التنابز بالألقاب بين الأطفال… سلوك شائع يترك آثاراً نفسية وتربوية عميقة
التنابز بالألقاب بين الأطفال… سلوك شائع يترك آثاراً نفسية وتربوية عميقة
● مجتمع ٨ يونيو ٢٠٢٦

التنابز بالألقاب بين الأطفال… سلوك شائع يترك آثاراً نفسية وتربوية عميقة

تُعد عادة التنابز بالألقاب من السلوكيات الشائعة بين الأطفال، حيث يلجأ بعضهم إلى إطلاق ألقاب جارحة أو ساخرة على الآخرين، أحياناً بسبب خطأ ارتكبه الطفل، أو لسبب يتعلق بشكله أو تصرفاته أو طريقة كلامه، وغيرها من الأسباب.

وغالباً ما يترك هذا السلوك أثراً سلبياً لدى الطفل المستهدف، إذ قد يشعر بالحرج أو الانزعاج من اللقب الذي يُطلق عليه، وفي بعض الحالات يتطور الأمر ليصل إلى مشاعر الحزن أو الضيق، خاصة عند تكرار هذا السلوك في محيطه اليومي.

قال بيرم جمعة، أخصائي نفسي ومشرف فني للصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه من الناحية السلوكية يُعد التنابز بالألقاب شكلاً واضحاً من أشكال التنمر اللفظي، وهو آلية غير تكيفية للتفاعل الاجتماعي، وأشار إلى أنه من الناحية النفسية يمثل غالباً محاولة من الطفل لاختبار الحدود أو إثبات القوة والسيطرة داخل مجموعة الأقران.

ونوّه إلى أنه في بعض مراحل النمو يفتقر الأطفال إلى المهارات اللفظية والعاطفية اللازمة للتعبير عن الإحباط أو الغضب أو حتى الغيرة، فيلجؤون إلى آلية دفاعية تُعرف بالإسقاط، حيث يوجهون مشاعر النقص الخاصة بهم نحو طفل آخر عبر إطلاق ألقاب سلبية أو ساخرة عليه.

وبيّن أن من أبرز الأسباب التي تدفع الأطفال لاستخدام ألقاب جارحة أو ساخرة تتمثل في النمذجة والتقليد، إذ يقلد الأطفال ما يسمعونه في محيطهم الأسري أو ما يشاهدونه عبر وسائل الإعلام والألعاب، حيث تُستخدم الألقاب الساخرة أحياناً كمادة للفكاهة.

ولفت إلى أن البحث عن المكانة الاجتماعية يدفع بعض الأطفال، نتيجة الرغبة في الانتماء إلى مجموعة معينة أو جذب الانتباه واكتساب الشعبية، إلى الانتقاص من الآخرين، وذكر أن تدني تقدير الذات يُعد من العوامل المهمة، حيث غالباً ما يعاني الطفل الذي يُطلق الألقاب الجارحة من هشاشة نفسية أو نقص في الثقة بالنفس، فيحاول تقليل شأن الآخرين ليشعر بالتفوق الزائف.

وتحدث عن أن غياب التعاطف والذكاء العاطفي، نتيجة عدم النضج الكافي، يمنع الطفل من فهم أو استشعار حجم الألم النفسي الذي تسببه هذه الكلمات للطفل الآخر، وأوضح أن التأثيرات النفسية المحتملة لهذه الممارسة على الطفل الذي يتعرض لها بشكل متكرر تشمل القلق والتوتر المستمر، حيث يعيش الطفل في حالة تأهب وشعور دائم بالتهديد وعدم الأمان، خاصة في البيئة المدرسية.

وأكد أن من بين هذه التأثيرات أيضاً الانسحاب الاجتماعي، إذ يميل الطفل إلى العزلة وتجنب المشاركة في الأنشطة أو التفاعلات الاجتماعية خوفاً من التعرض للمزيد من السخرية، وشدد على أن الأعراض النفس-جسدية قد تظهر، حيث يترجم جسد الطفل هذا الضغط النفسي إلى أعراض عضوية غير مبررة طبياً مثل آلام البطن المتكررة والصداع واضطرابات النوم والشهية.

وأفاد بأن التراجع الأكاديمي يعد من النتائج المحتملة، نتيجة تشتت انتباه الطفل وضعف قدرته على التركيز بسبب الضغط النفسي، ما يؤدي إلى تراجع ملحوظ في تحصيله الدراسي، وأشار إلى أن تكرار التنابز بالألقاب قد يؤدي إلى ظاهرة نفسية خطيرة تُعرف بـ"الاستدخال"، حيث يبدأ الطفل مع مرور الوقت بتصديق هذا اللقب السلبي وجعله جزءاً من هويته الشخصية ورؤيته لذاته.

ونوّه إلى أن هذا التدمير العميق لتقدير الذات قد يكون لبنة أساسية في تطوير اضطرابات مزاجية لاحقاً، وفي مقدمتها الاكتئاب، وهو أمر يُلاحظ بكثرة في الممارسة العيادية، وبيّن أن ذلك يؤدي أيضاً إلى صعوبات بالغة في بناء علاقات صحية قائمة على الثقة في مرحلة البلوغ، نتيجة الخوف المتأصل من الرفض والحكم المسبق.

وتحدث عن دور الأسرة في الحد من هذه الظاهرة، موضحاً أن التواصل المفتوح والآمن يسهم في بناء بيئة تتيح للطفل التعبير عن مشاعره ومخاوفه دون خوف من اللوم أو التجاهل، وأضاف أن النموذج الإيجابي من قبل الأهل، من خلال الامتناع عن استخدام الألقاب الساخرة أو الانتقاص من الآخرين حتى على سبيل المزاح، يُعد عاملاً أساسياً في توجيه سلوك الطفل.

ولفت إلى أهمية تعزيز المناعة النفسية لدى الطفل، من خلال مساعدته على اكتشاف نقاط قوته وتطوير مهارات الرد الحازم دون عدوانية، ليكون أقل عرضة للتأثر بكلمات الآخرين.

وذكر أن للمدرسة دوراً محورياً، يتمثل في وضع وتطبيق سياسات حازمة وواضحة تمنع التنمر اللفظي بكل أشكاله، لضمان بيئة تعليمية آمنة للجميع.
وأوضح أن برامج التوعية المستمرة، مثل دمج مفاهيم الذكاء العاطفي وتقبل الاختلاف واحترام الآخر في المناهج والأنشطة، تسهم في الحد من هذه الظاهرة.

وأكد على أهمية التدخل المهني المبكر، من خلال تفعيل دور المرشد النفسي لمراقبة الديناميكيات بين الطلاب والتدخل السريع لدعم الضحية، ومساعدة الطفل المتنمر على فهم دوافعه وتعديل سلوكه ومساره النفسي.

ويرى مختصون في الصحة النفسية أن التنابز بالألقاب بين الأطفال يرتبط بشكل مباشر بطبيعة البيئة المحيطة وأساليب التنشئة التي يتلقاها الطفل، إذ يكتسب هذا النمط من التفاعل من محيطه اليومي سواء داخل الأسرة أو في المدرسة، ويشيرون إلى أن بعض الأطفال يستخدمون الألقاب الجارحة كوسيلة للتعامل مع مواقف لا يعرفون كيف يعبّرون عنها بطريقة مناسبة.

ويضيف المختصون أن غياب المتابعة والتوجيه يساهم في ترسيخ هذا السلوك مع مرور الوقت، ليصبح جزءاً من طريقة التواصل بين الأطفال، ما ينعكس سلباً على علاقاتهم داخل المدرسة وخارجها، ويؤكدون على ضرورة تدخل الأسرة والمدرسة بشكل مبكر للحد من انتشاره وتعزيز أساليب تواصل قائمة على الاحترام.

وتُعد عادة التنابز بالألقاب من السلوكيات التي تترك آثاراً سلبية على الطفل، لأسباب متعددة، من بينها السخرية منه أو التقليل من شأنه أو تحقيره أو استفزازه، وغيرها من الممارسات التي تنعكس على حالته النفسية، وتشير آراء مختصين إلى أهمية التعامل مع هذه الظاهرة من خلال التوعية والعمل على الحد منها، إلى جانب ضرورة منع أي سلوك قد يعرّض الطفل للإهانة داخل محيطه الأسري أو المدرسي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ