جرائم العنف ضد المرأة في سوريا: بين التقاليد والممارسات الاجتماعية والهشاشة القانونية
تتعرض العديد من النساء في سوريا لمختلف أشكال العنف، من العنف الأسري والتحرش إلى جرائم الشرف التي قد تصل إلى القتل، في ظل غياب حماية قانونية كافية وثقافة مجتمعية تقليدية تزيد من هشاشتهن، هذه الجرائم تعكس تداخل الأعراف الاجتماعية الضعيفة مع القوانين غير الفعّالة، ما يجعل حماية المرأة وضمان حقوقها أمراً ملحاً.
خلال الأسابيع الماضية، شهدت سوريا وقوع عدة جرائم من هذا النوع، من أبرزها مقتل الدكتورة الشابة روز أنس الحريري من بلدة إبطع، خريجة جامعة دمشق، على يد شاب بعد رفضها المتكرر الزواج منه.
كما قُتلت فتاة على يد شقيقها في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي، بعد أن غادرت منزلها برفقة شاب من قرية العطشانة المجاورة بنية الزواج، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين العشائر واحتجاز ثلاثة شبان احتجاجًا على الواقعة، قبل أن تتدخل وساطة من الوجهاء لحماية الفتاة والتوصل إلى اتفاق مع والدها.
ورغم تعهد والدها خلال اجتماع عُقد في إحدى المضافات، بحضور مستشار رئيس سوريا لشؤون العشائر والقبائل جهاد عيسى الشيخ المعروف بـ أبو أحمد زكور، ووجهاء من قبيلة البكارة بعدم المساس بالفتاة، أقدم شقيقها على قتلها بعد عودتها إلى المنزل، ما أثار حالة من الصدمة والتعاطف الواسع مع مصيرها.
أنواع جرائم العنف ضد المرأة
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أكدت المحامية حنان زهر الدين، رئيسة اللجنة القانونية لشبكة المرأة السورية وعضو اللجنة السياسية بحركة المرأة النسوية، أن أبرز أشكال العنف التي تتعرض لها النساء هي العنف الأسري، الذي يُمارَس عليهن من قبل الأب أو الأخ أو الزوج، ويعود إلى العادات والتقاليد السائدة والثقافة المجتمعية السائدة والتفكير الذكوري.
وأضافت أن الأصعب ضمن أشكال العنف الأسري هو ما يُعرف بـ«جرائم الشرف»، وهي من أخطر الظواهر في المجتمع، حيث تُقتل النساء بزعم ارتكابهن الزنا أو إقامة علاقات غير شرعية، وهذه الأسباب الظاهرة على السطح، لكن غالباً ما تُستخدم ذريعة لقتل النساء أيضاً لأهداف أخرى مثل الميراث، أو العنف الزوجي، أو قضايا وأسباب متعددة أخرى.
أكثر من 12 مادة تمييزية ضد المرأة
وتابعت أن الدستور السوري لا يتضمن تعريفاً لقانون العنف، وعند النظر إلى هذه الجرائم في قانون العقوبات السوري نجد أن أكثر من 12 مادة تعتبر تمييزية ضد المرأة على نفس الجريمة، فمثلاً جريمة الزنا يُحاسب عليها المرأة من قبل الزوج، ومن قبل القضاء، ومن قبل المجتمع، بينما لا يُحاسب الزوج، كما أن شروط إثبات الجريمة بالنسبة للرجل صعبة للغاية، أما المرأة فحتى لو قدم أحد الجيران أو المعارف شكوى أو تنتشر شائعة، فإنها لا تتعرض للعنف فقط، بل قد تصل إلى حد القتل.
ضعف القانون يفاقم معاناة المرأة
وأردفت أنه تغير القانون وتغير الدافع لهذا العنف أو العذر المحل، وتُعتبر جريمة، ولكن هناك سلطات تقديرية للقاضي، وهناك شروط مثل حالة ثورة الغضب أو غيرها، ما يعني أن القانون لا يزال محتفظاً بها أو أن القاضي يقر فيها، وتلجأ المجتمعات إلى حلها بعد أن تشددت المادة لتصبح جريمة قتل متعمدة بعد رصد مسبق.
وأكملت أن المجتمع كثيراً ما يلجأ إلى حل هذه القضايا عبر الوجهاء والمشايخ، حيث تُدفع الفدية وتظل المرأة الضحية، وما زالت العديد من النساء يفقدن حياتهن بهذه الطريقة، وتستمر هذه الممارسات لغياب القوانين التي تحمي المرأة، فلا توجد حماية قانونية لها لا في قانون العقوبات ولا في قانون الأحوال الشخصية.
تحديات تعيق المرأة
وأشارت إلى أن غياب قانون خاص بالعنف وغياب تعريف دقيق للعنف في القوانين شكّل فراغاً قانونياً، يستغله الرجال وأفراد الأسرة الذكور في الحكم كما يشاؤون، أما فيما يخص وصول المرأة إلى القضاء والمحاكم، فالمرأة غالباً ما تكون في وضع أضعف بكثير من الرجل، ولا تملك القرار الاقتصادي، فمعظم النساء يعملن ولكن لا يملكن السلطة المالية ولا يستطعن الوصول إلى القضاء، بينما جزء آخر من النساء يظللن صامتات حيال ما يتعرضن له من عنف معنوي وجسدي وجنسي، خوفاً من الفضيحة أمام مجتمع لا يرحم.
وأضافت أن بعض النساء يلجأن إلى المحاكم، وضبوط الشرطة، وتقديم الشكاوى، إلا أن المرأة في هذه الحالة يجب أن تدرك أنها فكّت ارتباطها من هذا الرجل، لأن تقديم شكوى ضد الزوج أو حتى ضد أخ أو والد يُعد قضية كبيرة، مشيرة إلى أن مسلسل العنف يستمر في ظل غياب القوانين.
خطوات الحماية
ونوهت إلى أن الخطوات التي يمكن أن تتخذها المرأة عند تعرضها للعنف تتضمن اللجوء إلى أقرب مخفر شرطة، أو إلى المنظمات التي تمتلك خطوطاً ساخنة لتقديم الدعم والمساعدة، أو الاستعانة بمحامٍ لرفع دعوى ضد الزوج وإثبات تعرضها للعنف الجسدي الشديد، لكنها أكدت أن هذه الحلول ليست كافية ولا تضمن حماية المرأة بشكل كامل.
الحلول الضرورية
وأكدت أنه يجب على النساء في المجتمع المدني العمل على تغيير القوانين وإصدار قانون أسرة عصري يلغي جميع المواد التمييزية، وينهي القوامة والوصاية والولاية على المرأة، مشيرة إلى أن المرأة السورية وصلت إلى مستوى متقدم جداً من الوعي والثقافة والتعليم، ولا يمكن التعامل معها بعقلية دونية أو تهميشها، كما يجب منع استخدام العنف بجميع أشكاله، النفسي والجنسي والجسدي.
وشددت المحامية حنان زهر الدين لـ "شام" على أن تعديل القوانين يمثل الحل الأساسي، مشيرة إلى أن العمل على الثقافة وتغيير الذهنية المجتمعية من أهم العوامل التي تعيد إنتاج المجتمع وتشكيله، وأكدت أن التربية في المدارس تلعب دوراً جوهرياً، من خلال نشر الوعي وثقافة المساواة ودمجها في المناهج التعليمية من الابتدائي إلى التعليم العالي، معتبرة أن هذه الخطوات تمكّن من غرس قيم المساواة واحترام المرأة ودورها في المجتمع منذ الصغر.
وأشارت إلى أن ضرورة حماية النساء أنفسهن من الاستغلال، فعلى سبيل المثال، إذا تعرضن لعنف من خلال السيطرة على أموالهن، فإن عدم تسجيل المشتريات أو الممتلكات باسمهن يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال؛ ففي حال حدوث نزاعات، قد يلجأ الزوج لاستغلال هذا الوضع، وأخذ كل شيء من المرأة، وتركها في الشارع، أو ممارسة طلاق إداري أو طلاق تعسفي.
ونوهت في ختام حديثها إلى أن القوانين قد عدلت وأصبح هناك إجراءات للمخالعة، إلا أن هذه المخالعة، برأيها، لا تخدم مصلحة المرأة الحقيقية، إذ تضطر المرأة مقابل الحصول على الطلاق إلى التنازل عن جميع حقوقها المالية على ممتلكاتها، مما يجعلها تفتدي نفسها مادياً على حساب حقوقها.