بين الصراخ والكلمة الجارحة: أثر العنف اللفظي على الطفل
قد يعتقد البعض أن العنف ضد الأطفال يقتصر على الضرب أو أي أذى جسدي ظاهر، والذي قد تتفاوت شدته بين البسيط والخطير، إلا أن هذا التصور يبقى ناقصاً إذا ما تم حصر العنف في هذا الجانب فقط.
في الواقع، لا يتوقف العنف عند الأذى الجسدي، فالصراخ في وجه الطفل، وتوجيه كلمات جارحة له، أو التقليل منه وتوبيخه بشكل مستمر، كلها أشكال من العنف اللفظي، قد لا تترك أثراً ظاهراً على الجسد، لكنها تترك أثراً عميقاً في نفسية الطفل وسلوكه وثقته بنفسه، وقد يرافقه لسنوات طويلة.
تعدد أسباب ظاهرة العنف اللفظي ضد الأطفال، إذ يعتقد البعض أن الصراخ في وجه الطفل أمر عادي ما دام لا يترك أثراً جسدياً مباشراً، أو ما دام الوالدان لا يمارسان العنف الجسدي.
كما أن الضغط النفسي الذي يعيشه الأهل في حياتهم اليومية، سواء بسبب العمل أو الظروف المعيشية أو وجود مشكلات أسرية بين الزوجين أو داخل العائلة، ينعكس أحياناً على الطفل باعتباره الحلقة الأضعف داخل المنزل.
إلى جانب ذلك، يسهم غياب الوعي التربوي في تفاقم هذه الظاهرة، إذ يعتقد بعض الأهل أن الصراخ أو استخدام الكلمات الجارحة يُعد وسيلة للتربية أو طريقة فعالة لفرض السيطرة والانضباط، دون إدراك أن نتائجها قد تكون عكسية تماماً.
كما يلعب تكرار الأنماط التربوية القديمة دوراً مهماً في استمرار هذه السلوكيات، حيث نشأ بعض الأهل على أساليب تربوية كانت تتضمن العنف اللفظي أو الجسدي، ما جعلهم يعتبرونها أمراً طبيعياً يُعاد تطبيقه مع أبنائهم، إلى جانب مجموعة أخرى من العوامل الاجتماعية والنفسية التي تساهم في تفاقم هذه الظاهرة.
قد يظن بعض الأهالي أن تأثير العنف اللفظي على الطفل يزول مع انتهاء الموقف، إلا أنه في الواقع يترك آثاراً عميقة تمتد على المدى البعيد، خاصة أنه ينعكس سلباً على علاقة الطفل بوالديه وبمحيطه الأسري، ويؤثر على مستوى ثقته بنفسه، كما يعزز لديه مشاعر الخوف والقلق وعدم الأمان.
وقد يحرمه هذا النوع من السلوك من الشعور بالاستقرار النفسي والثقة داخل الأسرة، ويجعله أكثر حساسية تجاه ردود الفعل من الآخرين، وقد يتطور الأمر ليشعر بالخوف من أهله أنفسهم، في الوقت ذلك يظهر ذلك على سلوكه اليومي، بحيث يصبح أكثر تردداً وخوفاً من مواجهة أبسط المشكلات أو ارتكاب الأخطاء البسيطة، نتيجة شعوره الدائم بالقلق من ردود الفعل.
وقالت الكاتبة الصحفية إيمان سرحان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه يمكن الحد من ظاهرة العنف اللفظي ضد الأطفال من خلال مجموعة من الإجراءات الواقعية التي تبدأ أولاً بزيادة وعي الأهل بخطورة هذا السلوك، وشرح تأثيره النفسي طويل الأمد على الطفل، من خلال حملات توعوية أو برامج إرشاد أسري.
وأشارت إلى أن ضبط الانفعالات داخل الأسرة يُعدّ خطوة أساسية، وذلك عبر تدريب الأهل على أساليب إدارة الغضب والتعامل مع المواقف المرهقة بطريقة أكثر هدوءاً، بدل اللجوء إلى الصراخ أو الكلمات الجارحة، مضيفة أن من الحلول أيضاً تعزيز أساليب التربية الإيجابية التي تقوم على الحوار والتوجيه بدل العقاب اللفظي، مع التركيز على تشجيع الطفل عند الخطأ بدلاً من توبيخه.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن يسهم الدعم النفسي والاجتماعي للأسر التي تعاني من ضغوطات اقتصادية أو مشاكل أسرية في تخفيف التوتر داخل المنزل، وبالتالي تقليل احتمالية انعكاسه على الأطفال، وأكدت أن دور المدرسة مهم في التوعية والمتابعة، من خلال رصد أي مؤشرات نفسية على الطفل وتقديم الإرشاد اللازم له ولأسرته عند الحاجة.
لا يقتصر أثر العنف اللفظي على لحظة انفعالية آنية، بل يمتد ليشكّل جانباً من شخصية الطفل وسلوكه على المدى البعيد، ما يسلّط الضوء على أهمية الوعي التربوي داخل الأسرة، ودور أساليب التعامل الهادئة والمتفهمة في توفير بيئة أكثر استقراراً للأطفال، بما ينعكس على نموهم النفسي ويحدّ من آثار هذا النوع من السلوك.