مجتمع
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
الفروقات المادية في نظر الأطفال… كيف يتعامل الأهل؟

في مراحل الطفولة، من الطبيعي أن يبدأ الطفل بملاحظة الفروقات بينه وبين أصدقائه، سواء من حيث الملابس أو مستوى المعيشة أو حتى نوعية الأطعمة والشراب، ومع اتساع دائرة احتكاكه بالآخرين، تزداد هذه المقارنات وضوحاً، ما قد يدفعه للتساؤل أو الشعور بعدم الرضا أحياناً.


قد يعبّر بعض الأطفال عن حزنهم أو يطالبون أهاليهم بالحصول على أشياء مماثلة لما يملكه أقرانهم، الأمر الذي يضع الأسرة أمام تحدٍ يتطلب التعامل بوعي وتوازن مع هذه المشاعر.


وفي هذا السياق، يوضح مختصون في علم النفس أهمية دور الأسرة في توجيه الطفل ومساعدته على تقبل اختلاف الظروف دون أن يؤثر ذلك على ثقته بنفسه أو نظرته لذاته.


قالت الأخصائية النفسية مروة السيد علي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن من الطبيعي أن يبدأ الطفل، خاصة في سن المدرسة، بملاحظة الفروقات في مستوى المعيشة بينه وبين أقرانه، سواء في الملابس أو الألعاب أو السفر أو امتلاك الهواتف، وأضافت أن دور الأهل يتمثل في الاستماع لمشاعر الطفل دون التقليل منها، مع توضيح أن اختلاف الإمكانات بين الأسر أمر طبيعي ولا يحدد قيمة الإنسان أو مكانته.


وأشارت إلى أهمية التركيز على ما تملكه الأسرة من نقاط قوة، مثل الترابط والتعليم والاهتمام، بدلاً من حصر الحديث في الجانب المادي، وأوضحت أنه في حال عبّر الطفل عن رغبته بمواكبة أصدقائه، كأن يقول إن جميع زملائه يمتلكون هاتفاً جديداً، يمكن للأهل الرد بطريقة متفهمة، مثل: «أتفهم أنك تتمنى ذلك، لكن لكل أسرة أولوياتها، ونحن نشتري ما يناسب ميزانيتنا، وعندما يصبح الأمر مناسباً سنناقشه».


ونوّهت إلى أن تكرار شعور الطفل بالمقارنة دون احتواء قد يدفعه إلى الإحساس بالنقص أو الإحباط أو الخجل من ظروفه، ما قد يؤثر في ثقته بنفسه وعلاقاته الاجتماعية، لافتةً إلى أنه في بعض الحالات قد يلجأ إلى المبالغة في طلب الأشياء أو ربط قيمته بما يملكه، لكن إذا تلقى الطفل دعماً نفسياً وتربوياً مناسباً، فقد يتعلم تقدير ذاته وتأجيل رغباته، ويفهم أن النجاح والسعادة لا يعتمدان فقط على الإمكانات المادية.


وذكرت الأخصائية مروة أن بعض الأطفال قد يرفضون المشاركة في أنشطة مثل الرحلات المدرسية لشعورهم بعدم التساوي مع الآخرين، وهو ما يتطلب دعماً نفسياً وتعزيزاً للثقة بالنفس، وليس بالضرورة تعويضاً مادياً.


ولفتت إلى أن شرح الوضع المادي للطفل يجب أن يتم بلغة بسيطة تناسب عمره، مع الصراحة دون إثارة القلق أو تحميله مسؤولية الضغوط المالية، موضحةً أنه يمكن توضيح أن الأسرة تدير دخلها وفق أولويات مثل السكن والتعليم والصحة، وأن بعض الرغبات تحتاج إلى وقت أو ادخار.


 وذكرت أنه يمكن تقديم أمثلة عملية للطفل، كأن يقال له: «لدينا ميزانية نخصصها للأشياء الأساسية أولاً، وإذا ادخرنا خلال الأشهر القادمة قد نستطيع شراء ما تريده، وهذا لا يعني أننا لا نريد إسعادك، بل يعني أننا نخطط بحكمة».


وتحدثت الأخصائية النفسية عن أن من أهم الأساليب التربوية التي تساعد الطفل على تقبل اختلاف الظروف، تعزيز الامتنان لما يملكه، وتشجيعه على تنمية مهاراته وإنجازاته بدل ربط قيمته بالممتلكات، إلى جانب الابتعاد عن مقارنة الأسرة بغيرها.


وأوضحت أن إشراك الطفل في قرارات بسيطة تتعلق بالادخار أو ترتيب الأولويات يسهم في تنمية حس المسؤولية لديه وفهمه الواقعي للمال، مشيرةً إلى إمكانية تخصيص مبلغ بسيط يدخره لتحقيق هدف يرغب فيه، ما يعزز شعوره بالإنجاز والفخر.


وأكدت أن هناك أخطاء شائعة يقع فيها بعض الأهل عند الحديث مع أبنائهم عن المال، من بينها التقليل من مشاعر الطفل بعبارات مثل «لا تفكر في هذه الأمور»، وهو ما يجعله يشعر بأن مشاعره غير مفهومة، وشددت على أن من الأخطاء أيضاً تخويف الطفل بالمشكلات المالية أو إشعاره بأنه سبب الأعباء الاقتصادية للأسرة، إضافة إلى مقارنته بأطفال آخرين، مثل القول: «انظر إلى فلان لا يطلب شيئاً»، لما لذلك من أثر في زيادة شعوره بالنقص.


وأفادت بأن إعطاء وعود بشراء أشياء لا يستطيع الأهل الوفاء بها قد يؤثر في ثقة الطفل بهم، مؤكدةً أهمية الوضوح والواقعية في التعامل مع توقعاته، وبيّنت أن الطفل لا يحتاج إلى العيش في أسرة غنية بقدر ما يحتاج إلى الشعور بالأمان والتقدير، موضحةً أن حديث الأهل عن المال بهدوء وصدق، مع التركيز على القيم والجهد والامتنان بدلاً من المقارنات مع الآخرين، يسهم في بناء ثقة بالنفس لا تعتمد على المظاهر أو مستوى المعيشة، وأن اختلاف الظروف المادية بين الأسر أمر طبيعي ولا ينتقص من مكانة أي إنسان.


تُعد ملاحظة الطفل للفروقات بينه وبين أقرانه أمراً طبيعياً يرتبط بتقدمه في العمر واتساع تفاعله الاجتماعي، كما أن تعبيره عن هذه الملاحظات أو تساؤلاته يعكس محاولته لفهم محيطه، وتُظهر هذه المرحلة أهمية طريقة تفاعل الأسرة مع تلك المشاعر، من حيث الاستماع والتوضيح وتقديم المعلومات المناسبة لعمر الطفل.

اقرأ المزيد
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
بين الطموح والواقع: كيف يختار الطالب بين الفرع العلمي والأدبي؟

بعد أن ينهي الطلاب الصف العاشر في سوريا، يواجهون مرحلة مفصلية في مسيرتهم الدراسية تتمثل في اختيار الفرع الذي سينتقلون إليه في المرحلة الثانوية، بين العلمي والأدبي، في ظل تباين واضح في ميولهم وقدراتهم، إلى جانب تدخلات متفاوتة من الأهل، ما يجعل هذا القرار محاطاً بعوامل متعددة تؤثر بشكل مباشر على مستقبلهم الدراسي والمهني.

وفي هذا السياق، يلجأ بعض الطلاب إلى اختيار الفرع العلمي رغم عدم امتلاكهم المقومات اللازمة لذلك، كضعف مستواهم في مواد أساسية مثل الرياضيات والكيمياء، مدفوعين باعتقادهم بإمكانية تحسين مستواهم خلال السنوات القادمة، أو نتيجة ضغوط عائلية، أو بدافع مجاراة الأصدقاء والتفاخر بهذا الاختيار.


 في المقابل، يتجه طلاب آخرون إلى اختيار الفرع الذي يتناسب مع قدراتهم ومستواهم الدراسي، انطلاقاً من قناعة بميولهم وإمكاناتهم، ما يعزز ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على الاستمرار والتفوق في المسار الذي اختاروه.

وفي هذا السياق، قال محمد عوض، مدرس اللغة العربية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الطلاب يتفاوتون في قدراتهم وميولهم ورغباتهم، ما يفرض على كل طالب اختيار الفرع الذي يتناسب مع إمكاناته، سواء كان علمياً أم أدبياً، وأضاف أن هذا الاختيار ينبغي أن يستند إلى ما حققه الطالب في مرحلة التعليم الأساسي، إذ يشكل كل من المعدل والكفاءة معيارين أساسيين، مع ضرورة مراعاة رغبة الطالب واهتماماته.

وأشار إلى أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الأهل فرض الفرع العلمي على أبنائهم، دون الالتفات إلى قدراتهم أو ميولهم، مبيناً أن الدور الأمثل للأهل يجب أن يكون قائماً على التوازن بين كفاءة الطالب ورغبته، بعيداً عن الضغوط التي قد تضعف دافعيته وتؤثر سلباً في أدائه.

ولفت إلى أن بعض الطلاب يفضلون الفرع العلمي لما يتيحه من فرص أوسع في اختيار تخصصات مطلوبة مستقبلاً، إلا أنه لا ينبغي إهمال الفرع الأدبي في حال ضعف التحصيل في المواد العلمية، ولا سيما الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وأوضح أن نتائج هذه المواد تعد من أهم المؤشرات على ملاءمة المسار الدراسي، مؤكداً أن النجاح في الفرع العلمي يتطلب تحقيق مستويات مرتفعة فيها.

ونوّه إلى أهمية دور المدرسة والمرشد التربوي في مساعدة الطالب على اتخاذ قرار واعٍ، نظراً لما يمتلكانه من خبرة طويلة في التعامل مع الطلبة، وهي خبرة قد لا تتوفر لدى بعض الأهل، ما يجعل دور المدرسة مكملاً وضرورياً في هذه المرحلة.

وشدد على أن اختيار فرع لا يتناسب مع قدرات الطالب ينعكس سلباً على مسيرته الدراسية، إذ قد يشعر بالتقصير مقارنة بزملائه، الأمر الذي يضعف دافعيته نحو التعلم، وأكد على ضرورة مراعاة مستوى الطالب وإمكاناته عند اتخاذ هذا القرار، لما لهذه المرحلة من أهمية مفصلية في حياته.

في سياق متصل، قالت ملك حاتم، مدرسة اللغة الإنجليزية، في تصريح خاص لـ شام، إن اختيار الفرع العلمي أو الأدبي يُعد قراراً مصيرياً في حياة الطالب، إذ يرتبط بعدة عوامل، من أبرزها ميوله، وقدراته العقلية، ومدى اهتمامه بمواد معينة، إضافة إلى الهدف الجامعي والتخصص الذي يسعى لدراسته.

وأضافت أن من أكثر الأخطاء شيوعاً إصرار بعض الأهالي على توجيه أبنائهم نحو الفرع العلمي، انطلاقاً من اعتقاد بأنه الأفضل أو الأكثر مكانة، حتى وإن كان الطالب يعاني ضعفاً في المواد العلمية أو لا يميل إليها، كما أشارت إلى أن قيام اللأهل بمقارنة الأبناء مع الآخرين، كقول "انظر إلى فلان هو علمي وأنت أدبي"، ما يترك أثراً سلبياً على نفسية الطالب، خاصة عندما تُربط هذه المقارنات بالتقليل من قدراته أو وصفه بالضعف، مع تجاهل ميوله ورغباته.

وبيّنت أن الخوف من الفرع الأدبي، واعتباره محدود الفرص أو أقل قيمة، يُعد تصوراً خاطئاً لدى بعض الأهالي، مؤكدة أن الخيار الأنسب هو متابعة الطالب منذ مراحل مبكرة، كالصّف الثامن، لملاحظة ميوله ونقاط قوته.

ولفتت إلى أن ضغط الأهل وتدخلهم المفرط ينعكسان بشكل مباشر على الطالب، نفسياً ودراسياً؛ إذ يفقد ثقته بنفسه، ويزداد لديه القلق والتوتر، ويشعر بأن المسار الذي يسلكه لا يناسبه، كما ينعكس ذلك على تحصيله العلمي، سواء بتراجع العلامات أو الرسوب، ما قد يؤدي إلى إضاعة سنة دراسية، أو الاستمرار في تخصص لا يرغب فيه مستقبلاً، ما يزيد من احتمالية الفشل أو فقدان الشغف في العمل.

وأكدت أن بعض الطلاب يندفعون لاختيار الفرع العلمي بدافع الصورة النمطية المرتبطة به، كونه "فرع الأطباء والمهندسين"، ما يدفعهم لتحمل ضغوط كبيرة، من دروس إضافية وتكاليف مادية وجهد مستمر، دون نتائج مرضية في كثير من الأحيان، الأمر الذي قد يسبب لهم الإحباط والشعور بالفشل، رغم امتلاكهم قدرات مميزة في مجالات أخرى، كالأدب أو الفلسفة.

وأوضحت أن دخول الطالب فرعاً لا ينسجم مع ميوله يؤدي سريعاً إلى نفوره من الدراسة، وتراجع استيعابه، وشعوره الدائم بالندم، فضلاً عن ما قد يعانيه من توتر وقلق مع اقتراب الامتحانات، ونوّهت إلى أهمية دور المدرسة والمرشد التربوي في توجيه الطلاب، من خلال جلسات إرشادية فردية وجماعية، تُعرّفهم بالتخصصات الجامعية وتساعدهم على فهم ميولهم، مع الإشارة إلى ضعف تفاعل بعض الأهالي مع هذه المبادرات.

وقدّمت جملة من النصائح للطلاب، أبرزها الاطلاع على مناهج الفرعين العلمي والأدبي، والاستفادة من تجارب طلاب سبقوهم، وتحديد أهداف واضحة تحفّزهم خلال الدراسة، وأكدت على أهمية دور الأهل في الاستماع إلى أبنائهم وفهم اهتماماتهم، دون فرض خيارات عليهم، مشددة على أن على الطالب اختيار الفرع الذي يحبه ويستطيع التميز فيه، لتحقيق أفضل النتائج وبناء مستقبل يتوافق مع طموحاته.


ولم يعد اختيار الفرع العلمي أو الأدبي بعد الصف العاشر قراراً دراسياً، بل خطوة محورية تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها قدرات الطالب وميوله، وتوقعات الأهل، ودور المدرسة في التوجيه، وبين الطموح والواقع، يرتبط هذا القرار بمدى توافق هذه العوامل مع قناعة الطالب وإمكاناته، وما يترتب عليه من انعكاسات على مستقبله الدراسي والمهني.

اقرأ المزيد
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
بين الخوف والتعلم: كيف تؤثر أساليب العقاب على سلوك الطفل؟

في ظل التحديات اليومية التي تواجه الأسر، يلجأ بعض الأهالي إلى أساليب سريعة لضبط سلوك الأبناء، من أبرزها التهديد والعقاب المستمر، كأدوات فاعلة لتحقيق الانضباط، إلا أن مختصين في علم النفس يحذرون من آثار هذه الممارسات على المدى البعيد، مؤكدين أن فهم سلوك الطفل واللجوء إلى بدائل تربوية أكثر توازناً يشكلان أساساً لبناء علاقة صحية تدعم نموه النفسي والاجتماعي.

العقاب كحل سريع.. نتائج مؤقتة وتأثيرات طويلة الأمد

في هذا السياق، قالت د. رشا عبد الرحيم، الحاصلة على دكتوراه في علم نفس الطفل والتربية المبكرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بعض الأهالي يلجؤون إلى التهديد والعقاب المستمر باعتبارهما وسيلتين سريعتين لضبط سلوك الطفل، وغالباً ما يرتبط ذلك باعتقادات تربوية متوارثة، أو بخبرة الوالدين السابقة في التربية، أو بضعف معرفتهم بخصائص النمو وبدائل الانضباط الإيجابي.

وأضافت أن اللجوء إلى هذه الأساليب قد يزداد عندما يكون الوالدان تحت ضغط نفسي أو اقتصادي أو أسري، أو عندما يفسران السلوك غير المرغوب فيه على أنه «عناد» أو «تحدٍ للسلطة» بدل النظر إليه على أنه سلوك يحتاج إلى فهم وتوجيه.

وأشارت إلى أن التعامل مع المشكلة تربوياً لا يبدأ بلوم الوالدين، وإنما بفهم أسباب السلوك وتزويدهم بمهارات أكثر فاعلية، ونوّهت إلى أن التهديد والعقاب قد يبدوان فعالين على المدى القصير؛ لأن الطفل قد يتوقف عن السلوك غير المرغوب فيه خوفاً من فقدان امتياز أو التعرض لعقوبة.

وبيّنت الدكتورة رشا أن هذا التوقف لا يعني بالضرورة حدوث تعلم تربوي حقيقي؛ فالطفل قد يتعلم تجنب العقوبة أو إخفاء السلوك، دون أن يكتسب القدرة على ضبط ذاته أو فهم سبب الخطأ والبديل المقبول، ولفتت إلى أنه مع استمرار العقاب والتهديد، قد تصبح العلاقة قائمة على الخوف والامتثال الخارجي بدلاً من الثقة والمسؤولية الداخلية.

وذكرت أن الأدلة الحديثة تشير إلى أن أساليب العقاب القاسية، ولا سيما البدني والإذلال والتهديد والتخويف، ترتبط بزيادة المشكلات السلوكية وبآثار سلبية على الصحة النفسية والنمو الاجتماعي والانفعالي، ولا تقدم فوائد تربوية مستدامة.

وتحدثت عن أن تعرض الطفل المستمر للتهديد أو العقاب القاسي قد يرتبط بارتفاع الخوف والقلق والشعور بعدم الأمان، وضعف تقدير الذات، والشعور بالعار أو الذنب، وصعوبة التعبير عن المشاعر وتنظيمها.

وأوضحت عبد الرحيم أن ذلك قد يظهر في صورة عدوانية أو تحدٍّ أو انسحاب أو كذب وإخفاء للأخطاء، كما قد يضعف الثقة بين الطفل ووالديه، وأكدت أنه مع التكرار، قد يتعلم الطفل أن القوة والخوف وسيلة لحل النزاعات، فيعيد إنتاج الأسلوب نفسه مع إخوته أو أقرانه.

وشددت على أن منظمة الصحة العالمية تؤكد وجود ارتباط بين العقاب العنيف ومشكلات الصحة النفسية، والعدوانية، وصعوبات التنظيم الانفعالي، وتدهور العلاقات الأسرية والتحصيل التعليمي.

وأفادت بأهمية التفريق بين الانضباط الصحي والعقاب المبالغ فيه، موضحة أن الانضباط الصحي لا يعني غياب الحدود، بل يعني وضع حدود واضحة وثابتة ومناسبة لعمر الطفل، مع شرح القاعدة وسببها، وتطبيق نتيجة منطقية ومتوقعة عند مخالفتها، دون إهانة أو تخويف أو تهديد أو ضرب.

وبيّنت الدكتورة رشا عبد الرحيم أن العقاب المبالغ فيه يتسم بالتكرار، وعدم التناسب مع السلوك، والانفعال الشديد، والإذلال، والتهديد، والتعميم من السلوك إلى شخصية الطفل؛ كأن يقال: «أنت سيئ» بدل «هذا السلوك غير مقبول»، ولفتت إلى أن القاعدة الأساسية هنا هي أن نرفض السلوك دون أن نرفض الطفل.

وذكرت أن البديل التربوي الأكثر فاعلية هو الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق التعليم، ويتضمن ذلك بناء قواعد أسرية قليلة وواضحة، والاتفاق عليها مسبقاً واستخدام التعزيز الإيجابي للسلوك المناسب، وتحدثت عن أهمية إعطاء الطفل اختيارات محدودة ومناسبة لعمره، واستخدام العواقب المنطقية بدل العقوبات الانتقامية، وتعليم الطفل مهارات حل المشكلات وتنظيم الانفعالات.

وأوضحت ضرورة الإصغاء لمشاعر الطفل مع الحفاظ على الحدود، وتقديم نموذج سلوكي هادئ من الوالدين، مع التركيز على السلوك المحدد المطلوب تغييره وشرح ما يمكنه فعله بدلاً منه، وأكدت أن منظمة الصحة العالمية توصي بتدخلات تربوية قائمة على الأدلة لدعم الوالدين، والحد من التربية القاسية، وتحسين العلاقة بين الوالدين والأطفال وتعزيز الصحة النفسية والسلوك الإيجابي ضمن سياق الذكاء العاطفي الاجتماعي.

وشددت في الخلاصة على أن التربية الفعالة ليست تربية بلا حدود، وليست تربية قائمة على الخوف، وإنما هي: دفء، وحدود واضحة، إلى جانب ثبات، واحترام، إضافة إلى تعليم للبديل، أفادت بأن الهدف النهائي من الانضباط ليس أن يخاف الطفل من العقوبة، بل أن يتعلم تدريجياً مراقبة سلوكه، وفهم نتائجه، وتنظيم انفعالاته، وتحمل المسؤولية عنه، وهذا هو الانتقال الحقيقي من الطاعة المفروضة إلى الضبط الذاتي.

وفي سياق متصل، يرى أخصائيون نفسيون أن لجوء بعض الأهالي إلى التهديد والعقاب المستمر يرتبط غالباً بضغوط الحياة اليومية وضعف الاطلاع على أساليب التربية الحديثة، ما يدفعهم إلى استخدام حلول سريعة لضبط سلوك الطفل دون التعمق في فهم أسبابه. ويشيرون إلى أن هذا النمط قد يوقف السلوك مؤقتاً، لكنه لا يعزز التعلم الحقيقي، إذ يركز الطفل على تجنب العقوبة بدل استيعاب القواعد، وهو ما يحدّ من قدرته على تطوير مهاراته في ضبط الذات وتحمل المسؤولية.

ويؤكدون أن تكرار هذه الأساليب قد يؤثر سلباً على الحالة النفسية للطفل، من خلال زيادة القلق وضعف الثقة بالنفس، كما قد ينعكس على سلوكه في صورة عدوانية أو انسحاب، منوّهين إلى أن البدائل الأكثر فاعلية تقوم على التوجيه والحوار ووضع حدود واضحة، إلى جانب تعزيز السلوك الإيجابي، بما يسهم في بناء علاقة قائمة على الثقة، ويدعم النمو النفسي والاجتماعي بشكل متوازن.

لا تبدو قضية ضبط سلوك الأطفال مرتبطة بأسلوب واحد بقدر ما ترتبط بمدى وعي الأهل وتوفر البدائل التربوية المناسبة لديهم، وبين الضغوط اليومية والتحديات المتزايدة، يبقى البحث عن توازن بين الحزم والتفهم مساراً مفتوحاً أمام الأسر، بما يحقق الانضباط دون الإضرار بالجوانب النفسية للطفل، ويعزز في الوقت ذاته بيئة تربوية أكثر استقراراً على المدى البعيد.

اقرأ المزيد
٢٧ يوليو ٢٠٢٦
اختيار التخصص: قرار الطالب أم الأسرة؟

ينتظر الطلاب في سوريا صدور نتائج امتحانات الشهادة الثانوية، إذ تمثّل هذه المرحلة نقطة مفصلية في تحديد مسارهم التعليمي، وبعد إعلان النتائج، تصدر المفاضلة التي تُحدَّد بموجبها الفروع والتخصصات الجامعية المتاحة لكل طالب، استناداً إلى مجموع العلامات التي حققها في الامتحانات.


وفي هذه المرحلة، يتجه الطلاب إلى اختيار اختصاصاتهم وفق ميولهم ورغباتهم، في حين يتأثر هذا القرار، في بعض الحالات، برغبات الأهل أو بتأثير نصائح المحيطين بهم، وتعكس هذه المرحلة أحياناً حالة من التوتر بين طموح الطالب وتوقعات الأسرة، خاصة عندما لا تكون الاختيارات المتاحة منسجمة تماماً مع ميوله الشخصية.


وتتنوع أسباب هذا التدخل، فمنها ما يرتبط برغبة الأب في أن يسلك الابن المسار ذاته الذي درسه سابقاً، أو قناعة بعض الأهالي بتفوّق تخصصات معينة على غيرها، إضافة إلى اعتبارات اجتماعية ترتبط بالمكانة أو التفاخر، ما يعكس جانباً من التحديات التي يواجهها بعض الطلاب عند الانتقال إلى مرحلة المفاضلة، حيث لا يكون القرار الدراسي نابعاً دائماً من رغبتهم وحدهم، بل يتأثر أحياناً بتوجهات الأسرة وتصوراتها عن التخصص المناسب.


في هذا السياق، روت صبحة المحمد (اسم مستعار) تجربتها لشبكة شام الإخبارية، قائلةً إنها حصلت على علامات جيدة تؤهلها لدراسة الهندسة بمختلف تخصصاتها، لكنها لم تكن كافية لدخول كلية الطب أو الصيدلة، وأضافت أن أهلها رفضوا فكرة دراستها للهندسة، باعتبار أن هذا التخصص "غير مناسب للفتيات" من وجهة نظرهم، رغم وجود العديد من الشابات اللواتي درسن هذه المجالات.


وأشارت إلى أنها لم تتمكن من إقناعهم، ففرضوا عليها دراسة كلية التربية تخصص معلم صف، لافتةً إلى أنها شعرت بانزعاج كبير، لكنها لم تجد حلاً آخر، ونوهت إلى أنها بقيت متأثرة بذلك طوال الفصل الدراسي الأول من دراستها الجامعية، وكانت تزداد حسرتها كلما تواصلت مع صديقاتها اللواتي التحقن بتخصص الهندسة، قبل أن تبدأ لاحقاً بالتأقلم مع واقعها الجديد.


الطالب بين القناعة والإجبار


في سياق متصل، قال قدور العباس، مدرس اللغة الإنكليزية، في تصريح خاص لـ شام، إن هذه المرحلة تمثل أول مفترق طرق حقيقي في حياة الشاب أو الفتاة، وأضاف أن الانتقال من مرحلة التعليم العام إلى مرحلة الاستقلالية وبناء الهوية المهنية يجعل اختيار التخصص قراراً لا يحدد فقط أربع أو خمس سنوات دراسية، بل يرسم ملامح نمط الحياة المستقبلي.


وأشار إلى أن التعليم يتحول من عبء إلى شغف يدفع الطالب إلى الابتكار والإبداع في المجال الذي يفضله، وليس إلى النجاح المحدود فقط، ونوّه إلى أن إجبار الطالب على تخصص لا يرغبه قد يؤدي إلى انخفاض التحصيل الدراسي، واحتمال الفشل، وخسارة سنوات في مجال غير مرغوب، لافتاً إلى أن ذلك يرافقه ضغط نفسي، وفقدان الثقة، وشعور باللوم تجاه الأهل.


وبين أن سوق العمل اليوم يطلب المهارة والشغف، وليس فقط اسم الشهادة، موضحاً أن إجبار الطالب على تخصص ما قد يجعله يعاني من الفشل المهني وعدم الاستقرار الوظيفي، وذكر أنه يجب على الأهل تقديم النصيحة وشرح واقع سوق العمل دون ضغوط عاطفية.


وأفاد العباس بأن نصيحته للطلاب هي إقناع الأهل بالحجج والواقع وفرص العمل، فيما شدد على أن على الأهالي استيعاب أن زمن الطب والهندسة كخيارين للنجاح قد انتهى، وترك الأبناء يبنون نجاحهم الخاص، لأنهم قادرون على بناء أنفسهم.


أسباب التدخل الأسري وتداعياته


وفي الإطار ذاته، يؤكد مختصون تربويون أن تدخل بعض الأهل في اختيار التخصص الجامعي لأبنائهم يعود إلى عدة أسباب، من بينها رغبتهم في ضمان مستقبل أفضل لهم، أو تأثرهم بتجاربهم الشخصية، أو اعتقادهم أن بعض التخصصات تمنح مكانة اجتماعية أكبر من غيرها، وأضافوا أن بعض الأسر تنظر إلى هذا القرار باعتباره امتداداً لطموحاتها هي لا لطموحات الأبناء، ما يخلق أحياناً حالة من التوتر بين رغبة الطالب وتوقعات العائلة.


وأشار المختصون إلى أن هذا التدخل قد ينعكس سلباً على الطالب، إذ يؤدي إلى انخفاض الدافعية نحو الدراسة، وفقدان الحماس، وضعف الانتماء إلى التخصص الذي فُرض عليه، وبينوا أن بعض الطلاب قد يواجهون ضغطاً نفسياً وشعوراً دائماً بعدم الرضا، خاصة عندما يجدون أنفسهم في مجال لا يتوافق مع ميولهم أو قدراتهم، وهو ما قد يؤثر أيضاً في تحصيلهم الدراسي ومستقبلهم المهني.


وأوضحوا أن الحل يكمن في الحوار الهادئ بين الأهل والأبناء، وتقديم النصيحة دون فرض، مع شرح واقع التخصصات وفرصها المهنية بشكل واضح، وشددوا على أن اختيار التخصص يجب أن يقوم على القناعة والميول والقدرات، لأن النجاح الحقيقي لا يرتبط باسم التخصص بقدر ما يرتبط بالشغف والاستعداد والاجتهاد، فيما يبقى دور الأهل داعماً موجهاً لا ضاغطاً أو متحكماً.


تعد مسألة اختيار التخصص الجامعي من المراحل الحاسمة التي تتداخل فيها رغبات الطلاب مع توجهات الأسر واعتبارات المستقبل، ما يجعل الحوار المتوازن والتفاهم بين الطرفين عنصراً أساسياً في هذه المرحلة.

اقرأ المزيد
٢٧ يوليو ٢٠٢٦
حين تنتقل أساليب التربية من جيل إلى آخر: هل ما كان مناسبًا في الماضي يصلح لأبناء اليوم؟

تتوارث بعض الأسر أنماطاً تربوية من جيل إلى آخر، معتبرةً أن ما نفع مع الآباء في الماضي قد يكون مناسباً أيضاً للأبناء اليوم، لكن مع تغيّر طبيعة الحياة وتبدّل احتياجات الأطفال، يطرح هذا النهج سؤالاً مهماً حول مدى ملاءمة الأساليب القديمة في التربية للعصر الحالي، وما إذا كان الأجدر بالأهل الإبقاء على ما هو إيجابي منها، مع تطوير أساليبهم بما ينسجم مع متطلبات هذا الزمن.

التربية بين الأساليب القديمة والأخرى الحديثة

في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية راما كريّم في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اتباع أساليب التربية القديمة بشكل كامل لا يُعد خياراً مناسباً، لأن احتياجات الأطفال والمجتمع قد تغيرت، وأضافت أن الأفضل هو الحفاظ على القيم الإيجابية مثل الاحترام والانضباط، مع اعتماد أساليب حديثة تقوم على الحوار والتفهم ووضع حدود واضحة، بما يحقق نمواً نفسياً واجتماعياً سليماً للطفل.

وأشارت إلى أن الدراسات تؤكد أن التربية التي تجمع بين الحزم والدفء العاطفي تسهم في تنمية شخصية الطفل، وتعزز ثقته بنفسه، وقدرته على اتخاذ القرار، وبناء علاقات صحية مع الآخرين، ونوّهت إلى أن المطلوب ليس رفض التربية القديمة أو تبني الحديثة بشكل مطلق، وإنما اختيار ما ثبتت فعاليته علمياً وما يتناسب مع احتياجات الطفل في كل مرحلة عمرية.


وبينت أنه لا يمكن تطبيق أساليب الماضي كما هي على أبناء اليوم، لأن الأطفال ينشؤون في بيئة مختلفة مليئة بالتغيرات والتحديات، وذكرت أن المطلوب هو الحفاظ على القيم التربوية الأصيلة، مع تبني أساليب حديثة تقوم على الحوار والاحتواء وتعزيز الصحة النفسية للطفل.


ولفتت إلى أن التربية في الماضي كانت تميل إلى الطاعة والانضباط مع قلة الحوار، بينما تركز التربية الحديثة على التواصل وفهم احتياجات الطفل النفسية وتشجيع الاستقلالية، وأوضحت أن تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل جعل الأطفال اليوم أكثر تعرضاً للمؤثرات، ما يتطلب أساليب تربوية أكثر وعياً ومرونة.

التربية بين الخبرة والوعي

وتحدثت الأخصائية النفسية راما عن أن بعض الأهالي قد يكررون أنماطاً تربوية عاشوها في طفولتهم دون وعي، مؤكدة أن التربية تقوم على نقل خبرات ومهارات وأفكار ومعتقدات من جيل إلى آخر، ولا يمكن النظر إليها على أنها مراحل منفصلة، وإنما هي وحدة واحدة تأخذ أشكالاً مختلفة بين كل جيل وآخر.

 وأضافت أن التغيير يبدأ عندما يراجع الأهل أساليبهم ويسألون أنفسهم: هل هذا الأسلوب مفيد لطفلي أم أنني أكرره لأنني اعتدت عليه؟ وشددت على أن الوعي والتعلم المستمر يساعدان على كسر هذه الأنماط واعتماد تربية أكثر صحة.

وأفادت بأن التكنولوجيا أثرت بشكل كبير على التربية، إذ أصبح الأطفال يتعرضون لمؤثرات متنوعة منذ سن مبكرة، وذكرت أن دور الأهل لم يعد يقتصر على وضع القواعد، بل يشمل التوجيه وتعليم الاستخدام الآمن للتكنولوجيا وتعزيز الحوار والثقة لحماية الطفل وتنمية وعيه.

وأوضحت كريّم أن الأهل يمكنهم الاستفادة من خبراتهم السابقة مع تقييمها بوعي، فيحتفظون بما أثبت نجاحه ويتخلون عن الأساليب غير المناسبة، وأكدت أن التربية الناجحة تجمع بين خبرة الأهل والمعرفة الحديثة بما يخدم مصلحة الطفل.

وشددت لـ "شام" على ضرورة أن يستمع الأهالي لأطفالهم، ويعززوا الحوار والثقة، ويضعوا حدوداً واضحة، ويواكبوا المستجدات التربوية، وينظموا استخدام التكنولوجيا، مع تذكر أن كل طفل له احتياجات وشخصية تختلف عن غيره، وأفادت بأن الأهم هو الاستمتاع بهذه المرحلة بكل تفاصيلها وبكل لحظة تفاعل بين الأهل وأطفالهم لأنها ستكون الذكريات التي ستبقى عند أطفالهم مستقبلاً.

التوازن بين الخبرة والمرونة في التربية

ويرى أخصائيون نفسيون أن بعض الأهالي يكررون مع أبنائهم الأساليب التي تربوا عليها لأنهم يعتبرونها الطريق الطبيعي للتربية، غير أن هذا التكرار لا يكون دائماً مناسباً لكل طفل أو لكل زمن، ويشيرون إلى أن الطفل اليوم يعيش في بيئة مختلفة تماماً، ما يجعل الأسلوب التربوي نفسه بحاجة إلى مراجعة وتكييف حتى يحقق أثراً إيجابياً بدل أن يتحول إلى مصدر ضغط أو صدام داخل الأسرة.

ويؤكدون أن الاعتماد على الأسلوب القديم من دون تعديل قد يضعف مساحة الحوار بين الأهل والأبناء، ويجعل الطفل أكثر تردداً في التعبير عن نفسه أو مناقشة ما يزعجه، كما يلفتون إلى أن بعض الأبناء قد يتعلمون الصمت أو المجاملة بدل الفهم والمشاركة، إذا كانت التربية قائمة على الأوامر وحدها أو على التوجيه الصارم من دون احتواء.

ويضيفون أن الأهل لا يحتاجون إلى إلغاء ما ورثوه من خبرات، بل إلى النظر فيه بوعي، وتمييز ما يصلح منه وما لم يعد مناسباً، كما يشددون على أن التربية الناجحة في هذا الزمن تقوم على التوازن، أي على الحفاظ على القيم الأساسية مع اعتماد أسلوب أكثر مرونة، يراعي شخصية الطفل واحتياجاته، ويمنحه في الوقت نفسه حدوداً واضحة وإحساساً بالأمان.

تعد التربية من أكثر الجوانب تأثيراً في تشكيل شخصية الأبناء، لذلك تبقى طريقة التعامل معهم محل اهتمام ومراجعة مستمرة، خاصة مع اختلاف الظروف بين جيل وآخر، وفي هذا الإطار، تبرز أهمية اختيار الأسلوب الذي ينسجم مع احتياجات الطفل ويأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة التي يمر بها، بما يساهم في بناء علاقة أكثر توازناً داخل الأسرة.

اقرأ المزيد
٢٧ يوليو ٢٠٢٦
جريمة السرقة في سوريا: تصنيفها القانوني وطرق التعامل معها

تُعدّ جريمة السرقة من أبرز الجرائم التي تناولها القانون السوري بالتنظيم والتفصيل، نظراً لما تمثله من اعتداء مباشر على الملكية الفردية وتهديد للاستقرار الاجتماعي،  ومع تزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، برزت الحاجة إلى فهم أعمق لأبعاد هذه الجريمة، سواء من حيث تعريفها القانوني وأركانها، أو من حيث أسباب انتشارها وتفاوت العقوبات المرتبطة بها. 

كما يكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية عند التطرق إلى آليات التعامل مع فئة الأحداث الجانحين، إلى جانب استعراض أبرز الإجراءات القانونية والوقائية التي تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة.

في هذا السياق، قال سلمان عبيدو، محامٍ أستاذ في نقابة المحامين في سوريا فرع اللاذقية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المادة (621) من قانون العقوبات السوري عرّفت جريمة السرقة بأنها: "أخذ مال الغير المنقول دون رضاه"، مشيراً إلى أنه يشترط في المال محل الجريمة أن يكون منقولاً، أي قابلاً للنقل من مكان إلى آخر، وأن يكون مملوكاً للغير، وأن يتم انتزاعه أو اختلاسه بغير رضا صاحبه الصريح أو الضمني.

وأضاف أن جريمة السرقة تقوم قانوناً على ركنين رئيسيين، أولهما الركن المادي، والذي يتمثل في فعل الأخذ أو الاختلاس، أي إخراج المال المنقول من حيازة مالكه أو حائزه وإدخاله في حيازة السارق دون رضاه، مبيناً أن محل الجريمة يجب أن يكون مالاً منقولاً مملوكاً للغير، كالنقود أو السيارات أو المجوهرات أو حتى الطاقة الكهربائية والمياه، إلى جانب شرط عدم الرضا، أي وقوع الأخذ دون علم أو قبول صاحب المال.

وأشار إلى أن الركن الثاني هو الركن المعنوي أو القصد الجرمي، والذي يتضمن القصد العام، أي علم الجاني بأن المال مملوك للغير، وإرادته الحرة في ارتكاب فعل الأخذ، إضافة إلى القصد الخاص المتمثل في نية التملك، أي اتجاه نية السارق إلى حرمان المالك الأصلي من ممتلكاته بشكل نهائي والاستئثار بها لنفسه.

ونوه عبيدو إلى أن أسباب انتشار جرائم السرقة في المجتمع متعددة ومتداخلة، في مقدمتها الظروف الاقتصادية الصعبة، مثل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، لافتاً إلى أن الأزمات والاضطرابات كالحروب والنزاعات والكوارث تُضعف أحياناً الرقابة الأمنية وتوفر بيئة مشجعة للخارجين عن القانون، إضافة إلى استغلال المنازل والمنشآت المهجورة.

وبين أن العوامل الاجتماعية والتربوية تلعب دوراً مهماً أيضاً، مثل التفكك الأسري وتسرب الأطفال من المدارس وتدني مستوى التوعية الأخلاقية والتربوية، مؤكداً أن انتشار الإدمان يدفع بعض المتعاطين للمخدرات أو المسكرات إلى ارتكاب السرقة لتأمين تكاليف الإدمان، إلى جانب ضعف الردع الاجتماعي أو الأمن الوقائي الناتج عن إهمال حماية الممتلكات الشخصية أو ضعف آليات الرقابة والحراسة في بعض المناطق.

ولفت إلى أن المشرّع السوري يفرّق بين نوعين رئيسيين للسرقة، أولهما السرقة البسيطة التي تُعد من الجنح، وتكون دون اقترانها بظروف مشددة مثل السرقات العادية أو النشل البسيط أو سرقة المزروعات، موضحاً أن عقوبتها تتراوح عادة بين الحبس من شهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة المالية بحسب نوع المال والظرف.

وذكر المحامي سلمان أن النوع الثاني هو السرقة الموصوفة أو المشددة، والتي تتحول إلى جناية وفقاً للمواد (622 حتى 628) عندما تقترن بظروف تزيد من خطورتها، مثل ارتكاب الجريمة ليلاً، أو من قبل شخصين أو أكثر، أو باستخدام السلاح ظاهراً أو مخفياً أو التهديد به، أو باستعمال العنف أو الخلع أو الكسر والدخول إلى منازل مأهولة، أو وقوعها أثناء الكوارث أو الحروب أو العصيان.

وتحدث عن أن العقوبات في هذه الحالات تصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة التي قد تبلغ 7 أو 15 سنة، وقد تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة التي تتراوح بين 15 و20 سنة في الحالات المشددة جداً.

وأوضح أن التعامل القانوني مع الأحداث الجانحين ينظمه قانون الأحداث الجانحين السوري رقم 18 لعام 1974 وتعديلاته، حيث يتم استبعاد العقوبات السجنية العادية، فلا يُحكم على الحدث بالعقوبات الجنائية كالأشغال الشاقة أو السجن في السجون العامة.

وأكد عبيدو أن التدابير الإصلاحية والتربوية تختلف بحسب الفئة العمرية، إذ تُطبق على الأحداث دون 12 سنة تدابير حماية وتأهيل مثل التسليم لأولياء الأمور أو المراقبة التوجيهية دون مسؤولية جزائية، فيما يُحكم على من تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة بتدابير إصلاحية تشمل الإيداع في معاهد إعداد ورعاية الأحداث الجانحين لتأهيلهم تعليمياً ومهنياً.

وشدد على أن الفئة العمرية بين 15 و18 سنة تُفرض بحقها عقوبات مخففة جداً تُنفذ في دور ومراكز خاصة بالأحداث بعيداً عن السجون العامة، بهدف الحفاظ على مستقبلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع.

وأفاد بأن الحد من جرائم السرقة يتطلب مجموعة من الحلول والإجراءات، في مقدمتها تفعيل الردع القانوني من خلال تطبيق النصوص الجزائية الخاصة بالسرقات المشددة بصرامة لضمان عدم الإفلات من العقاب، إضافة إلى تطوير آليات الضابطة العدلية عبر تعزيز التغطية الأمنية واستخدام التكنولوجيا مثل كاميرات المراقبة والأدلة الجنائية الحديثة لكشف الجرائم بسرعة.

وأشار إلى أهمية المعالجة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال خفض معدلات البطالة وتقديم الدعم للفئات الهشة ومكافحة ظاهرة تسرب الأطفال وتوفير دور الرعاية، إلى جانب تفعيل برامج التأهيل وإعادة الإدماج داخل مراكز السجون ومعاهد الأحداث لمنع العودة إلى الجريمة بعد انقضاء العقوبة.

وتُعرّف جريمة السرقة في القانون السوري ضمن إطار قانوني محدد يبيّن أركانها وشروط تحققها، مع تمييز واضح بين أنواعها تبعاً لظروف ارتكابها، وما يقابل ذلك من عقوبات متفاوتة، كما يشمل هذا الإطار آليات خاصة للتعامل مع فئة الأحداث الجانحين، إلى جانب مجموعة من الإجراءات القانونية والوقائية المرتبطة بالحد من هذه الجريمة.

اقرأ المزيد
٢٥ يوليو ٢٠٢٦
تطوير الذات لدى طلاب الجامعة… مسار الوعي وبناء الجاهزية المهنية

يشكّل تطوير الذات لدى طلاب الجامعة أحد المحاور الأساسية في مرحلة الانتقال من التعليم إلى الحياة المهنية، إذ لم تعد هذه المرحلة مقتصرة على تلقي المعرفة النظرية، بل أصبحت مساحة لاكتشاف القدرات وبناء المهارات وتحديد المسار المستقبلي.

 ومع تنوع التخصصات وتسارع التغيرات في بيئة العمل، يبرز الاهتمام بقدرة الطالب على فهم ذاته، وتطوير إمكاناته، والاستعداد بشكل تدريجي لمتطلبات الواقع المهني، بما يحقق له التوازن بين المعرفة والتطبيق.

وفي هذا الإطار، يقدّم الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في التربية والفكر الإسلامي، لشبكة شام الإخبارية، قراءة متكاملة لمفهوم تطوير الذات لدى طلاب الجامعات، موضحاً أبعاده النفسية والمهارية والمهنية، وأبرز المرتكزات التي تساعد الطالب على الانتقال من الوعي الشخصي إلى الجاهزية لسوق العمل.

وقال كنعان إن تطوير الذات لدى الطالب الجامعي عملية واعية ومنظمة ومستمرة، تهدف إلى انتقاله من مستوى قدراته الحالي إلى مستوى أفضل معرفياً ونفسياً واجتماعياً ومهنياً.

وأضاف أن ذلك لا يعني جمع الشهادات التدريبية أو حضور الدورات بصورة عشوائية، بل يبدأ بالوعي بالذات: من أنا؟ ما نقاط قوتي؟ ما الجوانب التي تحتاج إلى تحسين؟ وما المجال الذي أستطيع أن أقدم فيه قيمة حقيقية؟

وأوضح أن تطوير الذات، ومن منظور علم النفس الإيجابي، يقوم على اكتشاف نقاط القوة وتنميتها، وبناء الكفاءة الذاتية، وتعزيز الأمل والمرونة النفسية والصمود أمام الإخفاق، فالطالب يحتاج إلى التفاؤل، ولكن ليس التفاؤل المنفصل عن الواقع؛ بل الأمل القائم على هدف واضح، ومسارات عملية للوصول إليه، والقدرة على إيجاد بدائل عند ظهور العوائق.

وأشار كنعان في تصريح خاص لـ شام إلى أن علم النفس المهاري ينقل الطالب من معرفة المفاهيم إلى امتلاك سلوكيات قابلة للملاحظة والقياس، مثل التواصل الفعال، وحل المشكلات، وإدارة الوقت، والعمل ضمن فريق، وتنظيم الانفعالات، واتخاذ القرارات، فقد يعرف الطالب أهمية الوقت نظرياً لكن المهارة الحقيقية تظهر في قدرته على تحديد الأولويات وإنجاز المهام.

ونوّه إلى أن تطوير الذات، ومن منظور التربية المهنية، يعني بناء الهوية المهنية؛ أي أن يعرف الطالب ميوله وقدراته وقيمه المهنية، ويفهم طبيعة سوق العمل، ويختبر مجالات متعددة قبل التخرج، ثم يبني خطة عملية للوصول إلى موقع مهني يناسبه.
وبيّن أن تطوير الذات بات ضرورة تربوية ونفسية ومهنية؛ لأن الطالب الذي لا يطور نفسه قد يتراجع نسبياً بينما تتغير من حوله المعرفة والتكنولوجيا ومتطلبات العمل، ولفت إلى أنه لا ينصح الطالب بأن يشتت نفسه في عشرات الدورات، بل بأن يبني حزمة مهارية متوازنة تتوافق مع تخصصه وميوله ومتطلبات سوق العمل.

وذكر  الدكتور عماد أن معرفة الذات والتخطيط المهني تأتيان أولاً؛ لأن الطالب الذي لا يعرف ميوله وقدراته قد ينفق سنوات في طريق لا يلائم شخصيته أو قيمه، ويأتي بعدها التواصل الفعال، ويشمل التعبير الشفهي والكتابي، والاستماع، ولغة الجسد، والحوار، والتفاوض، والقدرة على تقديم الأفكار بوضوح.

وتحدث عن حاجة الطالب أيضاً إلى التفكير النقدي وحل المشكلات؛ فالمؤسسات لا تبحث عمن يصف المشكلة فقط، وإنما عمن يحلل أسبابها، ويفحص المعلومات، ويقترح بدائل عملية، ويقارن بينها قبل اتخاذ القرار.

وأوضح أن المهارات الرقمية تحتل موقعاً متقدماً، ومنها البحث الرقمي، وتحليل البيانات الأساسية، والأمن الرقمي، والتعامل مع التطبيقات المرتبطة بالتخصص، والاستخدام الواعي والأخلاقي لأدوات الذكاء الاصطناعي، وقد جعلت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» تنمية المهارات الرقمية للشباب محوراً لبرامجها، ومنها التدريب على البرمجة منخفضة التعليمات البرمجية أو منعدمة التعليمات؛ بهدف تمكين شباب العالم الإسلامي من توظيف التكنولوجيا في النمو الاجتماعي والاقتصادي.

وأكد كنعان أن اللغة الأجنبية، ولا سيما الإنجليزية في المجالات العلمية والتقنية، تمثل أداة مهمة لتوسيع مصادر المعرفة وفرص التدريب والعمل والتواصل المهني، وشدد على أن من المهارات الضرورية كذلك: إدارة الوقت والأولويات، والذكاء الانفعالي، والمرونة النفسية، والعمل الجماعي، والقيادة، والمبادرة، والتعامل الواعي مع النقد والضغط والفشل والتغيير.

وأفاد بضرورة إتقان مهارات البحث عن العمل، مثل إعداد السيرة الذاتية، وبناء الملف المهني الرقمي، وكتابة رسالة التقديم، والاستعداد للمقابلة، والبحث المنظم عن الفرص، كما يحتاج الطالب إلى ثقافة ريادة الأعمال؛ فليس مطلوباً أن يؤسس كل طالب شركة، لكن ينبغي أن يتعلم اكتشاف الحاجة، واقتراح الحل، واختبار الفكرة، وإدارة الموارد والمخاطر.

وأكد أن الأهم هو الجمع بين المهارات التخصصية والإنسانية؛ فالبرمجة أو المحاسبة أو التصميم قد تفتح باب العمل، لكن التواصل والانضباط والعمل الجماعي والمرونة تساعد الموظف على البقاء.

ويظل تطوير الذات مساراً مفتوحاً أمام الطالب الجامعي، يتشكل عبر ما يمر به من تجارب وما يكتسبه من معارف ومهارات خلال سنوات دراسته، ويتصل بقدرته على فهم إمكاناته، وتطويرها بشكل تدريجي، والتعامل مع متطلبات الدراسة وسوق العمل، كما يرتبط بمدى استعداده للتعلم المستمر، ومواكبة التغيرات، والاستفادة من الفرص المتاحة، بما يساعده على بناء مسار مهني يتوافق مع قدراته واهتماماته.

 

اقرأ المزيد
٢٤ يوليو ٢٠٢٦
السبّ والشتم: متى يُعدّ الاعتداء اللفظي جريمة يعاقب عليها القانون؟

يُعدّ السبّ والشتم من السلوكيات التي قد تصدر في مواقف مختلفة، وقد تصل في بعض الحالات إلى حدّ المساس بكرامة الأفراد وسمعتهم، وبين ما يُعدّ انفعالاً لفظياً، وما قد يُصنّف كاعتداء يُعاقب عليه القانون، تبرز الحاجة إلى توضيح الحدود الفاصلة بينهما، خاصة مع اختلاف السياقات التي تُقال فيها هذه العبارات، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

الاعتداء اللفظي بين الانفعال والسلوك المؤذي

تعود أسباب ترسّخ السبّ والشتم في بعض البيئات إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها اعتياد الفرد على هذا الأسلوب منذ الصغر داخل الأسرة أو المحيط الاجتماعي، حيث يُنظر إليه كوسيلة طبيعية للتعبير عن الغضب أو الخلاف. 

كما يلعب ضعف الوعي بأثر الكلمات دوراً مهماً في استمرار هذا السلوك، إلى جانب التساهل معه في بعض الحالات، ويُضاف إلى ذلك الضغوط النفسية والتوتر، التي قد تدفع البعض لاستخدام ألفاظ جارحة كوسيلة للتفريغ، فضلاً عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تُسهم في انتشار هذا النمط من الخطاب دون إدراك كافٍ لعواقبه.

 يشير أخصائيون في علم النفس إلى أن تكرار استخدام ألفاظ السبّ والشتم قد يكون مؤشراً على ضعف في مهارات التعبير عن المشاعر أو التحكم في الانفعالات، خاصة في حالات الغضب أو الإحباط، كما يرون أن هذا السلوك قد يتعزز في بعض البيئات التي تتساهل معه أو لا تعتبره سلوكاً مرفوضاً بشكل واضح، حيث يُنظر إليه أحياناً كوسيلة طبيعية للتعبير، مما يسهم في ترسيخه واستمراره.

متى يتحول السبّ إلى جريمة؟

وعلى الصعيد القانوني، قالت المحامية رقية إبراهيم في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن القانون يعرّف الاعتداء اللفظي بأنه استعمال كلمات أو عبارات تمسّ كرامة الشخص أو سمعته أو تحقّره أمام الآخرين، وأضافت أن ليس كل سبّ أو شتم يُعد جريمة، موضحة أن الأمر يعتمد على طبيعة الكلمات المستخدمة، وقصد الشخص الذي قالها، والمكان الذي قيلت فيه سواء بشكل علني أو خاص، إضافة إلى ما إذا كانت قد سببت إساءة للكرامة أو السمعة.

وأشارت إلى وجود فرق بين السبّ العادي والسبّ المعاقب عليه قانوناً، مبينة أن السبّ العادي يكون مجرد كلام سيئ أو انفعال لحظي دون أن يصل إلى درجة يعاقب عليها القانون، في حين أن السبّ المعاقب عليه يتمثل في كلام يتضمن إهانة واضحة لشخص معين وتمس كرامته أو اعتباره، خاصة إذا قيل أمام الآخرين أو جرى نشره.

ونوهت إلى أن الكلام قد يتحول إلى قذف أو تشهير في حالات محددة، حيث يُقصد بالقذف اتهام شخص بارتكاب فعل مشين أو جريمة أو أمر يسيء إلى سمعته دون وجود دليل أو حكم يثبت ذلك، وبينت أن الفرق بين القذف والتشهير يكمن في أن القذف غالباً ما يكون اتهاماً بواقعة محددة، بينما يتمثل التشهير في إيصال الإساءة أو المعلومات الضارة إلى الجمهور.

ولفتت المحامية رقية إلى أن العقوبة قد تختلف إذا وقع السبّ بشكل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن السبّ عبر هذه الوسائل قد يكون أشد، لأنه ينتشر أمام عدد أكبر من الناس، ويمكن حفظه وإعادة نشره، وقد يُعتبر نشراً علنياً للإساءة.

وذكرت أن هناك عدة وسائل يمكن من خلالها إثبات واقعة السبّ أو الشتم، مثل الرسائل المكتوبة أو المحادثات الإلكترونية، وصور الشاشات، والتسجيلات أو المنشورات العلنية، إضافة إلى الشهود الذين حضروا الواقعة، أو أي دليل يثبت صدور الكلام من الشخص المعني.

وتحدثت المحامية عن حق الشخص المتضرر في اللجوء إلى القانون، موضحة أنه يحق له تقديم شكوى أو ادعاء أمام الجهات المختصة، وأن الإجراءات تكون عادة بشكل مبسط.

وأوضحت أن التنازل أو الصلح قد يؤثر على مجريات القضية، مبينة أنه في بعض جرائم الذم والقدح والتحقير، يمكن أن يكون التنازل أو المصالحة سبباً لإنهاء الدعوى أو تخفيف آثارها، وذلك بحسب وضع القضية ومرحلتها القانونية.

وأكدت أنه في القانون السوري ليست كل كلمة جارحة جريمة، لكن عندما تتحول الإساءة إلى إهانة واضحة للكرامة، أو اتهام يمس السمعة، أو نشر علني أمام الآخرين، فإنها قد تصبح فعلاً يعاقب عليه القانون.

وينصح الأخصائيون بضرورة تعزيز مهارات التواصل الإيجابي، من خلال التحكم بردود الفعل، والتعبير عن المشاعر بطريقة هادئة، وتجنب الانفعال، لما لذلك من دور في الحد من هذا السلوك وتحسين جودة التفاعل بين الناس.

يلعب المجتمع دوراً محورياً في الحد من ظاهرة الاعتداء اللفظي من خلال نشر ثقافة الاحترام وتعزيز قيم الحوار البنّاء بين الأفراد، إذ تسهم الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في ترسيخ سلوكيات قائمة على تقبّل الآخر وضبط الانفعالات. 

كما تبرز أهمية حملات التوعية في توضيح الآثار القانونية والنفسية للكلمات الجارحة، ما يدفع الأفراد إلى إدراك خطورة هذا السلوك وتجنبه، إضافة إلى تشجيع المتضررين على عدم الصمت وطلب الدعم، بما يعزز بيئة اجتماعية أكثر أماناً واحتراماً.

يندرج السبّ والشتم ضمن سلوكيات قد تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية، وقد تصل في بعض الحالات إلى مستوى يُعاقب عليه القانون، وذلك تبعاً لطبيعة العبارات المستخدمة والسياق الذي قيلت فيه، ويُبرز ذلك أهمية التمييز بين الحالات المختلفة وفهم انعكاساتها ضمن الإطارين القانوني والاجتماعي.

اقرأ المزيد
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
بين الإعياء الحروري وضربة الشمس: مخاطر متصاعدة في ظل ارتفاع درجات الحرارة

في ظل موجات الحر المتزايدة وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تزداد المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض المباشر لأشعة الشمس، خاصة لدى الأشخاص الذين يضطرون للبقاء خارج المنازل لفترات طويلة، وبين ما يُعرف بالإعياء الحروري وضربة الشمس، يختلط الأمر على كثيرين، رغم الفروق الجوهرية بين الحالتين وخطورة تطور إحداهما إلى الأخرى.

وقالت ربا العيسى، طبيبة مقيمة في الأمراض الصدرية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الإعياء الحروري وضربة الشمس هي نفس الحالة، لكن هناك فروقاً جوهرية بينهما، مشيرة إلى أن السبب في الحالتين واحد، ويتمثل في الجهد الجسدي بدرجات حرارة مرتفعة، والتعرض المباشر لأشعة الشمس، وارتداء الألبسة الكثيرة التي تعيق التهوية.

وأشارت إلى أن الحالة تُصنّف على أنها إعياء حروري عند ظهور مجموعة من الأعراض، تشمل ارتفاع درجة الحرارة فوق 38، والدوار والتشتت الذهني، وفقدان الشهية والغثيان، والتعرق المفرط، والتشنجات العضلية، وتسارع النفس والنبض، والعطش المفرط.

ونوهت إلى أن عدم معالجة الإعياء الحروري قد يؤدي إلى تطوره إلى ضربة الشمس، وهي حالة أخطر، وبينت أن أعراض ضربة الشمس تختلف، حيث تشمل ارتفاع درجة الحرارة فوق 40، وتسارع النبض والتنفس، والصداع مع التعرق المفرط، إضافة إلى التخليط الذهني والتصرفات الغريبة.

ولفتت الطبيبة إلى أن ضربة الشمس قد تؤدي في بعض الحالات إلى أذيات دماغية دائمة، وذكرت أن العمال يُعدّون الأكثر عرضة للإصابة بضربة الشمس، نظراً لبذلهم جهداً كبيراً أثناء العمل لفترات طويلة تحت أشعة الشمس، وتحدثت عن التدبير الإسعافي، موضحة أنه عند مصادفة شخص تظهر عليه علامات ضربة الشمس يجب أولاً طلب الإسعاف.

وأوضحت لـ "شام" ضرورة نقل الشخص بعيداً عن المكان الحار على الفور، وإزالة الملابس الزائدة، والعمل على تبريده بأي وسيلة ممكنة، مثل وضعه في حوض أو دش من الماء البارد، أو استخدام الإسفنج المغمور بالماء البارد، أو استخدام مروحة أثناء رش الجسم برذاذ ماء بارد، أو وضع أكياس الثلج أو المناشف الباردة المبللة على الرقبة والإبطين وبين الفخذين، أو تغطيته بملاءات رطبة وباردة.

وأكدت أهمية مساعدة المريض على شرب الماء لتعويض السوائل إذا كان قادراً على ذلك، وشددت على عدم إعطاء المشروبات التي تحتوي على السكر أو الكافيين أو المشروبات الكحولية للشخص المصاب بضربة شمس، مع تجنب شرب المشروبات الباردة، إذ قد تسبب تشنجات المعدة.

وأفادت بأنه في حال فقد الشخص وعيه وغابت العلامات الحياتية مثل التنفس والنبض، يجب البدء بإجراء الإنعاش القلبي الرئوي إلى حين وصول المساعدة الطبية.

وأكدت أن الوقاية خير من قنطار علاج، داعية إلى تجنب الخروج في فترة الذروة (10 صباحاً - 4 عصراً)، وشرب الماء كل 15-20 دقيقة، واستخدام واقي شمس بمعامل حماية SPF 30+ على المناطق المعرضة للشمس.

في سياق متصل، تشير تقارير طبية إلى أن ضربة الشمس قد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، تشمل الإغماء أو الدخول في غيبوبة نتيجة تأثر الجهاز العصبي، إضافة إلى فقدان الجسم قدرته على تنظيم درجة حرارته، ما يجعل الحالة طارئة وتتطلب تدخلاً سريعاً، كما قد تتسبب في تلف الأعضاء الحيوية، وفي الحالات الشديدة قد تصل المضاعفات إلى الوفاة، خاصة عند التأخر في تقديم العلاج المناسب.

وتؤكد التقارير أن الإسعافات الأولية لضربة الشمس تتطلب تدخلاً سريعاً يبدأ بالاتصال بالطوارئ فوراً، ثم نقل المصاب إلى مكان مظلل وبارد، وإزالة الملابس الزائدة، والعمل على تبريد الجسم باستخدام الماء أو الكمادات الباردة، مع التركيز على مناطق الرقبة والإبطين وبين الفخذين. 

وفي حال كان المصاب واعياً، يمكن مساعدته على شرب السوائل لتعويض ما فقده الجسم، مع الاستمرار في مراقبة حالته ودرجة حرارته إلى حين وصول الفرق الطبية المختصة.

اقرأ المزيد
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
بين الأوامر والاستماع: كيف تشكّل التربية نفسية الطفل وسلوكه؟

تؤدي أساليب التربية داخل الأسرة دوراً محورياً في تشكيل شخصية الطفل وبناء توازنه النفسي، إذ ينعكس أسلوب التوجيه والتعامل اليومي بشكل مباشر على سلوكه وثقته بنفسه وقدرته على التفاعل مع الآخرين، وبين القسوة والمرونة، يبرز تأثير الأوامر التي يوجهها الأهل لأبنائهم، سواء من حيث طريقة تقديمها أو تكرارها، وما تتركه من آثار نفسية وسلوكية قد تمتد لسنوات لاحقة.

تأثير الأوامر القاسية على نفسية الطفل
قالت إنعام دحام سرحان، ماجستير في العلوم والبحوث السكانية – قسم حماية الأسرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أوامر الوالدين الكثيرة أو القاسية تؤثر بشكل مباشر على نفسية الطفل، فتسبب له فقدان الثقة بالنفس، والشعور الدائم بالخوف والتوتر، وضعف القدرة على اتخاذ القرار.

وأضافت أن الأوامر الصارمة تخلّف آثاراً سلبية واضحة، من أبرزها فقدان الاستقلالية، حيث يعتمد الطفل على غيره ولا يثق برأيه، إلى جانب الخوف والقلق، إذ يعيش الطفل خائفاً من الوقوع في الخطأ أو التعرض للعقاب، كما قد يظهر العناد والتمرد لديه كرد فعل دفاعي على هذه الأوامر، فضلاً عن شعوره بالنقص واعتقاده بأنه غير كفء أو غير محبوب لذاته.

أساليب التوجيه الإيجابي
وأشارت إلى أن طريقة التوجيه الصحيحة تقوم على اللين والحوار، من خلال شرح سبب الطلب بهدوء بدلاً من إعطاء أوامر جافة، إضافة إلى تقديم خيارات محدودة تتيح للطفل مساحة للاختيار ضمن حدود معينة، إلى جانب أهمية القدوة الحسنة عبر ممارسة السلوك المطلوب أمام الطفل ليكتسبه بشكل تلقائي.

الفرق بين الأثر السلبي والإيجابي للأوامر
ونوهت إلى أن أوامر الوالدين وطريقة تقديمها تؤثر بشكل مباشر وعميق في بناء شخصية الطفل واستقراره العاطفي وسلوكه الاجتماعي، مبينة أن هذا الأثر يختلف تبعاً للأسلوب المستخدم، وينقسم إلى نوعين رئيسيين: سلبي وإيجابي.

نتائج الأوامر الصارمة والسلطوية
وبيّنت أن الأثر السلبي للأوامر الصارمة والسلطوية يظهر عندما تكون الأوامر قائمة على القسوة أو الصراخ أو غياب التبرير، ما يؤدي إلى أضرار نفسية ممتدة، منها ضعف الثقة بالنفس، حيث يشعر الطفل بعدم قدرته على اتخاذ القرار بمفرده، إضافة إلى الخوف والقلق المزمن نتيجة تكرار التهديد أو النقد.

ولفتت إلى أن هذه الأوامر قد تدفع الطفل إما إلى التمرد والعنف أو إلى الانطواء والعزلة الاجتماعية، كما تسهم في قتل الإبداع لديه بسبب اعتماده الكامل على الأوامر الجاهزة، ما يحد من مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات.

فوائد الأوامر المرنة والتوجيه الحكيم
وذكرت سرحان أن الأثر الإيجابي يظهر عند اعتماد الأوامر المرنة والتوجيه الحكيم، حيث يؤدي ذلك إلى تعزيز الشعور بالأمان لدى الطفل، من خلال وجود قواعد واضحة تمنحه الاستقرار داخل الأسرة، كما يسهم في تنمية المسؤولية عندما يفهم سبب السلوك المطلوب فينفذه عن قناعة.

وتحدثت عن أن هذا الأسلوب يساعد أيضاً في تطوير مهارات الانضباط لدى الطفل، ويقوي الروابط الأسرية من خلال الحوار المتبادل الذي يبني الثقة والصداقة بين الطفل ووالديه.

أهمية الاستماع في بناء شخصية الطفل
وأوضحت أن استماع الأهل لأبنائهم بإنصات حقيقي، وليس فقط بغرض إلقاء التوجيهات، يعد أساساً لبناء الصحة النفسية وتشكيل الهوية المستقلة للطفل، إذ يشعر الطفل بأن أفكاره ومشاعره ذات قيمة، ما يعزز تقديره لذاته ويخفف من الضغوط والتوتر.

وأكدت أن هذا الاستماع يسهم في بناء الأمان النفسي، حيث يدرك الطفل أن المنزل مساحة آمنة للحديث دون خوف من الأحكام أو العقاب، كما يساعد في تطوير سلوكه الاجتماعي من خلال تعلم مهارات الحوار والتواصل.

الاستماع ودوره في الحد من العناد
وشددت على أن ثقة الطفل باستماع والديه له دون لوم تدفعه للجوء إليهم عند تعرضه لأي مشكلة، كما تسهم في تراجع سلوكيات العناد والعدوانية عندما يحصل على الاهتمام الإيجابي عبر الحوار.

وأفادت أن الاستماع الفعال يعزز ثقة الطفل بنفسه ويمنحه شعوراً بالأمان داخل الأسرة، من خلال تأكيد قيمة ذاته، ومنحه الجرأة في التعبير، إضافة إلى تطوير قدرته على حل المشكلات بنفسه عندما يُمنح مساحة للتفكير دون تدخل مباشر.

وقالت إن هذا الاستماع يرسخ أيضاً شعور الأمان الأسري عبر ما يعرف بالقاعدة الآمنة، حيث يدرك الطفل أن والديه يمثلان شبكة دعم دائمة، ما يقلل من خوفه من الأحكام السلبية ويعزز استقرار علاقته العاطفية مع أسرته.

أسباب العناد المرتبطة بغياب الاستماع
وأضافت الأخصائية أن قلة استماع الأهل تعد من أبرز الأسباب وراء سلوكيات العناد والتمرد لدى الأطفال، إذ يتحول العناد في هذه الحالة من مشكلة سلوكية إلى وسيلة للتعبير عن الحاجة للاهتمام.

وأشارت إلى أن غياب الاستماع يدفع الطفل للبحث عن الانتباه حتى لو كان سلبياً، من خلال الصراخ أو رفض الأوامر، كما يجعله يحاول استعادة شعوره بالسيطرة بعد شعوره بالتهميش.

ونوهت إلى أن غياب الدافع الداخلي للتعاون يظهر عندما يكثر الأهل من الأوامر دون تقديم دعم عاطفي، ما يفقد الطفل رغبته في الاستجابة، إضافة إلى عجزه أحياناً عن التعبير عن مشاعره، فتتحول إلى سلوكيات متمردة.

وبيّنت أن كسر هذه الحلقة يبدأ بتسمية مشاعر الطفل بدلاً من وصفه بالعناد، وإشراكه في اتخاذ القرار عبر منحه خيارات، ما يقلل من سلوك التمرد ويعزز التعاون.

الاستماع الحقيقي والاستماع الشكلي
ولفتت إلى وجود فرق واضح بين الاستماع الحقيقي والاستماع الشكلي، حيث يتمثل الأخير في الحضور الجسدي دون تركيز، مثل الانشغال بالهاتف أو تقديم ردود سطحية أو مقاطعة الطفل لإصدار الأحكام، ما يؤدي إلى شعوره بالإهمال.

وذكرت أن الاستماع الحقيقي يقوم على التواصل البصري والإنصات للمشاعر قبل الكلمات، وطرح أسئلة مفتوحة، وإعادة صياغة الحديث للتأكد من الفهم، ما ينعكس إيجاباً على نفسية الطفل ويعزز ثقته بنفسه.

كيف يطوّر الأهل مهارة الاستماع الفعال؟
وتحدثت عن أن تدريب الأهل على مهارة الاستماع الفعال يحتاج إلى وعي وصبر، من خلال تطبيق أساليب عملية مثل منح الطفل وقتاً كافياً للحديث دون مقاطعة، والانتباه للغة الجسد، والتفاعل معه بطريقة داعمة.

وأوضحت أن من هذه الأساليب أيضاً استخدام ما يسمى بالمرآة العاطفية عبر تسمية مشاعر الطفل، وتخصيص وقت يومي للإنصات له دون توجيه أو نقد، إلى جانب طرح أسئلة مفتوحة تساعده على التعبير.

وأكدت أن هذه الممارسات تسهم في بناء علاقة صحية قائمة على الثقة، وتساعد الطفل على النمو النفسي السليم، والتعبير عن ذاته بشكل متوازن داخل الأسرة.


وتبقى طريقة تعامل الأهل مع أبنائهم، سواء في أسلوب توجيه الأوامر أو في مستوى الاستماع لهم، عاملاً مؤثراً في تشكيل سلوك الطفل وتوازنه النفسي، إذ تنعكس هذه الأساليب بشكل مباشر على ثقته بنفسه وقدرته على التعبير والتفاعل، بما يجعل النتائج متفاوتة تبعاً لطبيعة العلاقة داخل الأسرة.
 
 
 

اقرأ المزيد
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
تقرير: انتهاكات حقوق الملكية بحق النساء في سوريا مستمرة رغم سقوط نظام الأسد البائد

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً بعنوان "انتهاكات الملكية بحق النساء في سوريا منذ عام 2011: أنماط الاستيلاء وأثرها على النساء في سياق النزاع والمرحلة الانتقالية"، استند إلى 35 شهادة لنساء من محافظات سورية مختلفة، جُمعت بين كانون الثاني 2025 وآذار 2026، إلى جانب عشرات الشهادات الأخرى من ضحايا وشهود، وخلص إلى أن نظام الأسد البائد استخدم حقوق الملكية أداة للعقاب السياسي والإخضاع والهندسة الديموغرافية، مؤكداً أن سقوطه في 8 كانون الأول 2024 لم يؤدِ تلقائياً إلى استعادة الحقوق، بل برزت تحديات جديدة تتعلق بتعقيد الإجراءات وارتفاع تكاليفها وغياب آليات واضحة للإنصاف وجبر الضرر.

أنماط متعددة من انتهاكات الملكية
صنّف التقرير الانتهاكات في ثلاث فئات رئيسية، شملت الانتهاكات المباشرة للملكية، والإجراءات القانونية والإدارية التعسفية، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التمييزية، موثقاً حالات فقدان الملكية بسبب التهجير القسري، والقصف والتدمير الواسع أو المتعمد، واستخدام الممتلكات المدنية لأغراض عسكرية، إضافة إلى الحجز الاحتياطي والتنفيذي، والمصادرة التعسفية، والاستيلاء المرتبط بالاحتجاز والانتماء السياسي الفعلي أو المفترض، ونزع الملكية عبر تشريعات استثنائية ومخططات تنظيمية قسرية.

أشار التقرير أيضاً إلى فقدان الوثائق القانونية، وتزوير السجلات العقارية والتلاعب بها، والقيود المفروضة على الوصول إلى العدالة، وفقدان حقوق الإرث في ظل النزاعات الأسرية، إلى جانب تعرض النساء للابتزاز المالي مقابل الحفاظ على ممتلكاتهن أو التصرف بها.

تمييز سابق زاد من هشاشة النساء
أوضح التقرير أن هذه الانتهاكات تداخلت مع واقع تمييزي سابق، إذ كانت غالبية الممتلكات مسجلة بأسماء الأزواج أو الآباء أو الأقارب الذكور الذين تعرضوا للاعتقال أو الإخفاء القسري أو القتل أو التهجير، ما وضع النساء في موقف قانوني أكثر ضعفاً عند غياب المالك المسجل.

لفت إلى أن انخفاض نسبة تسجيل النساء مالكات للعقارات قبل الحرب في سوريا، نتيجة الأعراف الاجتماعية والتبعية الاقتصادية وضعف الوعي القانوني، أدى إلى مضاعفة هشاشتهن أمام فقدان الممتلكات.

تشريعات استُخدمت للاستيلاء على الممتلكات
وثّق التقرير لجوء نظام الأسد البائد إلى الحجز والمصادرة عبر محاكم استثنائية، وفي مقدمتها محكمة قضايا الإرهاب المنشأة بموجب المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012، استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، دون مراعاة ضمانات المحاكمة العادلة.

أضاف أن النظام اعتمد كذلك على تشريعات نزع الملكية، وفي مقدمتها القانون رقم 10 لعام 2018 والمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، اللذين فرضا مهلًا زمنية غير واقعية لإثبات الملكية، وأفضيا إلى الاستيلاء الإداري على عقارات المهجرين واللاجئين، مشيراً إلى أن كثيراً من النساء اللواتي استعدن ممتلكاتهن بعد سقوط النظام وجدنها مدمرة أو بحاجة إلى ترميم يفوق قدراتهن المالية.

دعوات لإنصاف النساء في المرحلة الانتقالية
أكد المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن حرمان النساء السوريات من حقوق الملكية خلال الحرب في سوريا كان جزءاً من سياسة ممنهجة استهدفت معارضي نظام الأسد البائد وأسرهم، واستندت إلى منظومة تشريعية وإدارية صُممت لإضفاء شرعية شكلية على عمليات الاستيلاء.

شدد عبد الغني على أن المرحلة الانتقالية تفرض على السلطات السورية إنشاء هيئة مستقلة لرد الممتلكات تعتمد إجراءات ميسرة ومنخفضة الكلفة، وتستند إلى إطار قانوني يتيح لأسر المفقودين قسراً، ولا سيما الزوجات، إدارة ممتلكاتهم وحمايتها.

استناد إلى القانون الدولي
استعرض التقرير الإطار القانوني الدولي الذي استند إليه، مشيراً إلى التزامات سوريا بموجب العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، إلى جانب التعليقات والتوصيات الصادرة عن الهيئات الأممية المختصة.

أوضح أن التقرير استند أيضاً إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حظر تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها إلا للضرورة العسكرية، وحظر السلب، ومبادئ التمييز والتناسب، معتبراً أن بعض الانتهاكات الموثقة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، فضلاً عن استناده إلى مبادئ بينيرو الخاصة برد الممتلكات والمبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي.

توصيات للسلطات السورية والمجتمع الدولي
طالبت الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات السورية بإنشاء هيئة وطنية مستقلة لرد الممتلكات وتسوية النزاعات العقارية، تتمتع بصلاحيات قضائية وإدارية، وتعتمد وسائل بديلة لإثبات الملكية، تشمل الإفادات وشهادات الشهود والصور الفضائية والسجلات الضريبية والبلدية، مع الاستفادة من التجارب الدولية في البوسنة والهرسك وكوسوفو والعراق.

دعت إلى توسيع نطاق مرسوم إلغاء الحجز الاحتياطي الصادر في أيار 2025 ليشمل قرارات الحجز التنفيذي الصادرة عن المحاكم الاستثنائية، وإلغاء القانون رقم 10 لعام 2018، ومراجعة المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، وإلغاء قانون إدارة واستثمار الأموال المصادرة الصادر عام 2023، وسحب تحفظات سوريا على اتفاقية "سيداو"، ولا سيما المادة 16.

دعوات لدعم أممي ودولي
حثّت الشبكة المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وهيئات الأمم المتحدة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، على إيلاء انتهاكات حقوق الملكية بحق النساء اهتماماً أكبر في تقاريرها، كما طالبت وكالات الأمم المتحدة، ومنها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، بتقديم الدعم الفني للسلطات السورية وتمويل برامج المساعدة القانونية المجانية للنساء المتضررات.

طالبت كذلك الدول التي تطبق مبدأ الولاية القضائية العالمية بإدراج انتهاكات حقوق الملكية، بما فيها المصادرة الممنهجة، والتدمير المتعمد، والتزوير المنظم للسجلات العقارية، ضمن الملفات الجنائية المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب تسهيل تعاون الضحايا والشهود مع آليات المساءلة الدولية، ودعت الدول المانحة إلى تخصيص تمويل مباشر لإنشاء هيئة رد الممتلكات، وربط برامج إعادة الإعمار بضمانات حقيقية لاحترام حقوق الملكية.

اقرأ المزيد
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
بين شيوع التصوير وحدود القانون: متى يصبح التقاط الصور انتهاكاً للخصوصية؟

في ظل الانتشار الواسع لاستخدام الهواتف المحمولة وسهولة التقاط الصور ومقاطع الفيديو، يكثر اللجوء إلى التصوير في الأماكن العامة دون الالتفات إلى ما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية، لا سيما عندما يتصل الأمر بتصوير أشخاص دون رضاهم أو استخدام صورهم على نحو يمسّ بخصوصيتهم أو كرامتهم. 

وبين ما يُعد سلوكاً عادياً في الظاهر وما قد يشكّل مخالفة يُعاقب عليها القانون، يبرز التساؤل حول الحدود الفاصلة بين الإباحة والتجريم، والضوابط التي تحكم هذا الفعل في ضوء التشريعات النافذة.

متى يصبح التصوير مخالفة؟

في هذا السياق، قال كمال إسماعيل، مدرب وباحث قانوني، ومؤسس فريق النخبة القانونية للاستشارات والتدريبات، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري ينطلق من قاعدة دستورية مفادها أن الأصل هو حماية الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية والخصوصية، وأن أي ممارسة لهذه الحريات يجب ألا تؤدي إلى الاعتداء على حقوق الآخرين.

 وأضاف أن الإعلان الدستوري لعام 2025 أكد على حماية الحرية الشخصية وصيانة الحقوق والحريات، ورسّخ مبدأ احترام الحياة الخاصة وعدم جواز المساس بها إلا وفق القانون.

وأشار إلى أنه لا يوجد نص سوري صريح يحظر مطلق التصوير في الأماكن العامة، إلا أن قانون الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 وسّع مفهوم الحماية بشكل لافت، موضحًا أن المادة 23 منه (التسجيل غير المشروع) تعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 500 ألف إلى مليون ليرة سورية كل من استخدم وسائل تقانة المعلومات للحصول على تسجيلات صوتية أو مرئية أو صور تخص أحد الناس دون رضاه، دون أن تشترط صراحة أن يكون المكان خاصاً. 

وبيّن أن ذلك يعني عملياً، وبحسب القراءات القانونية لهذه المادة، أن التصوير — حتى في مكان عام — قد يُعرّض المصوّر للمساءلة إذا لم يحصل على رضا الشخص المصوَّر، خصوصاً إذا كان التصوير مقصوداً وموجهاً لشخص بعينه.

ولفت إلى أن التصوير في الأماكن العامة ليس محظوراً بذاته، لكنه ليس حقاً مطلقاً، وإنما يخضع لعدة ضوابط، أهمها عدم الاعتداء على الحياة الخاصة، وعدم استخدام الصورة للإساءة أو التشهير، وعدم استغلالها لتحقيق منفعة غير مشروعة، واحترام الكرامة الإنسانية، وأوضح أن القضاء لا ينظر إلى مكان التصوير فقط، وإنما إلى الغرض منه، وطريقة استخدام الصورة، والنتيجة التي ترتبت عليها.

ونوه إلى أن الفرق بين التصوير في مكان عام والتصوير الذي يُعد انتهاكاً للخصوصية يقوم على معيار عملي تعتمده المحاكم، يتمثل في ما إذا كان التصوير عاماً يوثّق مشهداً أو حدثاً، كمسيرة أو مناسبة عامة، أم كان تصويراً مركّزاً على شخص محدد، إضافة إلى مسألة وجود الرضا الصريح أو الضمني، وذكر أنه متى تحوّل المحتوى إلى ما تصفه المادة 26 من قانون الجريمة المعلوماتية بأنه “منافٍ للحشمة أو الحياء”، أو تضمّن تفاصيل من الحياة الخاصة التي يحميها نص المادة 13 من الإعلان الدستوري، فإن الفعل ينتقل من “تصوير مباح” إلى “اعتداء على الخصوصية”.

تجريم التصوير دون إذن وتشديد العقوبات

وتحدث عن أن قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 وسّع من الحماية القانونية للحياة الخاصة في البيئة الرقمية، حيث نص على تجريم عدد من صور الاعتداء على الخصوصية عبر الوسائل الإلكترونية، ومنها نشر التسجيلات أو الصور دون رضا أصحابها في الحالات التي يحددها القانون.

وأكد أن تصوير شخص دون إذنه يتحول إلى جريمة معاقب عليها في عدة حالات، أولها مجرد الحصول على الصورة أو التسجيل دون رضا صاحبه وفق المادة 23، مشيراً إلى أن هذا وحده يكفي لقيام الجريمة حتى دون نشر. 

ولفت أنه في حال عولجت الصورة أو استُخدمت بطريقة تجعلها منافية للحشمة أو الحياء، أو أُرسلت للغير أو عُرضت عليه، أو هُدد بنشرها عبر الشبكة وفق المادة 26، فإن العقوبة تُشدَّد لتصل إلى الحبس من سنة إلى سنتين وغرامة تبدأ من مليوني ليرة سورية، وبيّن أنه إذا رافق التصوير أو نشره فعل الذم أو القدح أو التحقير الإلكتروني، فإن ذلك يخضع لأحكام المادتين 24 و25، كما أشار إلى أن الفعل قد يشكّل دخولاً غير مشروع إلى مسكن الشخص أو إفشاءً لأسرار محمية بموجب قانون العقوبات.

وذكر أن الحكم يختلف بين التصوير للاستخدام الشخصي والنشر على وسائل التواصل، موضحاً أن مجرد الالتقاط دون رضا، حتى للاستخدام الشخصي، يُعد فعلاً مجرّماً بموجب المادة 23، مع ضرورة التنويه إلى أن التجريم يشترط أن يكون التصوير قد تم دون رضا الشخص.

 وأفاد بأن النشر أو الإرسال أو التهديد بالنشر يُعد ظرفاً مشدداً صريحاً في النص، إذ ترتفع العقوبة في حالة الصور المخلة بالحشمة من الحبس من شهر إلى ستة أشهر إلى الحبس من سنة إلى سنتين وفق المادة 26، كما أن النشر العلني للذم أو القدح تكون عقوبته أشد من الفعل غير العلني بسبب اتساع دائرة الضرر.

وأشار إلى أن المسؤولية القانونية المترتبة على نشر صور أو فيديوهات لأشخاص دون موافقتهم تكون على مستويين، الأول جزائي بموجب المواد 23 و24 و25 و26 من قانون الجريمة المعلوماتية بحسب طبيعة الفعل ومضمونه، وقد تُضاف إليها نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالقدح والذم العام.

 وأضاف أن المسؤولية الثانية مدنية، تقوم على القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية المنصوص عليها في المادة 164 من القانون المدني السوري، والتي تقرر أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، ما يتيح للمتضرر المطالبة بتعويض عن الضررين المادي والمعنوي. 

وبيّن أن للشخص الذي تم تصويره الحق في رفع دعوى على أساسين، أولهما جزائي من خلال تقديم شكوى لدى الضابطة العدلية المختصة بجرائم المعلوماتية في وزارة الداخلية استناداً إلى مواد قانون الجريمة المعلوماتية، لافتاً إلى أن جرائم القدح والذم غالباً ما تتطلب شكوى شخصية من المتضرر لتحريك الدعوى.

 وأوضح أن الأساس الثاني مدني، من خلال رفع دعوى تعويض أمام القضاء المدني استناداً إلى أحكام المسؤولية التقصيرية، مع إمكانية المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي، والاستناد إلى الحماية الدستورية لحرمة الحياة الخاصة.

وشدد على أن التصوير بقصد الإساءة أو التشهير يُعد من أشد الحالات خطورة في قانون الجريمة المعلوماتية، حيث يُعاقب الذم الإلكتروني وفق المادة 24 بالحبس والغرامة، وتُشدَّد العقوبة إذا كان علنياً أو موجهاً لموظف عام أثناء تأدية عمله. 

وأكد أن القدح أو التحقير الإلكتروني وفق المادة 25 يبدأ بغرامة عند عدم العلنية، ويُشدَّد إلى الحبس والغرامة الأعلى عند العلنية، في حين تُعد المادة 26 الأشد صلة بحالات التصوير المسيء، إذ تعاقب معالجة الصور أو التسجيلات لتصبح منافية للحياء وإرسالها أو عرضها أو التهديد بنشرها، وترتفع العقوبة  إلى الحبس سنة إلى سنتين إذا تحقق النشر الفعلي.

ولفت إلى أن قانون العقوبات العام يعرّف الذم بأنه نسبة أمر يمسّ الشرف أو الكرامة، والقدح بأنه لفظ أو تعبير يحقّر الشخص دون نسبة واقعة محددة إليه، وفق المادة 375، مشيراً إلى أن هذا التعريف يُستخدم تفسيرياً حتى في السياق الإلكتروني لتحديد ما إذا كان المحتوى المنشور مع الصورة يرقى إلى حد التجريم.

ونوه إلى ملاحظة هامة تتعلق بأن قانون الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 صدر في عهد النظام البائد، ولا يزال سارياً حتى تاريخه ما لم يصدر تعديل أو إلغاء صريح، خاصة أن المادة 51 من الإعلان الدستوري لعام 2025 نصّت على استمرار العمل بالقوانين النافذة ما لم تُعدَّل أو تُلغَ.

وأكد كمال إسماعيل في ختام حديثه أن هناك مطالبات حقوقية متكررة بتعديل هذا القانون بسبب فضفاضية بعض نصوصه، مثل مصطلحي “الذم” و”القدح” غير المعرّفين بدقة.

اقرأ المزيد
6 7 8 9 10

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١١ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد البائد.. العدالة الانتقالية أمام اختبار بناء دولة القانون في سوريا
أحمد نور الرسلان