السبي الرقمي: فبركة "بيت الأخوات" واستثمار فلول النظام في التضليل الطائفي
نشطت صفحات وحسابات رقمية يديرها أشخاص محسوبون على فلول النظام البائد، خلال الآونة الأخيرة في محاولة لبناء سردية مضللة تربط بين "السبي" وخطف الفتيات من "المكون العلوي" في الساحل السوري، مروجين لروايات خيالية تزعم إنشاء ما أسموه "بيت الأخوات" كمركز لاحتجاز الفتيات وإجبارهن على اعتناق الإسلام.
بدورها أجرت "شبكة شام الإخبارية" تحقيقا يتتبع الجذور الرقمية لهذه الحملة الممنهجة، ويفكك آليات التضليل البصري واستخدام الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى الوثائق الرسمية، والقرارات القضائية، والشهادات الحية، ليفند كذبة "بيت الأخوات" ويضع حداً لسيناريوهات "السبي" التي أريد منها ضرب السلم الأهلي وتقويض شرعية الواقع الجديد في سوريا.
كيف بدأ ترويج مصطلح "بيت الأخوات"؟
ظهر المصطلح بشكل واسع مطلع أيار/مايو 2026، بالتزامن مع تصاعد قضية طالبة جامعة اللاذقية "بتول سليمان علوش"، بعدما خرجت والدتها في تسجيل مصور تزعم فيه أن ابنتها موجودة داخل ما وصفته بـ"مركز الأخوات" في مدينة جبلة، متهمة جهات وصفتها بـ"المتشددة" باحتجازها هناك.
لكن بتول نفسها نفت لاحقاً هذه المزاعم خلال ظهورات مصورة وبث مباشر، مؤكدة أنها تقيم في منزل صديقتها، وأنها لم تتعرض للاختطاف أو الاحتجاز، وهو ما كررته لاحقاً شخصيات قانونية وحقوقية ومحلية تابعت القضية.
ورغم غياب أي دليل مادي يثبت وجود هذا "المركز المزعوم"، بدأت منصات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بتداول المصطلح على أنه حقيقة قائمة، قبل أن يتحول تدريجياً إلى محور لسرديات أوسع تتحدث عن "السبي"، و"الخطف المنظم"، و"احتجاز النساء العلويات".
بيان يفند كذبة ترخيص "بيت الأخوات"
وسط اتساع الجدل، أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عبر مديرية المنظمات غير الحكومية توضيحاً رسمياً أكدت فيه عدم وجود أي منظمة أو جهة تحمل اسم "بيت الأخوات" مرخصة أو مسجلة لدى الوزارة.
وقالت المديرية إن جميع المنظمات العاملة ضمن الإطار القانوني مسجلة بشكل رسمي، داعية وسائل الإعلام ورواد التواصل الاجتماعي إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية، مؤكدة أن أبواب الوزارة مفتوحة للتحقق من أي معلومات تتعلق بعمل المنظمات والجمعيات.
وجاء البيان بعد تداول تقارير ومنشورات، بينها تقرير لقناة DW الألمانية، تحدث عن "بيت الأخوات" بوصفه منظمة رسمية مرخصة، إلا أن القناة عادت لاحقاً ونشرت توضيحاً أقرت فيه بوجود "معلومة غير دقيقة" وردت ضمن تقريرها، واعتذرت عنها بشكل رسمي.
من يقود الترويج للرواية؟
يكشف تتبع شبكة شام الإخبارية للجذور الرقمية للحملة أن جزءاً كبيراً من الترويج انطلق عبر حسابات وصفحات حديثة الإنشاء أو مجهولة الهوية، دفعت بالمصطلح بشكل متزامن ومنظم.
ومن أبرز هذه الحسابات صفحة تحمل اسم "الآلية السورية للتحقيق"، أُنشئت في أبريل/نيسان 2026، وقدمت نفسها كجهة حقوقية معنية بمتابعة الملف، رغم عدم امتلاكها أي صفة رسمية أو تعريف قانوني واضح.
ونشرت الصفحة بياناً مطولاً حول ما سمته "بيت الأخوات"، طالبت فيه وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية بالكشف عن "الوضع القانوني للمكان"، متحدثة عن "حراسات" و"تنسيق مع جهات حكومية" و"استقبال فتيات من خلفيات دينية غير مسلمة"، رغم إقرار البيان نفسه بأن المعلومات "غير مؤكدة".
لاحقاً دخلت صفحات أخرى على خط الترويج، من بينها منصة "Syria Mirror" (مرآة سوريا)، وهي صفحة أُنشئت في مايو/أيار 2026 وتدار من هولندا دون هوية إعلامية واضحة، حيث أعادت تدوير الادعاءات ذاتها ضمن قالب تحليلي يوحي بامتلاك معلومات موثوقة.
وبالتوازي مع ذلك، ظهرت حسابات وشخصيات مرتبطة بخطاب طائفي تحريضي أعادت إحياء مصطلحات مثل "السبي" و"النخاسة" و"الخطف العقائدي"، مستثمرة قضية بتول علوش لتقديمها باعتبارها "دليلاً" على رواية اضطهاد ممنهج ضد العلويين.
التضليل البصري.. صور مولدة بالذكاء الاصطناعي
لم يقتصر الترويج على المنشورات النصية، بل رافقته حملة تضليل بصري واسعة، جرى خلالها تداول صور زُعم أنها تعود إلى "بيت الأخوات للسبايا"، لكن منصات تحقق سورية، بينها منصة "تأكد"، أكدت بعد تحليل الصور باستخدام أدوات متخصصة أنها صور مولدة بالكامل عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا تعود إلى أي مكان حقيقي موجود على الأرض.
وأظهرت عمليات التحليل وجود تشوهات بنيوية وتفاصيل غير منطقية داخل الصور، وهي مؤشرات شائعة في الصور المولدة رقمياً، ما يؤكد أن الهدف كان خلق "دليل بصري" يمنح الرواية الوهمية مصداقية أكبر أمام الجمهور.
تناقضات تكشف هشاشة الرواية
من أبرز المؤشرات التي تكشف هشاشة سردية "بيت الأخوات"، التناقض الحاد في تحديد موقعه الجغرافي فبينما تحدثت بعض الحسابات عن وجوده في جبلة، زعمت أخرى أنه يقع في إدلب، في حين تحدثت صفحات ثالثة عن افتتاح "فروع" له في حلب.
هذا التناقض الكبير، إلى جانب غياب أي وثيقة رسمية أو صور حقيقية أو شهادات موثقة، كشف أن الأمر لا يتجاوز كونه شائعة رقمية متداولة جرى تضخيمها بشكل منظم عبر الفضاء الإلكتروني.
"السبي" كسلاح دعائي بعد سقوط النظام البائد
إعادة إحياء مصطلح "السبي" لم تبدأ مع قضية بتول علوش فقط، بل ظهرت بشكل متكرر منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، حيث استخدمته منصات موالية للنظام البائد وجهات تحريضية معارضة للدولة الجديدة كأداة دعائية وسياسية.
ورُوجت خلال الأشهر الماضية عشرات القصص التي تتحدث عن "أسواق نخاسة" و"خطف علويات" و"بيع النساء"، دون تقديم أي أدلة موثقة، فيما ثبت لاحقاً أن عدداً من تلك الروايات كان مضللاً أو مفبركاً بالكامل.
وفي مارس/آذار 2025، بثت قناة "روناهي" تقريراً زعمت فيه افتتاح "أسواق نخاسة" في إدلب لبيع نساء علويات، مستندة إلى منشورات متداولة على مواقع التواصل فقط، قبل أن ينفي مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن وجود أي توثيق لهذه الادعاءات.
كما ظهرت حالات أخرى مثل قضية "رنيم زريفة" و"ميرا"، حيث جرى الترويج لروايات اختطاف وسبي قبل أن تظهر الفتيات أنفسهن وينفين هذه الادعاءات بشكل مباشر.
يمتلك النظام البائد تاريخاً طويلاً في استخدام أعراض النساء كأداة تشويه بدءاً من فبركة فرية "جهاد النكاح" وإجبار القاصرات المعتقلات (مثل روان قداح عام 2012) على اتهام عائلاتهن على الشاشات الرسمية، وهي السردية التي فككتها كبرى الصحف العالمية مثل لوموند الفرنسية وأثبتت زيفها.
استثمار سياسي وطائفي للقضية
تحولت قضية بتول علوش تدريجياً من قضية شخصية إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب طائفي قائم على التخويف واستحضار المظلومية التاريخية ودخلت شخصيات وصفحات إعلامية وسياسية ودينية على خط التحريض، مستخدمة مفردات مثل "السبي"، و"غسيل الدماغ"، و"الجماعات التكفيرية"، مع الدعوة أحياناً إلى "حماية دولية" ورفع الملف إلى المحاكم الدولية.
كما جرى ربط القضية بسرديات تاريخية ودينية قديمة، واستدعاء رموز مرتبطة بمفهوم "السبي" في الذاكرة الطائفية، بهدف تعبئة الجمهور عاطفياً وتكريس صورة ذهنية عن "خطر وجودي" يهدد الطائفة.
وانبرت شخصيات محسوبة على الفكر الطائفي المقيت مثل الممثلة "سلاف فواخرجي"، إلى جانب كيانات وهمية مثل ما يسمى "اتحاد العلويين السوريين في أوروبا"، ووسائل إعلام تابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK)، لاستثمار القضية سياسياً، ومطالبة "مجلس الأمن" بالتدخل تحت توصيف "جرائم ضد الإنسانية"، في محاولة بائسة لاستدعاء مظلوميات تاريخية واستخدام شعارات تعبوية (مثل "لن تُسبى زينب مرتين") وربطها بالواقع الحالي بهدف حشد المقاتلين وبث الرعب بين أفراد المجتمع.
بين الوقائع والشائعات
ورغم حجم الضجيج الإعلامي، لم يظهر حتى الآن أي دليل موثق يثبت وجود ما يسمى "بيت الأخوات"، أو يدعم الروايات التي تحدثت عن "السبي" و"احتجاز النساء" في المقابل، ظهرت بتول علوش بنفسها أكثر من مرة لتؤكد أن مغادرتها كانت طوعية، وأنها لم تتعرض للاختطاف أو الإكراه، كما نفت وجودها في أي "مركز" أو "دار احتجاز".
وتشير المعطيات التي جمعتها شبكة شام الإخبارية إلى أن القضية تحولت إلى نموذج واضح لكيفية صناعة السرديات الرقمية في بيئات الاستقطاب الحاد، حيث تُستثمر الفجوات المعلوماتية، والمخاوف الطائفية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، و الحسابات المجهولة، لبناء روايات كاملة قادرة على الانتشار والتأثير حتى دون أي أدلة حقيقية.
وفي ظل تصاعد هذا النوع من التضليل، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى التحقق من المعلومات قبل تداولها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس النساء والمجتمع والسلم الأهلي، في وقت أصبحت فيه الشائعة قادرة على التحول إلى "حقيقة بديلة" بمجرد تكرارها رقمياً على نطاق واسع.
هذا تؤكد البيانات الحقوقية أن ظاهرة اختفاء أو غياب بعض النساء في سوريا لها أبعاد اجتماعية واقتصادية معقدة "خلافات أسرية، ضغوط مجتمعية، ابتزاز مالي، أو تجنيد قسري من قبل قسد وشبيبتها الثورية كما وثقت هيومن رايتس ووتش".
إلا أن محاولة فلول النظام المخلوع اختزال هذه الظواهر المعقدة وإسقاط مفاهيم "السبي" و"أسواق النخاسة" واختراع كيانات وهمية مثل "بيت الأخوات"، يثبت بالدليل القاطع أن الهدف ليس حماية النساء أو إحقاق الحق، بل هي حرب نفسية ممنهجة تشنها غرف إعلامية لتقويض الاستقرار وإثارة النعرات الطائفية، وهو ما تفنده الحقائق على الأرض والوعي السوري المتنامي.
ورصدت شبكة شام الإخبارية خلال الأيام الماضية موجة مكثفة من المحتوى التحريضي الذي تجاوز حدود التضامن مع العائلة إلى الدعوات المباشرة للخروج بمظاهرات ذات طابع طائفي في الساحل السوري، إلى جانب منشورات تضمنت تحريضاً ضد عناصر الأمن الداخلي ومؤسسات الدولة، ومحاولات واضحة لإعادة إنتاج خطاب الفتنة والانقسام المجتمعي.
وأظهرت عملية الرصد أن عدداً من الحسابات والصفحات المرتبطة بفلول النظام البائد لعبت دوراً محورياً في تضخيم القضية وتقديمها باعتبارها "حالة خطف طائفي ممنهجة"، رغم غياب أي إثباتات قضائية أو أمنية تؤكد ذلك حتى اللحظة.
كما تبيّن أن شخصيات إعلامية وناشطين وضباطاً سابقين محسوبين على النظام البائد شاركوا بشكل مباشر في تأجيج الخطاب التحريضي، ومن بينهم الإعلامي الحربي السابق وحيد يزبك، وغزال غزال رئيس المجلس العلوي، ومحمد ميهوب إمام وخطيب جامع الإمام جعفر الصادق في طرطوس، إلى جانب الممثلة "سلاف فواخرجي" التي نشرت منشوراً تحدثت فيه عن "السبي الاجتماعي" وربطت القضية بحوادث أخرى تحت وسم "إنقاذ المخطوفات".
كما برزت أسماء أخرى في سياق التحريض والتجييش، من بينها "محمد غزوان" المتهم بتهديد ذوي الفتاة للتراجع عن تصريحاتهم السابقة، إضافة إلى "سقراط رحية، وأفروا عيسى، ومصطفى رستم وأمجد بدران وصالح منصور ورفيق لطف وكريستين شاهين، وكنان وقاف، فضلاً عن عشرات الصفحات والحسابات التي أعادت تدوير الخطاب ذاته.
وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد أعلن خلال مؤتمر صحفي سابق نتائج لجنة تحقيق شُكلت لمتابعة مزاعم اختطاف نساء وفتيات في محافظات الساحل، موضحاً أن التحقيقات شملت 42 حالة جرى تداولها منذ بداية العام، وتبين أن 41 منها غير صحيحة، فيما ثبت وقوع حالة اختطاف واحدة فقط انتهت بإعادة الفتاة بسلام.
وأكد البابا حينها أن كثيراً من القضايا المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي اتضح لاحقاً أنها ذات طابع اجتماعي أو جنائي فردي، إلا أن بعضها استُغل لنشر الشائعات وإثارة البلبلة والتحريض الطائفي.
وتشير المعطيات التي رصدتها شبكة شام إلى أن قضية بتول علوش تحولت خلال أيام إلى نموذج واضح لاستثمار الحوادث الاجتماعية الفردية في تغذية الاستقطاب الطائفي والسياسي، عبر حملات منظمة دفعت باتجاه التشكيك بمؤسسات الدولة السورية والتحريض ضد الأمن الداخلي، ومحاولة خلق حالة احتقان في الساحل السوري تحت عناوين دينية وطائفية، رغم استمرار التحقيقات الرسمية وعدم صدور أي نتائج قضائية نهائية حتى الآن.