طفل منطوٍ… متى يكون الأمر طبيعياً ومتى يصبح مقلقاً؟
يظهر الانطواء عند بعض الأطفال كميل واضح إلى الهدوء وتفضيل العزلة أو الاكتفاء بدائرة اجتماعية محدودة، وهو سلوك قد يلاحظه الأهل في مراحل مبكرة من نمو الطفل، فتختلف دلالاته بين ما يُعد طبيعياً لا يؤثر على حياة الطفل، وبين ما قد يشير إلى مشكلة نفسية أو اجتماعية تحتاج إلى متابعة وفهم أعمق من قبل الأهل والمختصين.
وفي هذا السياق، تتعدد أسباب الانطوائية عند الأطفال، إذ قد ترتبط بعوامل نفسية واجتماعية مختلفة، منها شعور الطفل بعدم الأمان في محيطه، أو نقص الدعم العاطفي داخل الأسرة، أو تعرضه لمواقف ضغط مستمرة تؤثر في سلوكه.
كما يمكن أن تنشأ الانطوائية نتيجة صعوبات في الاندماج مع الأقران داخل المدرسة، أو بسبب بيئة اجتماعية لا تشجعه على التفاعل والمشاركة، إضافة إلى تأثير التجارب السلبية المتكررة التي تدفعه إلى تفضيل العزلة والابتعاد عن الاختلاط بالآخرين.
قال فادي النايف، إجازة في كلية التربية – قسم معلم صف، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الانطواء عند الأطفال هو ميل الطفل للهدوء وتفضيل الأنشطة الفردية أو دائرة اجتماعية محدودة، ويُعد سلوكاً طبيعياً إذا لم يؤثر في حياته اليومية أو نموه النفسي والاجتماعي.
وأضاف أن الطفل الانطوائي بطبيعته يستطيع التفاعل عند الحاجة ويشعر بالراحة، في حين أن العزلة إذا كانت ناتجة عن خوف أو قلق وتؤثر في حياته، فقد تكون مؤشراً على مشكلة تحتاج إلى متابعة.
وأشار إلى أن الانطواء يصبح مقلقاً عندما يرفض الطفل التواصل بشكل مستمر، أو ينعزل عن أقرانه، أو يتراجع مستواه الدراسي، أو تظهر عليه علامات الحزن والقلق بشكل واضح، وذكر أن أسباب الانطواء قد ترجع إلى طبيعة شخصية الطفل، أو التعرض للتنمر، أو المشكلات الأسرية، أو ضعف الثقة بالنفس، أو بعض الاضطرابات النفسية.
وبيّن أن الانطواء إذا تجاوز الحد الطبيعي قد يؤثر في ثقة الطفل بنفسه، وعلاقاته الاجتماعية، وأدائه الدراسي، وصحته النفسية، ولفت إلى أن دور الأهل يتمثل في دعم الطفل وتشجيعه بلطف على التفاعل الاجتماعي، والاستماع إليه، وتجنب السخرية أو المقارنة أو إجباره على الاختلاط.
وأكد أنه في حال استمرت العزلة لفترة طويلة أو أثرت في الدراسة والعلاقات الاجتماعية، أو صاحبها قلق أو حزن شديد، فمن الأفضل مراجعة مختص نفسي للأطفال.
ويرى أخصائيون نفسيون أن الانطوائية عند الطفل قد تنعكس سلباً على عدة جوانب من حياته، إذ يمكن أن تؤثر في قدرته على تكوين العلاقات الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين، ما يحدّ من مهاراته الاجتماعية مع مرور الوقت، كما قد ينعكس ذلك على ثقته بنفسه، ويؤدي إلى شعوره بالوحدة أو صعوبة في التعبير عن مشاعره، إضافة إلى احتمال تأثر أدائه الدراسي نتيجة ضعف المشاركة والتواصل داخل البيئة المدرسية.
ويشير الأخصائيون إلى أن التعامل مع هذه الحالة يعتمد على التدخل المبكر وتقديم الدعم المناسب للطفل، من خلال تعزيز ثقته بنفسه وتشجيعه على المشاركة التدريجية في الأنشطة الاجتماعية، إلى جانب دور الأسرة في توفير بيئة آمنة وداعمة والاستماع للطفل دون ضغط أو سخرية، كما يُنصح بمتابعة مختص نفسي عند استمرار الانطواء بشكل ملحوظ أو تأثيره على الحياة اليومية للطفل، بهدف مساعدته على التكيف وتطوير مهاراته الاجتماعية بشكل صحي.
ويرى معلمون أن الانطواء لدى بعض الأطفال قد ينعكس على تحصيلهم الدراسي داخل الصف، إذ يميل الطفل الانطوائي غالباً إلى قلة المشاركة في الحصص الدراسية وتجنب الإجابة أو طرح الأسئلة، ما قد يحدّ من تفاعله مع المادة التعليمية، بالإضافة إلى ذلك فإن ضعف التفاعل مع المعلم والزملاء قد يؤثر على فهم بعض المفاهيم التي تحتاج إلى نقاش أو تطبيق جماعي داخل الصف.
ويضيف المعلمون أن الانطواء قد يؤدي في بعض الحالات إلى تراجع مستوى الطفل الدراسي إذا لم تتم متابعته بشكل مناسب، خاصة عندما يترافق مع ضعف الثقة بالنفس أو الخوف من الخطأ، ومع ذلك، يؤكدون أن هذا السلوك يمكن التعامل معه من خلال التشجيع المستمر داخل الصف، وإشراك الطفل تدريجياً في الأنشطة التعليمية بما يساعده على الاندماج وتحسين أدائه الدراسي.
وفي المحصلة، يبقى الانطواء عند الأطفال سلوكاً يحتاج إلى فهم دقيق من قبل الأهل والمعلمين، إذ يختلف تأثيره من طفل إلى آخر بحسب درجته وأسبابه، وبينما يمكن أن يكون جزءاً طبيعياً من شخصية الطفل، إلا أن استمرار هذا السلوك بشكل يؤثر على حياته الاجتماعية أو الدراسية يستدعي الانتباه والمتابعة، بما يضمن دعمه ومساعدته على التكيف بشكل أفضل مع محيطه.