تدخين الأطفال والمراهقين.. سلوك مقلق يسلّط الضوء على دور الأسرة في الوقاية والمتابعة
تدخين الأطفال والمراهقين.. سلوك مقلق يسلّط الضوء على دور الأسرة في الوقاية والمتابعة
● مجتمع ١٨ مايو ٢٠٢٦

تدخين الأطفال والمراهقين.. سلوك مقلق يسلّط الضوء على دور الأسرة في الوقاية والمتابعة

في السنوات الأخيرة، أصبح تدخين بعض الأطفال والمراهقين في سوريا سلوكاً ملحوظاً يثير قلقاً متزايداً داخل الأسر وفي المجتمع، في ظل ما يترتب عليه من انعكاسات صحية ونفسية وسلوكية، إضافة إلى أعباء مادية تؤثر على حياة المراهق في مرحلة عمرية حساسة.

ولا يقتصر أثر التدخين على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى تغييرات في السلوك والعلاقات الاجتماعية وطريقة التعامل مع المحيط، ما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة مرتبطاً بشكل مباشر بدور الأسرة في التوجيه والوقاية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأساليب التربوية التي تساعد الأبناء على فهم المخاطر، وتعزز قدرتهم على ضبط السلوك واتخاذ قرارات أكثر وعياً تجاه هذه العادة.

وقالت الأخصائية النفسية رهف قرنفل، تعمل لدى منصة نفسجي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه من منظور نفسي تُعد المراهقة مرحلة البحث عن الهوية والاستقلالية، مشيرةً إلى أن بداية تجربة التدخين غالباً ما تنطلق من "الفضول وحب التجربة"، يليها "ضغط الأقران" (الرفاق)، حيث تصبح السيجارة في بعض البيئات مثل الحارة أو المدرسة بمثابة "رخصة عبور" إلى عالم الكبار، ورمزاً للرجولة أو التمرد وإثبات الذات.

وأضافت أن المراهق قد يرى في التدخين "آلية دفاعية لمواجهة القلق" (Coping Mechanism)، موضحةً أن الضغوط الدراسية والتوترات المنزلية والظروف العامة تدفعه للبحث عن مخرج لتهدئة مشاعره، فيتوهم أن التدخين وسيلة سريعة وسهلة.

وفيما يتعلق بدور الأسرة في الوقاية المبكرة من سلوك التدخين لدى الأبناء، أشارت قرنفل إلى أن الأسرة تُعد "المنظومة الحمائية الأولى"، لافتةً إلى أن دورها لا يقتصر على إلقاء المواعظ، بل يتمثل في بناء الحصانة النفسية، حيث تبدأ الوقاية المبكرة من التربية الذكية عاطفياً التي تعتمد على ملء الفراغ العاطفي للمراهق وتعزيز ثقته بنفسه، ليكون قادراً على قول "لا" لرفاقه دون خوف من النبذ.

ونوهت إلى أن الأسرة الواعية هي التي تفتح قنوات حوار مرنة مع الأبناء، وتناقشهم في المفاهيم المغلوطة التي يروج لها الإعلام أو الشارع حول التدخين، وعن تأثير سلوك الوالدين، وخصوصاً إذا كان أحدهما مدخناً، أشارت إلى أن ذلك يرتبط بنظرية "التعلم بالنمذجة" (Modeling) للعالم "باندورا"، موضحةً أن الأب أو الأم يمثلان القدوة الأولى، وعندما يرى الطفل والده يدخن عند الغضب أو لتفريغ التوتر، يترسخ في وعيه اللاشعوري أن السيجارة وسيلة لحل المشكلات.

وذكرت الأخصائية لـ "شام" أنه في حال كان أحد الوالدين مدخناً، فإن احتمالية تدخين الأبناء تتضاعف، لأن السلوك يصبح "مشرعناً وضمنياً" داخل المنزل، وتسقط قوة النصيحة اللفظية، إذ إن الأبناء يقلدون الأفعال لا الأقوال.

وفيما يخص الأساليب التربوية الصحيحة لتوعية الأبناء، أوضحت أن الأسلوب الأنجح هو "الحوار السقراطي الاستقرائي" القائم على التفكير والتحليل بدلاً من التلقين، مشيرةً إلى أهمية ربط مخاطر التدخين بنتائج قريبة من المراهق مثل اللياقة البدنية، ورائحة الفم والملابس، والمظهر، والتكلفة المادية، وكيف يمكن استثمار هذا المصروف في أشياء يحبها مثل الهاتف أو الألعاب أو الخروج مع الأصدقاء.

وبينت أن ضرورة تفكيك "صورة المدخن الجذاب" من خلال مناقشة كيف تربط الإعلانات أو المسلسلات التدخين بالرجولة أو الجاذبية، وإظهار زيف هذه الصورة، وحول التعامل مع الأبناء في حال اكتشاف التدخين، قالت إن الخطوة الأولى هي أخذ نفس عميق وضبط الانفعالات، موضحةً أن الصدمة طبيعية لكن الصراخ والضرب يفسدان الأمر.

وتحدثت عن أهمية جلسة احتواء هادئة في وقت مناسب، بنبرة حب وخوف حقيقي وليس اتهاماً، مثل: "أنا لاحظت هذا الشيء، وأريد أن أفهم ما الذي دفعك للتجربة، هل أنت متضايق من شيء؟".

وأكدت قرنفل ضرورة البحث عن الجذر النفسي للتدخين باعتباره "عرضاً" وليس "مرضاً"، عبر فهم ما ينقص الابن، وهل يعاني من قلق أو أزمة ثقة، مع الاتفاق على خطة واضحة تتضمن قواعد منزلية ودعماً وبدائل، وإشعاره بأن الأسرة معه ضد المشكلة وليس ضده شخصياً.

وفيما يتعلق بالأخطاء الشائعة، نوهت إلى وجود خطأين متطرفين في المجتمع السوري: الأول هو القمع الشديد مثل الضرب والحرمان، والذي يولد رد فعل عكسي يتمثل في العناد والمقاومة، حيث قد يلجأ المراهق إلى التدخين بشكل سري وأكثر تحدياً.

وذكرت أن الخطأ الثاني هو الإنكار أو التطبيع مع السلوك مثل القول "كل الشباب تدخن" أو "غداً يتركها"، خاصة مع انتشار النرجيلة في الجلسات العائلية، ما يعطي ضوءاً أخضر للاستمرار، ونوّهت أيضاً إلى خطأ التشهير بالأبناء عبر إخبار الأقارب أو الجيران، ما يؤدي إلى كسر الكرامة ودفعهم للمجاهرة بالسلوك.

وفيما يخص الدعم النفسي للإقلاع عن التدخين، أشارت إلى أهمية تجنب المراقبة البوليسية والشك الدائم، وبناء الثقة، ومشاركة الأبناء في الأنشطة الرياضية أو الفنية لتفريغ الطاقات، إضافة إلى مكافأة الإنجازات الصغيرة مثل الامتناع ليوم أو أسبوع، وأضافت ضرورة إدارة المثيرات عبر مساعدتهم على تجنب الأماكن أو الرفاق الذين يشجعون التدخين، وتعليمهم مهارة الاعتذار بثقة.

وأكدت على أن بناء جسور الثقة منذ الصغر أهم من بناء الجدران، موضحةً أنه إذا كان الابن يخاف من رد فعل الأهل فسيتجه للكذب والتدخين في الخفاء، أما إذا شعر بالأمان والقبول غير المشروط فسيكون المنزل ملاذه الأول عند الخطأ، بدل أن تكون السيجارة أو رفاق السوء البديل، مؤكدةً أن القسوة تنتج مدخناً سرياً، بينما الاحتواء ينتج شخصاً مسؤولاً وواثقاً.

يرى أطباء مختصون في الصحة العامة أن تدخين الأطفال والمراهقين يترك آثاراً مباشرة على الجهاز التنفسي، إذ يؤدي إلى ضعف في وظائف الرئة وزيادة قابلية الإصابة بالأمراض التنفسية في سن مبكرة، إضافة إلى تأثيره على اللياقة الجسدية وقدرة التحمل. 

كما يشيرون إلى أن بدء التدخين في سن صغيرة يرفع من احتمالية الإدمان السريع مقارنة بالبالغين، نظراً لحساسية الجهاز العصبي في هذه المرحلة العمرية، ما يجعل التدخل المبكر عاملاً أساسياً في الحد من تطور هذا السلوك.

ويُعدّ التدخين من السلوكيات التي قد تظهر لدى بعض الأطفال والمراهقين، مع ما قد يرافقه من انعكاسات على الصحة والجوانب الحياتية المختلفة، ما يضع الأهل أمام أدوار تتعلق بالمتابعة والمراقبة والدعم، سواء في مرحلة الوقاية أو في حال التعامل مع هذا السلوك بعد اكتسابه.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ