طقوس العزاء في سوريا.. حين يتحول الحزن إلى تضامن جماعي
طقوس العزاء في سوريا.. حين يتحول الحزن إلى تضامن جماعي
● مجتمع ٣ أبريل ٢٠٢٦

طقوس العزاء في سوريا.. حين يتحول الحزن إلى تضامن جماعي

يتميز المجتمع السوري بعادات وتقاليد اجتماعية ودينية راسخة في أيام العزاء، حيث تتحول لحظة الفقد إلى حالة جماعية من التضامن، فإذا خسرت إحدى العائلات فرداً منها، يتجمع حولها الأهل والأقارب والجيران وكأن المصاب يطالهم جميعاً، في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية وقوة النسيج المجتمعي، ويُظهر بوضوح قيم التعاون والمساندة والتكافل التي تُعد من السمات الأساسية في المجتمع السوري، خاصة في الأوقات الصعبة التي تتطلب حضوراً إنسانياً وموقفاً جماعياً داعماً.

وما أن يقع المصاب، يسارع الأهالي إلى التوجه نحو عائلة الفقيد، إدراكاً منهم أن الحزن قد يسيطر على أهل المتوفى ويدخلهم في حالة من التوتر والقلق، مما قد يفقدهم القدرة على الالتزام بالطقوس والواجبات المفروضة عليهم في مثل هذه الظروف، فيتولى المحيطون بهم جزءاً كبيراً من هذه المسؤوليات، بدءاً من الترتيبات الأولى وحتى انتهاء مراسم العزاء، في محاولة لتخفيف العبء النفسي والعملي عنهم.

وفي هذا السياق، تختلف طرق الإعلان عن الوفاة بين منطقة وأخرى، ففي بعض المناطق يتم طبع النعي وتعليقه في أماكن محددة ليطّلع عليه أكبر عدد ممكن من الناس، وتتضمن النعوة عادة اسم المتوفى وتاريخ الوفاة وأسماء الأقارب المباشرين، إضافة إلى عبارات الدعاء، كما قد توضح مكان ووقت إقامة بيت العزاء لتيسير حضور المعزين، بينما يكتفى في مناطق أخرى بالإعلان عن الوفاة عبر المناداة في الجامع وتحديد موعد صلاة الجنازة، وهي طريقة تقليدية ما تزال حاضرة في كثير من القرى والبلدات.

وبعد الإعلان عن الوفاة تبدأ مباشرة إجراءات تجهيز المتوفى، حيث يساعد الأقارب والمعارف في تأمين الكفن وإحضار المغسل، والبدء بحفر القبر وتجهيزه، وتتم عملية غسل الميت وتكفينه وفق الطقوس الدينية المتبعة، ثم يُودّع من قبل أهله وأقاربه قبل أداء صلاة الجنازة، ليُحمل بعدها إلى المقبرة ويوارى الثرى في صورة يختلط فيها الحزن بالدعاء والرجاء.

وبالتوازي مع هذه الإجراءات، ينشغل آخرون بنصب خيمة العزاء المعروفة باللهجة المحلية باسم "بيت الشعر"، وهي شوادر تُثبت على قضبان معدنية خصيصاً لهذه الغاية، ويتم تجهيزها من الداخل بالكراسي لاستقبال المعزين، لتكون بمثابة مساحة يجتمع فيها الناس لتقديم واجب العزاء والتعبير عن مواساتهم لأهل الفقيد، وهو تقليد يعكس الطابع الجماعي لهذا الظرف.

وبعد الانتهاء من الدفن، يبدأ توافد المعزين إلى بيت العزاء، حيث يجتمع الرجال في الخيمة، بينما تستقبل النساء المعزيات في منزل الأسرة، ويغلب ارتداء اللون الأسود تعبيراً عن الحزن، وتُتبادل عبارات المواساة والدعاء، في أجواء يسودها الاحترام والتعاطف.

وخلال ذلك، يتولى بعض الأشخاص تحضير القهوة المرة التي تُعد جزءاً أساسياً من طقوس العزاء، فيما يتطوع عدد من شبان الحي لخدمة الحضور وتقديم القهوة وتنظيم المكان ومساندة أهل المتوفى، في حين تتجه النساء إلى منزل الفقيد لمساعدة أهله في الأعمال المنزلية ومواساة النساء واستقبال المعزيات، وهو ما يعكس تكامل الأدوار بين أفراد المجتمع في مثل هذه الظروف.

وتستمر طقوس العزاء عادة لثلاثة أيام، يتم خلالها قراءة القرآن والدعاء للميت، ويحرص الأهالي على البقاء إلى جانب أهل الفقيد وتقديم الدعم المعنوي لهم، سواء من خلال الحضور المستمر أو الكلمات التي تخفف من وقع المصاب، في محاولة لمساندتهم نفسياً وتخفيف شعورهم بالفقد.

وفي بعض المناطق، تُحضّر وجبات الطعام وتُرسل إلى منزل المتوفى، نظراً لانشغال العائلة باستقبال المعزين وعدم قدرتها على القيام بواجباتها اليومية، وهو تقليد يعبر عن روح التعاون والتكافل، بينما تغيب هذه العادة في مناطق أخرى بحسب اختلاف العادات المحلية.

وخلال فترة العزاء، يلتزم المحيطون بأهل الفقيد بتجنب أي مظاهر قد تجرح مشاعرهم، كرفع أصوات التلفاز أو الموسيقى، كما يمتد هذا الاحترام إلى ما بعد انتهاء العزاء، حيث يؤجل الجيران أي مظاهر للفرح كالأعراس أو الاحتفالات، تعبيراً عن مشاركتهم الحزن ومراعاة لمشاعر العائلة المفجوعة.


ورغم الظروف القاسية التي مرّ بها السوريون خلال سنوات النزوح والشتات، بقيت هذه المظاهر حاضرة بشكل لافت، فبرغم ابتعاد كثيرين عن أقاربهم ومعارفهم، وجدوا من يساندهم في المجتمعات التي استقروا فيها، حيث ساهم المحيطون بهم في إتمام المراسم والطقوس وتقديم الدعم المعنوي، مما يؤكد أن التكاتف المجتمعي في المجتمعات العربية لا يقتصر على العائلة والمعارف فقط، بل يمتد ليشمل علاقات الجيرة وروابط المجتمع المحلي.


كما حرص السوريون على مساندة أهاليهم وأقاربهم في حالات الوفاة رغم عدم قدرتهم على الحضور المباشر، من خلال تقديم التعازي عبر تطبيقات التواصل، سواء بالمكالمات أو الرسائل النصية، إضافة إلى تقديم المساعدة المالية أحياناً، في محاولة لتعويض الغياب الجغرافي والمساهمة في تخفيف الأعباء.


ويعكس ذلك عمق الروابط الاجتماعية رغم المسافات البعيدة، ويؤكد أن التكاتف في المجتمع السوري لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالقيم المتجذرة، كما يدل استمرار هذه الممارسات على وفاء السوريين لعاداتهم وقدرتهم على الحفاظ عليها رغم التغيرات والظروف الصعبة.

وتبقى طقوس العزاء نموذجاً واضحاً على التضامن الإنساني والتلاحم المجتمعي، حيث يجسد الوقوف إلى جانب أهل المتوفى التزاماً أخلاقياً يعكس أصالة المجتمع واستمرارية تقاليده، ويؤكد أن قيم التعاطف والمساندة لا تزال حاضرة بقوة في وجدان السوريين مهما تغيرت الظروف.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ