العنف الأسري في سوريا: أثره الجسدي والنفسي على النساء والفتيات
العنف الأسري في سوريا: أثره الجسدي والنفسي على النساء والفتيات
● مجتمع ٣ أبريل ٢٠٢٦

العنف الأسري في سوريا: أثره الجسدي والنفسي على النساء والفتيات

تعاني العديد من النساء السوريات من العنف الأسري، الذي يمارسه الأب أو الزوج أو الأخ، ما يسبب لهن أذى جسدياً ونفسياً، ويمتد تأثيره ليطال حياتهن الشخصية واستقرار الأسرة، ويبرز هذا الواقع الحاجة الملحة إلى تبني حلول متكاملة على المستويين التوعوي والقانوني للحد من الظاهرة وحماية النساء.

تتعدد أنواع العنف التي تتعرض له النساء داخل الأسرة، وتشمل العنف الجسدي كالضرب والاعتداء البدني، والعنف النفسي مثل الإهانة والتهديد والتحكم والإذلال المتكرر، كما يشمل العنف الاقتصادي، الذي يتمثل بحرمان المرأة من الموارد المالية أو منعها من العمل، بالإضافة إلى العنف الجنسي، الذي يتضمن الاعتداء أو التحرش داخل نطاق الأسرة، وغالباً ما تتداخل هذه الأنواع، مما يزيد من الأثر النفسي والجسدي على المرأة ويؤثر على استقرار الأسرة بأكملها.

شهادات نساء معنفات 
قالت سعاد المحمد، 19 عاماً، من إحدى قرى ريف إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الضرب داخل العائلة يُعتبر أمراً مألوفاً وطبيعياً وفق تقاليدهم، مشيرة إلى أنها واحدة من المتضررات من هذا التقليد، إذ تتعرض للضرب لأبسط الأسباب ما جعلها تفقد الثقة بأفراد عائلتها، وصارت تشعر بالخوف منهم بشكل مستمر.
من جانبها، روت ميساء نجار، 30 عاماً، أنها تتعرض للضرب المتكرر من قبل زوجها أمام أطفالها، وتضطر إلى الصمت للبقاء بجانبهم وعدم حرمانهم منه، رغم الألم النفسي والجسدي الذي تعانيه، وأوضحت أن الطلاق لن يحسن وضعها، إذ ستواجه ضغوطاً وانتقادات لاذعة من قبل العائلة والمجتمع.

التداعيات النفسية 
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال مصعب محمد علي، أخصائي علم نفس وصحة نفسية، إن العنف الأسري يترك آثاراً نفسية عميقة، وغالباً ما تكون تراكمية ومعقّدة، خصوصاً في السياق السوري حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع آثار الحرب وعدم الاستقرار.

وأضاف أنه يلاحظ بشكل متكرر حالات من القلق المزمن، حيث تعيش المرأة في حالة خوف دائم وترقّب، إضافة إلى الاكتئاب الذي يترافق مع شعور بالعجز وفقدان السيطرة على الحياة، كما أن كثيراً من النساء يطوّرن نظرة سلبية عن أنفسهن، نتيجة التعرّض المستمر للإهانة أو التقليل من القيمة.

في الحالات الأكثر شدة، تظهر أعراض صدمة نفسية واضحة، مثل الكوابيس، واسترجاع الأحداث المؤلمة، وتجنّب أي مواقف قد تذكّر بالعنف، ومع الوقت، تميل المرأة إلى الانسحاب الاجتماعي كوسيلة لحماية نفسها، لكنها في الواقع تزيد من عزلتها ومعاناتها.

وأردف المختص مصعب أن على المستوى اليومي، تعاني كثير من النساء من اضطرابات النوم، ضعف التركيز، والإرهاق النفسي، ما ينعكس على قدرتهن على العمل أو حتى القيام بالمسؤوليات الأساسية داخل المنزل.

اجتماعياً، تفقد المرأة الثقة بالآخرين، وتميل إلى العزلة، وأحياناً تنقطع عن مصادر الدعم خوفاً من الفضيحة أو اللوم، وهذا أمر شائع في المجتمع، حيث لا تزال بعض الثقافات تعتبر ما يحدث داخل الأسرة “شأناً خاصاً”.

أما على مستوى الدور الأسري، فقد تجد المرأة صعوبة في أداء دورها كأم بشكل متوازن، وقد يتأثر الأطفال نفسياً، بل وقد يعيدون إنتاج نفس أنماط العنف في المستقبل.

وتابع أن أبرز التحديات التي تواجهها النساء هي: الخوف من الوصمة الاجتماعية، الاعتماد الاقتصادي على الشخص المُعنِّف، ضعف الوصول إلى الحماية القانونية، وغياب بيئة آمنة يمكن اللجوء إليها.

لا يوجد قانون تحت مسمى "قانون مكافحة العنف الأسري"
وقال باسل موسى، محامٍ أستاذ مزاول للمهنة في نقابة المحامين بدمشق، في حديث لـ شام، إنه لا يوجد في سوريا قانون خاص ومستقل تحت مسمى "قانون مكافحة العنف الأسري"، مشيراً إلى يتم التعامل مع هذه الحالات من خلال نصوص مبعثرة في: قانون العقوبات العام: الذي يجرم الإيذاء الجسدي بشكل عام (المواد 540 وما بعدها).

ومن خلال قانون الأحوال الشخصية (القانون 59 لعام 1953 وتعديلاته في 2019): الذي يتضمن نصوصاً حول "الشقاق والضرر" لكنه يفتقر لنصوص تجريمية واضحة للعنف الأسري.

الخطوات القانونية 
وفيما يتعلق بالخطوات القانونية التي يمكن للمرأة اللجوء إليها في حال وقوع العنف، نصح قانونياً باتباع المسار التالي: التوثيق الطبي الفوري عن طريق التوجه إلى المستشفى أو الطب الشرعي للحصول على تقرير يثبت نوع الإصابة ومدة التعطيل مؤكدا أن ذلك هو الدليل الجوهري.

ثم تقديم شكوى رسمية: أمام النيابة العامة أو في أقرب مركز شرطة (تنظيم ضبط)، ورفع دعوى تفريق للضرر: أمام المحكمة الشرعية (استناداً للمادة 112 من قانون الأحوال الشخصية) في حال كان المعنف هو الزوج، لضمان حقوقها الزوجية كاملة عند الانفصال.
وأشار إلى أهمية طلب قرار حماية، فرغم ضعف الإجراءات الاحترازية، يمكن المطالبة بمنع التعرض عبر القضاء المستعجل في حالات معينة.

كيفية الإثبات
وبالنسبة العقوبات وكيفية الإثبات، أشار موسى إلى أن العقوبات تخضع لمواد الإيذاء في قانون العقوبات؛ وتتراوح بين الحبس والغرامة المالية حسب مدة التعطيل عن العمل، وتشدد العقوبة في حال أدى العنف لعاهة دائمة، منوهاً إلى أن القانون السوري لا يجرم "الاغتصاب الزوجي" كجريمة مستقلة حتى الآن.

وتابع أن كيفية الإثبات تتعلق بالخبرة الطبية من خلال تقرير الطب الشرعي الذي يعد الدليل القاطع، وشهادة الشهود بما في ذلك الجيران أو الأقارب الذين عاينوا الواقعة، إلى جانب الوسائل الرقمية: الصور، الفيديوهات، أو الرسائل التهديدية (تعتبر دليلاً قوياً وفق قانون الجرائم الإلكترونية).

حلول لظاهرة العنف الأسري

وفي سياق الحلول والإجراءات الممكنة للحد من هذه الظاهرة وحماية المرأة، قال المختص مصعب إنه على المستوى المجتمعي، هناك حاجة إلى رفع الوعي بأن العنف ليس أمرًا طبيعيًا أو مقبولًا، بل انتهاك واضح لكرامة الإنسان، إلى جانب أهمية توفير خدمات دعم نفسي آمنة وسرية، لأن كثيرًا من النساء لا يطلبن المساعدة خوفًا من انكشاف الأمر.

وتابع لا بد من تعزيز الحماية القانونية وتسهيل الوصول إليها، مع وجود مراكز آمنة لإيواء النساء المعرضات للخطر، بالإضافة إلى تمكين المرأة اقتصاديًا، لأن الاستقلال المالي يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ القرار والخروج من العلاقات المؤذية، عدا عن ضرورة العمل على مستوى الأسرة نفسها، من خلال برامج الإرشاد الأسري التي تساعد في تعديل أنماط التواصل وتقليل العنف.

وقال المحامي باسل أن من موقعه كمحامي، يقترح الآتي: تشريع قانون خاص بالعنف الأسري: يجرم كافة أشكال العنف (الجسدي، النفسي، الاقتصادي، والجنسي) بوضوح ودون مواربة، وتفعيل "الشروط الخاصة" في عقد الزواج وتوعية النساء بوضع شروط تضمن حقها في العصمة أو العمل أو السكن المستقل كأدوات حماية استباقية.

وأشار إلى أهمية إنشاء دور رعاية متخصصة تابعة للدولة توفر الحماية القانونية والجسدية الفورية للمعنفات، إلى جانب التوعية القانونية المستمرة عبر المنصات القانونية لتغيير العقلية المجتمعية التي تعتبر العنف شأناً عائلياً خاصاً.

ونوه مختصون إلى أن الحد من العنف الأسري يتطلب تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق المرأة وأهمية التواصل الأسري الصحي، إضافة إلى توفير الدعم النفسي للضحايا وتسهيل وصولهن إلى المراكز القانونية والمشورة القانونية، مؤكدين أن تفعيل القوانين الرادعة ومتابعة المخالفات بصرامة يمثل ركيزة أساسية لحماية النساء والحد من الانتهاكات داخل الأسرة.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ