نساء حملن عبء الإعالة بين النزوح والعودة وتغير الظروف المعيشية
اضطرت آلاف النساء السوريات خلال سنوات الثورة إلى تحمّل مسؤولية إعالة أسرهن، بعد غياب الأزواج نتيجة الاعتقال أو الوفاة تحت القصف أو خلال المعارك أو تحت التعذيب، ما دفع كثيراً من العائلات إلى الاعتماد الكامل على النساء كمصدر وحيد للدخل.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وتوسع رقعة الفقر، وجدن أنفسهن أمام أعباء ثقيلة تجمع بين العمل خارج المنزل ورعاية الأسرة في واقع فرضته الظروف القاسية وأعاد تشكيل الأدوار الاجتماعية داخل المجتمع السوري.
ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء
وتشير تقارير أممية إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة الأسر التي تعيلها نساء في سوريا خلال السنوات الماضية، حيث أصبحت هذه الظاهرة أكثر اتساعاً في المناطق المتضررة مع تحمّل شريحة واسعة من النساء مسؤولية الإعالة بشكل كامل، خصوصاً الأرامل وزوجات المفقودين، إضافة إلى نساء أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن في ظل غياب الذكور.
أنواع المهن المتاحة
تنوّعت الأعمال التي دخلتها النساء بين وظائف براتب شهري داخل منظمات إنسانية ومؤسسات تعليمية وخدمية، وهي الأكثر استقراراً من حيث الدخل، وأعمال منزلية صغيرة مثل الخياطة وإعداد الطعام والبيع في الأسواق المحلية، إلى جانب أعمال يومية غير منتظمة كالأعمال الزراعية والخدمات المؤقتة التي تعتمد على توفر الفرص بشكل متقطع، وقد تراوحت هذه الأعمال بين ما يوفر دخلاً نسبياً ثابتاً وما يفرض ظروفاً شاقة دخلاً محدوداً لا يغطي احتياجات المعيشة الأساسية.
قالت فاطمة حاج علي، 50 عاماً، من ريف حماة الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها فقدت زوجها بسبب القصف قبل اثني عشر عاماً لتصبح المسؤولة الوحيدة عن إعالة أبنائها الخمسة، مشيرة إلى أنها عملت في مهن متعبة ومتنوعة، من صناعة المخللات والمربيات وبيعها، إلى العمل في الورشات الزراعية.
وأضافت أن الظروف ازدادت صعوبة خلال النزوح بعد فقدان منزلها وكل ما تملك، منوهة إلى أن حجم المسؤولية كان ثقيلاً في السنوات الأولى في ظل الغلاء وصعوبة إيجاد عمل، قبل أن يصبح أخف نسبياً مع كبر أبنائها واعتمادهم على أنفسهم ومساهمتهم في تحمل جزء من أعباء الأسرة.
تحديات العمل وتأمين لقمة العيش
واجهت النساء المعيلات في سوريا جملة من التحديات اليومية، أبرزها صعوبة تأمين دخل ثابت في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الأعباء المزدوجة التي جمعت بين العمل ورعاية الأسرة، كما اصطدمت كثيرات ببيئة عمل غير مستقرة أو منخفضة الأجر، ما فرض عليهن الاستمرار في البحث عن مصادر دخل متعددة لتغطية الاحتياجات الأساسية.
قالت هناء المحمود، 45 عاما من ريف إدلب الجنوبي، في حديث لـ شام، إن أصعب ما واجهته بعد اختفاء زوجها بسبب اعتقاله من قبل قوات الأسد قبل عشر أعوام، لم يكن العمل بحد ذاته، بل تحمّل المسؤولية وحدها، موضحة أنها كانت تشعر بثقل القرارات اليومية المتعلقة بأطفالها من تعليم ومصاريف ومعيشة.
وأضافت أن غياب من يشاركها هذه المسؤولية جعلها في حالة قلق دائم، خاصة في ظل عدم وجود من تعتمد عليه عند حدوث أي طارئ، مشيرة إلى أنها كانت تواسي نفسها باحتمال عودة زوجها في أي لحظة، إلا أنه بعد التحرير لم يعد، ولم تتلقَّ عنه أي خبر حتى اليوم.
ظروف النزوح
وفاقمت ظروف النزوح من الأعباء التي تتحملها النساء المعيلات، حيث اضطرت كثيرات إلى تولي مسؤولية أسرهن في بيئات تفتقر إلى أدنى مقومات الاستقرار، سواء في مخيمات النزوح أو في بلدان اللجوء، في ظل أوضاع معيشية قاسية تتسم بضيق الموارد وارتفاع تكاليف الحياة وصعوبة الوصول إلى فرص عمل منتظمة، ما زاد من حجم الضغوط اليومية المرتبطة بتأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة.
تحديات ما بعد العودة
وحتى بعد تحرير بعض المناطق وإفساح المجال أمام العودة، واجهت النساء المعيلات عقبات إضافية، تمثلت في دمار منازلهن وحاجتها إلى الترميم أو إعادة البناء، إلى جانب ضعف الخدمات الأساسية في قرى وبلدات ومدن العودة في ريفي حلب وحماة وإدلب ومناطق أخرى كانت تحت سيطرة قوات الأسد، ما فرض عليهن الاستمرار في تحمّل أعباء معيشية مضاعفة في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
ومنهن من اضطرت للعودة إلى العيش في الخيام مجدداً بسبب عدم القدرة على إعادة بناء منازلها، فيما لجأت أخريات إلى السكن في كرفانات مؤقتة، وعمدت بعضهن إلى ترميم منازلهن بإمكانات بسيطة، في حين تمكنت قلة منهن من إعادة بناء منازلهن بالكامل بفضل امتلاكهن ظروفاً مادية أفضل.
وشكّل ذلك بداية فصل جديد من المعاناة، تمثل في صعوبة تأمين المياه والاحتياجات الأساسية، إلى جانب البحث عن مدارس مؤهلة لأبنائهن، في ظل بيئة أنهكها القصف والدمار وتراجع الخدمات، ما أضاف أعباء يومية جديدة إلى مسؤولياتهن المستمرة.
أشارت سندس العبد الله، 45 عاماً، أم لأربعة أبناء وأرملة منذ عشر سنوات، من ريف حماة الشمالي، في تصريح لشبكة شام، إلى أنها وجدت منزلها مدمّراً جزئياً بعد العودة، ما دفعها إلى ترميمه بإمكانات بسيطة وتسقيفه بمواد عازلة، مضيفة أنه مع هطول الأمطار الغزيرة كانت المياه تتسرّب إلى الداخل فتبلّل الأغراض.
ولفتت إلى أن الصعوبات لم تنتهِ بالنسبة لها بعد التحرير بل تغيّر شكلها فقط، في ظل غياب من يساعدها على إدارة شؤون المنزل، إذ تؤدي دور الأم والأب معاً إلى جانب مواجهة ظروف مادية ومعيشية صعبة.
مستويات مرتفعة من الضغط النفسي
ويرى أخصائيون نفسيون أن النساء اللواتي تحمّلن مسؤولية إعالة أسرهن في بيئات النزاع وما بعده يواجهن مستويات مرتفعة من الضغط النفسي المزمن، نتيجة الجمع بين أعباء العمل ورعاية الأطفال وتحمل قرارات مصيرية بشكل منفرد، ويشيرون إلى أن هذا النمط من الحياة يؤدي غالباً إلى حالات من القلق المستمر والإجهاد العاطفي والشعور الدائم بعدم الأمان، خصوصاً في ظل غياب الدعم الأسري أو الاجتماعي الكافي.
ويضيف المختصون أن استمرار هذه الضغوط لفترات طويلة قد ينعكس على الصحة النفسية والجسدية للنساء، ما يستدعي توفير شبكات دعم نفسي واجتماعي لهن، إلى جانب تعزيز برامج التمكين الاقتصادي لتخفيف العبء المتراكم عليهن.
تكشف تجربة النساء المعيلات في سوريا عن تحولات عميقة فرضتها الظروف القاسية على بنية الأسرة ودور المرأة، بين أعباء الإعالة المستمرة وتحديات النزوح والعودة وغياب الخدمات الأساسية، ما يجعل هذه الفئة في مواجهة يومية مع متطلبات البقاء في واقعٍ تتراجع فيه مقومات الحياة المستقرة.