الزغرودة في سوريا: ممارسة اجتماعية قديمة تحتفي بالفرح
الزغرودة في سوريا: ممارسة اجتماعية قديمة تحتفي بالفرح
● مجتمع ١٣ أبريل ٢٠٢٦

الزغرودة في سوريا: ممارسة اجتماعية قديمة تحتفي بالفرح

تحرص نساء المجتمع العربي على إطلاق الزغاريد في المناسبات السعيدة المتنوعة، إذ تمثل تعبيراً مباشراً عن البهجة، وما إن يطرأ موقف مميز حتى تنطلق الزغاريد معلنةً للمحيطين بوجود مناسبة تستحق الاحتفال أو حدث يبعث السرور، لتتحول إلى جزء ثابت من المشهد الاحتفالي في الأعراس والولادات والنجاحات والمناسبات الاجتماعية المختلفة.

والزغرودة عبارة حركة صوتية لولبية تؤديها المرأة بتحريك لسانها، فيعلو صوتها ويصل إلى من حولها، وهذه الكلمة مشتقة من الفعل "زغرد"، وتشير إلى رفع النساء لأصواتهن في المناسبات المختلفة.

تنتشر هذه العادة في معظم المجتمعات العربية، خصوصاً في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق ومصر وبلدان المغرب العربي، وتُعرف بأسماء أو تسميات محلية مختلفة من بلد إلى آخر، مع اختلاف في طريقة أدائها ونبرتها، لكنها تبقى ممارسة مشتركة مرتبطة بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات.

ففي دول الخليج العربي تُعرف بـ"الزغروطة"، "الهلهولة"، "اليباب"، و"الغطرفة"، أما في بلاد الشام فيُطلق عليها "المهاهاة"، وتعني المباركة وتشتق من الفعل "هأهأ" الذي يدل على الدعاء أو الزجر، بينما يُعرفها المغرب العربي باسم "التزغريطة".

وفي سوريا يُعد الاسم الأساسي والأكثر شيوعًا هو “الزغرودة” وجمعها “زغاريد”، بينما تُستخدم في بعض اللهجات المحلية تسميات عامية أخرى مثل “هنهونة” و“زلغوطة”.

يشير الباحث السوري محمد خالد رمضان، في كتابه دراسات في الزغرودة الشعبية الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2009، إلى أن الزغرودة في اللهجة العامية السورية تُعرف باسم "الزلغوطة"، وأن الفعل نفسه يحمل دلالات رمزية تؤثر على الحالة النفسية للفرد والجماعة، وتُمارس في مناسبات ومتنوعة.

لطالما ارتبطت الزغرودة في سوريا بالعديد من المواقف السعيدة، مثل تفوق الطالب في المدرسة وتحقيقه علامات عالية، أو دخوله مجالاً علمياً معيناً كالطب، إلى جانب مناسبات الخطوبة وعقد القران والزفاف.

كما تُطلق في لحظات الفرح الأخرى مثل عودة غائب أو مسافر، وشفاء مريض بعد عملية جراحية، واستقبال مولود جديد، إضافة إلى حفلات الاستقبال التي تُقيمها النساء أو ترقية موظف، وكل موقف يُنظر إليه على أنه يستدعي التعبير عن البهجة والسرور.

وتشير نساء تحدثنا معهن إلى أن إتقان الزغرودة يختلف من امرأة لأخرى، فبعضهن يجيدنها بطلاقة، فيما لا تعرف أخريات أداءها، وغالباً ما تُكتسب هذه المهارة بالتعلم داخل الأسرة، خصوصاً من الأمهات والجدات عبر التقليد والممارسة.

أحياناً تصدر الزغرودة كصوت فقط، وأحيانا تسبق الزغرودة بعبارات مقفّاة، يتخللها كلمات مثل: "أوها" عند أهل الشام، و"هاها" عند أهل حلب، ما يمنحها إيقاعاً خاصاً ويعزز التعبير عن الفرح في المناسبات المختلفة.

وفي بعض الحالات تتحول الزغرودة بين النساء إلى مساحة للتنافس غير المباشر، حيث تتباهى بعضهن بإتقان أدائها وقوة صوتها وتميّز نبرتها، بل وتحرص أخريات على ابتكار عبارات مقفّاة جديدة تُضاف إلى الزغرودة التقليدية، فتؤديها بأسلوب خاص في المناسبات، إلى درجة أن بعض النساء يؤلفن هذه العبارات في لحظتها ويطلقنها بشكل ارتجالي، ما يمنح الزغرودة طابعاً شخصياً وإبداعياً يختلف من امرأة إلى أخرى داخل المناسبة نفسها.

خلال سنوات الثورة السورية، لم تعد الزغرودة في السياق السوري محصورة بالمناسبات السعيدة فقط، إذ ارتبطت أيضاً بلحظات الوداع والاستقبال في ظروف استثنائية، فكانت بعض النساء يطلقن الزغاريد عند تشييع الشهداء ورفع أعلام الثورة، تعبيراً عن الفخر بالتضحية التي قدّموها في سبيل الآخرين.

 كما استُخدمت في لحظات عودة معتقلين أحياء من السجون بعد سنوات من الغياب، لتتحول إلى صوت يجمع بين الفرح الممزوج بالوجع، والدلالة على صمود العائلات في مواجهة الفقد والانتظار.

ومع انتشار التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الزغرودة أكثر انفتاحاً على تجارب ثقافية مختلفة، إذ باتت بعض النساء يتعرّفن على أشكال وعبارات زغاريد من مجتمعات عربية أخرى، ويقمن أحياناً بتجريبها أو إدخال تعديلات عليها بما يتناسب مع بيئتهن المحلية، كما ساهم تداول المقاطع المصورة في تعلّم طرق أداء جديدة وصياغات مبتكرة، ما أضاف بعداً حديثاً إلى ممارسة تقليدية متوارثة داخل المجتمعات.

ويعكس استمرار الزغرودة في المجتمع السوري تمسكاً واضحاً بالموروث الشعبي، فهي ما تزال من أبرز أشكال التعبير الجماعي عن الفرح في المناسبات المختلفة، وتشكل جزءاً من الهوية الاجتماعية التي تنتقل عبر الأجيال من الأمهات إلى البنات.

كما تُستخدم وسيلة للتعبير عن الفرح أو الفخر وإيصال المشاعر إلى المحيط، وتعكس روح الجماعة والمشاركة في اللحظات المهمة، سواء في المناسبات السعيدة أو في مواقف تحمل دلالات معنوية مثل وداع الشهداء أو استقبال الغائبين، وتشير استمرارية هذه العادة إلى حضور التقاليد في الحياة اليومية رغم التغيرات الاجتماعية، إذ ما تزال النساء يحافظن عليها كأحد الطقوس المرتبطة بالمناسبات والاحتفالات.

وتظل الزغرودة ممارسة حاضرة في المجتمع السوري تعكس امتداد الموروث الشعبي واستمراره، بما تحمله من دلالات اجتماعية تربط بين الفرح والذاكرة الجماعية، وتؤكد حضور التقاليد في تفاصيل الحياة اليومية رغم التغيرات التي قد تطرأ على المجتمع.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ