حين يتحول الطموح إلى ضغط… كيف تؤثر ممارسات الأهل على طلاب البكالوريا؟
حين يتحول الطموح إلى ضغط… كيف تؤثر ممارسات الأهل على طلاب البكالوريا؟
● مجتمع ٦ مايو ٢٠٢٦

حين يتحول الطموح إلى ضغط… كيف تؤثر ممارسات الأهل على طلاب البكالوريا؟

تشهد مرحلة الشهادة الثانوية العامة في سوريا، لجوء بعض الأهالي إلى اتباع أساليب صارمة في التعامل مع أبنائهم، من خلال دفعهم إلى الدراسة لساعات طويلة وفرض برامج مكثفة، في محاولة لضمان تحقيق معدلات مرتفعة تتيح لهم دخول تخصصات يرونها “مرموقة” مثل الطب أو الهندسة أو الصيدلة.

 وغالباً ما يرتبط هذا التوجه برغبة في تحقيق مكانة اجتماعية أو الظهور بصورة معينة أمام الآخرين، في المقابل، تميل عائلات أخرى إلى توجيه أبنائها نحو مسارات محددة دون مراعاة ميولهم أو اهتماماتهم، ما يطرح تساؤلات حول حدود دور الأهل بين الدعم والتوجيه، وبين الضغط وفرض الاختيارات.

إلا أن هذه  الممارسات لا تمر دون آثار على الطلاب، إذ قد تنعكس في ارتفاع مستويات القلق والتوتر، وتراجع الدافعية نحو الدراسة، إلى جانب صعوبات في التركيز والأداء خلال الامتحانات، كما يمكن أن تدفع بعضهم إلى التسويف أو الشعور بالإرهاق الذهني، ما يؤثر على تحصيلهم الدراسي بشكل عام.

ضغوط متزايدة على طلاب البكالوريا… بين التحفيز والنتائج السلبية

قال الدكتور محمد الحمادي، عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بداية مرحلة الثالث الثانوي، أو ما تُعرف بالبكالوريا، هي مرحلة فاصلة في المستقبل الدراسي للطلبة، لذلك يبالغ بعض الأهل في الضغط على أبنائهم الطلبة بشكل عام، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن الضغط المعتدل قد يكون محفزاً أحياناً، لكن الضغط الزائد غالباً ما يؤدي إلى نتائج سلبية على الجانب النفسي والدراسي.

وأضاف أن من أبرز الضغوط التي يمارسها الأهل الإصرار على تحقيق معدلات عالية جداً، ودخول تخصصات محددة كالطب والصيدلة والهندسة، دون مراعاة ميول الطالب أو قدراته، مع مقارنة مستمرة بالآخرين، إلى جانب المراقبة الزائدة للدراسة، كالتدخل في كل تفاصيل المذاكرة، ووضع جدول دراسي صارم دون مرونة، مما قد يقلل من شعور الطالب بالاستقلالية.

وذكر أن من بين الضغوط أيضاً التخويف من الفشل، واستخدام أسلوب التهديد أو المبالغة في عواقب الرسوب مثل "تضييع المستقبل"، وهو ما يرفع مستوى القلق بدل التحفيز، إضافة إلى المقارنة بالزملاء أو الإخوة، إذ إن مقارنة الطالب بزملائه المتفوقين أو بأشقائه تولد لديه شعوراً بالنقص أو الإحباط، عدا عن الضغط الاجتماعي والسمعة، أي ربط نجاح الطالب بصورة العائلة أمام المجتمع، وكأن النتيجة الدراسية هي انعكاس مباشر لقيمة الأسرة.

حين يتحول الضغط إلى عبء… تداعيات نفسية ودراسية على الطلاب

وأشار الحمادي إلى أن الضغط المستمر يترك استجابة فسيولوجية، واستمرار هذه الاستجابة يؤثر على اضطراب العمليات المعرفية، مثل ضعف الانتباه والتركيز والإدراك والمحاكمة، إضافة إلى ضعف الذاكرة والتذكر.

وبيّن في حديث لـ شام أن من أبرز النتائج أيضاً انخفاض الدافعية للتعلم، فعندما تتحول الدراسة إلى وسيلة لتجنب العقاب أو إرضاء الآخرين، يفقد الطالب الدافعية الداخلية، مما يؤدي إلى أداء دراسي أقل جودة على المدى الطويل.

ولفت إلى أن بعض الطلاب يلجؤون إلى التسويف وتجنب الدراسة، إذ يتجهون إلى التأجيل أو الهروب منها كآلية دفاعية أمام الضغط النفسي، مما يزيد من تراكم المهام وضعف التحصيل.

وأوضح أن التوتر المرتفع داخل قاعة الامتحان قد يؤدي إلى زيادة الأخطاء، مثل التسرع وسوء فهم الأسئلة أو نسيان المعلومات رغم معرفتها مسبقاً، وأضاف أن الضغط المفرط لفترات طويلة قد يؤدي إلى الإرهاق الذهني والإنهاك الدراسي، أو ما يشبه الاحتراق الدراسي، حيث يشعر الطالب بالإجهاد وفقدان الطاقة الذهنية.

وتابع أن ذلك قد ينعكس أيضاً في تدني الأداء العام رغم الجهد المبذول، إذ قد يدرس الطالب لساعات طويلة، لكن بسبب الضغط النفسي لا ينعكس ذلك إيجاباً على النتائج، فتظهر فجوة بين الجهد والتحصيل.

وأشار إلى أن هذه الضغوط تنعكس على الحالة النفسية للطالب، من خلال ارتفاع مستوى القلق والتوتر، والشعور بالإجهاد النفسي، وتدني تقدير الذات، وانخفاض الدافعية، والعزلة الاجتماعية، إضافة إلى ظهور أعراض جسدية مثل الصداع، واضطرابات النوم والشهية، وبعض الاضطرابات الهضمية.

وبيّن أن إصرار بعض الأهالي على توجيه أبنائهم نحو اختصاصات محددة مثل الطب أو الهندسة يعود إلى عدة عوامل، أبرزها المكانة الاجتماعية المرتفعة لهذه التخصصات، والاعتقاد بأنها توفر استقراراً وظيفياً ودخلاً مادياً مضموناً.

 كما قد يعكس ذلك طموحات غير محققة لدى الأهل، أو تأثراً بالثقافة المجتمعية التي تمجد هذه الاختصاصات، إضافة إلى القلق على مستقبل الأبناء والرغبة في ضمانه، وأحياناً تدعم هذه التوجهات المقارنات الاجتماعية مع الآخرين.

إجبار الأبناء على التخصصات… آثار نفسية ودراسية تمتد للمستقبل

وأوضح أن إجبار الطالب على دراسة اختصاص لا يتوافق مع ميوله أو قدراته يترك آثاراً نفسية ودراسية واضحة، من بينها انخفاض الرضا النفسي، وضعف الدافعية الداخلية، وارتفاع القلق والتوتر، وضعف الثقة بالنفس وتقدير الذات، وقد يصل الأمر إلى الاحتراق النفسي.

وأضاف أن التأثيرات الأكاديمية تشمل ضعف التحصيل الدراسي، وتراجع الأداء في الامتحانات، والتسويف أو الانسحاب من الدراسة، وصعوبة الاستمرارية، وقد يصل الأمر إلى تغيير التخصص أو التعثر الأكاديمي، إلى جانب انخفاض جودة التعلم.

وأشار إلى أن ذلك قد يؤثر على استمرارية الطالب في الدراسة ونجاحه على المدى الطويل، إذ يؤدي إلى ضعف الدافعية، وزيادة احتمالية التعثر أو تغيير التخصص أو حتى الانقطاع عن الدراسة، كما ينعكس في انخفاض التحصيل وجودة التعلم، وتأخر التخرج، وضعف الجاهزية لسوق العمل، وانخفاض الرضا الوظيفي لاحقاً.

وبيّن أن للأهل دوراً مهماً في دعم أبنائهم، من خلال توفير بيئة تربوية قائمة على التشجيع والثقة بدل الإكراه والتهديد، والتركيز على تقدير الجهد لا النتائج فقط، واحترام ميول الأبناء وقدراتهم، ومنحهم مساحة من الاستقلالية في اتخاذ القرار مع متابعة معتدلة.

وأضاف أن تجنب المقارنات مع الزملاء أو النقد المستمر يسهم في الحفاظ على الثقة بالنفس وتقدير الذات، مقابل اعتماد أسلوب الدعم النفسي وتوفير بيئة آمنة للتعبير عن الضغوط والصعوبات، ما يعزز الدافعية الداخلية ويزيد فرص النجاح الأكاديمي والتكيف النفسي.

وقدم الدكتور محمد مجموعة من النصائح، من أبرزها التركيز على الدعم النفسي بدل الضغط الأكاديمي من خلال التشجيع المستمر وتخفيف القلق بدل التهديد أو التخويف من الفشل، فالمساندة تساعد الطالب على الأداء بشكل أفضل، وشدد على أهمية احترام قدرات الأبناء وميولهم وعدم فرض تخصصات أو توقعات غير واقعية؛ لأن التوافق بين الميول والدراسة يعد عاملاً مهماً في النجاح والاستمرارية.

وأكد في ختام حديثه على ضرورة تجنب المقارنات سواء مع الإخوة أو الزملاء، لأن ذلك يضعف الثقة بالنفس ويزيد القلق والتوتر، إلى جانب توفير بيئة دراسية متوازنة، واعتماد الحوار المفتوح، إضافة إلى المشاركة الإيجابية في تنظيم الدراسة دون تدخل مفرط، منوهاً إلى أن النجاح لا يُقاس بالدرجات فقط، بل يشمل أيضاً الصحة النفسية.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ