مجتمع
١٨ مارس ٢٠٢٦
خمسة عشر عاماً على الثورة السورية.. إسهامات النساء السوريات في مسيرة الحرية

تحل اليوم الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، التي خرجت مطالِبة بالحرية وإسقاط نظام بشار الأسد، وفي هذه المناسبة، يستحضر السوريون تفاصيل سنوات الثورة الطويلة، مع التركيز على التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب السوري، من بينها تضحيات النساء السوريات، التي شكّلت جزءاً أساسياً من مسيرة الثورة وأثرت بشكل كبير على المجتمع.

تحمل المسؤولية بعد فقدان المعيل

واجهت النساء خلال سنوات الثورة ظروفاً قاسية متعددة، أبرزها فقدان الزوج نتيجة الاعتقال، الإخفاء القسري، القصف، أو المعارك، ما اضطر آلاف السيدات لتحمل مسؤولية الأسرة بالكامل التي شملت تلبية النفقات اليومية، تربية الأبناء، وضمان استمرار تعليمهم في ظل ظروف معيشية وأمنية صعبة.

ولم تقتصر فاجعة الفقد على خسارة الزوج، بل امتدت لتشمل أفراداً آخرين من الأسرة والمعارف والأصدقاء، خاصة في ظل استشهاد آلاف السوريين، ما جعل الحزن والحسرة يلازمان النساء في تفاصيل حياتهن اليومية، مضاعفاً الأعباء النفسية إلى جانب المسؤوليات الثقيلة.

مواجهة القصف وحماية الأبناء

إلى جانب الفقد، تعرضت النساء لتهديد دائم على حياتهن وحياة أبنائهن جراء القصف الممنهج من قبل قوات النظام البائد، ومع ذلك، واصلت كثير من النساء أداء واجباتهن المزدوجة، بين حماية الأطفال من المخاطر المباشرة وتلبية احتياجاتهم اليومية، رغم صعوبة الظروف المحيطة.

رحلة النزوح والشتات

ومع اشتداد القصف وسيطرة قوات النظام البائد على العديد من المدن والقرى، اضطر آلاف النساء لمغادرة منازلهن، وخسرن كل أغراضهن بعد تعرض البيوت للتعفيش من قبل جنود النظام المخلوع، وخضعت النساء بعدها لرحلة النزوح والشتات، سواء داخل البلاد ضمن المخيمات والمناطق الأخرى، أو خارجها إلى دول الجوار، ما زاد من تحدياتهن اليومية.

الحياة في المخيمات

وعاشت نساء داخل الخيم محرومات من الخصوصية، متعرضات للبرد القارس في الشتاء والحر الشديد في الصيف، مع محدودية الموارد ونقص المقومات الأساسية للعيش الكريم، ورغم ذلك، واصلت كثيرات أداء واجباتهن المنزلية والأسرية، محاولات الحفاظ على الاستقرار النسبي للأسرة في بيئة شديدة القسوة.

الاستمرار في العمل والمجتمع

لم تتوقف بعض النساء عند حدود الواجب المنزلي، بل واصلن نشاطاتهن في مجالات مختلفة، من التعليم والصحة والسياسة، إلى تقديم الدعم النفسي والقانوني، وأدين دوراً فاعلاً خلال سنوات الثورة، وساهمن في دعم المجتمع ضمن إمكاناتهن المتاحة.

المشاركة في النشاطات الثورية والانتهاكات

كما شاركت العديد من النساء في النشاطات الثورية بمختلف أشكالها، من المظاهرات السلمية إلى التوثيق الإعلامي ونقل المعلومات عن أحداث الثورة وغيرها، وخلال هذه المشاركة، تعرضت كثير منهن للاعتقال والإخفاء القسري على يد قوات النظام البائد، وواجهت انتهاكات جسدية ونفسية داخل السجون، ما يؤكد أن تضحيات النساء جزءاً من صمود المجتمع السوري في مواجهة القمع والعنف.

ولم تتوقف مساهمات النساء عند حدود المشاركة المباشرة، فهناك من خرجت من السجون بعد أن تمكنت من النجاة، وعملت على فضح الانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد ضد المعتقلين، مشارِكةً في نشاطات لدعم المعتقلين وتسليط الضوء على قضيتهم، بما يعكس التزامهن بالقيم الإنسانية وحرصهن على استمرار الدفاع عن حقوق المجتمع رغم المعاناة الشخصية الكبيرة.

تضحيات تكللت بالانتصار

ولم تذهب تلك التضحيات سدى، خاصة بعد سقوط النظام البائد وانتصار الثورة السورية، غير أن كثيرات لم يكتب لهن أن يعشن فرحة النصر، فقد استشهدن في المعتقلات أو نتيجة القصف والاشتباكات، أو بسبب الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، لتظل تضحياتهن شاهدة على إرادتهن وصمودهن في مواجهة التحديات.


ما تم ذكره من فقدان الحياة، والاعتقال، وتحمل المسؤوليات اليومية يمثل جانباً من تضحيات النساء السوريات خلال الثورة، بينما يبقى هناك عدد كبير من التضحيات الأخرى التي لا يمكن حصرها في تقرير واحد، لكنها جميعاً تعكس قدرة النساء على مواجهة التحديات والإصرار على الاستمرار رغم كل الصعاب.

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠٢٦
مع اقتراب العيد… مأساة أمهات المختفين قسرياً ما تزال مستمرة

مع اقتراب عيد الفطر، تلك المناسبة التي تحمل الفرح للكثير من السوريين، يتجدد الوجع في قلوب العديد من العائلات، خاصة تلك التي لا تزال تفتقد أفرادها المخطوفين والمفقودين، وما يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.

خلال التحضيرات لاستقبال العيد، تتذكر الأمهات أبنائهن المفقودين في كل تفصيل وكل لحظة، ويملأهن الحزن والحسرة على غيابهم عن أجواء العيد التي كانت يتمنين أن يشاركوهم فيها، فتظل فرحة الاحتفالات ناقصة بلا حضورهم، وتزداد معاناتهن مع كل ذكرى صغيرة أو طقس يومي يذكّرهن بفقدان أحبائهن.

وتعد قضية الاختفاء القسري واحدة من أكثر الملفات الإنسانية حساسية وتعقيداً، خاصة أن آلاف الأشخاص اختفوا خلال سنوات الثورة السورية وما يزال مصيرهم مجهولاً حتى الآن، ولا تعرف عائلاتهم عنهم أي شيء، ما يضعها في حالة من القلق المستمر ويترك فراغاً عاطفياً واجتماعياً كبيراً في حياتهم اليومية.

عانت كثير من العائلات السورية من تداعيات الإخفاء القسري بعد فقدان أبنائها، الذين تعرضوا للاعتقال من قبل نظام الأسد خلال سنوات الثورة، وعاشت رحلة صعبة خلال محاولاتها البحث عنهم، فمنها من دفع رشاوى وأموالاً باهظة وحاول التواصل مع الأفرع والعساكر، ومنهم من زار المعتقلين الذين يُفرَج عنهم على أمل العثور على أثر لأبنائهم، بينما تمكن بعضهم من الوصول إلى خبر عن أبنائهم، وما تزال أسر أخرى تنتظر بلا جدوى.

رغم سقوط نظام الأسد البائد، السبب الرئيسي لهذه المعاناة، لا يزال آلاف المختفين قسرياً خارج نطاق الوصول إليهم، ما أدخل العائلات في فصل جديد من الألم والانتظار المستمر. 

وبحسب إحصاءات صادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، سُجّل ما لا يقل عن 181,244 حالة احتجاز واختفاء، من بينهم 5,332 طفلاً و9,201 امرأة، وذلك خلال الفترة الممتدة من آذار 2011 حتى حزيران 2025.

ويُعدّ 177,021 من هؤلاء في عداد المختفين قسرياً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 امرأة، في حين وثّقت الشبكة حتى حزيران 2025 ما لا يقل عن 45,342 حالة وفاة نتيجة التعذيب أو ظروف الاحتجاز القاسية، تُنسب أكثر من 99 بالمئة منها، أي 45,032 حالة، إلى مراكز احتجاز النظام البائد.

وخلال الأشهر الماضية، نظم الأهالي وقفات احتجاجية، رفعوا خلالها لافتات وصوراً لأفراد من عائلاتهم المفقودة، مطالبين بالكشف عن مصيرهم وتسليط الضوء على معاناتهم المستمرة.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر مرسومين رئاسيين بتاريخ 17 أيار/مايو 2025، قضى أحدهما بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" والآخر بـ"الهيئة الوطنية للمفقودين"، بهدف التصدي للإرث الثقيل من الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في ظل النظام البائد، والعمل على كشف مصير أكثر من مئة ألف مفقود.

وتعمل اللجنة الوطنية للمفقودين على تجميع المعلومات، توثيق الحالات، بناء قاعدة بيانات، وتنسيق الجهود مع الجهات ذات الصلة، بينما لجنة العدالة الانتقالية مُكلَّفة باستراتيجيات كشف الحقيقة والمحاسبة والتعويض لضمان حقوق الضحايا وآليات عدم تكرار الانتهاكات.

إلا أن المعاناة ما زالت قائمة، وفي إحدى القصص التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي تبرز قصة آمنة محيي الدين، أم سورية فقدت أربعة من أبنائها في شهر كانون الثاني عام 2014، على حاجز "علي الوحش"، وهم: محمد عمره تسع سنوات، فاطمة سبع سنوات، مريم سنتين، وميمونة الشام عشرة أشهر.

منذ أن فقدتهم وهي تبحث عنهم، لم تدع مكاناً إلا وبحثت فيه: في دور الأيتام، وزارة الشؤون الاجتماعية، الهلال الأحمر، الصليب الأحمر، السفارات، محكمة الإرهاب، القابون، القضاء العسكري، ولم أعثر عليهم.

وفي مداخلة لها خلال المؤتمر الصحفي الأول للجنة التحقيق في مصير أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيبين قسراً، بالعاصمة السورية دمشق، قالت إنها ترفض أن توفي أبنائها قبل أن تتأكد من ذلك لو حتى ترى عظمة لهم

تمثل معاناة السيدة أمينة جانباً من معاناة العديد من الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن قسرياً، حيث بات سقف أحلامهن يقتصر على كشف مصير أبنائهن المفقودين، والوصول إلى مكان دفنهم، والحصول على قبر يتمكنّ من زيارته، بما يضع حداً للتساؤلات المستمرة في أذهانهن وينهي سنوات الانتظار المثقلة بالألم والمعاناة.

ومع اقتراب عيد الفطر، تتجدد مشاعر الألم والمأساة في قلوب الأمهات اللواتي فقدن أبنائهن قسرياً قبل سنوات، وبقي مصيرهم مجهولاً دون أي معلومة عن مكانهم أو قبر يتيح لهن زيارته ووضع حد للانتظار والتساؤلات المستمرة، ما يعيد إلى الواجهة المعاناة الإنسانية التي عاشتها هذه العائلات طوال السنوات الماضية، وتؤكد الأمهات وعوائل الضحايا اليوم على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وكشف الحقيقة لضمان العدالة ووضع حد لهذه المأساة التي لا تزال تلقي بظلالها على المجتمع السوري.

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠٢٦
خبز التنور في سوريا.. حرفة تقليدية تحفظ التراث وتؤمّن الدخل

تحافظ النساء السوريات في الأرياف على إعداد خبز التنور كطقس شعبي متوارث، تعلّمنه من جداتهن والأجيال السابقة، لما يتميز به من طعم شهي يجعله مطلوباً لدى الأسرة ويحظى بمكانة خاصة في حياتهم اليومية.

تنتشر أفران التنور في المناطق الريفية، حيث يقوم البعض بصناعتها وبيعها للأسر التي بدورها تنشئها بالقرب من أماكن سكنها، وتقريبا، يوجد فرن بالقرب من كل منزل، أو في كل حارة أو حي صغير، تستخدمه الأسر في خبز الخبز متى شاؤوا.

ويعد صنع أفران التنور واحدة من الحرف التي لا تزال حاضرة في العديد من المناطق السورية مثل إدلب والحسكة ودير الزور وغيرها، والتنور هو عبارة عن فرن تقليدي أسطواني الشكل يصنع من الطين الحر "الصلصال"، ويُستخدم لخبز العجين مثل خبز التنور أو الفطائر المنزلية، حيث يُشعل بالحطب ليمنح حرارة قوية وثابتة تضمن خبزاً متقناً وشهياً.

غالبا ما تبدأ ربه المنزل بالعمل على إعداد الخبز في الصباح الباكر، فتحضر أولاً العجين المكوّن من الطحين والماء والخميرة والملح، ثم يتم عجن الكمية المراد خبزها وتركها لتختمر بعد أن تغطي بكيس وقطعة قماش.

بعد ذلك تتوجه السيدة إلى التنور فتضع الحطب بداخله لإشعاله حتى يصبح جاهزاً للاستخدام، وبعد أن تصبح العجينة جاهزة، تُقطع إلى قطع مدورة صغيرة، هذه العملية تسمى باللهجة المحلية "التقريص".

في أغلب الأحيان، تتفق بعض النساء على موعد محدد لإشعال التنور والخبز في اليوم ذاته، ويتعاونن فيما بينهن لإنهاء العمل بسرعة، بحيث لا يشعرن بالتعب ولا يضطررن لإشعال التنور أكثر من مرة، وتتجمع النساء حول التنور، ويبدأن في عملية "الرق"، أي تحويل كل قطعة إلى رغيف باستخدام "الشوبك"، ثم يتم إلصاق الرغيف بجدار فوهة التنور من الداخل، وسحبه بعد أن ينضج.

 وكلما مر أحد من الجيران بجانبهن، تقوم النساء بإعطائه رغيفاً سخناً كنوع من الضيافة، وغالباً ما يحضرن  إلى جانب خبز التنور أرغفة صغيرة تُعرف باللهجة المحلية باسم "الكماجات"، حيث تُدهن هذه الأرغفة بالزيت والفليفلة، أو بالزيت والجبنة، أو بالزيت والزعتر، مما يمنحها طعماً شهياً جداً.

خلال سنوات الثورة السورية، طرأت تغييرات كبيرة على هذه العادة التقليدية، إذ لم تعد كثير من النساء قادرات على ممارستها بسبب النزوح ومغادرتهن منازلهن إلى أماكن أخرى، فبعض النساء في المخيمات لم يستطعن إنشاء “التنور” بجانب الخيمة، كما أن النساء اللواتي أقمن في منازل مستأجرة، أو عشن في المدن، أو هاجرن خارج البلاد، لم تسنح لهن الفرصة بإنشاء تنور.

وعندما كانت الأسرة ترغب في تناول خبز التنور ولم تتمكن من إعداده في المنزل، كانت تقوم بشرائه من أفران التنور الجاهزة الموجودة في العديد من المناطق، سواء في المدن أو القرى أو البلدات، رغم أن الخبز الذي كان يُعد في السابق كان ألذ بحسب ٱراء العديد من الأهالي، مشيرين إلى أن الخبز الذي يعد بواسطة التنور المنزلي من قبل ربة المنزل له مذاق خاص.

في المقابل حرصت أخريات على إنشاء تنور في مخيمات النزوح بعد توافر الإمكانيات لهن، وحافظن على طقس خبز التنور، والآن، وبعد عودة النساء إلى القرى والبلدات، سارعت العديد منهن إلى صيانة التنور الموجود بالقرب من المنازل أو الأحياء لممارسة هذا الطقس مجدداً بشكل متكرر حسب الإمكانيات المتاحة.

لم يقتصر خبز التنور على كونه عادة شعبية متوارثة ومخصصة للأسرة فقط، بل تحول أيضاً إلى مصدر رزق ودخل للعديد من الأسر، فقد صارت العديد من النساء تعمل في التنانير الجاهزة الموجودة في القرى والبلدات والمدن، ويكسبن منها المال، وأحيانًا تكون بعض النساء صاحبات الأفران نفسها، يقمن بإعداد الخبز وبيعه للناس بشكل يومي.

يحمل الحفاظ على طقس خبز التنور العديد من الدلالات المميزة، أهمها حرص النساء على حماية التراث الثقافي والعادات المتوارثة عبر الأجيال، كما يعكس اهتمامهن بالأسرة، خاصة أنهن يبذلن جهداً كبيراً في إعداد الخبز، لتلبية رغبات أفراد العائلة بتقديم ما يحبونه، أما فيما يتعلق بالاستفادة الاقتصادية، فإن استغلال بعض النساء لخبز التنور كمصدر دخل يعكس حرصهن على تحويل مهاراتهن التقليدية إلى نشاط اقتصادي يساهم في تغطية النفقات المالية ودعم أسرهن.

اقرأ المزيد
١٧ مارس ٢٠٢٦
بين التيسير والحقوق.. مهر رمزي في ريف حماة يثير تفاعلاً واسعاً

تداولت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً فيديو لشاب من بلدة كفرزيتا في ريف حماة الشمالي، يعقد قرانه على مهر مقدمه كيلو تمر ومؤخره كيلو تمر أيضاً، في مشهد عكس محاولة أهل العروس لتيسير المهر وتخفيف الأعباء المالية عن العريس.

وقد تباينت ردود الأفعال تجاه هذا الموقف بين من اعتبره أمراً غير مناسب لعدم ضمانه حقوق الفتاة المستقبلية في حال الطلاق، مؤكدين أن المقدم والمؤخر الذي كتب بالعقد قليل جداً، ومن رأى فيه خطوة إيجابية نحو التخفيف من الضغوط الاقتصادية على المقبلين على الزواج.

أهمية تيسير المهور في ظل الظروف الاقتصادية

وسط الآراء المختلفة برز الحديث عن أهمية تيسير المهور لتسهيل زواج الشباب في سوريا دون أن يكون هناك إجحاف بحق الفتيات، خاصة في ظل الظروف القاسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار بشكل متزايد.

يواجه الشباب السوري ظروفاً اقتصادية قاسية، تشمل ارتفاع سعر غرام الذهب وتجاوزه حاجز حد الـ 130 دولاراً أمريكياً، وغلاء تكاليف إيجار الشقق والمنازل وتضاعف أجور مواد البناء، ونفقات المتطلبات الأخرى للزاوج، ما يجعل هذه الخطوة مؤجلة إلى حين تحسن الأوضاع.

في المقابل، تشهد سوريا تفاوتاً واضحاً بين العائلات في تقاليد الزواج، حيث تحرص البعض منها على مظاهر فاخرة تشمل المجوهرات والعفش الفاخر وغيرها ولا ترضى بالتنازل عن أي مطلب، بينما تسعى عائلات أخرى إلى تيسير الأمور وعدم تحميل الشاب أعباءً ثقيلة تتجاوز قدرته المادية.

وتتعدد أسباب المغالاة في المهور منها التنافس بين العائلات والمقارنة مع زيجات أخرى في نفس البيئة الاجتماعية، وخلق توقعات غير واقعية لدى بعض الفتيات والعائلات حول شكل الزواج "المثالي"، إلى جانب ربط استقرار الزواج بالعوامل المادية أكثر من التفاهم والتوافق.

وفي بعض الحالات يعود إلى تأثر الفتيات بما يرينه في منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك من عروض زواج فاخرة وحفلات مبالغ فيها وملابس من أهم الماركات وهدايا فخمة، مما يدفعهن إلى المطالبة بمستوى مماثل.

التحديات الاجتماعية والاقتصادية

يقول طارق الإسماعيل، مرشد اجتماعي في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الشباب السوري يواجه اليوم تحديات عديدة ومعقدة عند الإقدام على خطوة الزواج، إذ تتداخل الضغوط الاقتصادية المتمثلة بغلاء المهور وارتفاع تكاليف المعيشة مع التغيرات الاجتماعية التي خلفتها الحروب على الأهالي في مختلف المناطق السورية.

ويضيف أن الأوضاع الاقتصادية تشكل العائق الأكبر أمام عزوف الشباب عن الزواج، وتمثل صدمة أمام متطلبات الحياة وصعوبة في التكيف مع هذا الواقع الاقتصادي الراهن.

ويردف أن المغالاة في المهور وكثرة الطلبات أصبحت من العادات الشائعة في مجتمعاتنا الراهنة، ما يشكل عقبة كبيرة أمام إقدام الشباب على الزواج في ظل تدني الرواتب، إذ لا يوجد توافق بين ارتفاع المتطلبات وغلاء المهور ومستوى الدخل المتاح.

الأبعاد النفسية والاجتماعية والدينية

ويشير إلى أن تيسير المهور يؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية مهمة، أبرزها تسهيل الإقدام على الزواج، وتقليل نسب العنوسة، وبناء أسر ومجتمعات قوية ومتماسكة، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن الحد من النزاعات الزوجية الناتجة عن الضغوط الاقتصادية.

ويردف أنه من الناحية الدينية، ينظر الإسلام إلى المغالاة في المهور بنظرة استنكار وذم، معتبراً إياها عادة اجتماعية خاطئة تخالف هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي دعا إلى تيسير المهور، حيث قال: «أعظم النساء بركة أيسرهن صداقاً»، مؤكداً أن رسالة الإسلام واضحة في التيسير وعدم المبالغة في المهور.

الحلول والتوصيات

ويؤكد الإسماعيل أنه يجب العمل على التوعية حول هذا الموضوع من خلال المرشدين والعاملين في المجال الاجتماعي أو عبر الشاشات والصحف، وتشجيع تيسير المهور وتخفيف الأعباء عن الشباب المقبلين على الزواج للحفاظ على مجتمع قوي ومتماسك، يسوده الاحترام والمحبة.

ويشدد على ضرورة تعاون الجميع، أفراداً وعائلات ومجتمعات، للقضاء على ظاهرة الغلاء في المهور، مع نشر الوعي بين الناس للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تترتب عليها تبعات سلبية كبيرة على الأفراد والمجتمعات.

ويشير المختصون أن المظاهر المادية ليست مقياساً لنجاح الزواج، بل إن الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل بين الزوجين هو ما يقود إلى علاقة زوجية متينة، مؤكّدين أن تيسير المهور لا يقلل من قيمتها وإنما يخفف الأعباء الثقيلة عن كاهل الشباب.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠٢٦
الاستعراض "التشبيب" بالدراجات النارية.. سلوك مقلق يهدد السلامة العامة

شاعت في كثير من المناطق السورية، ظاهرة "التشبيب" من قبل الشبان سائقي الدراجات النارية بمخالفات خطيرة أثناء القيادة، ما قد يؤدي إلى وقوع حوادث تلحق الضرر بهم وبالمارة، ويحوّل الشوارع إلى مصدر قلق يومي أثناء التنقل بين الأماكن.

وتشمل هذه المخالفات القيادة بسرعة مفرطة، والتحكم بالدراجة بيد واحدة، ورفع الجزء الأمامي منها فيما يُعرف بظاهرة "التشبيب" وتنفيذ الحركات الاستعراضية، إلى جانب إطلاق أصوات مرتفعة باستخدام الزمور، وغيرها من التصرفات التي قد تزعج الأهالي وتعرضهم لمخاطر محتملة.

وغالباً ما تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة توثق قيام بعض سائقي الدراجات النارية بهذه المخالفات، ولا سيما ظاهرة "التشبيب" والحركات الاستعراضية. 

وتُظهر بعض هذه المقاطع حوادث نتجت عن هذه التصرفات، إذ وثّق أحدها حادثين في بلدة كفرنبودة بريف حماة الشمالي؛ الأول نتيجة السرعة الزائدة، والثاني بسبب التشبيب، فيما أظهر مقطع آخر تصادم دراجتين في إحدى قرى ريف إدلب بعد قيام أحد السائقين بالتشبيب، إلى جانب حوادث مشابهة في مناطق أخرى من سوريا، عكست مدى انتشار هذه الظاهرة وما قد تسببه من مخاطر على الأهالي والمارة.

وتتعدد أسباب قيام بعض سائقي الدراجات النارية بهذه المخالفات، من بينها ضعف الوعي بالمخاطر المحتملة وعدم الاكتراث بعواقبها، فيما يرى بعضهم في هذه التصرفات وسيلة للتباهي أو لفت الانتباه على مبدأ "خالف تُعرف"، بينما يجد آخرون في القيادة السريعة وإطلاق الأصوات المزعجة وتنفيذ الحركات الاستعراضية نوعاً من المتعة أو التسلية.

ويعزو علي السلوم، مدرس الرياضيات في بلدة جيش بريف إدلب الجنوبي، أسباب قيام بعض سائقي الدراجات النارية بهذه المخالفات إلى ضعف تطبيق القوانين المرورية، إضافة إلى صغر سن عدد كبير من السائقين، إذ يقود كثير من الدراجات النارية مراهقون أو شبان صغار السن، ما يجعلهم أكثر ميلاً إلى الاستعراض أو المخاطرة، مثل التشبيب والقيادة السريعة.

ويضيف في حديث لـ "شبكة شام الإخبارية" أن غياب الوعي المروري لدى بعض السائقين، وعدم إدراك مخاطر السرعة الزائدة أو إطلاق الأصوات المزعجة، يسهمان في انتشار هذه السلوكيات، إلى جانب سهولة اقتناء الدراجة النارية، لكونها وسيلة نقل منخفضة التكلفة مقارنة بالسيارات.

ويتابع أن الظروف الاقتصادية والضغوط اليومية قد تدفع بعض الشباب إلى التنفيس عن التوتر من خلال القيادة المتهورة أو القيام بسلوكيات استعراضية أثناء قيادة الدراجات النارية.

في المقابل، تسببت هذه المخالفات في العديد من حوادث السير التي أدت إلى وقوع وفيات وإصابات خطيرة بين السائقين والمارة، إلى جانب الخسائر المادية وتكاليف علاج المصابين، فضلاً عن التعويضات المالية المحتملة على المتسبب بالحادث في حال أسفر عن وفاة أحد الأشخاص، إضافة إلى المساءلة القانونية.

ويشير علي السلوم إلى أن المخالفات المرورية للدراجات النارية تؤدي إلى زيادة حوادث السير وتهدد سلامة المشاة والسائقين الآخرين، إضافة إلى إزعاج السكان والتلوث الضوضائي الناتج عن أصوات الزمور وعوادم الدراجات المعدلة، خصوصاً في الأحياء السكنية، كما تخلق حالة من الفوضى المرورية وتضعف الالتزام العام بقواعد السير، مما يؤدي إلى بيئة مرورية غير آمنة.

ولا يقتصر أثر هذه المخالفات على سائقي الدراجات والمارة فحسب، بل يشمل أيضاً سائقي السيارات، إذ يقوم العديد من سائقي الدراجات بحركات استعراضية في منتصف الطرق، والمشي بين السيارات دون احترام المسافة، إضافة إلى تنفيذ مناورات مفاجئة على الطرقات، خصوصاً خلال أوقات الازدحام.

وفي سياق الحلول، يقترح السلوم تشديد الرقابة المرورية، وزيادة الدوريات، وتفعيل المخالفات والغرامات بحق السائقين المتهورين، إلى جانب تنظيم تراخيص الدراجات النارية والتأكد من تسجيلها وإلزام السائقين بالحصول على رخص القيادة بعد اجتياز الاختبارات اللازمة.

 ويشير أيضاً إلى أهمية إجراء حملات توعية مرورية تستهدف المدارس والجامعات ووسائل الإعلام للتعريف بمخاطر القيادة المتهورة، إلى جانب ضبط التعديلات على الدراجات ومنع التغييرات التي تزيد الضجيج أو السرعة، مثل تغيير العادم أو إزالة كاتم الصوت.

ويرى خبراء أن توفير أماكن مخصصة للأنشطة الرياضية أو سباقات الهواة قد يقلل من لجوء بعض الشباب إلى الاستعراض في الطرق العامة.

تسعى الجهات المعنية للحد من ظاهرة المخالفات التي يرتكبها سائقو الدراجات النارية عبر عدة إجراءات، منها حملات ضبط الدراجات المخالفة. 

وفي هذا الإطار، أطلقت قوى الأمن الداخلي مؤخراً في مدينة قدسيا حملة لمصادرة الدراجات التي يقودها بعض الشباب بطريقة متهورة داخل الأحياء والشوارع، وذلك بعد ورود شكاوى من الأهالي، بهدف ضبط المخالفات المرورية والحد من المخاطر التي قد تتسبب بها هذه الدراجات على السلامة العامة.

كما نفذت الجهات المختصة في مدينة حماة حملة لمصادرة الدراجات النارية المخالفة التي تقوم بحركات التشبيب والقيادة المتهورة، وتم خلال الحملة إتلاف الدواليب الأمامية لعدد من الدراجات المضبوطة أثناء قيامها بهذه التصرفات، كإجراء تحذيري يهدف إلى ردع المخالفين والحد من تكرارها.

قبل أيام قليلة، نفّذ قسم شرطة المرور في مديرية أمن الصنمين حملة ميدانية واسعة في مدينة الحارة شمال محافظة درعا، وأدت الحملة إلى ضبط أكثر من 25 دراجة نارية ومصادرتها، في إطار جهود المديرية لتعزيز السلامة المرورية والحد من الحوادث على الطرقات.

خلال الحملة، تم رصد مخالفات متعددة تشمل السرعة الزائدة، القيادة المتهورة، السير عكس الاتجاه، وقيادة الأطفال للدراجات النارية، فيما باشرت المديرية فوراً اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وفق الأنظمة المرورية المعتمدة.

شددت المديرية على ضرورة التزام المواطنين بقواعد المرور، مؤكدة أن السلامة مسؤولية مشتركة وأن الالتزام بالقوانين يسهم في حماية الأرواح والحد من المخاطر على الطرقات.

تُعد ظاهرة ارتكاب المخالفات أثناء قيادة الدراجات النارية إحدى الظواهر السلبية في المجتمع السوري، لما تسببه من تداعيات صحية ونفسية وجسدية ومادية ومعنوية، وتسعى الجهات المعنية للحد منها عبر تنفيذ حملات دورية بشكل متكرر لضمان سلامة للمواطنين وتجنب المخاطر.

اقرأ المزيد
١٦ مارس ٢٠٢٦
مع نهاية رمضان.. إدلب تستقبل عيد الفطر بطقوس اجتماعية متوارثة

مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك وقدوم عيد الفطر السعيد، تستعد العائلات في محافظة إدلب لاستقبال هذه المناسبة المميزة التي تحمل معها أجواء الفرح واللقاءات العائلية، حيث ترتبط الاحتفالات المحلية بطقوس اجتماعية متوارثة يتبعها الأهالي عاماً بعد عام، لتشكل جزءاً من تقاليد استقبال العيد في المجتمع.

تنظيف المنازل وترتيبها

تبدأ الاستعدادات بقيام النساء بتنظيف المنازل بشكل كامل، وترتيبها وتنظيمها، وغالباً ما يحرصن على تجديد ترتيب بعض الغرف، وإضافة زهور اصطناعية وصمديات وإكسسوارات وزينة جديدة ولمساتهن الخاصة، ليبدو المنزل لامعاً وجميلاً ومرتباً عند حلول المناسبة، وجاهزاً لاستقبال الأقارب والأصدقاء.

الحلويات المنزلية

وتحرص العديد من النساء في إدلب على إعداد الحلويات في المنزل، مثل الكعك، والبرازق، والمعمول بنوعيه بالتمر وبدونه، والغريبة، والكعك الحلو والمالح، إلى جانب المهلبية والأرز بالحليب وأنواع أخرى من الحلويات التقليدية، بينما تلجأ أخريات إلى شراء هذه الحلويات جاهزة من السوق لتوفير الوقت والجهد.

شراء الحلويات الجاهزة

وتشتري الأسر الحلويات الجاهزة من المحلات، مثل الشوكولاتة والحلوى المغلفة بأنواعها المختلفة، سواء الشوكولاتة بالحليب أو الداكنة أو المحشوة بالمكسرات، بالإضافة إلى الحلويات الموسمية الخاصة بالعيد، التي تضيف أجواءً مميزة للمناسبة.

شراء الملابس الجديدة 

كما تتجه العائلات نحو المحال التجارية والمولات والأسواق لشراء الملابس الجديدة لجميع أفراد الأسرة، الأطفال والبالغين، إذ يعد ارتداء زي جديد أحد أبرز مظاهر الاحتفال بالعيد، ويُضفي شعوراً بالفرحة والحيوية على الأطفال ويعكس بهجة المناسبة لدى الكبار، ويترافق ذلك غالباً مع ازدحام في هذه الأماكن نتيجة الإقبال الكبير من الأسر على اقتناء ما يلزمهم.

الأطعمة الشعبية

إلى جانب الترتيبات السابقة، تعد النساء أطعمة شعبية مميزة لتقديمها في هذه المناسبة، مثل المحاشي بأنواعها، ورق العنب، الكبة بأنواعها، وغيرها من الأطباق التقليدية، وغالباً ما تقوم بعضهن بتحضير هذه الأطعمة قبل أيام قليلة، وتضعها في المجمد "الفريزر"، لتكون جاهزة للتقديم يوم العيد، إذ يكون اليوم نفسه مزدحماً بالتحضيرات الأخرى ولا تتاح لهن فرصة طهي الطعام.

تجهيز أدوات الضيافة

تتضمن التحضيرات أيضاً تجهيز أدوات المائدة وأدوات الضيافة، حيث تختار الأسر أفضل أنواع الأطباق والأكواب المتوفرة في المنزل، وقد تقوم أحياناً بشراء أكواب أو أطباق جديدة لتكون مميزة في تقديم الأطعمة والحلويات، ليكتمل بذلك الإعداد لاستقبال الضيوف بطريقة أنيقة وجذابة.

طقوس تعكس التراث والروابط الاجتماعية

وتحمل هذه الطقوس التي تقوم بها العائلات السورية في إدلب قبل عيد الفطر العديد من الدلالات الاجتماعية والثقافية العميقة، أهمها حرص الأهالي على الحفاظ على التقاليد والهوية الثقافية، خاصة أن هذه الطقوس تمثل استمرارية للتراث العائلي والمجتمعي، ويسعى الأهالي إلى نقلها من جيل إلى جيل، ما يجعلها جزءاً من الذاكرة الجمعية المرتبطة بالأعياد.

وتعكس هذه التجهيزات رمزية الاحتفاء والفرح، إذ تظهر رغبة الأهالي في إدخال أجواء من البهجة إلى منازلهم، والتعبير عن التقدير للضيوف والأقارب من خلال تقديم الأطعمة والحلويات، والاهتمام بترتيب المنزل وإظهاره بمظهر لائق وجذاب، إضافة إلى ذلك، تمنح هذه الترتيبات الأطفال شعوراً بالانتماء والارتباط بالأسرة والمجتمع، وتغرس لديهم احترام العادات والقيم المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية.

 

اقرأ المزيد
١٥ مارس ٢٠٢٦
روائح العيد في البيوت السورية.. كعك العيد طقس متوارث عبر الأجيال

مع اقتراب نهاية شهر رمضان، تنشغل آلاف السيدات السوريات بالتحضيرات لاستقبال عيد الفطر، وفي مقدمتها إعداد كعك العيد بنوعيه الحلو والمالح، الذي يعد من أبرز مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة، وخلال هذه الأيام، تفوح في كثير من المنازل روائح الكعك والحلويات، في مشهد يعكس أجواء العيد وطقوسه المتوارثة عبر الأجيال.

وفي الصدد، قالت نهيدة البيوش، أم وجدة تقيم في إحدى قرى ريف إدلب الجنوبي في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الكعك أول شيء يسأل عنه الأطفال والبالغين مع اقتراب العيد، وتردف أن الكمية التي تُعدّ كل عام تختلف بحسب عدد أفراد العائلة والضيوف الذين يزورون المنزل خلال أيام العيد، إلى جانب الأقارب الذين ترسل لهم كميات محدودة بعد الانتهاء من إعداده.

ولفتت إلى أنها تحضر ما يقارب عشرين كيلوغراماً من الكعك في كل عيد، بمساعدة نساء الحي، وتضيف أن عجينة الكعك تعتمد على مكونات أساسية، أبرزها الطحين والخميرة والزيت النباتي والسمنة، إضافة إلى الحبة السوداء والسمسم والحلبة واليانسون والشمرا.

وأوضحت أن الكعك الحلو يضاف إليه السكر وأحياناً الحليب بحسب الرغبة وتوافر المكونات، في حين يُحضّر الكعك المالح دون سكر ويضاف إليه العصفر لإضفاء اللون، منوهة إلى أن بدء العمل بالتكعيك يبدأ بعد الانتهاء من وجبة الفطور أو السحور.

وبعد تجهيز العجينة، تتجمع عادة نساء الحي أو الحارة، وأحياناً نساء المبنى الواحد، للعمل معاً على تحضير الكعك، حيث تتوزع المهام بينهن؛ فتتولى بعضهن تقطيع العجينة، فيما تقوم أخريات بتشكيل الكعك بأحجام مختلفة، صغيرة ومتوسطة وكبيرة، قبل ترتيبها في الصواني تمهيداً لشويها في الفرن ومراقبتها حتى تنضج.

ويجري العمل في أجواء مليئة بالمرح والضحك وتبادل الأحاديث والذكريات، ما يجعل ساعات التحضير تمر سريعاً، حتى إن كثيراً من السيدات لا يشعرن بالتعب والوقت رغم الجهد المبذول. 

لكن هذه الطقوس لا تكون حاضرة في جميع المنازل، إذ تضطر بعض العائلات إلى تقليص كميات الكعك أو الاستغناء عن تحضيره بالكامل، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يدفع بعض الأسر إلى شراء كميات محدودة جاهزة من الأسواق بدل إعدادها في المنزل.

وفي حالات أخرى، قد تتراجع هذه الطقوس بسبب ظروف اجتماعية أو عائلية، مثل وجود خلافات داخل الأسرة أو وقوع حالات وفاة في العائلة أو الحي، إذ يُنظر إلى إعداد الكعك في الثقافة المحلية بوصفه أحد مظاهر الفرح، لذلك تتجنب بعض العائلات القيام به في أجواء الحزن.

ورغم ذلك، لا يقتصر كعك العيد على كونه تقليداً احتفالياً فحسب، إذ يشكل أيضاً مصدر دخل موسمي لعدد من السيدات، إذ يقمن بإعداده بكميات كبيرة وبيعه مقابل أجور مالية، استجابة لطلبات نساء أخريات لا يستطعن تحضيره داخل منازلهن.

وغالباً ما تعود أسباب عدم قدرة بعض النساء على تجهيز الكعك في المنزل إلى انشغالهن بمهام أخرى، خاصة الموظفات، أو النساء الحوامل اللواتي لا يستطعن بذل الجهد المطلوب، إضافة إلى المرضعات اللواتي يعتنين بأطفال صغار، وكذلك من لا تتوافر لهن مساعدة من الجارات أو الصديقات.

وفي هذه الحالات، تلجأ بعض النساء إلى شراء الكعك الجاهز من الأسواق، أو طلب تحضيره من الأمهات أو الحموات بعد إرسال المقادير والمكونات اللازمة، كما تلجأ أخريات إلى سيدات يعملن في إعداد الكعك مقابل مبلغ مالي محدد.

ورغم ما مرّ به المجتمع السوري خلال السنوات الماضية من نزوح وتشتت وفقدان للأحبة وخسارة للممتلكات والموارد، ما تزال النساء حريصات على الحفاظ على طقس إعداد الكعك كأحد مظاهر الاحتفال بقدوم العيد، وعلى الرغم من أن الكميات قد تقلصت أحياناً أو غابت في بعض الأعوام، فإنه بقي حاضراً في كثير من البيوت السورية كأحد التقاليد المتوارثة.

ويعكس حرص النساء على إعداد الكعك، رغم ما يتطلبه من جهد ووقت، رغبتهن في إدخال أجواء العيد إلى المنزل ونشر الفرح بين أفراد الأسرة، إلى جانب تقديم ماهو مميز للضيوف الذين يزورون المنازل خلال أيام العيد.

كما تجد كثير من السيدات في هذه المناسبة فرصة للقاء والتعاون فيما بينهن، إذ يتحول إعداد الكعك إلى نشاط جماعي يعزز الروابط الاجتماعية والعائلية، خاصة أن تحضيره يتم بشكل مشترك داخل الأسرة أو بين الجارات.

ولعل هذا ما يفسر استمرار هذه العادة حتى اليوم، إذ ورثتها النساء عن أمهاتهن وجداتهن، ويسعين بدورهن إلى نقلها إلى الأجيال القادمة، باعتبار أن إعداد الحلويات المنزلية قبل العيد يمثل جزءاً من التراث العائلي والذاكرة الثقافية المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية.

اقرأ المزيد
١٥ مارس ٢٠٢٦
كسوة العيد بين فرحة الأطفال وضغوط المعيشة.. ارتفاع أسعار الملابس في سوريا

مع اقتراب عيد الفطر، تتحول أسواق الألبسة في المدن السورية إلى وجهة رئيسية للعائلات التي تسعى لتأمين كسوة العيد لأطفالها، في تقليد اجتماعي راسخ يرتبط بفرحة العيد ومظاهره.

إلا أن هذه العادة التي طالما شكّلت مصدر بهجة للأطفال، باتت بالنسبة لكثير من الأسر تحدياً اقتصادياً متزايداً في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع الأهالي للبحث عن خيارات أقل تكلفة أو الاكتفاء بالحد الأدنى من المشتريات.

وخلال جولة ميدانية في عدد من الأسواق، رصدت شبكة شام الإخبارية حركة تسوق ملحوظة مع اقتراب العيد، حيث تتجول العائلات بين واجهات المحال لمقارنة الأسعار والبحث عن قطع ملابس تتناسب مع ميزانياتها المحدودة.

ورغم الازدحام النسبي في بعض الأسواق، إلا أن كثيراً من المتسوقين يؤكدون أن زياراتهم في هذه المرحلة غالباً ما تكون استطلاعية بهدف معرفة الأسعار قبل اتخاذ قرار الشراء.

وتشير الأسعار المعروضة في الأسواق إلى تفاوت كبير بين الألبسة ذات العلامات التجارية المعروفة وتلك المتوفرة في الأسواق الشعبية أو محال البالة

فقد تجاوز سعر الطقم الرجالي الكامل في بعض المحال حاجز 10 آلاف ليرة سورية جديدة، بينما يصل سعر بنطال الجينز الرجالي إلى نحو 35 دولاراً، في حين يبلغ سعر الجاكيت قرابة 50 دولاراً، ويصل سعر الحذاء إلى نحو 30 دولاراً، ما يجعل تكلفة شراء لباس كامل مرتفعة بالنسبة لعدد كبير من العائلات.

أما ألبسة الأطفال، التي تشهد عادة الإقبال الأكبر مع اقتراب العيد، فقد أصبحت أيضاً من السلع المكلفة نسبياً بالنسبة لكثير من الأسر وتشير الأسعار في بعض المحال إلى أن تكلفة بدلة عيد كاملة لطفل واحد قد تصل إلى نحو 100 دولار في حال كانت من ماركات معروفة، حيث يبلغ سعر البنطال نحو 13 دولاراً، والحذاء قرابة 16 دولاراً، فيما يصل سعر الجاكيت إلى نحو 30 دولاراً.

وفي المقابل، توفر الأسواق الشعبية خيارات أقل تكلفة نسبياً، إذ يمكن شراء بدلة عيد للأطفال بنحو 7000 ليرة سورية جديدة تقريباً، بينما يلجأ عدد كبير من الأهالي إلى محال “البالة” التي تبيع الألبسة بالكيلو، حيث قد تكلف ملابس الطفل نحو 3000 ليرة سورية جديدة، إضافة إلى حذاء بسعر يقارب 2000 ليرة ويعد هذا الخيار بالنسبة لكثير من العائلات وسيلة لتخفيف الأعباء المالية مع الحفاظ على تقليد شراء ملابس جديدة للأطفال في العيد.

وخلال استطلاع أجرته شبكة شام الإخبارية في عدد من الأسواق، عبّر متسوقون عن استيائهم من ارتفاع الأسعار مقارنة بمستويات الدخل وقال أحد المتسوقين، وهو موظف يعمل شرطياً في المرور ولديه ستة أطفال، إن تكلفة كسوة العيد لأبنائه هذا العام تجاوزت 150 دولاراً، موضحاً أن شراء الملابس لجميع أطفاله أصبح يشكل عبئاً مالياً كبيراً على ميزانية الأسرة، خاصة في ظل تعدد المصاريف المعيشية الأخرى.

وأضاف المتسوق أنه قام بالشراء من الأسواق الشعبية وذكر أن العائلات باتت تضطر إلى توزيع مشترياتها بين أكثر من سوق بحثاً عن الأسعار الأقل، أو الاكتفاء بشراء الحد الأدنى من الملابس لكل طفل، لافتاً إلى أن كثيراً من الأهالي يحرصون رغم ذلك على عدم حرمان أطفالهم من فرحة العيد ولو بقطعة ملابس جديدة.

وفي سياق متصل، تشير تقارير اقتصادية إلى أن أسعار الألبسة في الأسواق السورية تتحدد وفق مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تكاليف الإنتاج المحلي وأسعار المواد الأولية وأجور العمال، إضافة إلى تكاليف الطاقة والنقل والشحن بالنسبة للبضائع المستوردة كما تلعب الرسوم الجمركية دوراً إضافياً في رفع التكلفة النهائية للمنتج.

وفي هذا الإطار، قال رئيس غرفة تجارة ريف دمشق عبد الرحيم زيادة، إن السوق السورية تعتمد إلى حد كبير على آلية العرض والطلب في تحديد أسعار الألبسة، موضحاً أنه لا توجد جهة رسمية تفرض تسعيرة محددة لهذه المنتجات خلال مواسم الأعياد.

وأشار إلى أن التجار وأصحاب المحال يعتمدون في تحديد الأسعار على عوامل متعددة، من بينها تكلفة الاستيراد وسعر صرف الدولار والرسوم الجمركية والضرائب، إضافة إلى ارتفاع الطلب الموسمي خلال فترة الأعياد.

وأضاف زيادة أن العديد من التقارير الواردة من الأسواق تشير إلى تمسك بعض التجار بمستويات أسعار مرتفعة، بل ورفعها أحياناً مع اقتراب العيد، حتى في حال انخفاض بعض التكاليف، موضحاً أن ارتفاع الطلب على ملابس الأطفال قبل العيد يعد من العوامل التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع في كثير من الأحيان.

من جهتها، أوضحت نائبة رئيس غرفة تجارة دمشق ليلى السمان، أن التكلفة تشكل العامل الأساسي في تحديد سعر المنتج بالنسبة للتاجر، حيث تضاف إليها هوامش الربح لتشكّل السعر النهائي للمستهلك. وأشارت إلى أن مواسم الأعياد تشهد عادة زيادة في الطلب على الألبسة، خاصة ملابس الأطفال، وهو ما يدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار لتحقيق أرباح أكبر خلال فترة محدودة من العام.

أما عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها ورئيس القطاع النسيجي في الغرفة نور الدين سمحا، فأكد أن تحديد أسعار الألبسة يعتمد على عدة عوامل رئيسية، أبرزها تكلفة الإنتاج التي تشمل أسعار المواد الخام وأجور العمال وتكاليف الطاقة، إضافة إلى مصاريف التشغيل المختلفة في المصانع.

وفي السياق ذاته، اعتبر خازن غرفة صناعة دمشق وريفها ونائب رئيس القطاع النسيجي في الغرفة أدهم الطباع أن مبدأ العرض والطلب يشكل المحرك الأساسي لتسعير الألبسة في السوق المحلية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية هي التكلفة الإنتاجية وهامش الربح والقدرة الشرائية للمستهلك المستهدف.

ويرى مختصون اقتصاديون أن المشكلة الأساسية في سوق الألبسة حالياً تكمن في اختلال العلاقة بين الدخل والأسعار وفي هذا السياق، قال الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق زكوان قريط إن الأسعار الحالية للألبسة تتحدد بشكل أساسي نتيجة ارتفاع التكاليف وهوامش الربح غير المنضبطة، مع تجاهل واضح لمستوى دخل المواطن.

وأوضح أن تكلفة الإنتاج المرتفعة، بما في ذلك أسعار المواد الأولية المستوردة وتكاليف الطاقة والشحن والنقل، تسهم بشكل كبير في رفع الأسعار، بينما يبقى دخل المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

وأشار قريط إلى أن سعر طقم ملابس لطفل واحد قد يتجاوز أحياناً نصف راتب الموظف الحكومي، ما يجعل شراء الملابس الجديدة، خاصة خلال مواسم الأعياد، أمراً صعباً بالنسبة لكثير من الأسر.

من جانبه، رأى أمين سر غرفة صناعة حمص السابق عصام تيزيني أن تحقيق التوازن في سوق الألبسة يتطلب توافق ثلاثة عوامل أساسية هي التكلفة والربح والدخل، موضحاً أن أي اختلال في هذه المعادلة يؤدي إلى ضعف القدرة الشرائية وتراجع حركة السوق.

ورغم هذه التحديات الاقتصادية، تبقى كسوة العيد تقليداً اجتماعياً مهماً بالنسبة للعائلات السورية، حيث يحرص كثير من الأهالي على شراء ملابس جديدة لأطفالهم ولو بحدود ضيقة، بهدف إدخال الفرح إلى قلوبهم والحفاظ على طقوس العيد التي ارتبطت بذاكرة المجتمع لسنوات طويلة.

ومع استمرار حركة التسوق في الأسواق خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يبقى السؤال المطروح بين كثير من العائلات تطرح تساؤلات حول كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات العيد والقدرة المادية المحدودة، في ظل واقع اقتصادي يفرض تحديات إضافية على الحياة اليومية.

اقرأ المزيد
١٥ مارس ٢٠٢٦
تعرض الأطفال للعنف في سوريا: بين الموروثات الاجتماعية الخاطئة والتداعيات الجسدية والنفسية

تعتمد كثير من العائلات السورية أسلوب العنف اللفظي والجسدي في تربية أبنائها، اعتقاداً بأن ذلك يسهم في تعليمهم الصواب وتجنب الخطأ، ويساعد في بناء الشخصية التي يتطلعون إليها لأطفالهم، غير أن هذه الأساليب غالباً ما تترك تداعيات خطيرة على المدى القريب والبعيد، تؤثر في حياة الأطفال وتحرمهم من الشعور بالأمان والاستقرار داخل أسرهم.

وتعود دوافع الآباء والأمهات للجوء إلى التعنيف إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها اعتبار الضرب والتوبيخ سلوكاً اعتيادياً ومقبولاً في المجتمع، كما أن نشأة الوالدين في بيئات مارست العنف في التربية تسهم في إعادة إنتاج هذه الممارسات، إلى جانب ضعف الوعي لدى بعض الأهالي بالأضرار الجسدية والنفسية التي قد تلحق بالأبناء نتيجة التعنيف.

كما تلعب طبيعة العلاقة بين الزوجين دوراً مهماً في هذا السياق، لا سيما في حال وجود خلافات مستمرة أو غياب للتفاهم والحوار، ما قد يدفع بعضهما إلى تفريغ الغضب والتوتر في الأبناء، ويضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه بعض العائلات، وغيرها من الظروف التي قد تسهم في تعرض الطفل للعنف داخل أسرته.

وفي حالات أخرى، تأخذ هذه الأساليب طابعاً انتقامياً، خاصة عندما يكون الوالدان منفصلين، إذ قد يعمد أحدهما إلى تعنيف الطفل وتوثيق ذلك بالصور أو مقاطع الفيديو بهدف الضغط على الطرف الآخر ومعاقبته نفسياً، وقد تكررت مثل هذه الحالات مؤخراً، مع انتشار مقاطع مصورة من هذا النوع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

تقول روعة المحمود، وهي مقيمة في أحد مخيمات قاح بريف إدلب الشمالي، إنها كثيراً ما تشاهد جارتها تعنف طفلاتها بشكل قاسٍ، مشيرة إلى حادثة قامت فيها الأم بسحب ابنتها في الشارع من شعرها بسبب حصولها على علامة متدنية في إحدى المواد الدراسية، وتردف أنها حاولت الحديث معها بشأن ذلك، إلا أن الأم طلبت منها عدم التدخل في شؤون عائلتها.

وتوضح المحمود، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن والدة تلك الجارة كانت تتبع الأسلوب ذاته في تربية بناتها، إذ ترى أن الأطفال لا ينبغي تدليلهم لأن الدلال يفسد شخصياتهم حسب رأيها، وتؤكد أنها حاولت مراراً التحدث مع كل من الأم والجدة، لكن محاولاتها لم تلقَ استجابة.

من جانب آخر، تشير منار العبد الله، وهي معلمة في إحدى المدارس السورية، إلى أنها تلاحظ في كثير من الأحيان وجود طلاب يخشون أبسط مشكلة قد تصل أخبارها إلى عائلاتهم، ويبدون حالة من القلق المفرط، خاصة عندما يُطلب استدعاء ولي الأمر من قبل المعلمة أو إدارة المدرسة، وتلفت إلى أن هذه الممارسات تنعكس سلباً على شعور الأطفال بالأمان، وتحرمهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.

وتؤكد في حديث لشبكة شام أن الأمر لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليؤثر في تحصيلهم الدراسي، إذ إن الدراسة تحتاج إلى قدر من التركيز والاستقرار، في حين أن خوف الطفل المستمر من التعرض للضرب يجعله يعيش حالة من التوتر والتشتت.

في المقابل، يرفض كثير من الأشخاص الصمت إزاء هذه الممارسات، إذ يسعون عند ملاحظتها إلى توثيقها بالصور أو مقاطع الفيديو والتبليغ عنها في محاولة لإنقاذ الأطفال، وعندما تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي مقاطع تظهر تعرض أطفال للعنف، يحرص الناشطون على التفاعل معها ويطالبون بمحاسبة المعتدين ووضع حد لهذه الممارسات.

وقد حدث ذلك في إحدى الحالات التي انتشر فيها مقطع مصور لطفل يتعرض للضرب المبرح على يد عمه في حماة، وأثار الفيديو موجة واسعة من التفاعل بين الناشطين الذين طالبوا بمحاسبة المعتدي، قبل أن تعلن الجهات الأمنية اعتقاله، في حين نُقل الطفل إلى المشفى لتلقي العلاج.

ويؤدي التعنيف إلى تداعيات خطيرة قد تلحق بالأطفال على المستويات الجسدية والنفسية والتعليمية، كما قد تتأثر علاقتهم بعائلاتهم لتتحول من مصدر للأمان إلى مصدر للخوف، ما يؤدي إلى فقدان الثقة داخل الأسرة.

يقول فادي النايف، عامل دعم نفسي بالمشفى الجراحي التخصصي في إدلب، إن تكرار انتشار مقاطع تعنيف الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس وجود خلل عميق في منظومة القيم الأسرية والاجتماعية، وضعفاً في الوعي بأساليب التربية السليمة، إضافة إلى غياب الردع القانوني أو ضعف تطبيقه على أرض الواقع.

ويضيف النايف أن هذه المقاطع تكشف عن تطبيع خطير مع العنف داخل المجتمع، وتحويل معاناة الطفل إلى أداة للانتقام أو الاستعراض أو ما يُسمّى خطأً بـ“التأديب”، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظاهرة يشكّل تهديداً حقيقياً للسلام الاجتماعي على المدى البعيد، وقد يساهم في نشوء جيل يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية، ويكون أكثر ميلاً إلى العنف أو الانعزال أو حتى الانخراط في سلوكيات منحرفة مستقبلاً.

ويتابع في تصريح لـ شام، أن العنف يُضعف ثقة الطفل بنفسه وبأسرته والمجتمع من حوله، ويُرسّخ دائرة مغلقة ينتقل فيها السلوك العنيف من جيل إلى آخر، منوهاً إلى أن هذه الممارسات تخلّف تداعيات خطيرة على مختلف المستويات النفسية والجسدية والصحية والتعليمية.

فعلى الصعيد النفسي، يتسبب العنف في شعور الأطفال بالخوف الدائم والقلق والاكتئاب، إضافة إلى ضعف الثقة بالنفس واضطرابات النوم، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى ظهور ميول عدوانية أو أفكار انتحارية، أما من الناحية الجسدية، فقد يؤدي العنف إلى الإصابة بكدمات وكسور وتشوهات مختلفة، فضلاً عن آثار صحية مزمنة تنتج عن الضغط النفسي المستمر الذي يتعرض له الطفل.

فيما يخص الجانب التعليمي، يكون الطفل المعنَّف معرضاً لضعف التركيز وتراجع التحصيل الدراسي، وقد تنشأ لديه مشاعر النفور من المدرسة مع ارتفاع احتمالية التسرب المبكر، نتيجة عيشه في بيئة غير آمنة تحرم نموّه السليم وتؤثر على قدراته التعليمية والاجتماعية.

ويقترح النايف مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال، تبدأ بتفعيل القوانين وتطبيقها بحزم لحماية الطفل دون تهاون، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأساليب التربية الإيجابية عبر الإعلام والمدارس ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني. 

كما تشمل الحلول توفير خطوط دعم وإبلاغ سرية لحماية الأطفال المعنَّفين، وتأهيل الأهل نفسياً وتربوياً، لا سيما في البيئات المتضررة من الفقر أو النزاعات، عبر ورش عمل وندوات وحوارات.

ويُوجّه فادي النايف رسالة للآباء والأمهات قائلاً إن أطفالهم ليسوا ممتلكات أو أدوات لتفريغ الغضب أو وسيلة للانتقام من الخلافات، وإنما أمانة في أعناقهم، ويؤكد في ختام حديثه أن ما يزرعونه اليوم في نفوس الأبناء سيترجم غداً "سلوكاً ومواقف".

اقرأ المزيد
١٣ مارس ٢٠٢٦
مقتل فتاة رغم التعهد بحمايتها… قضية تل الضمان تشعل النقاش حول "جرائم الشرف" بسوريا

أثارت قصة الفتاة التي قتلت على يد شقيقها في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي، حالة من الجدل، وأعادت فتح النقاش حول ظاهرة جرائم الشرف في المجتمع السوري وتأثيرها المدمر على النساء، وعن ماهية القوانين الناظمة التي يمكن الاستناد إليها لمتابعة هذه القضايا.


بدأت أحداث القضية عندما غادرت الفتاة منزلها برفقة شاب من قرية العطشانة المجاورة بنية الزواج، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين العشائر، واحتجاز ثلاثه شبان من عشيرة الشاب احتجاجاً على الواقعة، قبل أن تتدخل وساطة وجهاء لحماية الفتاة والتوصل إلى اتفاق مع والدها.

ورغم تعهد والدها خلال اجتماع عُقد في إحدى المضافات، بحضور مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر والقبائل جهاد عيسى الشيخ، ووجهاء من قبيلة البكارة بعدم المساس بالفتاة، أقدم شقيقها على قتلها بعد عودتها إلى المنزل، ما أثار حالة من الصدمة والتعاطف الواسع مع مصيرها.

وتعرف جرائم الشرف بأنها أفعال عنف ترتكب بحق أفراد، غالباً النساء والفتيات، بزعم حماية شرف الأسرة أو القبيلة، وتشمل القتل أو الإيذاء الجسدي أو النفسي، وتبرر هذه الأفعال استناداً إلى أعراف اجتماعية أو تقاليد قبلية، مما يجعل الضحايا أكثر عرضة للخطر ويبرز تأثير الضغوط الجماعية على استمرار هذه الانتهاكات.

وتتعدد أسباب استمرار وقوع جرائم الشرف في المجتمع السوري، أبرزها الأعراف والتقاليد القبلية والاجتماعية، والضغط العائلي، إلى جانب الجهل ونقص الوعي بالقوانين وحقوق الإنسان، فضلاً عن وجود ثغرات في تطبيق القانون تتيح للجناة التهرب من العقوبة.

تقول آلاء محمد، صحفية وناشطة مدافعة عن حقوق النساء، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية الخاطئة تلعب دوراً في استمرار هذه الظاهرة، فالكثير من ما يُسمى بجرائم الشرف تُرتكب تحت ضغط اجتماعي أو خوف من “العار” أكثر من كونها نتيجة حادثة فعلية.

وتضيف أن في بعض البيئات ما زالت هناك مفاهيم تعتبر أن استعادة “السمعة” لا تتم إلا بالعنف، وأن قتل المرأة قد يكون مبرراً اجتماعياً، مشيرة إلى أن هذه المفاهيم تُعزز أحياناً بخطابات دينية أو إعلامية تقليدية، وتُعاد إنتاجها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، مما يجعل تغييرها عملية بطيئة لكنها ضرورية. 

يقول علي محكد اسكان، محامي وباحث في السياق القانوني والحقوقي، مستنداً إلى خبرته في مثل هذه القضايا، إنه من الجانب الاجتماعي، يرتبط موضوع ما يُسمى بجرائم الشرف بمفهوم الشرف في بعض المجتمعات الريفية والعشائرية، حيث يُربط تقليدياً بين الشرف والسلوك الجنسي أو العاطفي، مثل اعتبار الزواج خارج موافقة العائلة مسّاً بشرف العائلة، مما يستدعي استعادة الشرف وفق المفهوم الاجتماعي التقليدي السلبي.

ويضيف في تصريح لـ "شام" أن الضغط الاجتماعي والوصمة يشكلان عاملًا ضاغطاً لارتكاب هذه الجريمة، مع النظر إلى المرأة على أنها عار يجب “غسله” بالقتل، ويلفت إلى أن ضعف الرادع القانوني ومنح الأعذار المخففة قانونياً وقضائياً كان سبباً ودافعاً للقتل، وفي بعض الحالات كانت الجريمة تُرتكب من قبل البالغين، ثم يُلصق بها الأطفال للحصول على أقل العقوبات القانونية الممكنة.

وتؤدي جرائم الشرف إلى آثار مباشرة على النساء في المجتمع السوري، إذ تُعرض حياتهن للخطر، وتُقيّد حرياتهن الشخصية والاجتماعية، بما يشمل التعليم والعمل واتخاذ القرارات الخاصة بحياتهن، كما تؤثر على وضعهن النفسي والاجتماعي، حيث يعيشن في ظل ضغوط وخوف مستمر من المجتمع والعائلة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها النساء نتيجة استمرار هذه الأعراف والتقاليد القبلية.

ويؤكد المحامي علي، أنه وفق القانون السوري لا يوجد مصطلح قانوني مستقل باسم “جرائم الشرف”، ولا توجد جريمة مستقلة بهذه التسمية المحددة، بل تعتبر جريمة متكاملة الأركان ويتم التعامل معها على أنها جريمة قتل أو إيذاء، مع وجود بعض المواد التي تمنح عذراً مخففاً إذا ارتكبت الجريمة بدافع ما يُسمى بـ”الشرف”.

ويتابع أنه لا يوجد تعريف قانوني مباشر لجريمة الشرف في قانون العقوبات السوري، إذ تُعد جريمة قائمة بحد ذاتها، وتُصنّف عادة ضمن جرائم القتل العمد أو القصد أو الضرب المفضي للموت أو الإيذاء.

ويردف أن المادة /548/ من قانون العقوبات السوري كانت من أكثر المواد استخداماً في سياق ما يُسمى بجريمة الشرف تاريخياً، إذ كانت تمنح القاتل عذراً مخففاً، حيث كانت العقوبة أخف كثيراً مقارنة بجريمة القتل العمد أو القصد، لاحقاً، تم تعديل هذه المادة وأُلغيت الحماية التي كانت تمنح للقاتل، وأصبح التعامل مع الجريمة على أساس أنها جريمة قتل عادية.

ويشير إلى أنه من حيث العقوبات التي قد تترتب على الفاعل، ولا سيما بعد تعديل قانون العقوبات حيث تم التعامل معها على أنها جريمة قتل بحد ذاتها، فقد تكون العقوبات: القتل العمد: الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، القتل القصد: الأشغال الشاقة لمدة 15–20 سنة، الضرب المفضي للموت: أشغال شاقة مؤقتة، لكن حتى بعد إلغاء النص الخاص بالأعذار المخففة أو المخلة يمكن للمحاكم تطبيق أعذار مخففة، مثل استغلال عنصر المفاجئة أو الظروف الشخصية للقاتل.

وفي سياق الحلول التي يمكن اتباعها للحد من هذه الظاهرة، تؤكد الصحفية ٱلاء محمد أن الموضوع يتطلب عملاً متكاملاً على عدة مستويات، أولاً، تعزيز القوانين التي تجرّم هذا النوع من العنف بشكل واضح، وضمان تطبيقها دون أي أعذار مخففة، ثانياً، نشر الوعي المجتمعي حول حقوق النساء وكرامتهن الإنسانية، عبر التعليم والإعلام وبرامج التوعية. 

ثالثاً، دعم منظمات المجتمع المدني التي تعمل على حماية النساء وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وأخيراً، فتح نقاش مجتمعي أوسع يراجع المفاهيم التقليدية المرتبطة بالشرف والسمعة، ويؤكد أن حماية الحياة الإنسانية يجب أن تكون القيمة الأعلى في المجتمع

ويشير إسكان إلى أن التوعية المجتمعية والقانونية تلعب دوراً رئيسياً في الحد من تفاقم ظاهرة جرائم الشرف، من خلال نشر الوعي ابتداءً من المدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني وكافة المؤسسات، ومن خلال الإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي، على أن تمتد هذه الأنشطة إلى كافة المناطق، خاصة الريفية والنائية والبعيدة عن مراكز المدن الرئيسية.

ويشدد على أهمية نشر التوعية القانونية من خلال مراكز الإرشاد القانوني والاجتماعي، والمراكز الاستشارية للناجين من العنف والمعرضين له، والعمل من خلال كافة المؤسسات للوصول إلى أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، وينوه في ختام حديثه إلى إمكانية إنشاء مراكز توجيهية لتقديم النصح والإرشاد للنساء والأسر، وتقديم نصائح قانونية وإرشادات حقوقية، وآليات الإبلاغ وطلبات الحماية للناجيات من العنف الجنسي أو التحرش أو الاستغلال الجنسي.

اقرأ المزيد
١٣ مارس ٢٠٢٦
دعوات التسامح في رمضان: طي صفحات الخلاف وتعزيز الروابط في المجتمع السوري

تتجدد في شهر رمضان الكريم دعوات التسامح وطيّ صفحات الخلاف بين الناس، إذ يُنظر إليه كفرصة لتعزيز القيم الإيجابية وتشجيع التقرب إلى الله وكثرة العبادات، ويسعى كثيرون في أجوائه الروحية إلى إنهاء الخصومات والنزاعات وفتح صفحة جديدة مع الٱخرين تقوم على الصفح والمودة.

وتتجلى مظاهر التسامح خلال الشهر الفضيل بصور متعددة، منها مبادرة البعض بالاعتذار من الذين أخطأوا بحقهم بشكل مباشر، إما بزيارة منزلية أو اتصال هاتفي أو رسالة عبر أحد التطبيقات، بينما يكتب آخرون منشورات على منصات التواصل الاجتماعي يطلبون فيها السماح والعفو بمناسبة شهر رمضان من كل شخص ارتكبوا بحقه خطأ ما، سواء بقصد أو دون قصد.

ببعض الأحيان يقف "الكبرياء" عائقاً أمام عودة الأمور إلى نصابها الطبيعي، إذ ينتظر كل طرف من الآخر المبادرة الأولى، ظناً منه أن الخطوة نحو الصلح نوع من الضعف وقد تقلل من مكانته، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً، وقد يكون الخوف من رفض الطرف الآخر للاعتذار سبباً إضافياً لتأجيل المصالحة.

في هذه الحالة يتدخل طرف ثالث لإعادة اللحمة بين الأشخاص الذين نشبت بينهم خلافات، وقد يكون هؤلاء الوسطاء من وجهاء المجتمع، أو الأقارب، أو الأصدقاء المشتركين، الذين يسعون لتقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين.

وفي الوقت ذاته تتداول صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لرجال دين يتحدثون عن أهمية التسامح والصلح والعفو عند المقدرة، مؤكدين أن رمضان فرصة لمراجعة النفس وإصلاح العلاقات بين الأهالي، بهدف إيصال رسالة تشجع المشاهدين على التسامح والعفو وتقديم الاعتذار عند الخطأ.

تعتبر ثقافة التسامح وحل الخلافات من الركائز الأساسية للقيم الاجتماعية في المجتمع السوري، وتتجلى بشكل أوسع خلال شهر رمضان، إذ تنبع من مجموعة من العوامل، أبرزها التأثير الكبير للدين الذي يشجع على العفو والإصلاح بين الناس.

إضافة إلى ذلك، تلعب العادات الاجتماعية دوراً مهماً في تعزيز الروابط الأسرية وروابط الجيرة، كما يحرص كثيرون على إنهاء الخصومات حفاظاً على تماسك المجتمع ووحدته.

لا تقتصر الآثار الإيجابية لثقافة التسامح على حل الخلافات، بل تمتد إلى داخل الأسرة، حيث يشاهد الأبناء الكبار وهم يعتذرون عند الخطأ ويسامحون عند الطلب، فيتعلمون منذ الصغر أهمية الاعتذار والتسامح، لتصبح سمة من سلوكهم حين يكبرون.

ويؤكد أخصائيون نفسيون أن حل الخلافات والتسامح يمنح الأشخاص شعوراً بالراحة النفسية ويخفف التوتر الناتج عن الخصومات الطويلة، كما يقلل القلق المرتبط بالالتقاء بمن يختلف معهم في العمل أو الأماكن العامة، ويُسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد والعائلات، ويحد من انتشار الكراهية والانقسامات داخل المجتمع.

تعكس دعوات التسامح رغبة السوريين في الحفاظ على المحبة والمودة بين أفراد المجتمع ووعيهم بتأثير الخلافات على الروابط الأسرية والجيرة، حيث يغتنمون أجواء شهر رمضان لتعزيز العفو والتسامح، مع الحرص على نقل هذه القيم الإيجابية للأجيال القادمة لتصبح جزءاً من سلوك المجتمع اليومي.

اقرأ المزيد
١٢ مارس ٢٠٢٦
أصحاب البسطات بين سندان قرارات الإزالة ومطرقة الفقر.. واقع مؤلم يتجاوز الصورة الحضارية

تُعدّ البسطات واحدة من أكثر المشاهد حضوراً في شوارع المدن السورية خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت الأرصفة والساحات العامة إلى مساحات عرض بسيطة لبضائع متنوعة، من الخضار والفواكه إلى الملابس والمواد الغذائية والأدوات المنزلية.

والبسطة، في أبسط تعريفاتها، هي وسيلة بيع غير نظامية تعتمد على عرض السلع فوق طاولة أو عربة صغيرة أو حتى على الأرض مباشرة، وغالباً ما تكون من دون ترخيص رسمي أو مكان ثابت.

بالنسبة لكثير من السوريين، لم تعد البسطة مجرد نشاط تجاري عابر، بل أصبحت وسيلة للبقاء الاقتصادي في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع تدهور القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر، لجأت آلاف الأسر إلى هذا النوع من العمل لتأمين دخل يومي بأقل الإمكانات الممكنة، ما جعل ظاهرة البسطات تتوسع في مختلف المحافظات.

وتكشف الأرقام الصادرة عن منظمات دولية حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها السوريون، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعيش نحو ربع السوريين في فقر مدقع وفق تقديرات البنك الدولي.

كما تشير بيانات دولية إلى أن الفقر طال نحو 69% من السكان عام 2022، أي ما يقارب 14.5 مليون شخص، في حين يعتمد ملايين السوريين على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

في ظل هذه الظروف، تحولت البسطات إلى أحد أبرز مظاهر التكيف الاقتصادي لدى شرائح واسعة من المجتمع، حيث يمكن البدء بها برأس مال بسيط ومن دون إجراءات معقدة، الأمر الذي يجعلها خياراً متاحاً لمن فقدوا وظائفهم أو لم يتمكنوا من دخول سوق العمل الرسمي.

بين التنظيم والإزالة

خلال الفترة الأخيرة، شهدت عدة مدن سورية حملات مكثفة لإزالة البسطات والإشغالات غير النظامية من الشوارع والأرصفة، في إطار محاولات تنظيم الأسواق وتحسين الحركة المرورية والمظهر العام للمدن.

في حلب، نفذت الضابطة المركزية في مجلس المدينة حملات ميدانية لإزالة البسطات المنتشرة في عدد من الشوارع والأحياء، استجابة لشكاوى المواطنين المتعلقة بصعوبة استخدام الأرصفة واختناق حركة المرور.

وأكد رئيس مجلس مدينة حلب محمد علي العزيز أن هذه الحملات تأتي ضمن خطة عمل مستمرة لتنظيم المدينة وتحسين الواقع الخدمي فيها، مع التشديد على أهمية تعاون أصحاب المحال والمواطنين لإنجاح هذه الإجراءات.

وفي السياق ذاته، التقى قائد الأمن الداخلي في حلب العقيد محمد عبد الغني عدداً من أصحاب البسطات في حي الفرقان، عقب تجمع عشرات منهم في المكان، حيث شدد على ضرورة الالتزام بالقرارات التنظيمية الصادرة لتنظيم حركة الأسواق.

وأشار إلى تخصيص مواقع بديلة للبسطات في عدة أحياء بما يضمن انسيابية البيع والشراء ويمنع إغلاق الطرقات أو حدوث ازدحامات مرورية.

وفي درعا، بدأ مجلس المدينة حملة لإزالة البسطات بعد توجيه إنذارات خطية متكررة لأصحابها من دون استجابة.

وأوضح معاون رئيس المجلس الدكتور جهاد أبو نبوت أن البلدية خصصت مواقع بديلة للباعة في شارع فرن الطير، مؤكداً أن الهدف ليس إلغاء البسطات وإنما نقلها إلى أماكن أكثر تنظيماً قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباعة وتحقيق بيئة مناسبة للبائع والمستهلك.

أما في حمص، فقد أطلقت الجهات المعنية حملة مماثلة لإزالة إشغالات الطرق والأرصفة وتنظيم الأسواق الشعبية، مع تحديد مواقع وأيام محددة لعمل البسطات ضمن أسواق منظمة في عدة أحياء، بما يسهم في ضبط النشاط التجاري وتحسين المظهر الحضري للمدينة.

هذه الإجراءات تعكس محاولة السلطات المحلية تحقيق توازن بين متطلبات التنظيم العمراني وضرورات الواقع الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول قدرة البدائل المطروحة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباعة الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر دخل أساسي.

صوت أصحاب البسطات

في المقابل، يؤكد عدد من أصحاب البسطات أن هذا العمل يمثل بالنسبة لهم الوسيلة الوحيدة المتاحة لتأمين لقمة العيش في ظل صعوبة الحصول على وظائف ثابتة أو امتلاك رأس مال يسمح باستئجار محل تجاري.

ويشير بعضهم إلى أن البسطة توفر دخلاً يومياً متواضعاً لكنه يضمن الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، كما تمنحهم مرونة في التنقل بين المناطق أو تغيير نوع البضائع المعروضة بحسب الطلب.

ويقول آخرون إن العمل على البسطة يرافقه العديد من الصعوبات، أبرزها عدم الاستقرار نتيجة الحملات المتكررة لإزالة الإشغالات، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالعمل في الشوارع المزدحمة وحركة المرور، فضلاً عن غياب أي حماية قانونية أو تنظيم واضح لهذا النوع من النشاط.

ويؤكد بعض الباعة أنهم يضطرون للاستمرار في هذا العمل رغم تلك التحديات، لعدم توفر بدائل اقتصادية أخرى تمكنهم من إعالة أسرهم.

وفي الجهة المقابلة، يعبر عدد من أصحاب المحال التجارية عن انزعاجهم من انتشار البسطات بالقرب من محلاتهم، معتبرين أن ذلك يخلق منافسة غير متكافئة ويؤثر في حركة الزبائن والمبيعات، فضلاً عن المشكلات الخدمية المرتبطة بالازدحام وإشغال الأرصفة.

ومع ذلك، يقر كثير منهم بحاجة الباعة إلى العمل لتأمين دخلهم، ما يعكس تعقيد هذه القضية وتشابك أبعادها الاقتصادية والاجتماعية.

البسطات في قلب الجدل السياسي والاجتماعي

لم يعد ملف البسطات مجرد قضية خدمية تتعلق بتنظيم الأسواق، بل تحوّل إلى موضوع نقاش سياسي واجتماعي أوسع يرتبط بالوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة في البلاد.

فمن جهة، ترى بعض الجهات أن انتشار البسطات بشكل عشوائي يخلق مشكلات خدمية وبيئية مثل الازدحام المروري والتعدي على الأرصفة والأملاك العامة، إضافة إلى منافسة غير متكافئة مع المحال التجارية المرخصة.

لكن في المقابل، يرى ناشطون وباحثون اقتصاديون أن التعامل مع الظاهرة من زاوية تنظيمية بحتة قد يتجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي لها.

ويشير سياسيون وباحثون إلى أن البسطات تمثل بالنسبة لكثير من العائلات السورية مصدر الدخل الوحيد المتبقي، وأن إزالتها من دون توفير بدائل حقيقية قد يدفع الفئات الفقيرة إلى مزيد من الهشاشة الاقتصادية.

كما يطرح بعض الخبراء مقاربات بديلة تقوم على تنظيم الظاهرة بدلاً من إلغائها، عبر تخصيص أماكن قانونية للبسطات موزعة في الأحياء المختلفة وتنظيم عملها زمنياً في أوقات محددة.

ويقترح خبراء أيضاً تصميم أكشاك منخفضة الكلفة تحسن المشهد العام وتوفر بيئة عمل أفضل للباعة، إضافة إلى فرض معايير للنظافة وإدارة النفايات، إلى جانب تسجيل أصحاب البسطات ضمن قواعد بيانات رسمية تسمح بفهم أوضاعهم الاقتصادية وتطوير برامج دعم أو قروض صغيرة تساعدهم على تطوير أعمالهم.

معضلة اقتصادية تحتاج إلى حلول واقعية

في ظل الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، تبدو ظاهرة البسطات أكثر من مجرد مسألة تتعلق بتنظيم الأرصفة أو المظهر الحضري للمدن، إذ تعكس في جوهرها تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة فرضتها سنوات الحرب وتراجع فرص العمل النظامية.

فانتشار هذا النوع من الأنشطة يرتبط مباشرة بارتفاع معدلات الفقر وتراجع مصادر الدخل لدى شريحة واسعة من السوريين، ما دفع كثيرين إلى اللجوء إلى العمل غير المنظم كوسيلة لتأمين احتياجاتهم اليومية.

ومع اتساع هذه الظاهرة، تواجه إدارات المدن معادلة معقدة تتمثل في ضرورة الحفاظ على التنظيم العمراني وانسيابية الحركة المرورية، مقابل الحاجة إلى مراعاة الواقع الاقتصادي الذي يدفع آلاف الأسر للاعتماد على هذه الأعمال كمصدر رزق أساسي.

وبين هذين الاعتبارين، يبرز تحدٍ حقيقي يتمثل في إيجاد سياسات أكثر توازناً تقوم على تنظيم البسطات وإدماجها تدريجياً ضمن إطار اقتصادي وخدمي منظم، بما يحقق التوازن بين متطلبات المدينة واحتياجات السكان المعيشية.

اقرأ المزيد

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢١ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٤ مايو ٢٠٢٦
حين تقود التكنولوجيا الحرب.. كيف غيّرت الدرونز موازين القتال؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٠ مايو ٢٠٢٦
عن حب الحماصنة لحمص..!!
محمد العلي
● آراء ومقالات
٧ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا غوغل تعيد تشكيل البحث.. الذكاء الاصطناعي "يستعين بالبشر" لإظهار نتائج أفضل
فريق العمل
● آراء ومقالات
٥ مايو ٢٠٢٦
الخصخصة هل تَحلّ مشكلة القطاع العام...؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري
● آراء ومقالات
٤ مايو ٢٠٢٦
أزمة السيولة في المصارف، متى تُحلّ..؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري
● آراء ومقالات
٣ مايو ٢٠٢٦
زيادة الرواتب، هل تُحسِّن المعيشة أم ترفع التضخم؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري