تسعيرة القمح في سوريا: اعتراضات الفلاحين وتباين التكاليف مع الواقع الإنتاجي
تسعيرة القمح في سوريا: اعتراضات الفلاحين وتباين التكاليف مع الواقع الإنتاجي
● مجتمع ١٧ مايو ٢٠٢٦

تسعيرة القمح في سوريا: اعتراضات الفلاحين وتباين التكاليف مع الواقع الإنتاجي

أثار قرار وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا رقم 94 لعام 2026، والذي حدد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى المشول بـ 46 ألف ليرة سورية للطن الواحد ضمن موسم شراء القمح من الفلاحين لعام 2026، موجة رفض واستنكار واسعة بين المزارعين في مختلف المناطق السورية، والذين اعتبروا أن التسعيرة منخفضة جداً ولا تتناسب مع تكاليف الإنتاج، مقارنة بالمبالغ التي تكبدوها خلال زراعة هذا المحصول.

وأصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة يوم السبت 16 أيار 2026، قراراً يقضي بتحديد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن الواحد، ضمن إجراءات الحكومة الخاصة بالتحضير لموسم تسويق القمح لعام 2026 وتعزيز الأمن الغذائي في البلاد.

وبالتزامن مع إعلان التسعيرة الجديدة، كشفت المؤسسة السورية للحبوب عن إطلاق منصة رقمية ذكية لتنظيم عمليات حجز وتوريد الأقماح، بهدف تخفيف الازدحام على مراكز الاستلام وتسريع إجراءات التسليم بشكل منظم وأكثر مرونة.


وأثار قرار التسعير تفاعلاً واسعاً بين المزارعين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن السعر المحدد لا يواكب ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، خاصة ما يتعلق بالمحروقات والأسمدة والبذار وأجور النقل والري، كما دعا متابعون إلى منح مكافآت إضافية للفلاحين عند تسليم المحصول للمؤسسة السورية للحبوب، بهدف تشجيع التوريد وضمان تحقيق كميات كافية لتغطية احتياجات السوق المحلية.

 وفي هذا السياق، قال مدير المؤسسة السورية للحبوب حسن العثمان إن احتياجات البلاد السنوية من القمح تُقدّر بنحو 2.5 مليون طن، بينما يبلغ المخزون الحالي قرابة مليون طن، ما يجعل الموسم الحالي محورياً في تأمين احتياجات البلاد حتى منتصف العام المقبل.

من جهته، قال محمد حاج عثمان، وهو مزارع من بلدة تلمنس بريف إدلب الشرقي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه بعد تحرير المنطقة من قوات النظام البائد، دخل المزارعون أراضيهم العام الماضي وقاموا بزراعتها، إلا أنهم لم يستفيدوا بالشكل المطلوب رغم التكاليف المالية التي تكبدوها، ولم يحصلوا على موسم جيد.

وأضاف أن هذا العام كان الهطول المطري جيداً، ما شجع الأهالي إلى زراعة أراضيهم مجدداً، وتحمل تكاليف مالية إضافية على أمل حصد محصول جيد يساعدهم على العودة من المخيمات إلى قراهم وإعادة إعمار منازلهم المدمرة بسبب القصف من قبل قوات النظام البائد.

وأشار إلى أن تسعيرة القمح الحالية غير منصفة للمزارعين، مؤكداً أن الحكومة يجب أن تعمل على تشجيع الفلاحين على الزراعة، إلا أن التسعيرة المقررة مؤخراً لا تغطي التكاليف، ولفت إلى أن المزارعين كانوا يأملون أن تكون الأسعار ما بين 450 و550 دولاراً بما يحقق لهم الحد الأدنى من الجدوى الاقتصادية.

ونوه عبد الهادي محمد الغجر، وهو مواطن يقيم في بلدة التح بريف إدلب الجنوبي، في تصريح لـ شام إن المزارعين تكبّدوا تكاليف كبيرة خلال زراعة القمح هذا العام، شملت الأسمدة، حيث بلغ سعر كيس سماد اليوريا 30 دولاراً، إضافة إلى شراء بذار القمح بسعر 650 دولاراً للطن، فضلًا عن أجور فلاحة الأرض ورش الأسمدة والمبيدات.

وبين أن الالتزامات لم تتوقف عند هذا الحد خاصة أن هناك مرحلة الحصاد التي تحتاج تكاليف أيضاً، والتي سيضطرون لدفعها قريباً مع بدء جني المحصول، معتبراً أن هذه التكاليف مرتفعة مقارنة بتسعيرة القمح الحالية التي لا تتناسب معها.

وذكر أنهم اشتروا البذار من السوق الحرة بسعر 650 دولاراً للطن الواحد، لافتاً إلى أن عدداً من المزارعين زرعوا إلى جانب القمح محاصيل أخرى مثل الكمون والحمص وحبة البركة، إلا أنها تضررت بفعل الأمطار وأصيبت بأمراض فطرية، ما دفعهم للاعتماد على محصول القمح لتعويض خسائرهم.

وأوضح أنهم عادوا من مخيمات الشمال وهم لا يملكون شيئاً، وبدأوا تأسيس حياتهم من الصفر في قرى العودة، معتمدين بشكل أساسي على الزراعة، وأكد أن المزارعين يطالبون بتحسين تسعيرة القمح، والعمل على تأمين بذار محسّن وأسمدة بأسعار مناسبة تتوافق مع أوضاع الفلاحين، إضافة إلى إنشاء مراكز حبوب قريبة من المناطق الزراعية لتخفيف أعباء النقل والتكاليف عنهم.

تسعيرة القمح بين الجدوى العالمية والتكاليف المحلية المرتفعة

بدوره، قال المهندس الزراعي عبد الناصر مسلماني، رئيس اتحاد فلاحي إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تسعيرة القمح الحالية تُعد جيدة مقارنة بالسعر العالمي، إلا أن الظروف المحلية تختلف بسبب غياب الدعم الحكومي للفلاحين، مشيراً إلى أن السعر المحدد للموسم الحالي لا يغطي تكاليف الإنتاج، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة.

وأشار إلى أن السعر العادل الذي يحقق منفعة للفلاح لا يقل عن 55 ألف ليرة سورية للطّن، في حال ثبات قيمة الليرة السورية، مؤكداً أن التسعيرة الحالية ستؤدي إلى خسائر مباشرة للفلاحين وعزوفهم عن زراعة القمح في المواسم المقبلة.

ولفت إلى أن الخسائر هذا العام جاءت رغم وفرة الإنتاج، نتيجة غرق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى غياب الدعم الحكومي في تأمين البذار والأسمدة والمحروقات، وعدم توفر الأصناف النقية عالية الإنتاج، وأضاف أن هذه الظروف ستؤدي إلى إرهاق الفلاحين وتحميلهم ديوناً كبيرة، خاصة بعد المواسم السيئة السابقة الناتجة عن الجفاف.

وأكد لـ "شام" أن مزارعي محافظة إدلب هم الأكثر تضرراً من هذه التسعيرة، بسبب عدم تفعيل المصارف الزراعية لتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار منافسة، ما اضطر الفلاحين إلى شرائها من السوق السوداء بأسعار مرتفعة، إلى جانب الأضرار الناتجة عن غرق الأراضي الزراعية هذا الموسم.

واقترح المهندس تقديم مكافأة إضافية مجزية على سعر الطن من قبل السيد الرئيس، بهدف إنصاف الفلاحين وضمان استمرارية زراعة محصول القمح باعتباره محصولاً استراتيجياً.

وبحسب تقديرات وزارة الزراعة، قد يتجاوز إنتاج القمح خلال الموسم الحالي 2.3 مليون طن في حال استمرار الظروف المناخية المناسبة، بينما كانت الخطة الزراعية تستهدف إنتاج نحو 2.8 مليون طن، كما بلغت المساحات المزروعة بالقمح هذا العام نحو 1.2 مليون هكتار بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86 بالمئة من الخطة الزراعية، في مؤشر تعتبره الجهات الرسمية إيجابياً مقارنة بالمواسم السابقة.

باحث اقتصادي يحذر من سياسة تسعير القمح: الأمن الغذائي في سوريا يواجه مخاطر متصاعدة

من جهته، انتقد الباحث "عبد الوهاب عاصي"، آلية تسعير القمح التي اعتمدتها وزارة الاقتصاد، معتبراً أن أحد أبرز الأخطاء يتمثل في ربط سعر شراء القمح المحلي بالسعر العالمي، وأوضح عاصي أن تحديد سعر شراء الطن عند 340 دولاراً يبدو قائماً على مقارنته بتكلفة الاستيراد، مع إضافة هامش محدود جداً للفلاح السوري، رغم اختلاف طبيعة العمليتين.

ولفت عاصي في منشور على "فيسبوك" إلى أن استيراد القمح يتم بالدولار ويتضمن تكاليف شحن وتأمين وتجميد أموال، بينما شراء القمح المحلي يتم بالعملة الوطنية ويُعد عملياً “بيعاً مؤجلاً” من قبل الفلاح للدولة.

أكد عاصي أن شراء القمح في سوريا لا ينبغي التعامل معه كعملية تجارية تهدف إلى الربح، بل كسياسة سيادية مرتبطة بحماية الأمن الغذائي الوطني، وشدد على أن معيار التسعير الحقيقي يجب أن يكون مرتبطاً بقدرة الفلاح على الاستمرار في أرضه وتحفيزه على زراعة المواسم المقبلة، لا بمؤشرات السوق العالمية فقط.

وحذر من أن استمرار التسعير الحالي قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وخروج مساحات واسعة من الأراضي من دائرة الإنتاج، وأوضح الباحث أن السعر المحدد حالياً يضع الزراعة البعلية عند حافة الخسارة، بينما يضع الزراعة المروية والمزارعين المستأجرين للأراضي في دائرة الخسارة الفعلية.

وأشار إلى أن فقدان الجدوى الاقتصادية سيدفع الفلاحين إلى التخلي عن الزراعة، وهو ما حدث سابقاً في العراق قبل أن تتدخل الحكومة العراقية وترفع سعر شراء القمح لموسم 2026 إلى نحو 620 دولاراً للطن، أي ما يقارب ضعف السعر العالمي، وأضاف أن بغداد تحملت خسائر مالية كبيرة مقابل حماية الأمن الغذائي ومنع انهيار القطاع الزراعي.

لفت عاصي إلى ما وصفه بـ”التناقض” في السياسة الاقتصادية الحالية، موضحاً أن الدولة ألغت الدعم عن الخبز والطحين على مستوى الاستهلاك، لكنها في المقابل ما تزال تشتري القمح من الفلاحين بأسعار منخفضة وكأن الدعم ما يزال قائماً.

وأشار إلى أن النتيجة الحالية تتمثل في بيع الفلاح محصوله بسعر “مدعوم”، بينما يشتري المواطن الخبز وفق أسعار السوق، ما يعني أن الفارق السعري لم يعد يذهب لا للفلاح ولا للمستهلك، واعتبر أن هذا الأمر يعكس ارتباكاً في النهج الاقتصادي، وعدم وضوح ما إذا كانت الحكومة تتبنى سياسة دعم للإنتاج أم تتجه نحو تحرير السوق بشكل كامل.

غياب دعم مدخلات الإنتاج

أكد الباحث أن من أبرز المشكلات الحالية غياب الدعم الفعلي لمدخلات الإنتاج الزراعي، مثل المازوت والأسمدة والبذار، مقارنة بما كان معمولاً به قبل عام 2025، وأوضح أن نظام الأسد البائد كان يقدم دعماً للمازوت الزراعي ويوزع الأسمدة عبر المصرف الزراعي بأسعار مدعومة، إضافة إلى منح قروض موسمية للفلاحين.

كما أشار إلى أن الإدارة الذاتية الكردية قبل تفككها كانت تشتري القمح بسعر أعلى يقارب 420 دولاراً للطن، بينها 70 دولاراً كدعم مباشر، إضافة إلى دعم البذار ومازوت الحصادات.

إشادة بخطوات حكومية وتحذير من اتساع الخلل

رغم انتقاداته، أشار عاصي إلى وجود خطوات إيجابية اتخذتها الحكومة السورية في الملف الزراعي، منها توسيع مراكز استلام القمح إلى 37 مركزاً، وتأمين تمويل للمؤسسة السورية للحبوب، والعمل على إعداد قروض حسنة للمزارعين، كما لفت إلى اعتماد أصناف قمح مقاومة للجفاف في إطار مواجهة التحديات المناخية.

إلا أنه حذر من أن الخلل القائم في سياسة التسعير ومنظومة الدعم قد يؤدي إلى تقويض أثر هذه الإجراءات على المدى المتوسط، ويهدد مستقبل القطاع الزراعي والأمن الغذائي في سوريا.

 

ويطالب الفلاحون بضرورة إعادة النظر في تسعيرة شراء القمح ورفعها بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج والظروف المعيشية الصعبة، مؤكدين أن الزراعة تمثل مصدر الدخل الأساسي لعدد كبير منهم، كما يشيرون إلى أن جزءاً من المزارعين يواجهون التزامات إضافية تتعلق بإعادة إعمار منازلهم المدمرة والعودة إلى الاستقرار في قراهم، ما يجعل أي فارق في التسعيرة عاملاً حاسماً في قدرتهم على الاستمرار بالزراعة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ