مجتمع
٢٢ أبريل ٢٠٢٦
انتشار اللشمانيا في بلدة التح يفاقم معاناة الأهالي ويطرح تحديات صحية متزايدة

يشتكي الأهالي في بلدة التح الواقعة في ريف إدلب الجنوبي من انتشار حالات اللشمانيا بين الأطفال، في ظل ظروف صحية صعبة تفاقم معاناة السكان، وتضع هذه الإصابات الأهالي أمام تحديات متزايدة في الحصول على العلاج، فضلاً عن صعوبات في حماية بقية الأطفال من خطر انتقال العدوى.

والليشمانيا عبارة عن مرض طفيلي ينجم عن كائنات أولية تنتمي إلى جنس الليشمانيا، وينتقل إلى الإنسان عبر لدغات حشرات الفواصد، المعروفة في بعض المناطق باسم “ذبابة الرمل”، وتصيب هذه الطفيليات الفقاريات، بما فيها الإنسان، وتتجلى بثلاثة أشكال رئيسية هي: الليشمانيا الجلدية، والجلدية المخاطية، والحشوية التي تُعد الأخطر بينها.

وبحسب تقارير طبية، يُعدّ داء اللشمانيا الجلدية الشكل الأكثر انتشاراً في سوريا، ويُعرف محلياً باسم “حبة السنة” أو “حبة حلب”، حيث يظهر على هيئة تقرّحات جلدية تصيب المناطق المكشوفة من الجسم ك الوجه والأطراف، تبدأ بعقيدات صغيرة قبل أن تتطور وتخلّف ندوباً دائمة وتشوهات.

وقال الدكتور أيمن الأحمد، مدير مستوصف التح الصحي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن بلدة التح والبلدات المجاورة شهدت خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد حالات اللشمانيا الجلدية، خاصة بين الأطفال، مشيراً إلى أن الانتشار يتركز في الأحياء المتضررة، مع تسجيل إصابات جديدة بشكل شبه يومي، ما يدل على وجود بؤر نشطة للعدوى.

وأوضح أن طبيعة عمله تقوم على تقديم الرعاية الصحية الأولية، ومتابعة الحالات المرضية اليومية، والإشراف على علاج الأمراض السارية، وفي مقدمتها اللشمانيا، إلى جانب تنظيم حملات التوعية وتنفيذ الإجراءات الوقائية بالتعاون مع الجهات الصحية.

وأضاف أن الأسباب الرئيسية لانتشار المرض تتمثل في الدمار الكبير في البنية التحتية ووجود الأنقاض، إلى جانب تراكم النفايات وغياب خدمات الصرف الصحي، فضلاً عن انتشار ذبابة الرمل الناقلة للمرض نتيجة البيئة غير الصحية، وضعف حملات الرش والمكافحة، إضافة إلى الاكتظاظ السكاني وسوء الظروف المعيشية.

وأشار إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الأهالي في مواجهة هذا المرض تتمثل في صعوبة الوصول إلى العلاج أو تأخره، والخوف من تشوهات جلدية خاصة لدى الأطفال، إلى جانب الحاجة إلى مراجعات متكررة للعلاج (حقن متكررة)، وما يرافق ذلك من تكاليف إضافية كالمواصلات والعناية بالجروح، إضافة إلى نقص الوعي حول طرق الوقاية والتعامل مع الإصابة.
 
ونوّه الأحمد إلى توفر علاج الكلوغانتيم (Glucantime) بشكل دائم، موضحاً أن البدائل التي يلجأ إليها الأهالي في حال نقصه تتمثل في تأخير العلاج أو تقليل الجرعات (وهو حل غير مثالي)، أو التوجه إلى مراكز صحية أخرى (إن وجدت)، إلى جانب استخدام علاجات موضعية مساعدة، لكنها غالباً لا تكون كافية وحدها في كثير من الحالات.

وتحدث الدكتور أيمن الأحمد عن الإجراءات الوقائية المقترحة للحد من انتشار الليشمانيا بين السكان، مثل رش المبيدات الحشرية بشكل دوري لمكافحة ذبابة الرمل، منوهاً إلى أنه قام بالتنسيق مع رئيس البلدية لتنظيم حملة لرش البلدة وأطرافها والبؤر، مشيراً إلى وجود استجابة قوية من الأهالي عبر التبرع والمشاركة في العمل التطوعي.

وشدّد على ضرورة إزالة النفايات والأنقاض من الأحياء السكنية، واستخدام الناموسيات، خاصة للأطفال أثناء النوم، إلى جانب ارتداء ملابس طويلة ليلاً واستعمال طاردات الحشرات، والتوعية الصحية بطرق انتقال المرض وأهمية العلاج المبكر.

وأكد أن أبرز احتياجات ومطالب الأهالي لمكافحة هذا المرض تتمثل في تأمين كميات كافية ومستدامة من أدوية اللشمانيا، ودعم حملات رش ومكافحة الحشرات، إلى جانب تحسين خدمات النظافة والصرف الصحي، وتعزيز الكادر الطبي وزيادة عدد العاملين، إضافة إلى تنفيذ حملات توعية مجتمعية منظمة، وتقديم دعم لوجستي للوصول إلى المناطق المتضررة.

وطالب الأشخاص الذين التقينا بهم باتخاذ إجراءات فعلية لمعالجة أسباب انتشار اللشمانيا، مثل إزالة الأنقاض وتنفيذ حملات رش ومكافحة منتظمة، كما شددوا، فيما يتعلق بالتحديات العلاجية، على ضرورة زيادة عدد النقاط الطبية وضمان توفر الأدوية في الوقت المناسب، بما يتيح التعامل مع الحالات بأسرع وقت ممكن.

اقرأ المزيد
٢١ أبريل ٢٠٢٦
تعنيف الأطفال عبر المقاطع المصورة… أبعاد قانونية واجتماعية

انتشرت في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة توثّق قيام تعرض أطفال للضرب بشكل مبرح وبأسلوب مستفز، ما أثار موجة غضب واسعة بين المستخدمين.

ويظهر في بعض هذه المقاطع تعمّد الأب ارتكاب هذا الفعل بهدف استفزاز الأم المطلقة أو التي غادرت المنزل لأسباب عائلية، في محاولة للضغط عليها نفسياً ومعاقبتها، الأمر الذي دفع ناشطين إلى الدعوة لوقف مثل هذه الممارسات، ومحاسبة الجناة، والعمل على حماية الأطفال.

وفي ظل استمرار تداول هذه المقاطع، تتزايد المخاوف من تداعياتها على الأطفال، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية، ما يطرح تساؤلات حول الأبعاد القانونية لهذه الأفعال، وحدود المسؤولية المترتبة عليها، في وقت تتواصل فيه الدعوات لوضع حد لمثل هذه الممارسات.

تعنيف الأطفال… جريمة يعاقب عليها القانون

وقال باسل محمد موسى، محامٍ أستاذ لدى نقابة المحامين بدمشق، وباحث مهتم في قضايا الحماية القانونية الرقمية، في حديث لـ شبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة تصوير تعنيف الأطفال ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تُعد من أخطر الجرائم المستحدثة، كونها تدمج بين الأذى الجسدي المباشر والانتهاك النفسي المستدام عبر الفضاء الرقمي.

وأضاف أن التوصيف القانوني لهذه الجريمة ينظر إلى هذه الأفعال بوصفها "جرائم مركبة"، حيث يتم التكييف القانوني بناءً على ركنين: الجرم المادي، وهو اعتداء على السلامة الجسدية وفق قانون العقوبات، والجرم المعلوماتي، وهو انتهاك حرمة الحياة الخاصة واستغلال القاصرين لإنتاج محتوى يمس كرامتهم وفق قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية.

وفيما يتعلق بالمرجعية التشريعية والمواد المستند إليها، أشار إلى قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021، وتحديداً المادة (42) التي تضمن حق الطفل في الحماية من كافة أشكال العنف، والمادة (53) التي تحظر استغلال الطفل في أعمال تضر بسلامته النفسية أو تسيء لكرامته.

وتحدث موسى عن قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، ولا سيما المادة (21) المتعلقة بانتهاك الخصوصية، مع تشديد العقوبة وجوباً إذا كان المجني عليه قاصراً، إلى جانب قانون العقوبات العام، ولا سيما المواد (540 وما بعدها) المتعلقة بجرائم الإيذاء والضرب.

وذكر أن العقوبات المترتبة، عندما يكون الجاني هو "الأب"، تتمثل وفق القوانين السورية النافذة بحزمة من العقوبات المشددة، تشمل عقوبة الإساءة والإهمال، وهي الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وغرامة تصل إلى مليون ليرة، مع تشديد العقوبة بموجب المادة (64) من قانون حقوق الطفل، لكون الفاعل هو "ولي أمر".

وأشار إلى عقوبة الاستغلال الرقمي، وهي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ليرة، بموجب المادة (68) من ذات القانون، لتسبب الفاعل بأذى معنوي ونفسي عبر النشر، بالإضافة إلى التدابير الاحترازية، حيث يحق للقضاء، حمايةً لمصلحة الطفل الفضلى، اتخاذ تدابير استثنائية تشمل إسقاط الولاية أو تقييدها، ونقل الطفل إلى بيئة آمنة بموجب المادة (51).

وبين لـ "شام" أن المسارات القانونية المتاحة للأم تشمل المسار الجزائي، من خلال تقديم شكوى رسمية أمام النيابة العامة أو "فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية"، والمسار الشرعي، عبر رفع دعوى "إسقاط ولاية" بصفة مستعجلة، استناداً إلى ثبوت عدم أمانة الولي على المحضون وتشكيله خطراً على حياته وكرامته.

إجراءات قانونية للأم ومسؤولية المجتمع في حماية الأطفال

وبالنسبة لمسؤولية المتابعين والجمهور، أكد باسل محمد موسى أن "إعادة النشر" (Share) تساهم في تخليد الجريمة، لافتاً إلى أن الدور القانوني للمواطن يتمثل في التوثيق، من خلال أخذ لقطة شاشة (Screenshot) للحدث، والتبليغ عبر إرسال الوثائق إلى الجهات المختصة (إدارة الأمن الجنائي - مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية)، حيث تتحرك النيابة العامة بناءً على "الحق العام" نظراً لخطورة الجرم.

ووجّه رسالة إلى الأهالي بضرورة التذكير دائماً بأن الولاية على الطفل هي "أمانة شرعية وقانونية" وليست سلطة مطلقة، وأن القانون السوري الحديث بات يحاسب على "الأذى النفسي" بذات الحزم الذي يحاسب به على "الأذى الجسدي"، وأن حماية الطفل مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون نصاً قانونياً.

تعنيف الأطفال… انعكاس خلل مجتمعي وتحذيرات من تداعيات نفسية بعيدة المدى

وقال فادي النايف، عامل دعم النفسي بالمشفى الجراحي التخصصي في إدلب، في تصريح سابق لـ شام، إن تكرار انتشار مقاطع تعنيف الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس وجود خلل عميق في منظومة القيم الأسرية والاجتماعية، وضعفاً في الوعي بأساليب التربية السليمة، إضافة إلى غياب الردع القانوني أو ضعف تطبيقه على أرض الواقع.

وأضاف أن هذه المقاطع تكشف عن تطبيع خطير مع العنف داخل المجتمع، وتحويل معاناة الطفل إلى أداة للانتقام أو الاستعراض أو ما يُسمّى خطأً بـ“التأديب”، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظاهرة يشكّل تهديداً حقيقياً للسلام الاجتماعي على المدى البعيد، وقد يساهم في نشوء جيل يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية، ويكون أكثر ميلاً إلى العنف أو الانعزال أو حتى الانخراط في سلوكيات منحرفة مستقبلاً.

واقترح مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال، تبدأ بتفعيل القوانين وتطبيقها بحزم لحماية الطفل دون تهاون، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأساليب التربية الإيجابية عبر الإعلام والمدارس ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني. 

كما تشمل الحلول توفير خطوط دعم وإبلاغ سرية لحماية الأطفال المعنَّفين، وتأهيل الأهل نفسياً وتربوياً، لا سيما في البيئات المتضررة من الفقر أو النزاعات، عبر ورش عمل وندوات وحوارات.

ووجّه النايف رسالة للآباء والأمهات قائلاً: "الأطفال ليسوا ممتلكات أو أدوات لتفريغ الغضب أو وسيلة للانتقام من الخلافات، بل هم أمانة في أعناقكم، وما تُزرعونه اليوم في نفوس الأبناء سيترجم غداً سلوكاً
 ومواقف".

واختتم حديثه مؤكداً أن التربية ليست ضرباً أو إهانة، بل احتواء وقدوة وحوار، مشدداً على أن جرح النفس أعمق أثراً وأطول بقاءً من جرح الجسد، وأن حماية الأطفال ليست ترفاً أخلاقياً، بل مسؤولية جماعية لبناء مجتمع سليم وآمن.

 

اقرأ المزيد
٢١ أبريل ٢٠٢٦
إعطاء الأدوية للأطفال دون استشارة طبية.. ممارسات شائعة ومخاطر صحية

تلجأ بعض الأسر في سوريا إلى إعطاء أطفالهم أدوية متوفرة في المنزل دون استشارة طبيب أو صيدلاني، استناداً إلى الأعراض التي تظهر على الطفل أو تجارب سابقة، لكن هذه الممارسة قد تؤدي إلى مضاعفات صحية غير متوقعة، مما يبرز الحاجة لتوعية الأهالي بالإرشادات الطبية الصحيحة.

أسباب استخدام الأدوية دون استشارة

تعود أسباب لجوء بعض الأسر إلى إعطاء الأطفال أدوية من المنزل دون استشارة إلى عدة عوامل، أبرزها مواجهة الأطفال لأعراض صحية مفاجئة، وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية والطبية، وقلة الوعي الطبي، وانتشار هذه الممارسات في المجتمع، ما يدفع الأهالي أحياناً للاعتماد على التجارب السابقة أو نصائح غير متخصصة لمعالجة أعراض أبنائهم بشكل سريع.

لوحظ في بعض الحالات أن بعض الأسر تعطي الطفل خافض حرارة بمجرد ارتفاع درجة الحرارة دون معرفة السبب الفعلي، أو تستخدم دواء سبق أن نفع طفلاً آخر، دون مراعاة وزن الطفل أو حالته الصحية، ما قد يؤدي إلى عدم فعالية العلاج أو مضاعفات صحية خطيرة.

كما تقوم بعض الأسر أحياناً بإعطاء الطفل مضاداً حيوياً عند ظهور أعراض بسيطة مثل السعال أو الرشح، معتقدين أن الدواء سيخفف الحالة بسرعة، رغم أن معظم هذه الأعراض تكون فيروسية ولا تحتاج إلى مضاد حيوي، ما قد يؤدي إلى مقاومة الجراثيم ويزيد من خطر المضاعفات الصحية في المستقبل.

الاستخدام الخاطئ للأدوية.. تحذيرات ومضاعفات

قال الصيدلاني محمد الموسى في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة إعطاء الأطفال الأدوية دون استشارة طبيب أو صيدلاني تُعد ممارسة خطيرة ومقلقة، لأنها غالباً ما تعتمد على تجارب غير علمية أو نصائح غير موثوقة، ويشير إلى أن جسم الطفل يختلف عن البالغ من حيث الاستقلاب والجرعات، ما يجعل أي خطأ بسيط قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة، ولذلك لا يُنصح مطلقاً باستخدام الأدوية دون استشارة مختص.

وأضاف أن استخدام الأدوية بشكل عشوائي أو بجرعات غير دقيقة قد يؤدي إلى مخاطر صحية متعددة، تشمل التسمم الدوائي نتيجة الجرعة الزائدة أو عدم فعالية العلاج عند الجرعات القليلة، إلى جانب إخفاء أعراض أمراض خطيرة وتأخير تشخيصها، كما يمكن أن تنتج آثار جانبية مثل التحسس واضطرابات الكبد والكلى، إضافة إلى تداخلات دوائية غير محسوبة.

ونوّه إلى أن من أبرز الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهالي إعطاء جرعات تقديرية دون مراعاة وزن الطفل، واستخدام أدوية مخصصة لطفل آخر، بالإضافة إلى تكرار الجرعات قبل موعدها، أو استخدام أكثر من دواء يحتوي على نفس المادة الفعالة، ما يزيد من مخاطر الآثار الجانبية والمضاعفات الصحية.

وشدد على أن الاعتماد المفرط على التحاميل أو خافضات الحرارة دون معرفة السبب الحقيقي للارتفاع، الذي قد يكون نتيجة عدوى بكتيرية أو فيروسية، ومحاولة معالجة الأعراض فقط دون معالجة المسبب، قد يؤدي إلى تفاقم الحالة الصحية ويزيد من خطورة المضاعفات.

وأشار لـ "شام" إلى أن تكرار إعطاء جرعات غير مناسبة قد يؤدي إلى تداعيات سلبية، فبينما يسبب على المدى القصير تسمماً أو أعراضاً جانبية حادة، يمكن أن تتطور على المدى الطويل مشاكل في الكبد أو الكلى، أو حتى اضطرابات في نمو الطفل، إلى جانب تعوّد الجسم على الدواء أو مقاومة بعض العلاجات.

التعامل الصحيح مع الأدوية ودور الصيدلاني في التوعية

وأوضح الموسى أنه يمكن للأهل التصرف بشكل صحيح عند ارتفاع حرارة الطفل من خلال قياس درجة الحرارة بدقة ومراقبة حالته العامة بما يشمل نشاطه وشهيته ووعيه، إلى جانب الحرص على إعطائه سوائل كافية وتخفيف الملابس، واستخدام الكمادات الفاترة، مع اللجوء إلى الدواء فقط عند الضرورة وبالجرعة الصحيحة، فضلاً عن مراجعة طبيب الأطفال المختص إذا استمرت الحرارة أو ظهرت أعراض مقلقة.

وأكد أن دور الصيدلاني أساسي في توعية الأهالي، فهو يشكل خط الدفاع الأول ويقوم بشرح الجرعات الصحيحة وفقاً لوزن الطفل، وينبه إلى مخاطر الاستخدام العشوائي، كما يوضح طريقة استخدام الأدوية بشكل سليم، ويمنع صرف الأدوية غير المناسبة دون وصفة عند الحاجة، ويقدّم بدائل آمنة ونصائح عامة.

ووجّه نصائح للأهالي لتفادي المخاطر، مؤكّداً ضرورة عدم إعطاء الطفل أي دواء دون استشارة مختص، والالتزام بالجرعة المحددة وفقاً للوزن، إلى جانب استخدام أدوات قياس دقيقة بدل الملاعق المنزلية، وقراءة النشرة الدوائية بعناية، وتجنب الاعتماد على تجارب الآخرين، مع مراقبة حالة الطفل جيداً وطلب المساعدة الطبية عند الحاجة.

ويؤكد الأطباء أن إعطاء الأدوية للأطفال دون استشارة طبية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة أن تشابه الأعراض لا يعني بالضرورة تشابه التشخيص، مشيرين إلى أن بعض الحالات التي تبدو بسيطة مثل الحمى أو السعال قد تكون مؤشراً على أمراض تحتاج إلى تقييم طبي دقيق، محذرين من أن الاعتماد على الأدوية المنزلية قد يؤخر التشخيص الصحيح ويزيد من احتمالية حدوث مضاعفات.

وفيما يتعلق بالحد من هذه الممارسات، يشير عاملون في مجال التوعية الصحية إلى أهمية تعزيز الثقافة الطبية لدى الأسر، من خلال نشر معلومات مبسطة حول الاستخدام الصحيح للأدوية، والتأكيد على ضرورة استشارة مختص قبل إعطاء أي دواء للأطفال، إلى جانب توضيح مخاطر الاعتماد على التجارب السابقة أو النصائح غير الموثوقة، والعمل على الوصول إلى الأهالي عبر حملات توعوية تستهدف مختلف الفئات.

وتبقى مسألة إعطاء الأدوية للأطفال دون استشارة طبية حاضرة في حياة بعض الأسر، لأسباب مختلفة تتعلق بالظروف أو قلة الوعي، ومع تكرار هذه الممارسات تبرز مخاطرها بشكل أوضح، خاصة عندما يتم التعامل مع الأعراض دون فهم أسبابها، وهو ما يؤكد على أهمية الانتباه لطريقة استخدام الأدوية لدى الأطفال.

اقرأ المزيد
٢١ أبريل ٢٠٢٦
زيارة المريض في سوريا.. عادة اجتماعية راسخة بين الدعم والالتزام المجتمعي

يحافظ السوريون على عادة زيارة المريض، وتُعدّ من التقاليد الاجتماعية الراسخة لما تحمله من بعد إنساني وديني، كما أنها تعكس قيم التضامن والتكافل في المجتمع، وتبرز أهميتها بشكل خاص في أوقات الأزمات والظروف الصعبة التي يمر بها الفرد.

وعند تعرض الشخص لظرف صحي، سواء مرض أو إجراء عملية جراحية أو غير ذلك، يتوافد الأقارب والأصدقاء والجيران للاطمئنان عليه وزيارته، وتقديم ما يمكن من الدعم المعنوي، وأحياناً المساهمة في بعض الاحتياجات المادية، بما يخفف من أعباء المرحلة التي يمر بها.

في هذه الحالات لا تقتصر الأمور على الزيارة فقط، بل تظهر أشكال مختلفة من الدعم بين الناس، فالبعض يحرص على طمأنة المريض بكلمات بسيطة تخفف عنه وتمنحه شيئاً من الارتياح، وآخرون يعرضون مرافقته إلى المستشفى أو المركز الصحي إذا لم يكن لديه من يرافقه، فيما يبادر آخرون إلى الاطمئنان على أسرته أو المساعدة في بعض شؤونها خلال فترة مرضه، في مشهد يعكس تنوع أشكال المساندة التي يقدمها الناس في مثل هذه الظروف.

ورغم أن زيارة المريض قد تبدو إجراءً بسيطاً ومعتاداً في الظاهر، إلا أنها تحمل أثراً إنسانياً واضحاً على المريض وأسرته. فهي تمنح المريض شعوراً بالمواساة وتؤكد له أنه ليس وحيداً في مرضه، وأن هناك من يشاركه هذا الظرف ويهتم بحاله، وهو ما ينعكس إيجاباً على حالته النفسية.

وفي المقابل، تمتد آثارها إلى أسرة المريض، إذ يجد أفرادها في هذه الزيارات والدعم المقدم من الآخرين نوعاً من التخفيف عنهم في ظل الانشغال أو الضغوط التي قد يمرون بها، ما يجعلها شكلاً من أشكال الإسناد الاجتماعي في مثل هذه الظروف.

ومن الجوانب المرتبطة بهذه العادة أيضاً، أن الزائرين ولا سيما الأصدقاء المقربون، يحرصون على مراعاة وضع المريض خلال الزيارة، حيث يتم اختيار الأحاديث بعناية لتكون خفيفة ومطمئنة، وتجنب أي كلمات قد تسبب له القلق أو الإزعاج.

كما قد يتفق بعضهم مسبقاً على طريقة الزيارة وتوقيتها، فيذهبون إليه بشكل جماعي في أجواء يغلب عليها الدعم النفسي والطمأنة، خاصة عندما يكون لهم مكانة قريبة من المريض، بما يضمن الحفاظ على راحته ويعزز شعوره بالأمان.

أحياناً تتحول هذه العادة من سلوك إنساني يقوم على الاختيار والدعم إلى نوع من الالتزام الاجتماعي الذي تفرضه العادات والتقاليد، حيث يصبح حضور زيارة المريض مرتبطاً بتجنب الحرج أو النقد المجتمعي أكثر من كونه مبادرة طوعية.

وفي بعض الحالات، يواجه أشخاص ظروفاً معيشية أو صحية أو مادية لا تسمح لهم بالزيارة أو بتقديم الدعم المتوقع، ما يضعهم تحت ضغط اجتماعي إضافي، خاصة عندما يُنظر إلى عدم الزيارة أو ضعف المساندة على أنه تقصير، رغم أن ذلك قد يكون خارج قدرتهم الفعلية.

كما أن البعد الجغرافي يشكل عاملاً مؤثراً في بعض الحالات، إذ يعيش بعض الأشخاص في مدن أو قرى أخرى، أو حتى خارج البلاد، ما يجعل الزيارة صعبة أو غير ممكنة، خصوصاً إذا كانت تتطلب تنقلاً أو سفراً طويلاً، من جهة أخرى تعيق الانشغالات العائلية أو الظروف المادية أو الصحية قدرة البعض على الحضور رغم رغبتهم في ذلك، ما يخلق نوعاً من الانقطاع القسري عن ممارسة هذه العادة الاجتماعية.

وقد شهدت عادة زيارة المريض بعض التغيّر مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، إذ بات البعض يكتفي بالاطمئنان على المريض عبر الهاتف أو من خلال الرسائل، للسؤال عن حالته ومتابعة وضعه الصحي، وهو ما يُعد بديلاً عملياً خاصة لمن تمنعهم الظروف من الزيارة المباشرة.

ومع ذلك، ما تزال الزيارة الحضورية تحظى بأهمية أكبر لدى كثير من العائلات، كونها تعكس حضوراً إنسانياً مباشراً وتعبيراً أوضح عن الاهتمام والدعم، وتبقى من العادات التي تحافظ على حضورها في المجتمع السوري رغم التغيرات والظروف.

وغالباً ما تمنح الزيارة المباشرة قدراً أكبر من الراحة النفسية لدى الشخص الذي يريد معرفة وضع المريض، مقارنة بالاتصال الهاتفي، إذ تتيح له رؤية المريض والتحدث معه وملاحظة حالته بشكل مباشر، ما يخفف من القلق ويعطي تصوراً أوضح عن وضعه الصحي، في حين قد يقتصر الاتصال على معلومات مختصرة لا تكفي لتكوين صورة كاملة، الأمر الذي يبقي مستوى القلق أعلى لدى من يعتمد عليه فقط.

وتحمل عادة زيارة المريض في سوريا واستمرار الحفاظ عليها دلالات واضحة، من أبرزها استمرار قيم التضامن والتعاون بين الناس رغم الظروف المختلفة، إذ يحرص الأفراد على الوقوف إلى جانب المريض وأسرته في وقت المرض. 

كما تعكس هذه العادة قوة العلاقات الاجتماعية والعائلية التي ما تزال حاضرة في الحياة اليومية، فيما يظل هدفها الإنساني قائماً على تخفيف معاناة المريض ومساندته، سواء عبر الدعم النفسي أو من خلال تقديم المساعدة الممكنة، بما يظهر حرص الناس على دعم بعضهم البعض في الأوقات الصعبة.

 

 

اقرأ المزيد
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
الذهب والليرة السورية في الديون: جدلية السداد بين النص القانوني والواقع الاقتصادي

مع الهبوط الحاد في قيمة الليرة السورية، والارتفاع الكبير في أسعار الذهب، برزت إشكاليات متزايدة تتعلق بالديون بين الأفراد، خاصة في الحالات التي استُدينت فيها مبالغ مالية قبل سنوات، ثم فقدت قيمتها مع تراجع العملة، هذا الواقع خلق نزاعات بين الدائنين والمدينين حول آلية السداد وقيمة الدين، ما يسلّط الضوء على كيفية تعامل القانون السوري مع هذه الحالات.

العقد شريعة المتعاقدين 

وقال الأستاذ علي محمد إسكان، المحامي والباحث في السياق القانوني والحقوقي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن العقد يُعد شريعة المتعاقدين، وبالتالي فإن ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف هو ما يُعتد به وينفذ لاحقاً، شريطة أن يكون متوافقاً مع القوانين النافذة في سوريا.

وأوضح أنه على سبيل المثال، في حال اقتراض شخص مبلغاً مالياً من آخر بالدولار الأمريكي، فإن الطرفين يكونان قد وقعا في مخالفة قانونية تتعلق بالتعامل بغير الليرة السورية، وذلك قبل سقوط النظام السابق.

وبيّن أن المحاكم لا تنظر في أي دعوى أو قضية إلا بناءً على ادعاء شخصي يقدمه الدائن في حال امتناع المدين عن السداد، أو في حال تقديم دعوى بشكل قانوني أمام المحاكم السورية، وذلك وفقاً لأحكام القانون المدني السوري، ولفت إلى أن المحاكم تعتمد في هذا السياق مبدأين أساسيين، وهما:

المبدأ الأول: هو الوفاء بالمثل، وهو يعني أن عملية سداد الديون والالتزامات المالية تكون وفق ما تم الاتفاق عليه، فيما لو كان هناك عقد اتفاق بين الطرفين، ويعني أيضاً أن يتم السداد وفق المبلغ الأساسي، بغض النظر عن تراجع قيمة الليرة السورية.

 وذكر مثال توضيحي: استدان سامر من سامي بموجب عقد كتابي مبلغ 25 مليون ليرة سورية، فهنا يقع على عاتق سامر سداد المبلغ وفق العقد، وهو مبلغ 25 مليون ليرة سورية، بغض النظر عن قيمة العملة في لحظة السداد.

وأشار اسكان إلى أنه خلال سنوات الثورة وانهيار قيمة الليرة السورية، أخذت بعض المحاكم ببعض المواد والقواعد القانونية للموازنة بين قيمة الديون والالتزامات المالية وقيمة الليرة، مثل نظرية الظروف الطارئة، وهي نظرية مرهقة لجميع الأطراف.

وبيّن أنه يمكن للمحاكم تحقيق التوازن في الديون من خلال قاعدة التعويض عن الضرر في حال تأخر المدين عن سداد ديونه أو التزاماته لفترة طويلة نسبياً، مما يلحق ضرراً بالغاً بالدائن، موضحاً أن هذه إجراءات استثنائية وليست القاعدة الأصلية التي تؤكد على مبدأ الوفاء بالمثل.

تأثير الانهيار الاقتصادي على النزاعات المالية

وأشار إلى أنه في بعض الحالات الاستثنائية يمكن للمحكمة النظر في الظروف الاقتصادية، خاصة في حالات الانهيار المستمر والطويل، حيث قد تتسم بعض الاجتهادات القضائية بالمرونة في ما يتعلق بتقدير حالات التأخير أو الامتناع عن السداد، مع التأكيد على ضرورة أن يكون الامتناع مقترناً بأدلة وإثباتات قانونية.

ونوّه إلى أنه يمكن للمحاكم تقدير التعويض المناسب في حال إثبات تأخر المدين عن السداد لفترة طويلة نسبياً، بما قد يشير إلى استفادته من انهيار قيمة الليرة السورية، كما يمكن تطبيق نظرية الظروف الطارئة في بعض الحالات، لكنه أشار إلى أن هذا النوع من القضايا والنزاعات المالية يلحِق ضرراً كبيراً بالدائن نتيجة تراجع قيمة الليرة السورية، في حين أن تمسك الطرف الآخر بالعقد، في حال وجوده، يمنحه الحق القانوني في ذلك.

وذكر أنه في العادة تنشأ العديد من الإشكاليات والنزاعات بين الدائن والمدين نتيجة الضرر الكبير الذي قد يلحق بالدائن بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية، حيث يتعرض في بعض الحالات لضرر فعلي نتيجة فقدان الليرة السورية لقيمتها، ولا سيما عند الانخفاض الحاد للعملة، بحيث يصبح المبلغ المحصّل وكأنه لم يكن، ما يعرضه لخسارة مالية، وفي المقابل، أشار إلى أن الأمر ذاته قد ينعكس على المدين في حال جرى الوفاء بالقيمة مع احتساب الفارق بين قيمة الدين وقت التعاقد وقيمة السداد.

التعامل القانوني مع الديون المرتبطة بالذهب

وتحدث الحقوقي إسكان لـ "شام" عن بعض الحالات التي يتم فيها الاتفاق على الديون بالذهب بدلاً من الليرة السورية، موضحاً أن القانون يعامل الذهب في هذه الحالة على أساس قاعدة «مقياس قيمة»، أي أنه في حال اتفاق الدائن والمدين على كمية محددة من الذهب، فإن الالتزام يُعد متعلقاً بشيء عيني ومحدد بالذات وليس مبلغاً مالياً، وبناءً عليه، يكون المدين ملزماً برد ذات كمية الذهب المتفق عليها، وليس ما يعادل قيمتها بالليرة السورية وقت السداد، بغض النظر عن قيمة الذهب بالليرة السورية عند الاتفاق أو عند السداد.

وأكد أنه في حال تغيّر سعر الذهب بشكل كبير بين وقت الاتفاق ووقت السداد، فإن الأثر ينعكس على حقوق الدائن والمدين ضمن ما تم الاتفاق عليه بينهما، وأوضح أنه إذا كان الاتفاق على كمية محددة من الذهب، فيجب أن يتم السداد بذات الكمية وبنفس عيار الذهب المتفق عليه، ولا يمكن من حيث المبدأ سداد قيمته النقدية وفق سعر وقت الاتفاق.
 
وأشار إلى أنه في حال كانت الديون بالذهب، فإن هناك عدداً من الحالات التي تتعامل معها المحاكم. ففي حال كان الدين محدداً بالكمية والنوعية، فإنه يجب سداد الدين بالمثل وفق الاتفاق، حيث تُلزم المحكمة المدين برد الدين بذات الكمية أو بقيمة الذهب وقت الوفاء حصراً.

كما تحدث عن حالة أخرى عندما يرتبط الدفع بالليرة السورية مع ربط ضمني بالذهب، وهو ما يتطلب أن يُنص على ذلك صراحة في الاتفاق، مثل عبارة «ما يعادله من ذهب». وفي هذه الحالة تنظر المحكمة إلى نية أطراف العقد وطريقة صياغته لتحديد الالتزام القانوني.

أهمية الصياغة القانونية الدقيقة للعقود

وأكد أن هذه الحالات تُعد من المسائل التي تستوجب دراسة تفصيلية دقيقة، نظراً لتعدد جوانبها وتنوع الاجتهادات القضائية المتعلقة بها، مشيراً إلى ضرورة صياغة العقود والاتفاقات بشكل مفصل ومن خلال محامين مختصين، تجنباً للنزاعات والإشكاليات والخلافات.

ووجّه نصائح للأشخاص لتجنّب الخلافات القانونية الناتجة عن تغيّر قيمة الدين مع الوقت، من بينها تحديد قيمة الديون في العقود والاتفاقات بشكل واضح ومفصل، وعدم استدانة مبالغ كبيرة لا يمكن سدادها في الوقت المحدد، إلى جانب تحديد آجال قصيرة للسداد، وإمكانية استخدام مؤشر القيمة مثل ربط الدين بالذهب، ومثال ذلك أن يكون الدين معادلاً لـ50 غراماً من الذهب عيار 20 تُدفع قيمتها يوم استحقاق الدين.

وأكد المحامي علي محمد اسكان في ختام حديثه أنه من المهم والضروري أن تُكتب عقود الديون عبر محامين مختصين من ذوي الخبرة، نظراً لما تتضمنه من تفاصيل دقيقة ومهمة تؤثر بشكل مباشر على الحقوق والالتزامات.

اقرأ المزيد
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
ضغوط العمل وتداعياتها على الأداء والصحة النفسية والجسدية للعاملين

يشهد العديد من العاملين في بيئات مختلفة مستويات متزايدة من ضغوط العمل التي تنعكس على الأداء والصحة النفسية والجسدية على حد سواء، وتتراوح بين عوامل مرتبطة بطبيعة المهام وتراكمها، وأخرى تتعلق ببيئة العمل والدعم المتاح داخلها، ما يجعل فهم أسبابها وآثارها وطرق التعامل معها ضرورة أساسية للحفاظ على التوازن المهني والشخصي.

وتتفاوت مستويات تأثير ضغوط العمل بين الأفراد تبعاً لطبيعة المهام الموكلة إليهم، ودرجة التعقيد والتراكم في تلك المهام، إضافة إلى طبيعة بيئة العمل وما توفره من دعم أو ما قد تشهده من ضغوط تنظيمية، فضلاً عن الظروف الشخصية والمهنية التي تحيط بكل حالة، الأمر الذي ينعكس بتباين واضح في كيفية الاستجابة لهذه الضغوط والتعامل معها.

ضغوط العمل بين التحفيز الطبيعي وتفاقمها في بيئات العمل غير الداعمة

وقال أيوب حميدة، مدير الحالة في قسم الصحة النفسية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن ضغوط العمل تمثل استجابة نفسية وجسدية تحدث عندما تتجاوز متطلبات العمل قدرة الفرد على التكيف، وأوضح أنها قد تكون استجابة طبيعية في بعض الحالات، وقد تنعكس بشكل إيجابي عندما تسهم في تحفيز الأداء ورفع مستوى الإنتاجية.

وأضاف أن ضغوط العمل تتحول إلى إشكالية عندما تستمر لفترات طويلة دون فترات راحة كافية، ما يؤدي إلى تراجع الأداء بدلاً من تحسينه، مشيراً إلى أن أبرز العوامل التي تسهم في زيادة هذه الضغوط تتمثل في تراكم المهام وعدم وضوح الأولويات.

ولفت إلى أن بيئة العمل تؤدي دوراً محورياً في تفاقم ضغوط العمل، ولا سيما عندما تتسم بالسلبية أو تفتقر إلى عناصر الأمان الوظيفي. كما أشار إلى أن العمل لساعات طويلة، إلى جانب ضعف الدعم الاجتماعي داخل الفريق والشعور بعدم التقدير، جميعها عوامل تسهم في زيادة مستوى الضغط لدى العاملين.

مؤشرات الإرهاق الوظيفي وانعكاساته النفسية والجسدية والاجتماعية

وبيّن أيوب حميدة أن الفرد يصل إلى مرحلة الإرهاق الوظيفي عندما تتراكم عليه المهام وتتزايد حالات التأجيل والتسويف، ما يؤدي إلى شعور الموظف بالإجهاد الجسدي والنفسي، ويترتب على ذلك انخفاض في مستوى الإنتاجية.

وأضاف أن من أبرز العلامات الدالة على ذلك: التعب الذهني، الشرود، وصعوبة التركيز، إلى جانب الانفعالية والعصبية لأسباب بسيطة، فضلاً عن انخفاض الأداء الوظيفي، والانسحاب الاجتماعي، وتبلّد المشاعر، كما قد تظهر أعراض جسدية تشمل الصداع، وآلام الرقبة والكتفين، واضطرابات هضمية، إضافة إلى الأرق ومشكلات في النوم.

وتحدث عن التأثيرات النفسية التي قد تنجم عن استمرار ضغوط العمل، ومنها القلق والاكتئاب والتوتر والانفعال الزائد، إضافة إلى انخفاض تقدير الذات واضطرابات النوم، ولفت إلى أن هذه الضغوط لا تبقى محصورة في بيئة العمل، بل تمتد إلى الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية، حيث تؤدي إلى ضعف في التواصل، وبرود وإهمال في العلاقات الاجتماعية والعائلية، إلى جانب سرعة الغضب والانفعالية، والعزلة الاجتماعية.

وأشار حميدة إلى أن الضغوط قد تترك آثاراً جسدية تظهر على شكل صداع مزمن، واضطرابات في النوم، إلى جانب آلام في العضلات ومشكلات في الجهاز الهضمي.

استراتيجيات عملية لتحقيق التوازن النفسي والتخفيف من ضغوط العمل

وأكد حميدة أنه يمكن للفرد تحقيق توازن بين متطلبات العمل والحفاظ على صحته النفسية من خلال إدارة الوقت، ووضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، إضافة إلى تخصيص وقت للراحة، وممارسة الرياضة والأنشطة الممتعة.

إرشادات للوقاية من ضغوط العمل ومؤشرات تستدعي التدخل النفسي المختص

ونصح الموظفين والعاملين بمجموعة من الخطوات العملية للتخفيف من ضغوط العمل والوقاية من الإرهاق، تمثلت في أخذ فترات استراحة قصيرة يومياً، وترتيب المهام وفق الأولوية، إلى جانب ممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس، والمواظبة على نشاط بدني يومي، إضافة إلى تخصيص وقت لقضائه مع العائلة والأصدقاء بشكل أسبوعي.

وذكر الحالات التي تستدعي اللجوء إلى مختص نفسي، ومنها استمرار الأعراض لأكثر من عدة أسابيع مع تدهور واضح، أو حدوث نوبات قلق شديدة أو هلع، إلى جانب الأعراض الاكتئابية مثل الانخفاض الحاد في المزاج، وفقدان المتعة، وتكرار الأفكار السلبية.

 كما تشمل اضطرابات النوم الملحوظة التي لا تتحسن بتنظيم بسيط، وتأثيراً كبيراً على الوظيفة والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى الأفكار المؤذية للنفس أو الشعور بفقدان السيطرة، فضلاً عن وجود تاريخ سابق لاضطرابات القلق أو الاكتئاب.

ويرى مختصون أن التعامل مع ضغوط العمل يتطلب بناء بيئة مهنية داعمة داخل المؤسسات، تقوم على وضوح المهام وتوزيعها بشكل عادل، وتعزيز التواصل بين أفراد الفريق، بما يحدّ من تراكم الضغط على العاملين. كما يشيرون إلى أن وجود ثقافة مؤسسية قائمة على التقدير والدعم النفسي يسهم بشكل مباشر في تقليل مستويات التوتر وتحسين الأداء العام.

تعكس ضغوط العمل واقعاً متزايد الحضور في بيئات العمل المختلفة، وتتباين مستويات تأثيرها تبعاً لطبيعة المهام والظروف المحيطة بكل فرد. كما تمتد انعكاساتها لتشمل الجوانب النفسية والجسدية والاجتماعية، ما يجعلها قضية مرتبطة بجوانب متعددة من حياة العاملين اليومية.

اقرأ المزيد
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
الألعاب العنيفة وتأثيرها على سلوك الأطفال: بين التحذير العلمي ودور الأسرة في المواجهة

مع انتشار الألعاب الإلكترونية بين الأطفال، يزداد الجدل حول تأثير المحتوى العنيف على سلوكهم، خاصة في ظل قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، وبين التحذيرات التربوية والدراسات العلمية، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول حدود هذا التأثير ودور الأسرة في التعامل معه.

وقال الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في المناهج وطرائق التدريس في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأصل العلمي هنا أن يُقال: ليست كل لعبة عنيفة تُنتج طفلاً عدوانياً، لكن التعرّض المتكرر للمحتوى العنيف قد يتحول إلى عامل خطر مهم، خاصة عندما يترافق مع ضعف الرقابة الأسرية، وكثرة ساعات الشاشة، والهشاشة الانفعالية، والعزلة الاجتماعية، وغياب الحوار والتفريغ النفسي.

وأضاف أن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تذكر أن عقوداً من البحث تربط العنف الافتراضي بارتفاع الأفكار والمشاعر والسلوكات العدوانية عند الأطفال، كما أن دراسات حديثة ما تزال تجد ارتباطاً موجباً بين التعرض للعنف الإعلامي وبين العدوان، وإن كان حجم الأثر يختلف من دراسة إلى أخرى.

وأشار إلى أن هذه الألعاب تنعكس على تصرفات الطفل اليومية وتعاملاته مع الآخرين في عدة صور: سرعة الاستثارة، وضعف الصبر، إلى جانب ارتفاع الحساسية للاستفزاز، والميل إلى حل الخلاف بالقوة أو التهديد، إضافة إلى تراجع التعاطف، والاعتياد على الألفاظ الخشنة، عدا عن تحول اللعب من مساحة متعة إلى تدريب متكرر على الاستجابة العنيفة.

وبيّن أن بعض الأطفال لا يظهرون عدواناً مباشراً، لكن يظهر عليهم التبلد تجاه الألم، أو الضحك على الإيذاء، أو التقليد الحركي واللفظي للمشاهد التي شاهدوها، ما يجعل التعامل مع المسألة ليس كترفيه محايد دائم، بل خبرةً تربويةً متكررة قد تبني في الذهن “نموذجاً سلوكياً” جاهزاً للاستدعاء عند الغضب.

وأوضح الدكتور كنعان لـ "شام" أن هذه الألعاب تؤدي إلى زيادة السلوك العدواني عند بعض الأطفال، وأن الآلية التربوية المفهومة في هذه الحالة تقوم على ثلاثة مسارات: أولاً، التعلم بالملاحظة والتقليد؛ فالطفل يرى نموذجاً يضرب أو يهدد أو ينتصر بالعنف، فيتعلم أن هذا سلوك فعال، ثانياً، التكرار؛ فكلما تكرر المشهد خفّ استنكاره له، وثالثاً، التفاعل؛ فاللعبة ليست مشاهدة فقط، بل مشاركة وتنفيذ ومكافأة على الفعل العنيف، وهذا قد يجعل الأثر أعمق من مجرد المشاهدة السلبية.

وذكر أن دراسة طولية منشورة عام 2025 تابعت 259 طالباً في المرحلة الإعدادية على ثلاث موجات خلال سنة كاملة، وُجدت فيها علاقة تبادلية موجبة بين التعرض للعنف الإعلامي والعدوان؛ فالتعرض الأعلى تنبأ بعدوان أعلى لاحقاً، كما أن العدوان المرتفع ارتبط لاحقاً بمزيد من التعرض للعنف الإعلامي.

وفي المقابل، هناك دراسات أحدث تشكك في تضخيم أثر الألعاب العنيفة وحدها، وتدعو إلى قراءة أوسع تأخذ في الحسبان الشخصية والبيئة والعلاقات الأسرية، لهذا فالموقف العلمي المنضبط هو: نعم، هناك خطر معتبر، لكن ليس بشكل ميكانيكي وبسيط.

وفيما يتعلق بالفئة العمرية الأكثر تأثراً بهذه الألعاب، أشار الدكتور عماد إلى أن الأطفال غالباً هم الأكثر هشاشة في الطفولة المبكرة والمتوسطة، ثم بدايات المراهقة، مضيفاً أن في السنوات الأولى يكون الخيال والواقع أقل تمايزاً، والقدرة على الضبط الذاتي والنقد الأخلاقي ما تزال في طور التكوين، وفي بدايات المراهقة يزداد التأثر بالمثيرات والانفعال والبحث عن الإثارة والانتماء والتقليد.

ونوّه إلى دراسة حديثة استندت إلى بيانات طولية من كيبيك تابعت 975 بنتاً و987 ولداً، وركزت على الأعمار من 4 إلى 6 سنوات، وخلصت إلى وجود ارتباط موجب بين التعرض المبكر للمحتوى العنيف وتطور العدوان الانفعالي أو التفاعلي، مع دلالة واضحة على أن الاكتفاء بالرقابة المتأخرة بعد ظهور المشكلة ليس كافياً، ولفت إلى أن الدراسة الصينية الطولية تذكر أن مرحلة الإعدادية مرحلة حساسة فعلاً لهذا النوع من التأثيرات.

وأكد كنعان أن دور الأهل ليس المنع الأعمى فقط، بل القيادة التربوية الواعية، فالمطلوب من الوالدين أن يعرفا: ماذا يلعب الطفل؟ مع من؟ كم ساعة؟ ما طبيعة المكافآت داخل اللعبة؟ هل تقوم على القتل، أو السخرية، أو السرقة، أو الانتقام، أم على البناء والتعاون والتفكير؟

وشدد على عدم ترك الطفل وحده أمام الشاشة بحجة أنه “هادئ”، لأن بعض الهدوء الظاهر يكون في الحقيقة اندماجاً مقلقاً وانفصالاً تدريجياً عن الواقع، منوهاً إلى أن اليونيسف دعت بوضوح إلى تعليم الأطفال الثقافة الرقمية والأمان الرقمي، وإلى دعم الوالدين ببرامج تربية إيجابية، مع توفير تدخلات متخصصة للأطفال الذين تظهر لديهم سلوكيات مؤذية.

وفيما يتعلق بإمكانية تمييز الأهل بين الألعاب المناسبة وغير المناسبة لأطفالهم، أشار إلى وجود معايير عملية بسيطة، فاللعبة غير المناسبة هي التي تُكافئ على القتل أو الإيذاء، أو تُطبّع مع الشتائم والإهانة، أو تسمح بتواصل مفتوح غير مضبوط مع غرباء، أو تدفع إلى الإدمان عبر ساعات طويلة ومهام لا تنتهي، أو تحتوي على إثارة مفرطة لا تناسب عمر الطفل.

أما اللعبة المناسبة فهي التي تراعي العمر، وتنمي التفكير أو التعاون أو الإبداع أو حل المشكلات، وتكون خالية من العنف الفج أو الإثارة الجنسية أو اللغة السوقية، ويمكن للأهل فهم محتواها ومتابعته بسهولة، والمهم جداً ألا يكتفي الأهل باسم اللعبة أو شهرتها، بل يشاهدوا فعلياً دقائق من اللعب أو يجربوها بأنفسهم، كما أن الإشارات العمرية والتصنيفات تساعد، لكنها لا تكفي وحدها من دون متابعة أسرية واعية.

وأكد أن أفضل بديل ليس “إبعاد الشاشة” فحسب، وإنما “ملء الفراغ بما هو أجمل”، لذلك ينصح بستة بدائل عملية، وهي: الرياضة المنتظمة، خاصة ما يفرغ الطاقة ويعلم الانضباط، والألعاب الجماعية التعاونية لا التنافسية فقط، إلى جانب القراءة القصصية والحوار حول الشخصيات والقيم، والأنشطة الفنية كالرسم والتركيب والأعمال اليدوية والتمثيل الهادف، فضلاً عن المهام المنزلية الصغيرة التي تعزز المسؤولية، والصحبة الطيبة والأنشطة المجتمعية والكشفية.

وأوضح أن الطفل إذا وجد متعة بديلة، وانتماءً حقيقياً وفرصة نجاح محسوسة، يقلّ تعلّقه بالعنف الافتراضي، وهنا يتم الاستفادة من التوجيهات المعاصرة في التربية الإيجابية، ومن فكرة دويك الشهيرة بأننا نمدح الجهد والاستراتيجية والمثابرة، لا مجرد “الذكاء” كصفة جامدة؛ لأن بناء الطفل من الداخل يقلل حاجته إلى التعويض العدواني من الخارج.

ووجّه الدكتور عماد كنعان مجموعة من النصائح للأهالي، تتمثل بـ: عدم جعل الهاتف أو الجهاز مربّياً بديلاً، ووضع وقت يومي محدد للشاشات، ووقت آخر خالٍ منها قبل النوم، إلى جانب مراقبة المحتوى قبل الوقت؛ فالمشكلة ليست في عدد الساعات فقط، بل في نوع المادة.

وأشار إلى ضرورة اللعب مع الطفل ومتابعة الألعاب التي يشاهدها، للتعرف على عالمه، وملاحظة العلامات التحذيرية، كالألفاظ العدوانية، وتقليد إطلاق النار، والتلذذ بالإيذاء، والعصبية بعد المنع، والعزلة، واضطراب النوم، فضلاً عن تعليم الطفل تسمية مشاعره: غضب، خوف، غيرة، إحباط؛ لأن الطفل الذي يعبّر أقلّ عنفاً من الطفل الذي ينفجر.

ونوّه إلى أهمية ربط الانضباط بالشرح والاحتواء، لا بالصراخ وحده، وبناء علاقة حوار يومية قصيرة لكن ثابتة، فالوقاية تبدأ قبل المشكلة، وشدد على وجوب استشارة مختص نفسي أو تربوي مبكر في حال ملاحظة تحول سلوكي واضح ومستمر، إلى جانب حماية الطفل من اجتماع ثلاثة أشياء معاً: محتوى عنيف، وعزلة طويلة، وإهمال انفعالي؛ مؤكداً أنها من أخطر التركيبات التربوية.

وأكد أن الألعاب العنيفة ليست السبب الوحيد في السلوك العدواني، لكنها قد تكون عامل خطر مؤثر، خاصة عند الطفل الذي يفتقد الاحتواء والرقابة والبدائل الصحية، مضيفاً في ختام حديثه أن الحماية الحقيقية لا تقوم على المنع وحده، بل على بناء عقل الطفل، وتهذيب انفعاله، وتنظيم بيئته الرقمية، وإشباعه بالحب والحوار والأنشطة النافعة.

اقرأ المزيد
١٩ أبريل ٢٠٢٦
مرض الجرب: بين طرق العدوى وإجراءات الحد من انتشاره

تصدر الحديث مؤخراً عن مرض الجرب في سوريا منصات التواصل الاجتماعي، عقب تسجيل حالات داخل مشفى المجتهد في العاصمة دمشق، حيث قدّم أحد مسؤولي المشفى توضيحاً حول عدد الإصابات المسجلة والعوامل التي ساهمت في ظهورها داخل المشفى.

فيما بعد انتشرت أنباء عن وجود حالات لهذا المرض في مناطق أخرى من البلاد، ما أثار حالة من القلق والمخاوف لدى الأهالي، ومع تصاعد المخاوف المرتبطة بهذا المرض، تبرز أهمية الإحاطة بطبيعته بشكل علمي، والتعرّف على أساليب انتشاره وطرق الوقاية منه، بعيداً عن الشائعات أو المعلومات المبالغ فيها.

ماهو مرض الجرب؟

وبحسب دراسات طبية يُعد الجرب، المعروف علمياً باسم (Scabies)، من الأمراض الجلدية المعدية التي يسببها طفيل دقيق يُعرف بالقارمة الجربية، وهو كائن مجهري صغير جداً لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، ويعيش هذا الطفيل على الجلد، حيث لا يكتفي بالبقاء على سطحه، بل يحفر انفاقاً دقيقة في طبقته السطحية.

وقال الممرض عبدالكريم حمدو الدرباس في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن مرض الجرب يُعد من الأمراض الجلدية التي قد تصيب مختلف الفئات العمرية، وليس بالضرورة مؤشراً على سوء نظافة الفرد أو الأسرة، مؤكداً أنه لا ينتقل عبر الحيوانات، وإنما ينتج عن انتقال طفيل العث من شخص مصاب إلى شخص سليم.

وأوضح الدرباس أن طرق انتقال العدوى المباشرة تتمثل في ملامسة جلد الشخص المصاب، أو ارتداء ملابسه، أو النوم في فراشه، مشيراً إلى أنه لا ينتقل عادةً عبر المصافحة السريعة، إذ يتطلب ذلك تلامساً جلدياً مباشراً ومطوّلاً نسبياً، أو استخدام الأغراض الشخصية للمصاب مثل الملابس أو الفراش أو المناشف.

ونوه إلى أن أعراض المرض تظهر بعد فترة من الإصابة الأولية، وقد تختلف هذه الفترة من شخص لآخر، خاصة في الحالات الأولى للإصابة، بينما قد تظهر بشكل أسرع عند من سبق له التعرض للمرض.

أسباب انتشار المرض 

وذكر أن أسباب انتشار المرض ترتبط أساساً بالتلامس الجلدي المباشر، إضافة إلى استخدام الأدوات الشخصية للمصاب مثل الفراش والمناشف وغيرها، كما يُسهم سوء الظروف المعيشية في تسريع انتشاره داخل المجتمعات، خاصة في الأماكن المغلقة أو ضعيفة التهوية التي لا تتعرض لأشعة الشمس بشكل كافٍ، والتي تكون عادةً مكتظة بالأشخاص، مثل مراكز اللجوء والسجون والملاجئ والأماكن التي يعيش فيها عدد من الأشخاص في بيئة واحدة، حيث يسهل انتقال العدوى بين الأفراد.

أما السبب الثالث فيرتبط بفترة ما قبل ظهور الأعراض، حيث يكون الشخص مصاباً دون أن يدرك ذلك، ما يجعله خلال زياراته العائلية أو تجمعاته الاجتماعية مصدراً محتملاً لنقل العدوى إلى الآخرين، وخلال هذه الفترة قد ينتقل المرض من حالة فردية إلى حالات متعددة، مع استمرار المخالطة بين الأشخاص، ما يؤدي إلى اتساع دائرة الانتشار داخل المجتمع، وقد يصل الأمر إلى تفشٍّ واضح إذا لم يتم اكتشاف المرض والسيطرة عليه وعلاجه في الوقت المناسب.

وأكد أن إهمال المرض أو عدم الالتزام بالعلاج الموصوف من قبل الطبيب وتعليمات استخدام الدواء يؤدي إلى صعوبة السيطرة عليه وإطالة مدة العلاج، كما يسهم في زيادة احتمالية انتقال العدوى إلى أشخاص آخرين من خلال المصاب نفسه، ما يوسع دائرة انتشار المرض داخل المحيط الاجتماعي.

إجراءات العزل والتعامل مع الإصابة داخل الأسرة

وشدد لـ "شام" على أنه عند ملاحظة إصابة أي فرد من العائلة بالمرض ينبغي عزله قدر الإمكان، ومراجعة الطبيب في أقرب وقت لوضع خطة علاج مناسبة، إلى جانب تخصيص ملابس وأدوات خاصة به وعدم استخدامها من قبل الآخرين حتى تمام الشفاء، وبعد انتهاء فترة العلاج، يُنصح بغسل الملابس والفراش بماء ساخن، ثم تعريضها لأشعة الشمس والهواء لضمان تقليل احتمالية بقاء الطفيل.

وأشار إلى أهمية تهوية المكان الذي كان يقيم فيه المصاب وفتح الأبواب والنوافذ للسماح بتجدد الهواء، مع الاهتمام بتنظيف الملابس والفراش، كما أوضح أن إجراءات العزل تشمل جميع أفراد الأسرة بغض النظر عن العمر، نظراً لسهولة انتقال العدوى داخل المحيط الأسري، خصوصاً في حالات كثرة المخالطة.

وبيّن أن الإصابة لدى الأطفال قد تكون أوسع انتشارًا في بعض مناطق الجسم، مثل الطيات الجلدية كالبطن وتحت الإبط وبين الفخذين، مقارنة بالبالغين.

آليات الوقاية والتعامل الطبي مع الجرب داخل المجتمع

وتناول إجراءات الوقاية، مشيراً إلى أهمية استخدام الصابون المطهّر في غسل اليدين والالتزام بالنظافة الشخصية، إضافة إلى غسل الملابس بماء ساخن أو بدرجات حرارة عالية، مع تعريضها لأشعة الشمس قدر الإمكان.

 كما شدد على ضرورة تجنب الاحتكاك المباشر بالأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض المرض، وعدم زيارتهم أو استقبالهم في المنازل، وحذّر كذلك من إرسال الأطفال المصابين إلى المدارس أو المساجد أو حلقات تحفيظ القرآن، نظراً لاحتمال نقلهم العدوى إلى الآخرين داخل التجمعات.

ونوّه إلى ضرورة تعزيز وجود المراكز الصحية والمستشفيات في المدن والقرى والبلدات، بما يسهم في تسهيل وصول المرضى إلى الخدمات العلاجية، ولا سيما في حالات الأمراض الجلدية المعدية وغيرها من الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً مبكراً.

وأكد أن التشخيص المبكر والعلاج الصحيح يسهمان في الحد من انتشار العدوى داخل المجتمع، لافتًا إلى أن علاج الجرب غالبًا لا يقتصر على الشخص المصاب فقط، بل قد يشمل المخالطين القريبين داخل المنزل. 

وأوضح أنه عند اكتشاف المرض بعد ظهور الأعراض يكون المصاب قد نقل العدوى بالفعل إلى بعض من يعيشون معه أو يشاركونه المكان، خصوصاً في البيئات المزدحمة مثل المنازل المكتظة أو أماكن الإقامة الجماعية كالمهجع والسجون وغيرها.

وشدد على ضرورة مراجعة المصاب لأقرب مركز صحي لتلقي العلاج المناسب وتشخيص المرض في أسرع وقت ممكن، بما يحدّ من احتمال انتقال العدوى إلى الآخرين، كما أكد أن الالتزام بخطة العلاج الموصوفة من قبل الطبيب والتقيد بالتعليمات يعدّان خطوة أساسية في الشفاء، مع ضرورة إكمال العلاج حتى نهايته لضمان فعاليته.

ويظل الجرب من الأمراض الجلدية المعدية التي يمكن الحد من انتشارها عند تشخيصها مبكراً والالتزام بالعلاج، بما يقلل من انتقال العدوى داخل المجتمع، كما يسهم رفع الوعي بطبيعة المرض وطرق انتقاله في تعزيز الوقاية منه، والحد من انتشاره بين الأفراد، خاصة في البيئات التي تشهد كثافة سكانية أو ظروفاً معيشية صعبة.

 

اقرأ المزيد
١٩ أبريل ٢٠٢٦
التعامل مع الطالب المشاغب في الصف بين الفهم التربوي وأساليب التوجيه الإيجابي

يمثل التعامل مع الطالب المشاغب داخل الصف أحد أبرز التحديات التي تواجه المعلم في العملية التعليمية، إذ لا يقتصر أثر هذا السلوك على سير الحصة الدراسية فحسب، بل يمتد ليؤثر على تركيز الزملاء وانضباطهم داخل البيئة الصفية، وفي ظل هذا الواقع، يبرز دور المعلم في إدارة الموقف التربوي بحكمة، من خلال أساليب تجمع بين الحزم والمرونة، بما يضمن الحفاظ على النظام من جهة، ودعم الطالب وتوجيه سلوكه من جهة أخرى.

وغالباً ما يُوصف الطالب المشاغب داخل الصف بأنه كثير الحركة وغير مستقر في مقعده، ويقوم بسلوكيات مثل مقاطعة المعلم أثناء الشرح، وإصدار ضجيج أو أصوات تشتت انتباه الآخرين، إضافة إلى القيام بحركات أو تصرفات مزعجة لزملائه، كما قد يفتقر إلى الالتزام بالقواعد الصفية، ما يؤدي إلى إرباك سير الحصة والتأثير على تركيز البيئة التعليمية داخل الصف.

دوافع السلوك المشاغب لدى الطلاب بين العوامل النفسية والأسرية والتعليمية

في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال الأستاذ عبد الرزاق الحريري، إن الطالب المشاغب يُعرَّف تربوياً من خلال سلوكيات متكررة تهدف غالباً إلى لفت الانتباه أو تنجم عن الشعور بالملل، وتشمل إثارة الفوضى، والاعتداء اللفظي أو الجسدي على الزملاء، وعدم الالتزام بالقواعد الصفية.

وأضاف أن الطالب المشاغب يتسم بسرعة الانفعال وصعوبة ضبطه داخل الصف، وغالباً ما تعود هذه السلوكيات إلى أسباب نفسية وأسرية وتعليمية؛ فالأسباب النفسية تتمثل في الرغبة في جذب الانتباه، أو الشعور بالإحباط، وعدم القدرة على الاندماج الاجتماعي أو التعبير عن المشاعر بطريقة إيجابية.

كما تتمثل بعض الدوافع في الرغبة بإثبات الذات من خلال كسر القواعد المألوفة، في حين تعود الأسباب الأسرية إلى اضطرابات داخل الأسرة، مثل الخلافات الزوجية أو الطلاق، ما يسبب عدم استقرار عاطفي يدفع الطالب إلى التمرد، إلى جانب أساليب التربية، كالقسوة في المعاملة أو انشغال الآباء عن الأبناء، الأمر الذي يؤدي إلى نقص الحنان والرعاية، ويدفع الطفل إلى البحث عن الاهتمام بطرق سلبية.

ونوّه إلى أن رغبة الطالب في تقليد الأقران المشاغبين للحصول على القبول داخل المجموعة التعليمية تلعب دوراً بارزاً، إلى جانب صعوبة الدروس وشعوره بالملل داخل الصف، إضافة إلى ضعف الأنشطة المدرسية الرياضية والفنية، فضلاً عن عدم قدرته على فهم أسلوب المعلم، ما يدفعه إلى تفريغ طاقته بالمشاغبة، كما أن الفشل الدراسي وتراكُمه يولّد إحباطاً لدى الطفل، ويقوده إلى تبنّي سلوكيات عدوانية.

استراتيجيات تربوية للتعامل مع الطالب المشاغب بين الحزم والتعزيز الإيجابي

وأكد الأستاذ عبد الرزاق الحريري أن التعامل مع الطلاب المشاغبين يتطلب مزيجاً من الحزم والتعاطف، وأن الهدف دائماً هو تعديل السلوك لا العقاب، موضحاً وجود عدة استراتيجيات للتعامل مع الطالب المشاغب، مثل الإدارة الصفية الفعّالة ووضع قواعد واضحة، إلى جانب استخدام التواصل غير اللفظي، كالنظرات أو الصمت المفاجئ أمام الطالب، لإيصال رسالة حازمة دون مقاطعة سير الدرس.

ومن بين الاستراتيجيات التي ذكرها تغيير مكان جلوس الطالب المشاغب ووضعه في المقاعد الأمامية، وتجاهل السلوكيات البسيطة مع تعزيز السلوكيات الإيجابية، وأشار إلى أن طريقة التعامل مع الطالب المشاغب تختلف بناءً على فهم السبب الكامن وراء سلوكه، مثل إدراك دوافع لفت الانتباه، والإلمام بالمشكلات الخارجية المرتبطة بالأسرة.

ونصح باستخدام نبرة صوت حازمة وهادئة، ووضع قواعد صفية واضحة مع إشراك الطالب في تطبيقها، إلى جانب تعزيز السلوك الإيجابي، والتحدث معه بشكل فردي، وإشراكه في الأنشطة الصفية المتنوعة، التعليمية والرياضية والفنية، واحتوائه من خلال التعامل الهادئ والمحادثات الفردية، فضلاً عن توجيه طاقاته نحو مهام صفية إيجابية.

وأكد الحريري أن التشجيع يلعب دوراً مهماً في تعديل سلوك الطالب، حيث ينتقل التركيز من العقاب إلى البناء، وبدلاً من كبت الطاقات يتم توجيهها نحو مسارات إيجابية تحقق للطالب التقدير الذي يبحث عنه ويحاول إيجاده بطرق فوضوية

أخطاء تربوية شائعة في التعامل مع الطالب المشاغب

قد يقع بعض المعلمين في أخطاء تربوية عند التعامل مع الطالب المشاغب، أبرزها الاعتماد المفرط على العقاب المباشر دون محاولة فهم أسباب السلوك، أو التعامل معه بانفعال ورفع الصوت أمام الطلاب، ما قد يزيد من حدة المشكلة بدلاً من معالجتها. 

كما قد يؤدي التمييز السلبي أو التوبيخ المتكرر إلى تعزيز شعور الطالب بالرفض، فينعكس ذلك سلباً على سلوكه داخل الصف، وفي بعض الحالات، يُهمل المعلم السلوكيات البسيطة في بدايتها، ما يسمح بتفاقمها وتحولها إلى سلوكيات أكثر حدة.

بين الدافعية والاضطراب: تفسير السلوك المشاغب

يشير مختصون إلى أن السلوك المشاغب داخل الصف لا يُعد إخلالاً بالنظام فحسب، وإنما يرتبط في كثير من الحالات بعوامل نفسية وتربوية لدى الطالب، مثل ضعف الدافعية، أو الحاجة إلى الانتباه، أو صعوبة التكيف مع البيئة الصفية.

كما يوضحون أن بعض هذه السلوكيات قد تعكس ضغوطاً أو مشكلات خارج الإطار المدرسي، مؤكدين أن المعالجة التربوية الفعّالة تقوم على الفهم والتوجيه والتعزيز الإيجابي، إلى جانب ضبط القواعد الصفية، بدلاً من الاقتصار على العقاب.

يرتبط التعامل مع الطالب المشاغب داخل الصف بفهم العوامل النفسية والأسرية والتعليمية المؤثرة في سلوكه، إلى جانب وعي المعلم بأساليب تربوية تقوم على الاحتواء والتوجيه والتعزيز الإيجابي قبل العقاب، بما يسهم في خلق بيئة صفية متوازنة قادرة على تحويل السلوك غير المنضبط إلى طاقة إيجابية داخل العملية التعليمية.

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠٢٦
التهويدات السورية: عادة قديمة ترافق نوم الأطفال من جيل إلى آخر

تلجأ بعض الأمهات السوريات لاستخدام أسلوب الغناء لأطفالهنّ الصغار، لتهدئتهم ومساعدتهم على النوم أو التوقف عن البكاء، فيرددن كلمات هادئة وعذبة تمنح الطفل إحساساً بالسكينة والأمان، فيستسلم للنوم وقد تلاشت عنه آثار التعب والإرهاق بعد يومٍ طويل.

وتُعدّ هذه العادة تقليداً قديماً متوارثاً، تناقلته الأمهات جيلاً بعد جيل عن الجدّات، حيث حملت التهويدات في طياتها ذاكرة شعبية حيّة، ترافق الطفل في لحظاته الأولى، ويحمل هذا النوع من الأغاني مسميات متعددة تختلف باختلاف المجتمعات ولهجاتها، مثل: المهاواة، والهدهدة، وأغاني المهد، والترويدة، والتهويدة.

ورغم تنوّع أسمائها، فإنها تتفق في مضمونها وغايتها، خاصة أنها تهدف إلى تدليل الطفل وتهدئته حتى ينام، عبر كلمات عذبة وصوت حنون وإيقاع هادئ، كما تحمل هذه الأغاني في طياتها مشاعر الأم، وتعكس ما تختزنه من أفكار وعادات ومعتقدات.

ومن أكثر الأغاني التي ترددت على لسان الجدات في بلاد المشرق العربي ومنها سوريا، "يلا تنام يلا تنام وادبحلك طير الحمام روح يا حمام لا تصدق بضحك على الغالي لينام"، ويمكن وضع اسم الطفل الذي تغني الأم له.

كما رددت الأمهات أغنية بسياق مشابه بعيداً عن ذكر موضوع إيذاء الحمام: "يلا تنام يلا تنام وأهديلك طير الحمام.. روح يا حمام لا تصدق بغنيله حتى ينام.. شعره نازل على جبينه.. روحي وعمري بهدي له".

أحياناً تلجأ بعض الأمهات إلى تأليف هذه الأغاني بشكلٍ ارتجالي، فتنسج كلماتها من مشاعرها الخاصة، وتميل في الوقت نفسه إلى الاستمتاع بالغناء لأطفالهن، حيث يجدن فيه وسيلة للتعبير عن حبهن وحنانهن، لذلك تتنوع مضامينها بين كلمات دافئة مليئة بالمودة، وفي حالات أخرى تعكس ما تعيشه الأم من معاناة أو ضغوط في حياتها اليومية.

من جهة أخرى تأثرت الأمهات والجدات بالأعمال الغنائية التي قدّمها فنانون معروفون عن الأطفال، مثل الأغنية التي غنّتها المطربة اللبنانية فيروز لابنتها “ريما” عندما كانت طفلة، والتي جاء فيها: “يلا تنام ريما يلا يجيها النوم، يلا تحب الصلاة يلا تحب الصوم، ياللا تجيها العوافي كل يوم بيوم”، وقد تداولتها الأمهات في سوريا لاحقاً، مع استبدال اسم “ريما” باسم طفلها أو طفلتها، لتصبح جزءاً من التهويدات الشعبية المتداولة.

وغالباً ما تحكي التهويدات عن قصص قديمة وظروف قاسية عاشتها الأمهات أو الجدات نتيجة الفقدان، فتكون ممزوجة بين كلمات أغاني المهد البسيطة والحالمة وبين أشكال من العتابا المرتجلة، المشبعة بمشاعر الشوق والحنين، فتخاطب من خلالها طفلتها عن غياب الأحبّة وأثره.

وفي بعض الأحيان يكون لكل أم أغنية خاصة بها، تحمل طابعاً فريداً تمتزج فيه مشاعر الحب والحنان وهي تضم طفلها بين ذراعيها، ولا يقتصر استخدام هذه الأغاني على مساعدته على النوم، بل تمتد أيضاً لتهدئته عند البكاء أو التخفيف عنه في حال المرض، عبر تحويل انتباهه عن الألم والتعب من خلال الأهازيج الخفيفة والقصائد الشعبية والعتابا المغنّاة.

مع تطور التكنولوجيا وانتشار الأجهزة الذكية، باتت بعض الأمهات يلجأن إلى تشغيل أغنيات جاهزة عبر الهاتف لمساعدة الطفل على النوم، بدلاً من غنائها بشكل مباشر، وغالباً ما تُختار هذه المقاطع من بين أغانٍ مخصصة للأطفال أو حتى أغانٍ هادئة غير موجهة للصغار، خاصة في الحالات التي تكون فيها الأم منشغلة بأعمال أخرى أو لا تفضل ممارسة الغناء التقليدي.

وبرغم توفر العديد من الأغاني على منصات مثل يوتيوب وغيرها من الثقافتين العربية والأجنبية، إلا أن بعض الأمهات يفضلن الغناء لأطفالهن بأنفسهن بدل تشغيل المقاطع الجاهزة، ما يعكس رغبة الأمهات بتعزيز الارتباط  العاطفي المباشر بالطفل، حيث يحمل صوت الأم الحيّ دفئاً وطمأنينة خاصة، ويجعل لحظة النوم أو التهدئة أكثر حميمية وارتباطاً وجدانياً بين الأم وطفلها.

ولا تقتصر فائدة غناء الأم للطفل على مساعدته على النوم وتهدئته فحسب، وإنما تقدم فوائد على الصعيد النفسي، حيث تشير دراسات في علم نفس النمو إلى أن غناء الأم للطفل يساعد على تهدئته وخفض مستوى التوتر لديه، من خلال تأثير الإيقاع الصوتي والنبرة الهادئة في تنظيم الحالة الانفعالية للرضيع، ما يسهّل انتقاله إلى النوم أو الاسترخاء في بعض الحالات.

ويحمل حفاظ الأمهات في سوريا على غناء التهويدات للأطفال العديد من الدلالات الاجتماعية والثقافية، أبرزها الحرص على استمرار العادات والتقاليد الموروثة التي انتقلت من الجدات إلى الأمهات، وسعيهن لإبقائها حاضرة لدى الأجيال الجديدة، كما يدل هذا السلوك على طبيعة العلاقة العاطفية بين الأم وطفلها، القائمة على الاحتواء والحنان والرغبة في تهدئته وإسعاده.

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠٢٦
الحضانة والوصاية في القانون السوري: اختلاف المفهوم وترتيب الصلاحيات القانونية

تعد قضايا الحضانة والوصاية من أبرز المسائل القانونية المرتبطة بشؤون الأسرة، وغالباً ما يختلط المفهومان لدى الكثيرين رغم اختلاف كل منهما من حيث الصلاحيات والدور، ويبرز هذا الخلط بشكل خاص في حالات الانفصال، حيث تتداخل الجوانب القانونية مع احتياجات الطفل اليومية، ما ينعكس على تنظيم شؤونه ورعايته.

في هذا التقرير توضح الأستاذة ردينة تميم، تمارس مهنة المحاماة بمحاكم دمشق، متطوعة بمنظمة الأمم المتحدة للاجئين بمشروع مكتب الوفاق الأسري المعنى بملف معالجة وضع الأطفال في المناطق المحاصرة في فترة الثورة، الفارق بين الحضانة والوصاية، إضافة إلى شروط الحضانة وإمكانية نزعها في بعض الحالات.

قالت المحامية ردينة تميم في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه من الناحية القانونية يوجد فرق بين الحضانة والوصاية، إلا أن كثيراً من الناس يخلطون بينهما، ما يؤدي إلى تشكيل فهم غير دقيق لدى البعض حول هذا الموضوع.

الحضانة للأم.. الشروط الأساسية 

وأوضحت أن الحضانة تعني البيئة الحاضنة للطفل، إذ إن القاصر الذي يقل عمره عن 18 عاماً يحتاج إلى رعاية وإشراف واهتمام وتربية ومتابعة صحية وتعليمية، وهي مهام يتولاها عادةً الحاضن، وغالباً ما تكون الأم هي الحاضنة للطفل.

وأشارت إلى أن القانون يميل في هذه النقطة لصالح الأم، إذ تُعد الحضانة في الأصل من حقها، لافتة إلى أنه وضع شروطاً على الحاضنة، من بينها أن تتمتع بحسن السلوك، والأهلية القانونية، وأن تكون خالية من أي إشكالات قانونية أو اضطرابات عقلية أو عوائق جسدية تحول دون قيامها بمهامها، إضافة إلى قدرتها على رعاية الطفل وعدم غيابه عنها لفترات طويلة، مع مراعاة طبيعة التفرغ لمتابعة شؤونه اليومية.

ترتيب الحضانة في القانون السوري وشروط حصول الأب عليها

ونوّهت إلى أنه في حال مطالبة الأب بالحضانة، يجب توفر شروط معينة، من بينها وجود معيلة إلى جانبه، كزوجة أو أم أو أخت، لتتولى رعاية الطفل.

 وأضافت أن المادة /139/ من قانون الأحوال الشخصية نصّت على أن ترتيب الحضانة يكون للأم، ثم للأب، ثم لأم الأم وإن علت، ثم لأم الأب وإن علت، ثم للأخت الشقيقة، ثم للأخت لأم، ثم للأخت لأب، ثم لبنت الشقيقة، ثم لبنت الأخت لأم، ثم لبنت الأخت لأب، ثم للخالات، ثم للعمات، ثم ينتقل الحق بعد ذلك إلى العصبات من الذكور وفق الترتيب القانوني.

وأكدت تميم أن القانون لا يميز بين الذكر والأنثى، إذ تكون الحضانة في المرحلة الأولى للأم حتى سن الخامسة عشرة، وبعد ذلك يُخيَّر الطفل بين البقاء مع أمه أو الانتقال للعيش مع أبيه.

الفرق بين التعديل الجديد والسابق

وبيّنت أن هناك فرقاً بين التعديل الجديد والسابق، إذ كانت الحضانة في السابق تُمنح للأم ثم لأم الأم ثم للأب ثم لأم الأب، مع استمرار نفس التراتبية، وأضافت أنه في حال زواج المرأة المطلقة ولديها أطفال من رجل آخر، كان ذلك يُعد من أسباب إسقاط الحضانة، حيث كانت تنتقل في هذه الحالة إلى أمها، وهو ما اعتبرته بعض النساء آنذاك عاملاً يخفف القلق لكون الأطفال سيبقون في كنف جدتهم.

أما في التعديل الجديد، بحسب ما أوضحت المحامية ردينة، فإن المرأة تفقد حضانة الطفل في حال زواجها من رجل أجنبي عن الطفل، فتنتقل الحضانة إلى الأب، وأضافت أنه في حال غياب الأب أو فقدانه أو تغيّبه، وعدم توفر شروط بيئة الحاضن المناسب، تعود الحضانة إلى أم الأم.

ونوّهت إلى أنه في السابق كان هناك تمييز في سن الحضانة بين الذكر والأنثى، حيث كانت تنتهي عند 13 سنة للذكر و15 سنة للأنثى، بينما وحّد التعديل الجديد السن لكلا الجنسين عند 15 عاماً، وبعد هذا العمر، لا تبقى الحضانة قائمة بالشكل السابق، إذ يُخيَّر الطفل بين البقاء مع الأم أو الانتقال إلى الأب وفق رغبته، قبل سن الخامسة عشرة، فتكون الحضانة للأم ما دامت لم تتزوج ولم تُسحب منها الحضانة تحت أسباب قانونية.

دعوى نزع الحضانة وشروطها

وذكرت أن القانون السوري يتيح إمكانية نزع الحضانة عبر دعوى تُعرف بدعوى نزع الحضانة، وهي دعوى قانونية قد تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب إثباتات قوية، وأكدت أن هذا الأمر يُعد نقطة إيجابية لصالح المرأة، إذ لا يمكن لأي أب أن يطالب بنزع الحضانة بشكل تلقائي، بل يجب تقديم أدلة ووثائق واضحة وثبوتية لإثبات وجود مبررات قانونية لذلك.

ونوّهت إلى أنه في كثير من حالات الانفصال يتم استخدام الطفل كوسيلة ضغط بين الطرفين، إذ قد تكون الأم قادرة ومؤهلة للحضانة، إلا أن الأب يلجأ أحياناً إلى تقديم ادعاءات تهدف إلى التأثير عليها أو الإضرار بها، مثل الطعن في أخلاقها أو التشكيك في التزامها بالشروط المطلوبة، أو الإشارة إلى طبيعة عملها أو ظروفه، في محاولة لدعم مطلب نزع الحضانة، إلا أن القانون صارم في هذا الموضوع، ولايقبل أي دعوى لنزع الحضانة إلا بإثباتات دامغة.

الاختلاف بين الوصاية والحضانة

وأكدت تميم أن الوصاية تختلف عن الحضانة، إذ إن الوصي على الطفل القاصر هو من يتولى شؤونه الإدارية والقانونية، وليس بالضرورة أن يكون الحاضن هو نفسه الوصي، فالوصي هو المسؤول قانونياً عن القاصر، وله صلاحية التصرف نيابة عنه باعتباره غير مكتمل الأهلية وغير قادر على اتخاذ القرارات أو إدارة شؤونه المادية والإدارية، بما في ذلك السفر والرعاية.

وبيّنت أن هناك ما يُعرف بالوصي الجبري، وهو الوصي الأساسي الذي يكون في العادة الأب، ويُعد المسؤول الأول قانونياً عن شؤون الأطفال القاصرين، وتكمن الإشكالية في حال غياب الوصي الجبري، أي الأب، أو في حال عدم توفره، إذ يمكن أن تنتقل الوصاية إلى العم الشقيق، وفي حال غيابه إلى الجد من جهة الأب، باعتباره أيضاً من الأوصياء الجبريين وفق التسلسل القانوني.

وأشارت إلى أنه في حال غياب هذا الوصي، تبرز إشكالية تتطلب تعيين وصي شرعي على الطفل، ولفتت في ختام حديثها إلى أنه في بعض الحالات قد تنشأ صعوبات عندما لا يكون الوصي المعين متعاوناً مع الأم الحاضنة، ما قد يؤدي إلى تضارب في مصلحة القاصر، كما قد تحتاج الأم إلى اتخاذ إجراء معين، لكنها لا تكون مخوّلة قانونياً للقيام به إلا ضمن شروط محددة، ما يدفعها إلى اللجوء إلى القضاء.

اقرأ المزيد
١٧ أبريل ٢٠٢٦
مسارات الحياة داخل الأسرة السورية بين القوالب التقليدية والاختيار الفردي

تسير بعض الأسر في سوريا وفق أنماط اجتماعية محددة ترسم من خلالها مسار حياة الأبناء في مختلف جوانبها، بما في ذلك الدراسة واختيار التخصصات والارتباط وتشكيل الأسرة وغيرها من الشؤون، وغالباً ما يُنظر إلى أي خروج عن هذا الإطار التقليدي على أنه غير مقبول، وقد يترتب عليه رفض أو ضغوط داخل الأسرة، في ظل اعتقاد بأن الالتزام بهذا النمط يضمن استقرار الحياة الأسرية ويحافظ على توازنها.

ومن بين هذه الأنماط التي تتمسك بها بعض العائلات تحديد سن معين للزواج والإنجاب، إلى جانب توجيه الأبناء نحو دراسات أو تخصصات بعينها أو مسارات مهنية محددة، وفي بعض الحالات، قد يميل الأب إلى دفع ابنه نحو ممارسة المهنة التي يعمل بها واعتبارها الخيار الأنسب له، حتى وإن لم تكن متوافقة مع رغبة الابن أو ميوله الشخصية، في مقابل خيارات مهنية أخرى قد يفضلها.

تعود هذه الأنماط لدى بعض الأسر إلى مجموعة من الأسباب، من بينها الطبيعة التقليدية في إدارة القرار داخل الأسرة، والعادات والتقاليد السائدة، إضافة إلى الخوف على مستقبل الأبناء والسعي لاختيار مسارات تُعتبر أكثر أماناً من الناحية المعيشية أو المهنية. 

كما يلعب غياب ثقافة الحوار داخل بعض البيوت دوراً في ترسيخ هذا التوجه، إلى جانب تأثر بعض الأسر بتجارب سابقة أو نجاحات معينة داخل العائلة تدفعهم لتكرارها، ولا يمكن إغفال تأثير النظرة المجتمعية والضغط الاجتماعي في بعض الحالات، بما في ذلك ما يرتبط بالسمعة أو القبول الاجتماعي، فضلاً عن ضعف التوجيه المهني الذي يساعد الأبناء على اختيار مسارات تتناسب مع ميولهم وقدراتهم.

تسبب هذه الممارسات ضغوطاً نفسية على الأبناء نتيجة فرض خيارات لا تتوافق مع رغباتهم أو ميولهم، ما ينعكس سلباً على دافعيتهم في الدراسة أو العمل، كما قد يؤدي ذلك إلى خلافات داخل الأسرة، خاصة عندما يحاول الأبناء اختيار مسار مختلف عما يُفرض عليهم.

وفي بعض الحالات، يؤثر هذا الضغط على التحصيل الدراسي أو الأداء المهني بسبب عدم الانسجام مع المجال المفروض، كما قد يحدّ من اكتشاف قدراتهم الحقيقية ويقلل من قدرتهم على اتخاذ القرار بأنفسهم.

مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي وتطور أساليب التربية الحديثة، بات الجيل الجديد أكثر ميلاً إلى رفض القوالب التقليدية المفروضة على مسارات الدراسة والعمل والحياة، وفي المقابل، بدأت بعض الأسر تمنح أبناءها مساحة أوسع من الحرية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم.

غير أن هذا التحول لا يزال غير متوازن، إذ تتمسك بعض العائلات بنمطها التقليدي، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى صدام داخل الأسرة بين رؤيتين مختلفتين؛ رؤية الجيل القديم القائم على التوجيه والالتزام بالقواعد، ورؤية الجيل الجديد التي تميل إلى الاستقلالية في الاختيار.

يرى مختصون في علم النفس والاجتماع أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يكون بالمنع أو الصدام، بل عبر تعزيز الحوار داخل الأسرة وإتاحة قدر أكبر للأبناء للتعبير عن رغباتهم واختيار مساراتهم بما يتناسب مع قدراتهم وميولهم، كما يشيرون إلى أهمية أن يكون دور الأسرة قائماً على التوجيه والدعم بدل فرض الخيارات.

ويضيفون أن تفعيل الإرشاد التربوي في المدارس، إلى جانب رفع وعي الأهل بأهمية تنوع الخيارات وعدم حصرها في مسارات محددة مسبقاً، يساهم في تخفيف التوتر داخل الأسرة والحد من الخلاف بين الأجيال.

تعكس هذه القوالب الاجتماعية داخل بعض الأسر في سوريا تبايناً بين التمسك بالخيارات التقليدية واتجاه الأبناء نحو الاختيار الفردي في الدراسة والعمل والحياة، ما يؤدي أحياناً إلى اختلاف في وجهات النظر داخل الأسرة حول مسارات الأبناء وتوجهاتهم المستقبلية.

 

اقرأ المزيد
6 7 8 9 10

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢١ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٤ مايو ٢٠٢٦
حين تقود التكنولوجيا الحرب.. كيف غيّرت الدرونز موازين القتال؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٠ مايو ٢٠٢٦
عن حب الحماصنة لحمص..!!
محمد العلي
● آراء ومقالات
٧ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا غوغل تعيد تشكيل البحث.. الذكاء الاصطناعي "يستعين بالبشر" لإظهار نتائج أفضل
فريق العمل
● آراء ومقالات
٥ مايو ٢٠٢٦
الخصخصة هل تَحلّ مشكلة القطاع العام...؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري
● آراء ومقالات
٤ مايو ٢٠٢٦
أزمة السيولة في المصارف، متى تُحلّ..؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري
● آراء ومقالات
٣ مايو ٢٠٢٦
زيادة الرواتب، هل تُحسِّن المعيشة أم ترفع التضخم؟
يحيى السيد عمر / باحث اقتصادي سوري