ردود فعل الأهل عند النتائج الدراسية وأثرها على الطفل
مع بدء المدارس بتوزيع نتائج الصفوف الانتقالية في سوريا، يجد بعض الأهالي أنفسهم أمام نتائج لا تتوافق مع توقعاتهم أو طموحاتهم لأبنائهم، وفي مثل هذه اللحظات، تصدر ردود فعل متفاوتة، قد يكون بعضها قاسياً بدافع الرغبة في دفع الطفل إلى التحسن في المرات القادمة.
إلا أن هذه الأساليب قد تأخذ أشكالاً خاطئة، مثل العقاب القاسي، أو الضرب المبرح، أو الحرمان من اللعب ورؤية الأصدقاء، أو مقارنة الطفل بغيره، وهو ما ينعكس سلباً على حالته النفسية وثقته بنفسه، وبين ما يُعتقد أنه تأديب، وما يتركه ذلك من أثر فعلي على الطفل، تبرز الحاجة لفهم الطريقة الأنسب للتعامل مع النتائج الدراسية داخل الأسرة.
في هذا السياق، قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة نفسجي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ردة فعل الأهل لحظة إعلان النتائج هي التي تُشكل ثقة الطفل بنفسه، فالشهادة الدراسية بالنسبة للابن ليست أرقام فحسب، وإنما مقياس لمدى حب أهله وقبولهم له.
وأضافت أنه عندما تكون ردود الفعل عنيفة، يستنتج الطفل أن محبة والديه مشروطة بدرجاته، مما يزرع في داخله قلقاً مزمناً وخوفاً دائماً من الفشل يرافقه حتى الكبر، وأشارت إلى أن العقاب والتجريح يكسران شخصية الطفل، ويحولان نظرته لنفسه من شخص "أخطأ أو قصر" إلى شخص "هو نفسه فاشل".
ونوهت إلى أنه بالنسبة للدافعية، فإن الطفل الذي يدرس خوفاً من العقاب يفقد الشغف تماماً، ويتوقف عن الدراسة بمجرد غياب الرقابة، إضافة إلى أن الخوف والتوتر يعطلان عملياً مراكز التركيز والذاكرة في الدماغ، مما يؤدي لتراجع دراسي أكبر في المرات القادمة.
وذكرت أن المقارنة هي "القاتل الصامت" في بيوتنا، فعندما نقول للطفل "انظر إلى ابن عمك أو زميلك"، فنحن لا نحفزه كما نظن، بل نزرع في قلبه الغيرة والحقد تجاه ذلك الشخص، وندفعه نحو "العجز"، حيث يشعر الطفل أنه مهما بذل من جهد فلن يرضي أهله، فيتوقف عن المحاولة تماماً.
وبيّنت أن لجوء الأهل إلى التوبيخ أو المقارنة أو العقاب يعود إلى ربطهم علامات أبنائهم بـ"البرستيج الاجتماعي" وصورتهم أمام الناس، ورؤيتهم في تدني الدرجات إحراجاً لهم أو فشلاً في تربيتهم، وتحدثت عن أن الكثير من الآباء يستسهلون تفريغ ضغوط الحياة وغضبهم بالصراخ والعقاب، لأنه يعطي نتيجة فورية وسريعة (بخوف الطفل وصمته)، بدلاً من بذل الجهد في الحوار وحل المشكلة بروية.
وأكدت أن الخطوة الأولى في التعامل مع النتائج غير المرضية هي فصل حبنا للطفل عن رضانا عن درجاته، وأنه يجب أن يسمع الابن جملة: "أنا أحبك دائماً ومكانتك عندي ثابتة، لكنني لست راضياً عن هذه العلامات، ودعنا نرى كيف نحسنها معاً"، وشددت على أن الأهل يجلسون بعد ذلك مع الطفل بجلسة هادئة لتحديد أسباب التقصير (صعوبة مادة، قلة تركيز، أو مشتتات)، ووضع خطة عمل مشتركة للفصل القادم.
ولفتت إلى أن الدور الصحيح للدعم النفسي من الأسرة بعد النتائج يتمثل، في حال النتيجة الضعيفة، بالاحتواء وإفهام الطفل أن الحياة لم تنتهِ هنا، وأن التعثر هو أول خطوة ليتعلم كيف ينهض من جديد أقوى، وأوضحت أنه في حال النتيجة الجيدة، لا نمدح "الذكاء المطلق" أو "العلامة الكاملة" فقط، بل نمدح تعبه وسهره ومحاولته، مما يجعله يدرك أن الجهد والمثابرة هما أساس النجاح.
وأضافت أن رسالتها لكل أم وأب في مجتمعنا أن الله وزع القدرات بالعدل، وليس مفروضاً على كل الأولاد أن يكونوا أطباء أو مهندسين، فهناك طفل يملك ذكاءً أكاديمياً، وآخر يملك ذكاءً اجتماعياً أو مهنياً أو إبداعياً، ولكل طفل ميزته الخاصة.
وأشارت إلى أن المدرسة ليست مجرد علامات، بل مكان ليتعلم فيه الطفل الالتزام والاستمرارية وقيمة المحاولة والنهوض بعد الفشل، وهذه المهارات النفسية هي التي تصنع مستقبله وتجعله ناجحاً في الحياة، وليس ورقة الامتحان.
وأكدت على أن الدرجات لا تحدد المستقبل، فكم من أشخاص نالوا علامات كاملة ولم يوفقوا في حياتهم العملية، وكم من أشخاص تعثروا في دراستهم وصاروا قادة وناجحين، داعيةً إلى الاستثمار في بناء شخصية الأولاد وعدم كسرهم من أجل مجرد أرقام.
ويرى أخصائيون في التربية أن التعامل مع نتائج الأبناء لا ينبغي أن يقوم على ردود فعل آنية أو انفعالية، بل على فهم أسباب التراجع الدراسي، مشيرين إلى أن اللجوء إلى العقاب أو المقارنة قد يعطي انطباعاً مؤقتاً بالسيطرة، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية.
ويضيف الأخصائيون أن الطفل يحتاج في هذه المرحلة إلى من يساعده على تحديد نقاط الضعف، سواء كانت مرتبطة بطريقة الدراسة أو بقلة المتابعة أو بوجود مشتتات، كما يلفتون إلى أن إشراك الطفل في وضع حلول عملية، بدلاً من فرضها عليه، يعزز لديه الإحساس بالمسؤولية ويجعله أكثر استعداداً للتحسن في المرات القادمة.
يرتبط التعامل مع نتائج الأبناء بشكل مباشر بطريقة استجابة الأهل، وما يصاحبها من ردود فعل تختلف من أسرة إلى أخرى عند تلقي النتائج الدراسية، حيث ينعكس ذلك على الأجواء داخل المنزل وعلى الطريقة التي يتفاعل بها الطفل مع تجربته التعليمية في تلك المرحلة.