خطاب تبرير الانتهاكات في الفضاء العام: بين حرية التعبير ومسؤولية العدالة والذاكرة
خطاب تبرير الانتهاكات في الفضاء العام: بين حرية التعبير ومسؤولية العدالة والذاكرة
● مجتمع ١٧ مايو ٢٠٢٦

خطاب تبرير الانتهاكات في الفضاء العام: بين حرية التعبير ومسؤولية العدالة والذاكرة

تشهد الفضاءات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي نقاشات متزايدة حول مواقف متباينة من النظام البائد، حيث تظهر بين حين وآخر أصوات تتبنى روايات تبريرية أو دفاعية عنه، رغم الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الثورة، سواء عبر التصريحات أو المحتوى المنشور أو حتى في سياق المقابلات العامة.

إلا أن هذا الخطاب لا يبقى محصوراً في دائرة الجدل السياسي، بل يمتد تأثيره إلى الفضاء الاجتماعي والإنساني، إذ ينعكس بشكل مباشر على ذوي الضحايا والمتضررين، الذين يجدون أنفسهم أمام إعادة استحضار مفتوحة لآلامهم وتجاربهم القاسية، ما يدفع بعضهم إلى التعبير عن رفضهم لهذه الطروحات والمطالبة بوقف تداولها، لما تسببه من أذى نفسي ومعنوي متجدد.

خطاب تمجيد الجرائم بين حرية التعبير ومسؤولية العدالة وحماية السلم الأهلي

قالت المحامية أسماء نعسان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تمجيد الجرائم أو تبريرها ليس مسألة بسيطة كما يُطرح أحياناً كحرية تعبير، بل إن أثره عميق وخطير، موضحةً أن هذا الخطاب يوجّه رسالة مباشرة للضحايا بأن ما تعرضوا له مبرر، وهو ما يُعد إعادة إيلام لهم بدل الوقوف إلى جانبهم والاعتراف بوجعهم والمطالبة بالمحاسبة.

وأشارت إلى أن هذا النوع من الخطاب يؤدي إلى انقسام اجتماعي وسياسي، ويزيد من حدة الاستقطاب، خصوصاً عندما يُقدَّم تبرير لمرتكبي الجرائم عبر تفسيرات من قبيل أنهم كانوا “مضطرين” أو “فقراء” أو “يريدون العيش”، معتبرة أن ذلك يكون على حساب الضحايا وحقوقهم ووجعهم.

ولفتت إلى أن خطابات تمجيد النظام أو المجرمين تُرسّخ فكرة خطيرة مفادها أن القوي لا يُحاسَب، ما يبعث برسالة سلبية للضحايا والمجتمع، مؤكدة ضرورة عدم ترسيخ هذه الثقافة.

وأضافت أن هناك نصاً قانونياً ضمن المادة 49 من الإعلان الدستوري يجرّم تمجيد رموز النظام السابق أو تبرير الجرائم، وقد تم تطبيقه في بعض الحالات مؤخراً، معتبرة أنه نص مهم لضبط هذا النوع من السلوك.

وأكدت أن السلم الأهلي لا يمكن أن يُبنى على الإنكار، بل على الاعتراف بالجرائم والمحاسبة، وإلا فإنه سيكون سلمياً شكلياً وهشاً ومعرّضاً للانفجار عند أي أزمة، وشددت على أن تمجيد النظام ليس رأياً سياسياً، بل يُعد جريمة يجب التعامل معها على هذا الأساس.

وفيما يتعلق بالتوفيق بين حرية التعبير ومنع خطاب تبرير الجرائم، أوضحت أن المسألة دقيقة لأنها تقوم على موازنة بين حرية التعبير من جهة وحماية المجتمع والضحايا من جهة أخرى، مشيرة إلى أن حرية التعبير قيمة أساسية، وبيّنت أن جميع الدول تضع حدوداً لحرية التعبير عندما تتحول إلى تحريض أو كراهية أو تبرير لجرائم ضد الإنسانية، موضحة الفرق بين النقد السياسي المشروع وبين تمجيد المجرمين أو تبرير الجرائم.

وأكدت أن المادة القانونية المتعلقة بهذا الشأن واضحة في تحديد مفهوم التمجيد والتبرير، ما يساعد على ضبط الفهم العام، وليس الهدف منها تقييد حرية التعبير بل وضع حدود تمنع التعدي على حقوق الآخرين، وأضافت أن النقد حالة صحية ومطلوبة، ولا يجوز وصمه بأنه انتماء لأجندات، محذّرة من الخلط بين النقد المشروع وبين التبرير أو التمجيد.

ودعت إلى تعزيز التوعية المجتمعية بمفاهيم العدالة الانتقالية وحدود حرية التعبير، لأن القانون وحده لا يكفي دون وعي مجتمعي، وأكدت أن تحقيق هذا التوازن ممكن، لكنه يحتاج إلى وقت وتجربة وتطوير مستمر.

وفي سياق آخر، قالت إن خطابات تمجيد الجرائم تُشكّل كارثة حقيقية على الضحايا وأهاليهم، موضحة أنها لا تُفهم لديهم كآراء سياسية بل كإهانة مباشرة لدم أبنائهم وذكرياتهم، وأشارت إلى أن العديد من العائلات ما زالت تعيش حالة فقد وغموض حول مصير أبنائها، ما يجعل أي خطاب تبريري سبباً في إعادة الألم من جديد وإبقاء الجرح مفتوحاً.

وأكدت أن الضحايا ما زالوا يعيشون حالة مظلومية مستمرة، وأن إنكار الجرائم أو تبريرها يزيد من فقدان الثقة بين المجتمع والدولة، وشددت على أن تمجيد النظام السابق يُعد إهانة لذكريات المفقودين والشهداء، وأن المجتمع يرفضه ويعتبره سلوكاً مجرّماً وليس رأي فحسب.

أما حول سبل الحد من هذه الظاهرة، فأوضحت أن الأمر يتطلب عملاً جاداً على عدة مستويات وليس مجرد شعارات، مع ضرورة تفعيل العدالة الانتقالية بشكل فعلي وسريع، وتجاوز البيروقراطية القضائية التي تؤخر الوصول إلى العدالة.

وأشارت إلى أهمية دور الإعلام في التوعية بمفاهيم العدالة الانتقالية عبر تقديم نماذج وتجارب دول أخرى، إضافة إلى توضيح أن تمجيد الجرائم يُعد جريمة وليس حرية رأي، وأكدت أن نشر الوعي المجتمعي بهذه المفاهيم يسهم في تخفيف الاحتقان وتعزيز السلم الأهلي.

ويؤكد حقوقيون أن الجدل حول خطاب تبرير الانتهاكات لا يمكن فصله عن مسار العدالة الانتقالية الأوسع، إذ تعتبر هذه النقاشات جزءاً من اختبار قدرة المجتمع على التعامل مع ماضيه دون إعادة إنتاجه أو تبريره، ويشيرون إلى أن خطورة هذا الخطاب لا تقتصر على البعد الأخلاقي أو العاطفي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي العام حول مفهوم المسؤولية والمساءلة، خاصة في سياق ما يزال يعاني من انقسام اجتماعي عميق وعدم استقرار قانوني كامل.

وينوه الحقوقيون أن التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات، تشمل تعزيز دور المؤسسات القضائية في توضيح حدود الخطاب المسموح به قانونياً، إلى جانب دور المجتمع المدني في التوعية بمخاطر التطبيع مع الانتهاكات أو تبريرها، بما يضمن عدم تحول الفضاء العام إلى مساحة لإعادة تلميع التجارب العنيفة أو إعادة إنتاجها بشكل رمزي.


ويبقى خطاب تبرير الانتهاكات في الفضاء العام موضوعاً مثيراً للجدل، لما له من انعكاسات على الذاكرة الجمعية ومشاعر ذوي الضحايا، ويستمر هذا النقاش بالتزامن مع الدعوات إلى تعزيز الوعي العام وتطوير الأطر القانونية ذات الصلة، بما يواكب مسار العدالة الانتقالية ويحد من إعادة إنتاج الانتهاكات في الفضاء العام.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ