المسار الجزائي في سوريا بين مراحل الدعوى وضمانات العدالة: قراءة قانونية في دور النيابة والتحقيق والمحاكم
في ظل تعقيدات المشهد القضائي في سوريا، وما يرافقه من تساؤلات تتعلق بآليات سير الدعوى الجزائية وضمانات العدالة، يسلّط القانونيون الضوء على المراحل الأساسية التي تمر بها القضايا منذ لحظة تقديم الشكوى وحتى صدور الحكم النهائي، مروراً بدور النيابة العامة وقاضي التحقيق والمحاكم المختصة.
كما يبرز النقاش حول أهمية جمع الأدلة، وعلنية المحاكمات، وحقوق الدفاع، كعناصر محورية في تحقيق العدالة وضمان عدم المساس بحقوق المتهمين والضحايا على حد سواء.
وفي هذا السياق، يقدّم المحامي علي محمد إسكان قراءة قانونية مفصلة حول أبرز محطات العمل القضائي في النظام الجزائي السوري، والدور الذي تؤديه كل جهة في بناء الملف القضائي وصولاً إلى الحكم.
وقال المحامي علي محمد إسكان، محامٍ وباحث في السياق القانوني والحقوقي، وأستاذ لدى فرع نقابة المحامين في الحسكة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الدعاوى الجزائية في القانون السوري تخضع لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وتبدأ المراحل الأولية عبر عدة مسارات، حيث يمكن أن تبدأ عبر الشكوى أو الادعاء الشخصي، والتي يتم تقديمها إما إلى النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو أحد مراكز الضابطة العدلية، كما يمكن أن تبدأ عبر الإبلاغ عن وقوع جريمة من أي شخص.
وأضاف أن دور الضابطة العدلية يبدأ بعد تقديم الشكوى إلى أقسام أو مخافر الشرطة، حيث يتم تنظيم ضبط بالواقعة بناءً على أقوال الجهة الشاكية، ثم تُحال القضية إلى النيابة العامة التي تقوم بدراسة الملف، وتتخذ أحد الإجراءات التالية: إما حفظ الملف في حال عدم وجود أدلة كافية، أو إذا كان الفعل لا يشكل جرماً، أو تحريك الدعوى الجزائية وإحالتها إلى قاضي التحقيق.
وأوضح أن قاضي التحقيق يقوم باستجواب المدعى عليه وسماع الشهود ودراسة الأدلة، ومن ثم يصدر قراره إما بمنع المحاكمة لعدم كفاية الأدلة، أو قرار اتهام وإحالة الملف إلى المحكمة المختصة، والتي تشمل محكمة الصلح أو محكمة بداية الجزاء أو محكمة الجنايات، وفي حال كان المتهم حدثاً تُحال القضية إلى محكمة جنايات الأحداث.
وأشار إلى أن النيابة العامة تلعب دوراً أساسياً باعتبارها تمثل الادعاء العام، موضحاً أنها تستلم الشكوى أو الإبلاغ أو الضبوط الواردة من الشرطة، وتقوم بدراسة القضية والتأكد من وجود جرم، وتوجيه الضابطة العدلية لجمع الأدلة وسماع الشهود وإجراء التحقيق الأولي والإشراف عليه.
ونوه إلى أنها تقوم بتحريك الدعوى الجزائية والادعاء على المشتبه به أو الجهة المدعى عليها أو المشكو منها، ثم تتخذ عدة إجراءات قبل الإحالة إلى قاضي التحقيق، منها حفظ الأوراق في حال عدم توفر أدلة كافية أو إذا كان الفعل لا يشكل جرماً، أو طلب استكمال التحقيق، أو طلب التوقيف أو إخلاء سبيل المتهم.
وبيّن الحقوقي أنه في حال توافر الأدلة الكافية يتم اتخاذ قرار إحالة الملف إلى قاضي التحقيق بلائحة ادعاء رسمية تتضمن التهمة والوقائع وكافة الأدلة المتوفرة، ثم تقوم النيابة بتمثيل الحق العام في القضية، وأكد أن مرحلة التحقيق تُعد من أهم مراحل سير الدعوى الجزائية، لأنها المرحلة التي يُبنى عليها القرار القضائي، سواء بإحالة القضية إلى المحكمة المختصة أو إيقاف الدعوى لعدم كفاية الأدلة أو عدم وجود فعل يشكل جرماً.
وأضاف أن قاضي التحقيق يقوم بفحص وقائع الجرم بدقة، والتحقق من صحة الادعاءات وسماع الشهادات وجمع الأدلة، بما يشكل الأساس الذي يُبنى عليه حكم المحكمة لاحقاً، وأشار إلى أن التحقيق يهدف إلى حماية جميع أطراف الدعوى، من خلال منع الاتهام دون دليل، وتمكين المدعي من تقديم أدلته، وضمان حق الدفاع، وتحديد مسار القضية وفقاً للمعطيات القانونية.
وأوضح أن قاضي التحقيق يتولى استجواب المدعى عليه وسماع الشهود وجمع الأدلة، مع إمكانية الاستعانة بالخبراء، واتخاذ قرارات احترازية مثل التوقيف أو إخلاء السبيل، إضافة إلى التكييف القانوني للفعل وتحديد ما إذا كان جناية أو جنحة، وصولاً إلى القرار النهائي بالإحالة أو منع المحاكمة.
ونوه في تصريح خاص لـ شام إلى أن جمع الأدلة وسماع الشهود يُعدان من أهم عناصر بناء الملف القضائي، لأن الإدانة لا تقوم على الشك، بل على أدلة قانونية دامغة ومقنعة تشمل الأدلة المادية والفنية والشهادات، وأضاف أن الشهود يلعبون دوراً محورياً في كشف الحقيقة، من خلال إعادة تصوير الواقعة وكشف التناقضات بين الروايات، ودعم أو إضعاف أقوال الأطراف.
وذكر أن القاضي يقيّم مصداقية الشهادات ومدى انسجامها مع الوقائع والأدلة الأخرى، مؤكداً أن ترابط الأدلة وتكاملها هو الأساس في الوصول إلى القناعة القضائية، وأن ضعف الأدلة يؤدي إلى منع المحاكمة أو البراءة، وأوضح أن التوقيف الاحتياطي في القانون السوري لا يُعد عقوبة، بل هو إجراء احترازي مؤقت يُتخذ قبل صدور الحكم، استناداً إلى مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم.
وأضاف أنه يُلجأ إلى التوقيف الاحتياطي لمنع هروب المتهم أو التأثير على التحقيق، خاصة فيما يتعلق بالشهود أو الأدلة، وأشار إلى أن الاعتراف لا يُعتمد عليه وحده لإصدار حكم الإدانة، بل يجب أن يكون مدعوماً بأدلة وقرائن أخرى، بسبب احتمال الإكراه أو الضغط أو الخطأ أو الكذب.
وأشار إلى أن مبدأ قناعة القاضي هو الأساس، حيث يجب أن يبني حكمه على قناعة راسخة مستندة إلى مجموعة من الأدلة وليس دليلاً واحداً فقط، وأكد أن الاعتراف يُعتد به إذا كان صريحاً وواضحاً وصادراً عن إرادة حرة، ومتوافقاً مع الوقائع والأدلة، لكنه يبقى ضمن منظومة الأدلة وليس الدليل الوحيد.
وأوضح أن حق الدفاع يُعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وأضاف أن من أهم ضمانات هذا الحق إمكانية توكيل محامٍ أو تسخير محامٍ في حال عدم القدرة على ذلك، وأن وجود محامٍ في قضايا الجنايات يعد إلزامياً لضمان العدالة.
وذكر أن من ضمانات الدفاع أيضاً حق الرد والمرافعة، والاطلاع على ملف الدعوى، ومناقشة الشهود، وتقديم الأدلة المضادة، إضافة إلى حماية المتهم من الإكراه وعلنية المحاكمة، ونوه إلى أن علنية المحاكمات تعزز الثقة بالقضاء وتضمن الشفافية والرقابة المجتمعية، وتسهم في تعزيز العدالة وحماية حقوق المتهم.
ولفت أن بعض القضايا تستغرق وقتاً طويلاً نتيجة تعقيدها، وكثرة المتهمين أو الوقائع، وتعدد الأدلة، إضافة إلى إجراءات الطعن مثل الاستئناف والنقض، فضلاً عن الروتين القضائي وضغط العمل، وأشار إلى أن العدالة الانتقالية تُعد مرحلة ما بعد النزاع، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين المحاسبة ومنع الانتقام أو الإفلات من العقاب.
وأضاف أنها تقوم على كشف الحقيقة عبر لجان تقصي الحقائق، والاعتراف بالضحايا، وتشجيع المصالحة المجتمعية، وتعويض الضحايا وجبر الضرر، ونوه إلى أهمية التدرج وعدم التسرع في إصدار الأحكام دون أدلة كافية أو تحت ضغط.
وأكد في ختام حديثه أن هذا المسار القضائي يمكن أن يسهم في إعادة الثقة بالقضاء في سوريا، من خلال ضمان محاكمات عادلة للمتهمين ومنصفة للضحايا، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، ومنع الإفلات من العقاب، وتعزيز علنية المحاكمات وعدم تسييس القضايا.