صورة
صورة
● مجتمع ٩ يونيو ٢٠٢٦

تأثير البداية الامتحانية على أداء الطلاب وتفاعل الأسر

انطلقت في سوريا امتحانات الشهادتين التعليم الأساسي (التاسع) والثانوية العامة بفروعها، وسط حالة انشغال واسعة تعيشها الأسر، حيث يتجه الاهتمام بشكل كبير نحو الطلاب، من خلال متابعة أخبارهم وكيفية تقديمهم للامتحانات، إلى جانب الحرص على تأمين الأجواء المناسبة لهم.


ولا يقتصر هذا الانشغال على الأسر التي لديها طلاب فقط، بل يمتد ليشمل الأقارب والجيران، في ظل أجواء عامة يطغى عليها الاهتمام بسير العملية الامتحانية. وفيما يتعلق بمجريات الامتحانات، قدّم طلاب الصف التاسع حتى الآن مادتي العلوم واللغة الإنكليزية، في حين تقدّم طلاب البكالوريا الفرع العلمي لامتحاني الفيزياء واللغة الإنجليزية، وطلاب الفرع الأدبي لمادتي الفلسفة واللغة الإنجليزية، بينما يواصل الطلاب التحضير لبقية موادهم خلال الفترة المقبلة.


وتباينت تجارب الطلاب في تقديم امتحاناتهم، حيث رأى بعضهم أن الأسئلة جاءت سهلة وأن تحضيرهم كان جيداً ما انعكس بشكل إيجابي على أدائهم، في حين اعتبر آخرون أن مستوى الأسئلة كان متوسطاً ويحتاج إلى تركيز أكبر أثناء الحل.

في المقابل، اشتكى عدد من الطلاب من صعوبة الامتحان، مشيرين إلى أن الأسئلة لم تكن سهلة كما توقعوا، وبينما أرجع بعضهم ذلك إلى عدم دراستهم بالشكل الكافي أو ضعف التحضير المسبق، نسب آخرون الصعوبة إلى طبيعة الأسئلة نفسها.

ويؤدي تقديم المادة الأولى دوراً مهماً في تشكيل الانطباع الأول لدى الطالب، إذ ينعكس ذلك بشكل مباشر على حالته النفسية، فإما أن يسهم في تحفيزه وتشجيعه على متابعة الامتحانات بثقة، أو يدفعه إلى الشعور بالإحباط والتوتر، وذلك يعود إلى طريقة تقديمه للمادة ومستوى أدائه فيها.


كما ينعكس هذا التفاوت في الأداء داخل قاعة الامتحان بوضوح على الأجواء العائلية، إذ إن تحصيل الطالب الجيد وشعوره بالرضا يخلق حالة من الارتياح والاطمئنان داخل الأسرة، بينما في حال كان الأداء غير جيد فإن ذلك ينعكس بحالة من القلق والخوف والتوتر داخل المنزل.

وفي ظل هذا الواقع، يبرز دور الأسرة بشكل أساسي في دعم الطالب خلال فترة الامتحانات، من خلال تشجيعه وتحفيزه على الاستمرار، والعمل على احتواء مشاعر الخوف والقلق التي قد تنتابه بعد تقديم بعض المواد.

كما يقع على عاتق الأسرة مساندة الطالب في تجاوز حالات الإحباط التي قد يمر بها، ومساعدته على استعادة ثقته بنفسه، والاستعداد بشكل أفضل للمواد القادمة، بما يسهم في تحسين أدائه خلال بقية الامتحانات.


في هذا السياق، قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة نفسجي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن فترة الامتحانات في سوريا ليست مجرد اختبار أكاديمي، بل هي أشبه بـ "حالة طوارئ اجتماعية" ترفع منسوب القلق عند الجميع، وأضافت أنها تقدم رؤيتها النفسية والعملية للتعامل مع هذه التحديات.

وأشارت إلى أن المادة الأولى في الامتحان تُعد بمثابة "كسر الجليد"، ولها ثقل نفسي كبير يُعرف في علم النفس بـ "تأثير الأولية" (Primacy Effect)، موضحة أنه في حال الأداء الجيد يرتفع هرمون الدوبامين، ما يمنح الطالب شحنة عالية من الثقة بالنفس، ويسهم في تفعيل "آليات التكيف الإيجابية"، حيث يرى الطالب أن جهده أثمر فيدخل المادة التالية بذهن منفتح وقلق مسيطر عليه.

وبيّنت أنه في حال الأداء السيئ أو الشعور بذلك، قد يقع الطالب فريسة لـ "التفكير الكارثي" (Catastrophic Thinking)، حيث يبدأ الدماغ بتعميم الفشل من خلال أفكار مثل: "إذا رسبت بالمادة الأولى ضاع المجموع وضاعت السنة كلها"، لافتة إلى أن هذا الإحباط يفرز هرمون الكورتيزول (هرمون الإجهاد)، الذي يؤثر على مناطق الدماغ المسؤولة عن التركيز واسترجاع المعلومات مثل القشرة الجبهية، مما ينعكس سلباً وبشكل مباشر على أدائه في المواد اللاحقة حتى لو كان متفوقاً فيها.

وأضافت أن تعامل الأهل مع إحباط المادة الأولى يمثل "خطة إنقاذ نفسية"، حيث إن رد الفعل في هذه اللحظة قد يكون إما طوق نجاة أو رصاصة رحمة على معنويات الطالب، ونوهت إلى أهمية "احتكام الصمت وتسكير السيرة"، باعتبار أن القاعدة الذهبية الأولى بعد خروج الطالب من الامتحان هي منع مراجعة الأسئلة تماماً، مع استخدام جملة مثل: "يلي راحت راحت، هلق وقت المادة يلي بعدها"، باعتبارها شعاراً للبيت.

ولفتت إلى ضرورة الاحتواء العاطفي الصادق عند عودة الطالب محبطاً أو باكياً، مع تجنب جمل اللوم مثل "لو أنك درست أكثر" أو "ليش ما ركزت"، واستخدام أسلوب التفريغ الانفعالي مثل: "أنا حاسس فيك وبزملك، الامتحان كان صعب على الكل، وأنت عملت يلي عليك".

وذكرت أهمية فصل الأداء عن الهوية، بحيث يُذكر الطالب بأن تعثره في مادة لا يعني أنه فاشل كإنسان، وأن التفوق في بقية المواد يمكن أن يعوض، مع وجود فرص للتدارك مثل الامتحانات التكميلية، وتحدثت عن ضرورة إعادة التوجيه بعد فترة راحة قصيرة من خلال إشغال الطالب جسدياً وفكرياً نحو المادة التالية.

وأكدت على عدد من النصائح للأهل لدعم الأبناء دون زيادة الضغط، مشددة على أهمية تخفيف "جرعة التوقعات العالية"، وتجنب ربط حب الأهل أو قيمتهم للطالب بالمعدل، لما لذلك من أثر في خلق "قلق أداء" مشلّ للحركة، مع ضرورة إيصال رسالة بأن الحب غير مشروط بالدرجات.

وأفادت بضرورة ضبط لغة الجسد وأجواء المنزل، لأن الطلاب يلتقطون توتر الأهل من نظرات القلق والتنهدات والهمس، مما ينعكس على جهازهم العصبي، كما شددت على تجنب المقارنات بين الطلاب لأنها تضعف تقدير الذات وتزيد النفور من الدراسة.

وأضافت أهمية تأمين الاحتياجات البيولوجية الأساسية مثل النوم الكافي والغذاء المناسب، وتجنب السهر المفرط والمنبهات التي تزيد القلق الجسدي مثل الرجفة وتسارع دقات القلب، ولفتت إلى أهمية الدعم الروحي والواقعي معاً لتعزيز السكينة النفسية لدى الطالب، وأشارت إلى أن الصحة النفسية والعقلية للطلاب تمثل الاستثمار الأهم، وأن الامتحان محطة واحدة في مسار طويل مليء بالفرص.

تتواصل امتحانات الشهادتين في سوريا وسط أجواء من الترقب والانشغال داخل البيوت، حيث تتداخل مشاعر القلق والتوتر مع محاولات الأهل والطلاب تنظيم هذه المرحلة والتعامل مع متطلباتها اليومية، وتبقى هذه الفترة محطة تعليمية تمر بها الأسر والطلاب بما تحمله من ضغوط وتجارب متفاوتة خلال تقديم الامتحانات.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ