مجتمع
٢٣ مارس ٢٠٢٦
نساء يحولن الخيام والمساكن المؤقتة إلى مساحات مرتبة وجميلة لمواجهة قسوة النزوح

لم تستسلم كثير من النساء السوريات لظروف النزوح القاسية والعيش في مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، بل سعين إلى تحسينها وجعلها أكثر ملاءمة للعيش، من خلال ترتيبها وتزيينها، في محاولة لإضفاء مظهر مريح يساعد على توفير قدر من الشعور بالأمان والاستقرار لأفراد الأسرة.

في مخيمات شمالي غربي سوريا، توجد خيام وكرفانات وغيرها من المساكن المؤقتة التي تلفت الانتباه بترتيب الأغراض داخلها بعناية وتزيينها بلمسات بسيطة، ما يعكس ذوق صاحباتها وأناقتهن رغم ظروف النزوح القاسية.

في هذا السياق، تقول ربى رزوق، نازحة مقيمة في مخيم ببلدة دير حسان بريف إدلب الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه خلال فترة النزوح اشترى زوجها منزلاً مسقوفاً بشادر، مكوناً من غرفة صغيرة مع مطبخ، وتلفت إلى أن الجميع كانوا يعتقدون أنه لا يمكن العيش فيها.

تضيف أنه قبل الانتقال إليها قام زوجها بدهان الجدران بينما نظفت هي المكان بعناية، وأضافت لمساتها الخاصة بشراء ملصقات على شكل قلوب ملونة ووضعها على الجدران، وتركيب رفوف خشبية وضعت عليها مصحفاً ومزهرية، وتغطية الشباك بستارة بيضاء مع خيوط مذهبة، وفي كل زاوية وضعت باقة ورد اصطناعية تربط بينها بخيوط زينة، مؤكدة أنه بعد الانتهاء من ترتيب المكان لم يصدق أحد أنه نفس المنزل.

عادة ما تتوجه النساء لشراء أدوات التنظيف ومستلزمات الزينة والورود الاصطناعية والإكسسوارات بجميع أنواعها من الأسواق الشعبية التي تقام أسبوعيًا في المخيمات، حيث تعرض البسطات مجموعة واسعة من البضائع بأسعار مناسبة، لتتمكن من تجهيز مساكنهن المؤقتة وترتيبها بشكل لائق.

لم تقتصر جهود النساء على ترتيب وتزيين المساكن المؤقتة، بل امتدت لتشمل زراعة نباتات متنوعة حولها لإضفاء جمالية وحيوية أكبر، مثل الحبق والياسمين والورد الجوري والقرنفل وعطر الليل وغيرها، التي تضيف رائحة عطرية منعشة تساعد على تحسين المزاج وتخفيف شعور التوتر.

كما تتجاوز فائدة هذه المزروعات الشكل والجمال، فهي تساعد على تحسين جودة الهواء وإضفاء شعور بالانتعاش، كما تعمل رائحتها الطبيعية على تهدئة الأعصاب، ما يجعل البيئة المحيطة أكثر راحة وملاءمة للحياة اليومية.

ويشير هذا السلوك إلى دوافع عدة، أبرزها شغف النساء بالنظافة والتنسيق، ورغبتهن في الحفاظ على صورة العائلة أمام الضيوف، وإدراكهن أن المكان المرتب يعزز الشعور بالراحة النفسية، إضافة إلى السعي لتوفير شعور بالاستقرار والأمان لأفراد الأسرة، كما أن هذه الممارسات تساهم في ترسيخ القيم الاجتماعية التي تربط بين نظافة المنزل وشخصية ربة المنزل.

ويعكس ترتيب المساكن المؤقتة آثاراً إيجابية واسعة، حيث يقلل من شعور التوتر وتحسين المزاج العام للأسرة، كما تمنح الأطفال إحساساً أكبر بالاستقرار النفسي، إلى جانب نشر سلوكيات إيجابية في الأوساط المحيطة، إذ تشكّل النساء في كثير من الأحيان نموذجاً يُحتذى به، ما يدفع عائلات أخرى إلى الاهتمام بترتيب خيامها وتحسينها، ويخلق أحياناً نوعاً من المنافسة الإيجابية التي تدفع الجميع إلى الحفاظ على نظافة مساكنهم ومظهرها أمام الجيران والزوار.

يؤكد أخصائيون أن هذه الممارسات تندرج ضمن الأساليب التي يعتمدها النازحون لتحسين نوعية حياتهم النفسية والاجتماعية داخل المخيمات، إذ تُظهر أبحاث في علم النفس الاجتماعي أن محاولة ترتيب وتحسين البيئة المحيطة، حتى وإن كانت خيمة أو كرفاناً، تُعد من أشكال التكيف مع النزوح والصدمات، لأنها تمنح الفرد إحساساً بالسيطرة على جزء من حياته وتساعد في الحد من التوتر المزمن.

وتحمل هذه المبادرات دلالات رمزية عدة، أبرزها قدرة النساء السوريات على مواجهة الظروف القاسية والتكيف مع الواقع والموارد المتاحة دون الاستسلام، إلى جانب حرصهن على رعاية أسرهن والسعي إلى توفير أجواء من الاستقرار داخل المساكن المؤقتة.

وتسهم هذه الجهود في خلق بيئة نظيفة ومريحة بصرياً تنعكس إيجاباً على مزاج أفراد الأسرة وتمنحهم شعوراً أكبر بالراحة والطمأنينة، كما تعكس في الوقت ذاته ارتباط الترتيب والأناقة بالهوية الشخصية والثقافة الاجتماعية، وهو سلوك يستمر حتى مع تراجع الإمكانيات إلى الحد الأدنى.

اقرأ المزيد
٢٣ مارس ٢٠٢٦
ضعف التحصيل الدراسي في الصف: كيف يساهم المعلم والأسرة في دعمه..؟

يواجه المعلم عادة طلاباً ضعيفي المستوى في مادة ما أو في عدة مواد، فتكون مشاركتهم محدودة وعلاماتهم منخفضة، ما يؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي، فيلجأ إلى استراتيجيات تعليمية تهدف إلى معرفة سبب هذا الضعف ومعالجته بالطريقة المناسبة لضمان دعم تحسن مستواهم العلمي.

يعود تدني تحصيل الطلاب في مادة ما أو أكثر إلى عدة عوامل، منها ما قد يتعلق بالمعلم نفسه وطريقة تدريسه أو بأسلوب تعامله مع الطلاب، وربما يكون السبب مرتبط بالمادة الدراسية، وفي أحيان أخرى بمدى اهتمام الطالب في دراسته ورغبته في التحسن والحصول على علامات أفضل.

في هذا السياق، يقول ساري الرحمون، أمين سر في مدرسة ثانوية تلمنس للبنين في حديثه لشبكة شام الإخبارية، إن عدداً من الطلاب يعانون من ضعف في مواد معينة، وبعضهم في أكثر من مادة، لأسباب متعددة، أبرزها ظروف الحرب وانقطاع بعض الطلاب عن الدراسة لفترات متقطعة قد تطول أحياناً، بالإضافة إلى دراسة قسم منهم في دول غير عربية مثل تركيا ودول أوروبية، ما أثر سلباً بشكل كبير على تحصيلهم في مادة اللغة العربية على وجه الخصوص.

ويضيف، أن ميول الطالب نحو مادة معينة أكثر من غيرها تلعب دوراً في تحصيله إلى جانب قلة متابعة بعض الأهالي لأبنائهم دراسياً، وضعف أداء بعض المدرسين في مواد محددة ما ينعكس بشكل سلبي على الطلاب، مؤكداً أن هذه العوامل وغيرها أسهمت في تدني مستوى بعض الطلاب.

تروي ريهام، طالبة في الصف الثامن، لـ شام تجربة وصفتها بالقاسية حصلت معها ذات مرة في المدرسة، مشيرة إلى أن مدرس مادة الجغرافيا كان عصبياً وأسلوبه في تقديم الدروس يفتقر إلى الحيوية، مشيرة إلى أنه أحرجها ذات مرة أمام زملائها بسبب سؤال طرحته حول درس معين، واصفاً إياه بالسخيف، مما جعلها تمتنع عن طرح أي أسئلة لاحقاً، وتلجأ إلى الإنترنت أو زملائها للحصول على الإجابات، كما توقفت عن المشاركة في الحصص وتجنب الحديث مع المعلم.

غالباً ما يفضي ضعف الطلاب في المواد الدراسية إلى سلسلة من التأثيرات السلبية، أبرزها تراجع التحصيل الأكاديمي العام وانخفاض المعدل، إلى جانب شعور الطالب بالإحباط وتراجع ثقته بنفسه، ما ينعكس على سلوكه ومشاركته في الصف، حيث يصبح أقل نشاطاً خلال الحصص مقارنة ببقية زملائه، ويضطر المعلم في المقابل إلى تخصيص وقت إضافي واتباع استراتيجيات تعليمية لدعم هؤلاء الطلاب وتحسين أدائهم.

وفي إطار الحلول، يقترح الرحمون مجموعة من الاستراتيجيات للتعامل مع هذه الحالات، تشمل تفعيل حصص التعليم التعويضي للطلاب الذين أظهر سبرهم للمواد الأساسية حاجة إلى دعم، لتعويض النقص والضعف لديهم، إلى جانب إنشاء مراكز تعليمية خاصة بالطلاب العائدين من خارج سوريا، تقدم لهم دروساً مركزة تسد الفجوات وتساعدهم على اللحاق بمستوى زملائهم.

ويؤكد أيضاً على أهمية دعم المدارس باللوجستيات والوسائل التعليمية المناسبة، لما لذلك من أثر في تعزيز قدرة المعلم على الشرح وزيادة فهم الطلاب للمادة، منوّهاً إلى ضرورة أن تكون الاختبارات ضمن المنهاج، مع توصية إدارة المدرسة للمدرسين بمراعاة وضع هؤلاء الطلاب وتطبيق سلم تصحيح درجات مرن يتناسب مع احتياجاتهم.

ووجه الرحمون نصيحة لأهالي الطلاب بالتركيز على مواد الضعف من خلال تعليم أبنائهم في المنزل ومتابعة واجباتهم والتعاون مع المعلم، مشيراً إلى أن الأسر القادرة مادياً يمكنها توفير دروس خاصة لأبنائها أو الالتحاق بدورات تعليمية لتعويض النقص وتحسين مستواهم.

تؤكد منار زيدان، أم لثلاثة أطفال في مدينة الدانا بريف إدلب الشمالي، في حديثها لـ«شام»، أن تعامل المعلم مع الطلاب يكون غالباً سبباً في تعلق الطالب بالمادة أو نفوره منها، فالمعاملة اللطيفة تشجعهم على الاهتمام والمشاركة، والعكس صحيح.

وتوضح أن ابنتها تميل إلى مادة اللغة العربية أكثر من غيرها، نظراً لحرص المعلمة على التعامل مع التلاميذ وكأنهم أبنائها، ما يجعل الابنة تنتبه لترتيب دفترها، والالتزام بواجباتها، والسعي للحصول على العلامة الكاملة، مع المحافظة على هدوئها خلال الدرس.

ويشير أخصائيون نفسيون إلى أن انجذاب الطلاب أو نفورهم من مادة معينة غالباً ما يرتبط بعلاقة الطالب بالمعلم وطبيعة بيئة الصف، موضحين أن المعاملة الإيجابية والتشجيع المستمر يعززان الدافعية والتحصيل الدراسي، بينما يؤدي الأسلوب القاسي أو الإهمال إلى انخفاض التركيز وتراجع الثقة بالنفس وظهور مشاعر الإحباط والفشل، ويؤكدوا أن إدراك المعلم لأسباب ضعفش الطلاب والعمل على تقديم الدعم المناسب يسهم بشكل كبير في تحسين مستوى الأداء والتحصيل العام.

يعد ضعف الطلاب في مادة دراسية أو أكثر أحد التحديات البارزة التي يتعرض لها المعلم خلال مسيرته المهنية في مجال التعليم، إذ يؤثر على المستوى العام للطالب ويدفع المعلم للبحث عن أساليب واستراتيجيات فعالة تعزز فهم الطالب وتعالج قصوره تضمن تقدمه الدراسي.

اقرأ المزيد
٢٣ مارس ٢٠٢٦
أعياد "المعلم والفطر والأم": ثلاث مناسبات متقاربة تعيد إبراز رسوخ العادات الاجتماعية في سوريا

يتميّز المجتمع السوري بتمسكه بعادات اجتماعية راسخة ترتبط بالمناسبات المختلفة، إذ تهدف هذه التقاليد إلى تنظيم شؤون الحياة اليومية وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع، إلى جانب إبراز هوية ثقافية واجتماعية متجذّرة في الوعي الجمعي.

وشهدت الفترة الأخيرة تزامن ثلاث مناسبات متقاربة في سوريا، تمثلت في عيد المعلم، تلاه عيد الفطر بما يحمله من طقوس وزيارات، ثم عيد الأم، حيث تحمل كل مناسبة التزاماتها الخاصة على المستويين المادي والمعنوي.

خلال عيد المعلم، اعتادت العديد من العائلات تقديم هدايا لمعلمي أبنائها تعبيراً عن الامتنان لدورهم في تعليم الأطفال ورعايتهم، إلا أن هذه العادة قد تشكل تحدياً للأهالي، خاصة في حال وجود أكثر من مدرس لكل طفل، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، في المقابل، يرى كثير من المعلمين أن أفضل تقدير يمكن أن يُقدَّم لهم يتمثل في تحسن مستوى الطلاب واهتمامهم بدروسهم، دون الحاجة إلى هدايا مادية.

وينطبق الأمر ذاته على عيد الأم، حيث يتوقع من الأبناء زيارة والداتهم وتقديم الهدايا لهن، إضافة إلى تكريم الحماة أو الأمهات الأخريات في العائلة، وهو ما قد يضع بعض الأشخاص أمام أعباء مالية إضافية، خصوصاً عندما يصعب عليهم شراء هدايا للجميع، ما قد يعرّضهم أحياناً لانتقادات أو عتب من بعض أفراد الأسرة، رغم تفهم آخرين لظروفهم.

أما عيد الفطر، فيرتبط بدوره بسلسلة من الطقوس الاجتماعية، أبرزها الزيارات العائلية وتبادل التهاني، وهي ممارسات تعزز الترابط الأسري، لكنها قد تصبح مرهقة في حال تباعد المسافات أو وجود التزامات عملية أو صحية تحول دون الالتزام بها، ما قد يعرّض الشخص للعتب ببعض الأحيان رغم إدراك المحيطين به لظروفه.

ولا تقتصر التزامات العيد على الزيارات فحسب، بل تشمل أيضاً تقديم "العيديات" للأطفال وأفراد الأسرة، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على من يعانون من ضائقة مالية، وقد يؤدي عدم القدرة على الالتزام بهذه العادة إلى شعور بالحرج أو التقصير.

وأدى تتابع هذه المناسبات في فترة زمنية قصيرة إلى زيادة الضغوط النفسية والمادية على بعض الأسر، إذ يشعر كثيرون بضرورة الاحتفال بكل مناسبة وتأدية ما يرتبط بها من التزامات اجتماعية، حتى وإن تجاوزت إمكاناتهم.

في المقابل، يلجأ بعض الأشخاص إلى حلول بديلة للتعامل مع هذه المناسبات دون تحميل أنفسهم أعباء تفوق قدراتهم، مثل اختيار هدايا بسيطة ذات طابع رمزي، أو الاكتفاء بالمبادرات المعنوية التي تعبّر عن التقدير والمحبة دون تكلفة مالية مرتفعة.

كما يعتمد البعض على وسائل الاتصال الهاتفي للاعتذار عن عدم القدرة على الزيارات خلال عيد الفطر، مع شرح الأسباب، وهو ما يساعد في كثير من الأحيان على تفادي الحرج والحفاظ على العلاقات العائلية.

تقول رنا المحمد، وهي مدرسة تاريخ، إنها كثيراً ما تتلقى في عيد المعلم هدايا متنوعة من طلابها، بعضها بسيط في شكله لكنه يحمل قيمة معنوية كبيرة، مثل باقة ورد من حديقة المنزل أو رسالة مكتوبة بكلمات صادقة وبطاقة شكر تعبّر عن امتنان حقيقي لجهودها.

وتضيف في حديثها لـ«شام» أنها تقدّر كذلك دعوات الأهالي لها وتحسن مستوى طلابها، معتبرة أن هذه المؤشرات تمثل بالنسبة لها أفضل أشكال التكريم، إلى جانب الاتصالات أو الزيارات الودية التي يقوم بها بعض الأهالي إلى المدرسة أو منزلها لشكرها بشكل مباشر.

من جهتها، تؤكد خالدية العلي (55 عاماً)، وهي أم لخمسة أبناء، تقيم في مدينة معرة مصرين بريف إدلب، أنها لا تعير اهتماماً كبيراً للهدايا في عيد الأم، مشيرة إلى أن أكثر ما يسعدها هو الاطمئنان على أبنائها ورؤيتهم مستقرين في حياتهم، مضيفة أن زيارة أو مكالمة هاتفية منهم كافية لإدخال السرور إلى قلبها في أي وقت من العام، وليس في هذه المناسبة فقط.

ويرى مختصون نفسيون أن الضغوط المرتبطة بالعادات الاجتماعية تزداد عندما يشعر الفرد بأنه ملزم بالالتزام بها حتى في حال عدم قدرته على ذلك، ما قد ينعكس في شكل توتر أو شعور بالذنب، ويشيرون إلى أن تعزيز ثقافة تفهّم الظروف الشخصية داخل الأسرة والمجتمع يمكن أن يسهم في تخفيف هذه الضغوط، ويساعد الأفراد على المشاركة في المناسبات بما يتناسب مع إمكاناتهم دون إحراج.

وتظهر هذه الوقائع أن العادات الاجتماعية، رغم دورها في تعزيز الروابط بين الأفراد، قد تتحول في بعض الأحيان إلى التزامات مرهقة، خاصة مع تتابع المناسبات في فترات متقاربة، ما يدفع بعض الأسر إلى البحث عن أساليب أكثر مرونة للتعبير عن التقدير والمحبة بما ينسجم مع ظروفهم الشخصية واقعهم المعيشي.

 

 

اقرأ المزيد
٢٢ مارس ٢٠٢٦
عيد الفطر بين الواقع الرقمي واللقاءات المباشرة في سوريا

تركت التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي أثراً واضحاً في تفاصيل الحياة اليومية في سوريا، ولم يقتصر تأثيرها على مجالات العمل والتواصل فحسب، بل امتدّ ليشمل المناسبات الاجتماعية والدينية، ومنها عيد الفطر، حيث أثرت في طرق استقباله وإحياء طقوسه، وجعلت الاتصال بين الأهل والأصدقاء أسرع وأكثر تنوعاً عبر الوسائط الرقمية.

وفي هذا السياق، تضجّ الهواتف المحمولة خلال أيام العيد بسيل من رسائل التهنئة، بين تسجيلات صوتية وعبارات مكتوبة وصور ومقاطع فيديو للمعايدات، إلى حدٍّ قد يعجز معه البعض عن الرد على جميعها في وقت واحد، لتصبح هذه الوسائل الرقمية أبرز طرق التهاني خلال العيد، مقدّمة ببعض الحالات بديلاً افتراضياً للقاءات المباشرة التي اعتاد عليها السوريون لعقود.

طقوس العيد قديماً

ويبرز هذا التحول الفارق بين ممارسات العيد قديماً وحديثاً، إذ ارتبطت الأعياد في سوريا بطقوس اجتماعية تقليدية قائمة على اللقاءات المباشرة وتبادل التهاني وجهاً لوجه، حيث تبقى البيوت مفتوحة طوال النهار لاستقبال وتوديع وفود من الأقارب والجيران والضيوف، في مشهد يعكس دفء الترابط الاجتماعي وروح المشاركة التي شكلت جزءاً أساسياً من عادات العيد.

تقول مريم العمر، سيدة ستينية تقيم في إدلب، إنها في كل عيد تتذكر الطقوس القديمة، عندما كانت الزيارات تبدأ في الصباح الباكر مباشرة بعد صلاة العيد، وتلتقي العائلات بعضها ببعض لتبادل التهاني ومشاركة فرحة العيد، وتقدّم الأمهات لهم أنواعاً مختلفة من الأطعمة الشعبية والحلويات.

وتضيف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن المعايدات على الهاتف، رغم سرعتها وسهولة إرسالها، لا تحمل الدفء الذي تمنحه اللقاءات المباشرة، ولا تنقل شعور الفرحة ذاته، كما تفتقر إلى التفاعل الشخصي والعمق العاطفي الذي كان يميز الاحتفال التقليدي.

لكن ذلك لا يعني أن اللقاءات المباشرة والزيارات المتبادلة قد ألغيت تماماً، خاصة أن كثير من السوريين ما يزالون يحافظون عليها ويعلّمونها لأبنائهم كعادة اجتماعية متوارثة تعزز صلة الرحم وتوطد الروابط بين الأفراد، عدا عن كونها تعتبر نوع من أنواع البر.

كيف جعلت التكنولوجيا الاحتفال بالعيد أقرب رغم البعد؟

في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الإيجابي الذي قدمته التكنولوجيا للسوريين خلال مناسبات الأعياد، فهناك من يواجهون ظروفاً تمنعهم من إجراء الزيارات العائلية، مثل المقيمين في مدن بعيدة أو الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية، أو من لديهم انشغالات أخرى لا يمكن تأجيلها، ما جعل تطبيقات التواصل وسيلة أساسية لإرسال التهاني والشعور بالمشاركة في أجواء العيد رغم بعد المسافة.

يرى جمال الفياض، مقيم في إحدى مخيمات ريف إدلب الشمالي، أن التطبيقات الرقمية أصبحت بديلاً عملياً للقاءات المباشرة التي تتطلب أجور نقل وجهد سفر، خاصة عندما يكون الشخص مقيمًا في منطقة بعيدة عن عائلته وأقاربه.

ويضيف في حديث لـ شام أن الأمر يزداد صعوبة إذا كان متزوجاً ولديه أسرة ويجب اصطحابهم معه، ما يزيد التكاليف ويجعل التنقل أكثر مشقة، وهو ما دفعه إلى الاكتفاء بإرسال رسالة عبر الموبايل، مشيراً إلى أن أهله في القرية بريف إدلب الجنوبي يتفهمون وضعه ولا يلومونه على ذلك.


منصات التواصل الرقمي ملاذ السوريين في الغربة

في الوقت ذاته، شكّلت منصات التواصل الاجتماعي ملاذاً للسوريين، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي شهدتها البلاد خلال سنوات الثورة، بما في ذلك النزوح والسفر إلى دول أخرى وتشتت العائلات، حيث أصبحت هذه التطبيقات وسيلة أساسية للتواصل مع الأحبة البعيدين وإشعارهم بحضورهم في أجواء العيد رغم بعد المسافة وصعوبة اللقاء المباشر.

يقول إسماعيل جابر، سوري مغترب في ألمانيا، في حديثه مع شبكة شام الإخبارية، إنه في أول يوم من العيد يتصل بوالديه عبر محادثة عبر واتساب، حيث لا يستطيعان كبح دموعهما عند الحديث معه، ما يترك داخله أثراً نفسياً عميقاً، ويتبادل معهم الحديث حول تحضيرات العيد والضيوف وكل التفاصيل اليومية، ليشعر وكأنه يشارك أجواء العيد معهم رغم بعد المسافة.


ويضيف إسماعيل أنه يرد أيضاً على اتصالات أشقائه وشقيقاته ليشاركهم تفاصيل يوم العيد، مؤكداً أن لولا تطبيقات التواصل لمرّ العيد بطريقة أقسى، وكانت الضغوط النفسية على أهله أشدّ، ما يبرز الدور الكبير لهذه التطبيقات في الحفاظ على الروابط الأسرية وإشعار الجميع بحضور العيد.

وسائل التواصل الرقمي لا تحل محل اللقاءات المباشرة

يؤكد الأشخاص الذين التقت بهم شبكة شام الإخبارية أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تغني عن الزيارات العائلية المباشرة، التي تشكل الأساس في الاحتفال بالعيد، إلا أن البعض يضطر إلى الاعتماد عليها كوسيلة لمعايدة الآخرين وتهنئتهم بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية وبعد المسافة، أو أي ظروف أخرى تمنع اللقاء المباشر، ما يجعل هذه الوسائل الرقمية جزءاً مهماً من الاحتفال في غياب القدرة على التواصل وجهاً لوجه.

ويشير المختصون إلى أن اللقاءات المباشرة خلال العيد توفر تفاعلاً عاطفياً فورياً وإمكانية ملاحظة تعابير الوجه ولغة الجسد، كما تعزز الروابط الأسرية والاجتماعية، وتعمل على نقل قيم الترابط الأسري واحترام العادات والتقاليد للأجيال القادمة، مما يمنح الفرحة المشتركة صدقاً ودفئاً لا توفره الرسائل النصية أو مكالمات الفيديو.

بين اللقاءات المباشرة ورسائل الهواتف، يظل عيد الفطر في سوريا مناسبة تجمع بين التقاليد الاجتماعية المتوارثة والابتكار الرقمي، لتعكس قدرة السوريين على الحفاظ على الروابط الأسرية وفرحة العيد رغم بعد المسافات والتحديات.

اقرأ المزيد
٢٢ مارس ٢٠٢٦
عيد الفطر بين الفرح والتحديات الصحية: التوازن الغذائي ضرورة

خلال عيد الفطر، تتغير العادات الغذائية لدى كثير من الأشخاص بشكل مفاجئ، إذ ينتقل الطعام من نظام الصيام المنظم إلى أجواء مليئة بالزيارات والولائم والحلويات، ما يضع الجسم أمام تحدٍ سريع للتكيف مع كميات وأنواع متعددة من الطعام خلال فترة قصيرة.

وفي سوريا، يرتبط العيد ارتباطاً وثيقاً بالزيارات العائلية، حيث يُستقبل الضيوف بالقهوة والحلويات المعدّة خصيصاً للمناسبة مثل الكعك والمعمول وغيرها، ومع كثرة الزيارات يواجه الشخص صعوبة في التحكم بكميات الطعام والحلويات، ما قد يؤدي إلى اضطرابات صحية بعد فترة الصيام الطويلة التي سبقت العيد.

أسباب الإفراط في الطعام خلال العيد

وتعود أسباب عدم الالتزام بالتوازن الغذائي غالباً إلى قلة إدراك أهمية التدرج بعد شهر من الصيام، إذ اعتاد الجسم على نمط محدد من الطعام خلال السحور والإفطار، وفي الوقت ذاته يميل البعض إلى مكافأة أنفسهم بعد فترة الصيام، أو يجدون صعوبة في مقاومة الإغراءات العديدة من الحلويات والأطعمة المتنوعة، ما يجعل الإفراط في الطعام أمراً شائعاً خلال زيارات العيد.

كما أن رفض الضيافة عند زيارة أحد المنازل يعد أمراً غير مستحب وفق العادات والتقاليد السورية، فقد يعتبره أهل البيت تقليلاً من جهودهم أو نوعاً من البخل، ما يضع الزائر في موقف محرج ويزيد من صعوبة التحكم في كميات الطعام المستهلكة.

المخاطر الصحية المرتبطة بالإفراط الغذائي

ويؤكد الأطباء أن الإفراط في تناول الحلويات والأطعمة الدسمة خلال العيد قد يؤدي إلى اضطرابات في الجهاز الهضمي، وارتفاع مستويات السكر في الدم، إضافة إلى شعور بالإرهاق وزيادة مؤقتة في الوزن، كما قد تتفاقم بعض الحالات المزمنة مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم لدى المصابين بها.

ويشيرون إلى أن التغيير المفاجئ في النمط الغذائي بعد شهر الصيام غالباً ما يسبب اضطرابات في الجهاز الهضمي مثل الإمساك، الانتفاخ، المغص، الإسهال المزمن، وأحياناً تشنجات البطن، ما يعكس حاجة الجسم للتدرج في العودة إلى النظام الغذائي المعتاد. 

نصائح الأطباء لتجنب "متلازمة العيد المعوية"

ولتجنب تلك المشكلات، ينصح الأطباء بتجنب الولائم الكبيرة قدر الإمكان، أو في حال حضورها تناول الطعام بطريقة معتدلة، إلى جانب الحد من الحلويات والسكريات، خصوصاً لدى مرضى السكري، والتدرج في مواعيد الوجبات وصولاً إلى النظام اليومي الجديد، مع تجنب الإفراط في شرب القهوة أو التدخين.

وأظهرت دراسة نُشرت عام 2020 في «مجلة التغذية والأيض» (Journal of Nutrition and Metabolism) أن تناول كميات كبيرة فجأة من الكربوهيدرات المكررة والدهون بعد انتهاء فترة الصيام قد يؤدي إلى تقلبات حادة في مستويات السكر بالدم واستجابة الإنسولين، ما يترتب عليه شعور بالخمول والتخمة، وفي بعض الحالات قد ينتج عن ذلك ما يُعرف باسم "متلازمة العيد المعوية".

فرحة الأطفال بالعيد مرتبطة بالحلوى

ويُعد الأطفال من بين الفئات الأكثر تأثراً خلال العيد، إذ ترتبط المناسبة لديهم بالحلويات والسكريات كجزء من الفرح والمتعة، ما يدفعهم إلى الإفراط في تناولها، ما قد يؤدي إلى إصابتهم اضطرابات معوية ونوبات من فرط الحركة يعقبها خمول مفاجئ، إضافة إلى تأثيرات محتملة على النوم والمزاج، ما يستدعي متابعة الأهالي لتوجيه أطفالهم نحو الاعتدال.

كبار السن بين العادات الغذائية والإرهاق الاحتفالي

وفي المقابل، يكون كبار السن أكثر عرضة للجفاف واضطراب توازن الأملاح في الجسم عند الانتقال من نمط الصيام إلى أجواء العيد المليئة بالزيارات والنشاط، وفق دراسة نُشرت عام 2021 في «Journal of Geriatric Medicine»، لذلك يُوصى بمتابعة مستويات السكر وضغط الدم لديهم بانتظام، مع منحهم فترات راحة كافية بين الزيارات لتفادي الإرهاق المرتبط بكثافة الأنشطة الاحتفالية.

إرشادات التغذية المتوازنة خلال العيد

وينصح أخصائيو التغذية بالتحكم في كمية النشويات والدهون المستهلكة خلال أيام العيد، وزيادة تناول مصادر الألياف مثل السلطات والخضروات، وجعل الوجبات غنية بالبروتين مع تقليل النشويات مثل الخبز والمعكرونة والبطاطا، إلى جانب الحد من الحلويات والكيك واستبدال بعضها بالفواكه الطازجة، مع التقليل قدر الإمكان من المشروبات الغازية والسكر اليومي، وعدم الإفراط في القهوة.

ويبقى العيد مناسبة تجمع بين الفرح والاحتفال بالعلاقات الأسرية والاجتماعية، لكن الإفراط في الطعام قد يفرض تحديات صحية تحتاج إلى وعي وتوازن، ومع مراعاة التدرج في النظام الغذائي والاعتدال في الوجبات والاختيار الذكي بين الأطعمة، يمكن الاستمتاع بالعيد مع الحفاظ على الصحة، ليصبح الاحتفال متكاملاً بين التقاليد والعادات الصحية.

اقرأ المزيد
٢١ مارس ٢٠٢٦
عيد الأم في سوريا: الأم في يومها العالمي عنوان للرعاية والتضحية والمحبة

يحتفل العالم في الحادي والعشرين من مارس من كل عام بيوم الأم، وهي مناسبة عالمية خُصصت لتكريم الأمهات وتسليط الضوء على دورهن في الأسرة والمجتمع، والتعبير عن الامتنان لما يقدمنه من رعاية وتضحيات في تربية الأبناء وبناء الأجيال.

وظهرت فكرة تخصيص مناسبة للأم في المجتمعات الغربية بعد أن لاحظ المفكرون أن الأبناء في بعض هذه المجتمعات لا يولون أمهاتهم الرعاية والاهتمام الكافي، فكانت الغاية من هذه المناسبة تذكير الأبناء بأهمية الأم ودورها في حياتهم. 

ومع مرور الوقت، توسعت رقعة الاحتفال بالمناسبة لتشمل مزيداً من الدول والمدن حول العالم، وغالباً ما يُقام الاحتفال بها في شهر مارس من كل عام، إلا أن موعد الاحتفال بهذا العيد يختلف من دولة إلى أخرى، ففي العالم العربي يصادف يوم 21 مارس، بينما تحتفل النرويج به في 2 فبراير، والأرجنتين في 3 أكتوبر، وجنوب إفريقيا في الأول من مايو، وفي الولايات المتحدة وألمانيا في الأحد الثاني من مايو، أما في إندونيسيا فكان الاحتفال في 22 ديسمبر. 

وأقيم أول احتفال رسمي بعيد الأم عام 1908 في الولايات المتحدة عندما نظمت آنا جارفيس، ناشطة أميركية وُلدت عام 1864، ذكرى لوالدتها، لتبدأ حملة تهدف إلى جعل عيد الأم مناسبة معترفاً بها رسمياً، بعد أن كانت والدتها دائماً تقول: "في وقت ما، وفي مكان ما، سينادي شخص ما بفكرة الاحتفال بعيد الأم.

في سوريا، تكتسب مناسبة عيد الأم أهمية خاصة، إذ تتحمل الأم مسؤوليات واسعة تشمل رعاية الأبناء وتربيتهم وتعليمهم والاعتناء بشؤون المنزل، وتستمر في أداء هذا الدور حتى مع تقدّمها في العمر وتراجع صحتها أحياناً، محافظة على حضورها ودعمها لأبنائها وأفراد عائلتها حتى آخر مراحل حياتها.

إلا أن الظروف القاسية التي شهدتها البلاد أظهرت أن الأم لم تعد ركيزة أساسية في الأسرة فحسب، بل أصبحت شاهدة على سنوات من التحولات التي فرضت عليها أدواراً ومسؤوليات مضاعفة، فلم تعد التحديات التي تواجهها تقتصر على الحمل وآلام الولادة أو أعباء الأبناء والمنزل، بل أضيفت إليها أعباء أشد قسوة فرضتها الأوضاع الاستثنائية، ما جعل حياتها اليومية أكثر صعوبة وتعقيداً على المستويين الجسدي والنفسي.

ففي ظل القصف المتواصل، اضطرت الأمهات إلى أداء واجباتهن وسط الخوف والرعب، فكن يحاولن حماية أبنائهن وتأمين سلامتهم، إضافة إلى توفير الطعام والمأوى ورعاية الأسرة وتهدئة الخوف والرعب الذي يسيطر على الأطفال، ما أثقل كاهلهن جسدياً ونفسياً وجعل حياتهن اليومية مليئة بالتحديات المستمرة.

كما عانت آلاف الأمهات من تبعات النزوح، حيث أقامت العديد منهن في مخيمات أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستقرار والأمان، واضطرت أخريات للهجرة خارج البلاد، متحملات تبعات التشرد والبعد عن منازلهن وأحبتهن.

ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ تجرعت العديد من النساء مرارة فقدان أبنائهن، سواء نتيجة استشهادهم في المعارك، أو اعتقالهم قسراً على يد قوات النظام البائد، أو فقدان البعض أثناء محاولات اللجوء والهجرة، تاركين فراغاً نفسياً وألماً عميقاً في حياتهن.

 كما اصطدمت أمهات كثيرات بتبعات الاختفاء القسري، إذ لا يزال آلاف الأبناء مجهولي المصير حتى اليوم، ولا يُعرف ما إذا كانوا أحياءً أو قضوا، ولا مكان دفنهم في حال وفاتهم، مما أثقل كاهلهن وزاد شعورهن بالقلق المستمر، ليصبح ألم فقدان الأبناء حاضراً دائماً في حياتهن.

ولا تقتصر التحديات التي واجهت الأمهات السوريات خلال سنوات الثورة على هذه الحالات، بل تشمل عقبات متعددة لا يمكن حصرها أو عدها، تراوحت بين الضغوط المعيشية والفقدان بأنواعه والخوف والدمار وغيرها.

مع حلول عيد الأم، يبرز الحديث عن دور الأم السورية التي تحملت مسؤوليات مضاعفة وصعوبات كبيرة خلال سنوات الثورة، مؤكدة صمودها وتضحياتها اليومية في رعاية أبنائها والحفاظ على تماسك الأسرة وسط تحديات النزوح، فقدان الأحبة، وغيرها من الظروف القاسية الأخرى.
=========

 

اقرأ المزيد
٢١ مارس ٢٠٢٦
عيد النوروز: من التهميش في عهد الأسد إلى الاعتراف الرسمي بعد انتصار الثورة 

يصادف السبت اليوم، 21 ٱذار/مارس، عيد النوروز، أحد أهم المناسبات الاجتماعية والثقافية لدى الشعب الكردي، التي تمثل رمزاً للحياة والتعايش والتكافل الاجتماعي، ويُعد جزءاً أصيلاً من التراث الكردي، ومن مظاهر التنوع الثقافي الذي يثري المجتمع السوري ويمنحه مزيداً من الجمال والغنى.

عيد النوروز سببه وتاريخه

ويُعتبر هذا العيد من أقدم المناسبات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إذ تمتد جذوره لآلاف السنين، وقد احتفلت به شعوب عدة كالفُرس والكُرد وبعض شعوب آسيا الوسطى باعتباره بداية عام جديد وفق التقويم الشمسي. ويحمل اسم “نوروز” دلالة “اليوم الجديد”، في إشارة إلى انطلاق دورة جديدة في الطبيعة والحياة.

ترتبط مناسبة “نوروز” بالعديد من الحكايات والأساطير الشعبية، من أبرزها الرواية الكردية التي تروي قصة الحداد “كاوا”، الذي تمرّد على الملك الظالم “الضحّاك”، والذي كان، بحسب الموروث الشعبي، يقتل الأطفال لإطعام الأفاعي التي تنمو على كتفيه.

تذكر الأسطورة أن “كاوا” نجح في القضاء على “الضحّاك”، وأشعل النيران فوق قمم الجبال إعلاناً للنصر وبداية مرحلة جديدة من الحرية، ومنذ ذلك الحين غدا إشعال النار في ليلة “نوروز” رمزاً للغلبة على الظلم واستقبال حياة جديدة. 

النوروز في عهد الأسد 

لطالما واجه الأكراد أشكالاً من القمع خلال حكم نظام الأسد فيما يخص الاحتفال بمناسبة “نوروز”، إذ كانت الأجهزة الأمنية للنظام السابق تتعامل مع هذه الفعاليات بحساسية بالغة، وغالباً ما تعكر أجواء الاحتفالات وتمنع التجمعات المرتبطة بها.

سبق أن تعرّض عدد من المواطنين الأكراد للملاحقة الأمنية خلال سنوات حكم نظام الأسد، نتيجة مشاركتهم في احتفالات “نوروز” أو رفع الرموز الثقافية الكردية.

مرسوم رئاسي يعترف بحقوق الأكراد ويُقرّ النوروز عطلة رسمية

بعد سقوط النظام البائد، زالت العقبة التي كانت تمنع الأكراد من حقوقهم، وأفسح المجال لهم لممارسة طقوسهم الاجتماعية والثقافية، وفي هذا السياق أصدر الرئيس أحمد الشرع، في منتصف الشهر الأول من العام الجاري، المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، الذي نصّ على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة.

وأكد المرسوم التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم، في إطار السيادة الوطنية ووحدة البلاد، كما أقرّ اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، سواء ضمن المناهج الاختيارية أو في إطار النشاطات الثقافية والتعليمية.

وشمل المرسوم إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتّبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.

ونصّ المرسوم أيضاً على اعتبار عيد النوروز (آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء الجمهورية، بصفته عيداً وطنياً يعبّر عن الربيع والتآخي بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري.

ترحيب المجتمع الكردي بالمرسوم

أحدث ذلك المرسوم صدى واسعاً لدى المجتمع الكردي في سوريا، إذ اعتُبر خطوة تاريخية نحو الاعتراف بهويتهم الثقافية واللغوية وحقهم في ممارسة تراثهم بحرية، فاعتبار عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يحمل دلالة رمزية قوية على الاعتراف بالوجود التاريخي للأكراد في النسيج الوطني السوري وتقدير مساهمتهم في التنوع الثقافي للبلاد.

ورحب كثير من الأكراد بهذا القرار باعتباره إنصافاً تاريخياً بعد عقود من التجاهل والتهميش، وأكدوا أن الاعتراف بالمرسوم يعكس إرادة الدولة في تعزيز التعايش والتنوع الثقافي.

كما اعتبر المجتمع الكردي أن هذا الإجراء يعزز الهوية الوطنية الموحدة مع احترام خصوصيات المكوّنات الثقافية المختلفة، ويتيح لهم الاحتفال بعيد النوروز بوصفه مناسبة وطنية وحقاً مكتسباً ضمن إطار الدولة، بعيداً عن أي قيود أو ممارسات تمييزية كانت قائمة سابقاً.

ويحمل الاحتفال بعيد النوروز هذا العام أهمية خاصة، كونه أول احتفال بعد الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة السورية بهذا العيد، ما يمنح الأكراد شعوراً بالاعتراف بهويتهم وتراثهم ولغتهم، ويعزز انتماءهم للمجتمع السوري، كما يتيح لهم الاحتفال بشكل علني، ما يخلق شعوراً بالحرية والمساواة بعد سنوات من التهميش بسبب الأسد.

اقرأ المزيد
٢١ مارس ٢٠٢٦
طقس العيدية في سوريا: ما بين الحفاظ على التراث الثقافي وإضفاء الفرحة على أجواء العيد

تحتلّ العيدية مكانة بارزة ضمن طقوس عيدي الفطر والأضحى في المجتمعات العربية، ومن بينها سوريا، إذ اعتادت العائلات على تقديمها على شكل مبالغ مالية أو هدايا رمزية بين أفراد الأسرة والأقارب والمعارف، في تقليد اجتماعي متوارث يعكس المودة ويضفي على أيام العيد مزيداً من البهجة.

وعلى مستوى الأفراد، ينتظر الأطفال هذه الأعياد بفارغ الصبر لتلقي العيدية من البالغين، ليجمعوا ما يحصلون عليه من مبالغ ينفقونها لاحقاً على الحلوى والألعاب وغيرها من الأمور التي تستهويهم في هذه المرحلة العمرية، أو يخبئونها عند أمهاتهم ليستخدموها لاحقاً لشراء ما يحتاجونه.

ولا تقتصر فرحة العيدية على الصغار فقط، إذ تشعر بها أيضاً الأخوات والزوجات والبنات، خاصة أنها لفتة تعبّر عن الاهتمام والتقدير، فضلاً عن كونها فرصة لتلبية بعض احتياجاتهن الشخصية.

كما تتفاوت قيمة العيدية تبعاً للقدرة المالية للشخص الذي يقدمها، إضافةً إلى مكانة المتلقي في العائلة أو المجتمع ووضعه المادي، فغالباً ما يحصل الأطفال الصغار على مبالغ بسيطة أو هدايا رمزية، في حين قد تُمنح مبالغ أكبر للكبار، بما يعكس طبيعة العلاقات الأسرية ومستوى الإمكانات المتاحة.

وتختلف عادات تقديم العيدية في سوريا بحسب كل عائلة وإمكاناتها، فبعضها يقدم النقود، بينما تمنح أخرى الحلويات، كما يختلف أسلوب تلقيها بين الأطفال؛ فبعضهم يفضل البقاء في المنزل لاستلام العيدية من الضيوف، بينما يخرج آخرون في جولات جماعية لزيارة المنازل والحصول عليها مباشرة من أفراد العائلة والجيران، ما يعكس تنوع الممارسات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بهذه الطقوس.

ومن زاوية إنسانية، تُعد العيدية وسيلة يستغلها البعض لتقديم الدعم المالي والمساعدة للفئات التي تعاني من صعوبات اقتصادية، دون المساس بكرامتهم أو إحراجهم. وبهذا تتحول هذه اللفتة إلى رمز للتكافل وروح المشاركة، بعيداً عن البعد المادي فقط، ما يعزز قيم التضامن والتعاون داخل المجتمع خلال أيام الاحتفال.

ومع ذلك، قد يسبب هذا التقليد شعوراً بالحرج لبعض الأشخاص، خاصة من يعانون من ظروف اقتصادية صعبة تحول بينهم وبين تقديم العيديات للأطفال أو البالغين، ما يضعهم في موقف صعب، رغم رغبتهم في المشاركة في رسم البهجة والفرح خلال أيام العيد.

ولفهم أصول هذه العادة وامتدادها عبر الزمن، تشير المصادر التاريخية إلى أن العيدية ليست مجرد تقليد معاصر، بل تمتد جذورها لمئات السنين، حيث لعبت دوراً اجتماعياً يعكس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويجسد روح التكافل والمشاركة في المناسبات الدينية.

في هذا السياق، ينوه المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه إتحاف الحنفاء بأخبار الخلفاء إلى أن أول من أرسى تقليد توزيع العيدية كان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، حينها كان يمنح الدنانير الذهبية والهدايا الثمينة لكل من رجال الدولة وعامة الشعب، في إطار تجسيد فكرة الدولة الراعية لمواطنيها، كما تحدث كتابه الخطط المقريزية عن تفاصيل هذه الممارسات، التي شكّلت جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية في تلك الفترة.

وبعد انتقال الحكم إلى المماليك، استمرت هذه العادة، وكانت تُمنح للجنود والعلماء ضمن ما يُعرف بـ"الجامكية"، وهو تقليد يشبه الرواتب والهبات التي تُقدم في المناسبات والأعياد، وفي كتاب تاريخ الدولة المملوكية، يوضح المؤرخ ابن تغري بردي، أن العيدية لم تكن محصورة فقط على الجنود والعلماء فقط، وإنما شملت الفئات الفقيرة وشرائح متنوعة من المجتمع، ما أضفى منح العيد بُعداً اجتماعياً عبر عن التلاحم والقيم الاجتماعية المتأصلة في المجتمع خلال تلك الفترة.

وفي عهد الدولة العثمانية، يذكر المؤرخ منصور عبد الحكيم في كتابه عن السلطان سليمان القانوني حرص الحاكم على رفاهية الشعب، الذي عمل على توسيع نطاق تقليد العيدية، فلم تعد مقتصرة على رجال الدولة فقط، بل أصبحت تُمنح للأطفال والفقراء، ليصبح العيد مناسبة عامة يسودها الفرح، ويُوزّع خلالها الدعم المالي الذي يساعد الفقراء على تغطية نفقات الاحتفال.

وبقي تقليد العيدية محافظاً على رونقه خلال الأعياد، غير أن بعض التغييرات طرأت عليه مع مرور الزمن، فحالياً في سوريا يُقدَّم بطرق متنوعة، سواء نقداً باليد، أو عبر التحويلات المالية والهدايا الرقمية، لا سيما مع تطور النظام المالي وانتشار التكنولوجيا.

ويعكس الحفاظ على طقوس العيدية في سوريا عدة أبعاد مهمة، أهمها الحرص على استمرارية التراث الثقافي، إذ تُظهر أن المجتمع السوري  بسعى لنقل عاداته وتقاليده عبر الأجيال، رغم التحديات والتغييرات التي تطرأ على المجتمع، مما يظهر قدرة المجتمع السوري على صون هويته الثقافية والدينية في أجواء الاحتفال بالأعياد.

ومن جانب إنساني، تحمل العيدية قيم التكافل الاجتماعي، إذ تهدف إلى مساعدة الفقراء وتمكينهم من المشاركة في فرحة العيد وتغطية التزاماته، ما يظهر روح التضامن والتعاون بين الناس.

وتبقى العيدية واحدة من العادات المميزة المرتبطة بالأعياد في سوريا، التي ورثناها عن أجدادنا، حيث تُقدَّم للأطفال والكبار بطرق متنوعة، لتجمع بين الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والثقافية، وتؤكد قيم المودة والتلاحم والتكافل التي تميز المجتمع السوري.

اقرأ المزيد
٢٠ مارس ٢٠٢٦
الألعاب النارية في عيد الفطر… بين التسلية والخطر

مع حلول عيد الفطر، يزداد قلق الأهالي في بعض المناطق السورية من تأثيرات ظاهرة المفرقعات النارية، التي تنتشر غالباً خلال أيام العيد، وخاصة بين الأطفال الذين يستخدمونها من باب التسلية والمرح.

تتنوع المفرقعات النارية التي تستخدم عادة خلال المناسبات بحسب الحجم وطريقة الاستخدام، وأبرزها المفرقعات اليدوية الصغيرة التي تُشعل لإصدار أصوات عالية، وأعواد الشرارات النارية التي تنتج شرارات مضيئة تضفي جوّاً من البهجة.

إضافة إلى ذلك الألعاب النارية المتوسطة الحجم التي تُطلق في الهواء لتشكيل ألوان وأشكال مضيئة، فضلاً عن الألعاب النارية الصوتية القوية التي تُصدر أصواتاً مفاجئة قد تزعج الأهالي، وتظل المفرقعات اليدوية الصغيرة الأكثر استخداماً بين الأطفال عادةً نظراً لصغر حجمها وسهولة الحصول عليها.

يعود سبب استخدام الأطفال للمفرقعات النارية خلال احتفالات العيد إلى كونها بالنسبة لهم جزءاً من طقوس الفرح والبهجة التي تصاحب قدوم العيد، إذ تمنحهم شعوراً بالتسلية، وتتيح لهم فرصة للتفاعل واللعب مع أصدقائهم والجيران، كما يعتبر الأطفال هذه الألعاب وسيلة لإظهار مهاراتهم ومغامرتهم الصغيرة، فضلاً عن كونها تقليداً متوارثاً في بعض المناطق.

لا تقتصر ظاهرة الألعاب النارية في سوريا على مناسبات عيد الفطر فقط، بل لوحظ أحياناً استخدامها خلال شهر رمضان، خاصة بعد صلاة التراويح أو الإفطار، إذ اشتكى الأهالي من قيام بعض 
الأطفال بوضع المفرقعات النارية أمام أبواب المنازل ثم الهرب، على ما أثار الخوف والقلق لدى الأهالي، وجعل من هذه الألعاب مصدر توتر وإزعاج رغم أن الهدف الأساسي منها المرح والتسلية.

تقول سمر الأحمد، معلمة في أحد الروضات الخاصة بمدينة أطمة بريف إدلب الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأطفال عندما يقومون بإطلاق المفرقعات النارية يظنون أنهم يمارسون نوعاً من المغامرة والمرح والضحك.

وتضيف أن هذه التصرفات قد تنقلب أحياناً إلى مواقف صعبة، خاصة إذا لاحظ صاحب المنزل وجودهم وتعرّف عليهم، سيخبر أهاليهم، أو حتى يعنفهم عند الإمساك بهم، مما يجعل المرح يتحول إلى مصدر قلق ومشاكل.


وتشكل المفرقعات والألعاب النارية خطراً كبيراً على الأطفال أنفسهم، إذ قد تتسبب في حروق وجروح نتيجة الانفجار المفاجئ، كما يمكن أن تؤدي إلى إصابات في اليدين أو الوجه والعينين.

 إضافة إلى ذلك، قد يفتقر بعض الأطفال إلى الوعي الكافي بكيفية التعامل مع هذه الألعاب، ما يزيد من احتمالية وقوع حوادث مؤذية، كما تحمل هذه الألعاب صوتاً عالياً ومفاجئاً قد يثير الذعر والخوف لدى الآخرين، ويؤثر سلباً على شعورهم بالأمان والراحة، خصوصاً في البيوت أو الشوارع المزدحمة، مما يجعل من اللعب بالمفرقعات نشاطاً محفوفاً بالمخاطر رغم الهدف الترفيهي.

كما تتعرض فئات معينة من المجتمع لآثار سلبية واضحة بسبب المفرقعات النارية، لا سيما الأطفال الرضع والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة، الذين يحتاجون إلى بيئة هادئة للحفاظ على صحتهم، حيث يمكن للأصوات المفاجئة أن تسبب لهم اضطرابات في النوم.

كذلك يعاني كبار السن، وخصوصاً المصابون بأمراض القلب أو ارتفاع ضغط الدم، من التوتر الجسدي والنفسي الناتج عن الضوضاء المفاجئة، كما يعد الأشخاص المصابون باضطرابات القلق أو التوحد الأكثر حساسية لهذه الأصوات، إذ تؤدي المفرقعات إلى زيادة مستوى التوتر لديهم، وتؤثر على سلوكهم وحالتهم النفسية، ما يجعل من هذه الألعاب النارية نشاطاً قد يتحول من مصدر فرح إلى عامل خطر يهدد الصحة والسلامة العامة.

وفي سياق الحلول، مرام المحمد، خريجة كلية تربية، مجموعة من الحلول للحد من مخاطر الألعاب النارية خلال الأعياد، أبرزها توعية الأطفال والأهالي بمخاطر المفرقعات النارية وضرورة التعامل معها بحذر شديد، أو تجنب استخدامها كلياً، خاصة أن هناك العديد من الطقوس والأنشطة الأخرى التي تمنح الأطفال الفرح والبهجة خلال العيد دون الحاجة للألعاب النارية. 

وتشدد على أهمية مراقبة الأهالي لأبنائهم أثناء استخدام الألعاب، وتنبيه الأطفال إلى إطلاق المفرقعات في أماكن مفتوحة بعيداً عن المنازل والأحياء المزدحمة والأطفال الآخرين، مشيرة إلى ضرورة إشراك المجتمع والمدارس في تنظيم فعاليات عيدية آمنة توفر للأطفال الفرح والتسلية دون تعريضهم أو الآخرين للخطر. 

ويؤكد مطلعون على ضرورة فرض قوانين صارمة تحظر بيع الألعاب النارية للأطفال أو دون تراخيص، وتغليظ العقوبات على الاستخدام العشوائي، ومنع إطلاق المفرقعات في الأماكن السكنية أو أثناء أوقات الصلاة لتقليل الإزعاج والمخاطر.

ورغم أن المفرقعات تُعد من الوسائل المحببة لدى الأطفال للاحتفال بالعيد، إلا أنها في الوقت ذاته تشكّل مصدراً للخطر، خاصة عند استخدامها بشكل غير صحيح أو بقصد إزعاج الآخرين، ما يسلّط الضوء على أهمية التوعية المجتمعية ومراقبة استخدامها للحد من آثارها السلبية.

اقرأ المزيد
١٩ مارس ٢٠٢٦
تكنولوجيا: صراع بين الحقيقة والتزييف: كيف تواجه منصات التواصل الاجتماعي التضليل الرقمي؟

لا بدّ أنك، وأنت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، صادفت محتوى بدا لك حقيقياً للوهلة الأولى، قبل أن تكتشف لاحقاً أنه مفبرك أو مضلل، قد يكون مقطع فيديو لشخصية معروفة تدلي بتصريحات صادمة، أو صورة لحدث لم يقع أصلاً، أو تسجيل صوتي يبدو واقعياً إلى حد يصعب التشكيك فيه.

هذا النوع من المحتوى لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح جزءاً متكرراً من المشهد الرقمي اليومي، مدفوعاً بتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أتاحت إنتاج مواد عالية الدقة تحاكي الواقع بشكل غير مسبوق.

ومع تسارع انتشار هذه الأدوات، لم يعد التزييف يقتصر على العبث بالمحتوى، بل تحوّل إلى ظاهرة تؤثر في طريقة استهلاك المعلومات وفهمها، فالمستخدم لم يعد يتعامل مع محتوى واضح الزيف، بل مع مواد مصممة بعناية لتبدو حقيقية، ما يجعل التحقق أكثر تعقيداً، ويضعف الثقة بالمحتوى المتداول حتى في الحالات الصحيحة.

في هذا السياق، تواجه منصات التواصل الاجتماعي تحدياً متزايداً يتمثل في الحد من انتشار التضليل الرقمي، دون الإخلال بحرية النشر والتعبير.

وبين تطور أدوات التزييف وتسارع آليات النشر، يبرز سؤال محوري: إلى أي مدى تستطيع هذه المنصات مواكبة هذا التحدي، ومنع تحول الفضاء الرقمي إلى بيئة يغيب فيها التمييز بين الحقيقة والتزييف؟

تصاعد التزييف العميق في الفضاء الرقمي

شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في استخدام تقنيات "التزييف العميق"، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى يحاكي شخصيات حقيقية.

ومع توافر هذه الأدوات بشكل واسع، لم تعد حكراً على جهات متخصصة، بل أصبحت في متناول المستخدمين، ما أدى إلى زيادة حجم المحتوى المفبرك وانتشاره عبر المنصات الاجتماعية بوتيرة متسارعة.

من أداة تقنية إلى وسيلة تضليل

رغم أن هذه التقنيات طُوّرت في الأصل لأغراض إبداعية وتقنية، فإن استخدامها اتجه تدريجياً نحو مجالات أكثر حساسية، مثل انتحال الشخصيات ونشر تصريحات غير دقيقة.

ومع طبيعة المنصات القائمة على سرعة التداول، يصبح المحتوى المضلل قادراً على الوصول إلى جمهور واسع خلال وقت قصير، قبل أن يتم التحقق منه أو تصحيحه.

كيف يؤثر المحتوى المزيف على الرأي العام؟

يسهم انتشار المحتوى المزيف في إعادة تشكيل تصورات المستخدمين، خصوصاً عندما يكون مرتبطاً بقضايا عامة أو شخصيات معروفة.
وقد يؤدي ذلك إلى خلق حالة من الالتباس وفقدان الثقة بالمصادر الإعلامية، أو إلى تبني مواقف مبنية على معلومات غير دقيقة.

كما أن تكرار التعرض لهذا النوع من المحتوى يعزز من صعوبة التمييز بين الحقيقة والتضليل، ما ينعكس على جودة النقاش العام 
واتجاهاته.

المجتمعات الهشة: بيئة خصبة للتضليل

يتضاعف تأثير المحتوى المزيف في المجتمعات التي تعاني من اضطرابات سياسية أو أمنية أو اقتصادية، حيث تنخفض مستويات الثقة بالمؤسسات، ويزداد الاعتماد على وسائل التواصل كمصدر رئيسي للمعلومات.

في هذه البيئات، يمكن للمحتوى المفبرك أن يتحول إلى عامل مؤثر في تأجيج التوترات، من خلال نشر شائعات أو مقاطع تُستخدم لإثارة الخوف أو التحريض.

كما أن تداول معلومات غير دقيقة في أوقات الأزمات قد يدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات مبنية على معطيات خاطئة، ما يفاقم حالة عدم الاستقرار ويُعيد تشكيل المزاج العام خلال فترات قصيرة.

استجابة المنصات: بين التقنية والتنظيم

في مواجهة هذا التحدي، وسّعت منصات التواصل الاجتماعي من أدواتها التقنية والتنظيمية لرصد المحتوى المزيف والحد من انتشاره.

فعلى مستوى شركة "ميتا"، التي تدير فيسبوك وإنستغرام، تم اعتماد أنظمة قادرة على اكتشاف المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع إشارات واضحة تُبيّن للمستخدم أن المادة منشأة رقمياً أو معدّلة.

كما بدأت الشركة في اتخاذ إجراءات ضد شبكات تستغل تقنيات التزييف العميق في الإعلانات، خصوصاً تلك التي تنتحل شخصيات عامة بهدف الاحتيال أو الترويج المضلل.

أما منصة يوتيوب، فقد طوّرت أدوات لرصد الفيديوهات التي تستخدم تقنيات التزييف، تعتمد على تحليل ملامح الوجه وأنماط الصوت لمقارنتها مع شخصيات حقيقية.

وتتيح هذه الأدوات للأفراد المتضررين مراجعة المقاطع التي تنتحل هوياتهم وطلب إزالتها، في خطوة تهدف إلى الحد من الانتحال وحماية الخصوصية.

وفي السياق نفسه، فرضت منصات مثل تيك توك سياسات تُلزم المستخدمين بالإفصاح عن المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير أنظمة كشف تلقائي للمقاطع المفبركة.

كما تعمل منصة "إكس" على تحسين أدوات التحقق من المحتوى، رغم التحديات المرتبطة بسرعة انتشار المعلومات على نطاق واسع.
وبالتوازي، تتجه هذه الشركات إلى تطوير معايير تقنية مشتركة، مثل البصمات الرقمية للمحتوى، التي تساعد على تتبع مصدر المواد وتحديد ما إذا كانت قد خضعت للتلاعب.

هل تنجح هذه الإجراءات في الحد من الظاهرة؟

رغم أهمية هذه الخطوات، تشير المعطيات إلى أن فعالية الإجراءات لا تزال محدودة أمام التطور السريع في تقنيات التزييف.

ففي كثير من الحالات، ينتشر المحتوى المضلل على نطاق واسع قبل اكتشافه أو حذفه، كما أن الاعتماد على الإبلاغ أو المراجعة قد يؤدي إلى تأخر الاستجابة.

وفي المقابل، تستمر أدوات التزييف في التطور، ما يجعل عملية المواجهة أقرب إلى سباق تقني مفتوح بين صناع المحتوى المزيف والمنصات التي تسعى لكشفه.

الوعي الرقمي كخط دفاع أخير

في ظل هذا الواقع، يبرز وعي المستخدم كعامل أساسي في الحد من تأثير التضليل الرقمي، من خلال التحقق من المصادر وعدم التفاعل السريع مع المحتوى غير الموثوق.

وبينما تستمر المنصات في تطوير أدواتها، يبقى تعزيز الثقافة الرقمية لدى الجمهور أحد أبرز الوسائل لمواجهة هذا التحدي المتصاعد.

اقرأ المزيد
١٩ مارس ٢٠٢٦
"حق الملح".. عادة رمضانية بين الامتنان والتفاعل الاجتماعي

يتصاعد الجدل مع نهاية شهر رمضان وبداية عيد الفطر حول تقليد "حق الملح"، الذي يعود للواجهة عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال صور ومقاطع تُظهر تبادل الهدايا بين الأزواج، في مزيج يجمع بين الطابع الاجتماعي والدعابة.

تنتشر مشاهد لهدايا متنوعة، تتراوح بين المجوهرات والسيارات والورود والشوكولا، مرفقة بعبارات لافتة، ما يعكس حضور هذا التقليد في الثقافة الشعبية، ويُظهر كيف تحوّل إلى مادة تفاعلية يتداولها المستخدمون بين الجد والهزل.

يعود هذا التقليد إلى دول المغرب العربي، حيث نشأ قبل مئات السنين، ويقوم على مبدأ تكريم الزوجة تقديراً لجهودها خلال شهر رمضان في إدارة شؤون المنزل ورعاية الأسرة، عبر تقديم هدية في نهاية الشهر أو مع حلول العيد.

تختلف أشكال "حق الملح" باختلاف الإمكانيات، إذ قد تكون الهدية قطعة ذهب أو ملابس أو مبلغاً مالياً، وقد تقتصر أحياناً على باقة ورد أو أدوات منزلية، في حين يرى مختصون أن رمزية هذا التقليد تكمن في تعزيز المودة والتقدير بين الزوجين.

يتحول النقاش حول "حق الملح" إلى مساحة للسخرية أحياناً، حيث يتبادل المستخدمون النكات والتعليقات، بين من يطالب بالهدية ومن يرد بالمزاح حول "حق الزوج"، ما يعكس تفاعلاً مجتمعياً واسعاً مع الفكرة.

يرتبط مصطلح "الملح" بمعاني العشرة والمعاشرة، كما يُفسَّر بأنه تقدير لجهود الزوجة في إعداد الطعام خلال الصيام، بما في ذلك تذوقه لضبط نكهته دون إفطار.

يُجسّد هذا التقليد في طقوس العيد، حيث تستقبل الزوجة زوجها بعد الصلاة بالقهوة والحلويات، ليضع هديته في الفنجان، في لفتة رمزية تعبّر عن الامتنان وتعزز الروابط الأسرية.

اقرأ المزيد
١٨ مارس ٢٠٢٦
العيد بأقل التكاليف.. كيف تدير السوريات فرحة العيد في ظل الغلاء..؟

تعيش آلاف الأسر في سوريا أوضاعاً اقتصادية قاسية، تجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً مستمراً،  ومع اقتراب عيد الفطر، تحاول كثير من النساء التوفيق بين محدودية الإمكانات والحفاظ على أجواء المناسبة، عبر ترتيب مستلزماته بأقل التكاليف الممكنة، دون أن تنعكس هذه الظروف على شعور أفراد العائلة بفرحة العيد.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في حالة فقر، كما أن واحداً من كل أربعة يعاني من البطالة، في حين تشير التقديرات إلى أن اقتصاد البلاد يمكن أن يستعيد مستواه قبل الصراع خلال عقد من الزمن، في حال تحقيق معدلات نمو قوية.

وفي ظل هذه الظروف، تعتمد كثير من السيدات على استراتيجيات مختلفة للتوفير والتكيّف مع الإمكانات المتاحة، بما يتيح لهن الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، فعند شراء الملابس مثلاً، تتجه بعضهن إلى أسواق “البالة” أو البسطات الشعبية بدلاً من المحال التجارية التي تعرض بضائع أعلى سعراً، بينما تكتفي أخريات باستخدام ملابس مستعملة بعد تنظيفها وترتيبها لتبدو مناسبة للمناسبة.

وفي حالات أخرى، تضطر بعض الأمهات إلى توزيع الأولويات داخل الأسرة، فتشتري ملابس العيد لعدد من الأبناء، على أن تؤجل تلبية احتياجات الآخرين إلى مناسبة لاحقة، في محاولة للتخفيف من الأعباء المالية، كما تميل كثير من النساء إلى تفضيل أبنائهن على أنفسهن، فيحرصن على تأمين مستلزماتهم أولاً، مقابل الاستغناء عن شراء ما يلزم لهن.

وفي الوقت ذاته، تحرص النساء على ادخار المال تدريجياً قبل قدوم العيد، ويبدأن عملية الشراء بشكل مبكر لتجنب ارتفاع الأسعار، ويجرين جولات واسعة في الأسواق للاستفسار عن الأسعار واختيار الأصناف التي تجمع بين الجودة والقدرة على تحمل التكلفة. 

أما فيما يتعلق بحلويات العيد، فتتجه العديد من الأسر إلى إعداد كميات محدودة من الكعك أو المعمول غيره من الأصناف، بحيث تكفي لإدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال، دون تكبد تكاليف إضافية لا يمكن تحملها.

وفي جانب آخر، تكتفي بعض العائلات بتنظيف المنازل وترتيبها دون شراء زينة، على خلاف ما كان شائعاً في السابق، بينما تلجأ أخريات إلى اقتناء زينة بسيطة ومنخفضة التكلفة من الأسواق الشعبية، وفي هذا السياق تؤكد نساء أن إضفاء أجواء العيد داخل المنزل لا يتطلب إنفاق مبالغ كبيرة، بقدر ما يعتمد على الذوق وحسن التنظيم.

لكن في الوقت ذاته، تشعر بعض النساء بضغط نفسي مع اقتراب العيد، نتيجة الحسابات المتكررة لتأمين الاحتياجات بأقل تكلفة ممكنة، ومحاولة حماية الأطفال من الإحساس بالحرمان أو شعورهم بالنقص مقارنة بأقرانهم، مع تجنب الحرج الاجتماعي أمام الجيران والأقارب إذا لم تتمكن المرأة من توفير مظاهر العيد المعروفة، ما يجعل العيد عبئاً إضافياً عليهن.

أحياناً تحظى عائلات بمساعدة من الآخرين تسهّل عليهم عملية التحضيرات، سواء من قبل أفراد العائلة أو الأصدقاء أو الأقارب، وتشمل غالباً تحويلات أو مساعدات مالية، ما يساهم في تمكين الأسر من إتمام التحضيرات دون القلق من الأعباء المالية، ما يخفف الضغوط الاقتصادية والنفسية ويمنح أفرادها فرصة للاحتفال بالعيد كما يرغبون.

وتعكس الطرق التي تتبعها النساء لتأمين احتياجات العيد بأقل التكاليف العديد من الدلالات المميزة، أبرزها حرصهن على إدخال أجواء الفرح والاحتفال للمنزل رغم الظروف الاقتصادية، والسعي لحماية الأطفال من الشعور بالحرمان أو الفرق عن أقرانهم، كما تظهر قدرة النساء على التخطيط المالي وتنظيم الاحتياجات ضمن الإمكانات المتاحة، ما يدل على مهاراتهن في مواجهة التحديات الاقتصادية.

إضافة إلى ذلك، تعكس هذه الممارسات الحفاظ على التقاليد والتراث العائلي، فالالتزام بتحضير الحلويات والاحتفال بالعيد على الرغم من الصعوبات يظهر تمسك النساء بالثقافة العائلية والموروثات الاجتماعية ونقلها للأجيال القادمة، وتعبر عن إيمانهن بأن الفرح ممكن رغم التحديات والظروف القاسية التي تعاني منها الأسرة.

يشكل التجهيز للعيد عبئاً بالنسبة للأسر محدودة الدخل، ما يدفع النساء إلى البحث عن طرق توازن بين متطلبات المناسبة والإمكانات المتاحة، ورغم الصعوبات، تبقى أجواء البهجة حاضرة داخل المنازل، فيما تُحافظ العائلات على طقوس العيد وتراثه، للتأكيد أن الاحتفال ممكن حتى في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، وأنه يمكن إدخال الفرحة إلى الأسرة دون تحمل مصاريف تتجاوز القدرة المالية.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢١ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٤ مايو ٢٠٢٦
حين تقود التكنولوجيا الحرب.. كيف غيّرت الدرونز موازين القتال؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٠ مايو ٢٠٢٦
عن حب الحماصنة لحمص..!!
محمد العلي
● آراء ومقالات
٧ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا غوغل تعيد تشكيل البحث.. الذكاء الاصطناعي "يستعين بالبشر" لإظهار نتائج أفضل
فريق العمل
● آراء ومقالات
٥ مايو ٢٠٢٦
الخصخصة هل تَحلّ مشكلة القطاع العام...؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري
● آراء ومقالات
٤ مايو ٢٠٢٦
أزمة السيولة في المصارف، متى تُحلّ..؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري
● آراء ومقالات
٣ مايو ٢٠٢٦
زيادة الرواتب، هل تُحسِّن المعيشة أم ترفع التضخم؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري