها حتى تتعافى.
ويساعدن بعضهن بعضاً في التحضير للمناسبات الاجتماعية كحفلات الزفاف أو الخطوبة، وفي إعداد الموائد والطهي وغير ذلك من التجهيزات، كما تلجأ بعض الموظفات إلى ترك أطفالهن لدى جارات موثوقات أثناء غيابهن عن المنزل، ما يعكس وجود شبكة دعم متبادلة تخفف الأعباء اليومية وتعزز روح المساندة بين الجيران.
خلال سنوات الثورة السورية، اضطر آلاف السوريين إلى النزوح من قراهم ومدنهم نتيجة القصف والمعارك وسيطرة قوات النظام على مناطقهم، فاتجه بعضهم إلى مناطق أخرى داخل البلاد، سواء إلى مخيمات أو قرى أو مدن أكثر أماناً، فيما فضّل آخرون الهجرة إلى خارج سوريا بحثاً عن ظروف معيشية أفضل ومستقبل أكثر استقراراً.
وأثناء فترة النزوح الطويلة، بنى السوريون علاقات جيرة جديدة مع أشخاص قد يختلفون معهم في العادات والتقاليد وطريقة التفكير، إلا أنهم اجتمعوا على المحبة ومشاعر الأخوّة والرغبة في إنشاء روابط قائمة على المساندة والمشاركة، ما أتاح تبادلاً للثقافات والأفكار في مختلف جوانب الحياة.
ومن الأمثلة على تبادل الثقافات والأفكار بين الجيران، تعرفت العائلات على عادات غذائية وأنماط معيشة جديدة، إذ اطلعت كل عائلة على الأطباق وعادات الطهي وأساليب حفظ الطعام التي اعتادت عليها العائلات الأخرى، وشاركت بعضها تجاربها الخاصة في إدارة المنزل وتنظيمه.
كما تبادل الجيران خبراتهم حول التأقلم مع ظروف النزوح، والتعامل مع فقدان العمل، وإدارة الموارد المحدودة، وتعرّف كل طرف على تقاليد الطرف الآخر في المناسبات والأعراس والطقوس الاجتماعية.
جعلت العلاقات القوية والدعم المتبادل بين الجيران خلال سنوات النزوح عودة السوريين إلى مناطقهم الأصلية بعد تحرير البلاد لحظات مختلطة بين الفرح والألم، فالبعض شعر بالحزن لفراق الجيران الذين اعتاد عليهم خلال سنوات الغربة، وتمنوا لو أمكنهم العودة معهم إلى نفس الأماكن، لكن ذلك أمر غير ممكن.
انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات تظهر بكاء الأطفال عند مغادرتهم الأماكن التي اعتادوا عليها، ووداع أشخاص سوريين لجيرانهم، حاملةً مشاعر الحزن والدموع، وتعكس عمق التأثير العاطفي لهذه العلاقات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مصوراً لسيدة أردنية زارت بلدة الحراك في ريف درعا كي تلتقي بعائلة سورية كانت تجاورها خلال فترة تواجدهم في الأردن، وقالت معبرة عن تعلقها بهم: "ما قدرت على فراقكم، الحقتكم على السريع".
تقول سمر عدنان، أم لأربعة أطفال من إحدى بلدات ريف دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها خلال سنوات النزوح أقامت في مخيم في بلدة كفرلوسين بريف إدلب الشمالي حيث تعرفت على جارات من مناطق مختلفة، من ريف إدلب وريف حلب، وكانت تتبادل معهن القصص والذكريات وتمضي أوقاتاً ممتعة بعد الانتهاء من أعمال المنزل من تنظيف وطهي.
وتضيف أن هؤلاء الجارات كن بالنسبة لها أكثر من أخوات إذ وقفن إلى جانبها في لحظات المرض والولادة والحزن والفرح، وحتى بعد عودة كل واحدة منهن إلى مسقط رأسها بعد التحرير، ما زلن يتواصلن مع بعضهن البعض باستمرار.
يعكس حرص السوريين على الحفاظ على علاقات الجيرة قوة الروابط بين الأفراد والمجتمع، لا سيما أن الجيران يتعاونون مع بعضهم في مواجهة الأزمات اليومية ويقدمون الدعم في مختلف الظروف، مما يعزز الشعور بالانتماء والهوية الجماعية.
كما يظهر نجاحهم في إقامة صلات وثيقة مع جيران جدد بعد النزوح والغربة مدى قدرتهم على التكيف مع الظروف المتغيرة، إذ تمكنوا من بناء شبكات دعم متينة رغم اختلاف الخلفيات والبيئات، وهو ما يدل على حرصهم على استمرار الروابط المجتمعية وتعزيز التواصل مع الآخرين.
وفي الوقت ذاته، تدل هذه العلاقات على سعي السوريين للحصول على الأمان الاجتماعي والنفسي عبر الجيران الموثوقين، الذين يشكلون شبكة دعم تساعد في تخفيف شعور الوحدة أو العزلة، خصوصاً في الأوقات الصعبة مثل المرض، فقدان أحد أفراد الأسرة، أو الأزمات الاقتصادية.
تُعتبر العلاقات الاجتماعية التي تنشأ مع الجيران من أبرز الروابط التي يحافظ عليها السوريون في حياتهم اليومية، إذ تمنح الفرد فوائد متعددة تشمل التعارف وتبادل الخبرات والاستفادة المتبادلة، كما توفر هذه العلاقات ملجأ يمكن للفرد أن يجد فيه الدعم والحماية في مختلف الظروف، سواء في أوقات الفرح أو الحزن، بما يعكس الدور الحيوي للجيرة في تعزيز التضامن الاجتماعي والشعور بالأمان ضمن المجتمع.