واقع النظافة في حلب بين انتقادات حادة وحملة خدمية جديدة
أطلق ناشطون في حلب حملة رقمية واسعة تحت عنوان "حلب تختنق"، في ظل تصاعد شكاوى الأهالي من تراجع واقع النظافة في عدد من الأحياء، وتراكم القمامة في الشوارع الرئيسية والفرعية، ما انعكس بشكل مباشر على المشهد البيئي والصحي داخل المدينة.
وقد تحولت الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي خلال ساعات إلى مساحة ضغط إعلامي وشعبي، ركّزت على ضرورة إيجاد حلول عاجلة لأزمة باتت تتكرر بشكل يومي، وسط اتهامات بتباطؤ الاستجابة الخدمية وعدم استدامة الحلول المطروحة.
وتأتي هذه الحملة في وقت يشهد فيه ملف النظافة في حلب جدلاً واسعاً بين أطراف متعددة، حيث يرى مسؤولون أن المشكلة مرتبطة بشكل أساسي بضعف الإمكانات التشغيلية، بينما يحمّل ناشطون ومواطنون جهات إدارية مسؤولية سوء الإدارة وتراكم الإخفاقات.
وفي هذا السياق، أوضح مدير مديرية الإعلام في حلب عبد الكريم ليله، أن بعض أحياء المدينة تعاني فعلاً من تراكم القمامة نتيجة محدودية الموارد المتاحة لدى مديرية النظافة في مجلس المدينة، مشيراً إلى أن العمل يجري ضمن ظروف ضغط مستمر تعاني منه المؤسسة منذ فترة طويلة.
وأضاف في منشور على صفحته على "فيسبوك" أن معالجة هذا الواقع تحتاج إلى خطط مستدامة تعتمد على تطوير البنية التحتية الخدمية، وتوسيع الإمكانات التشغيلية، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في دعم الجهود الرسمية، باعتبار أن النظافة مسؤولية مشتركة لا يمكن حصرها بالجهات التنفيذية وحدها.
وفي سياق متصل، أشار عضو مجلس الشعب عقيل حسين إلى أن الموافقة على شراء آليات خدمية جديدة لحلب بقيمة تتجاوز سبعة ملايين دولار تمثل خطوة مهمة لتعزيز قدرات مجلس المدينة في مواجهة التحديات الخدمية، خصوصاً في ملف النفايات.
لكنه في الوقت ذاته ألمح إلى أن التأخر في توفير هذه الحلول خلال الأشهر الماضية ساهم في تفاقم الأزمة، ما فتح الباب أمام انتقادات واسعة للأداء الإداري في هذا القطاع، وسط تساؤلات حول سرعة الاستجابة وفعالية إدارة الموارد المتاحة.
من جهة أخرى، قدّم الصحفي إبراهيم الخطيب قراءة نقدية للخطاب العام المتعلق بالأوضاع الخدمية، مشيراً إلى أن جزءاً من حالة الاحتقان الشعبي يعود إلى تضخيم التوقعات دون مراعاة الواقع الفعلي للإمكانات المتاحة.
واعتبر أن الخطاب الإعلامي والسياسي ساهم في خلق صورة مثالية لدى المواطنين، ما جعل أي خلل خدمي يبدو أكبر من حجمه الفعلي عند الاصطدام بالواقع، داعياً إلى مقاربة أكثر واقعية تقوم على الشفافية والمصارحة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها النظافة، لا تحتمل التأجيل أو التسويف.
في حين، تصاعدت لهجة الانتقادات من قبل عدد من الحقوقيين والناشطين، حيث اعتبر المحامي عثمان الخضر أن استمرار تدهور واقع النظافة خلال فترة امتدت لثمانية أشهر يعكس خللاً إدارياً واضحاً في إدارة مجلس المدينة، مطالباً بإعادة النظر في الهيكل الإداري وتشكيل إدارة تنفيذية قادرة على التعامل مع الملفات الخدمية بشكل أكثر فاعلية.
كما دعا إلى محاسبة المسؤولين عن التقصير في حال ثبت وجوده، مؤكداً أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في الإمكانيات بل باتت مرتبطة بآليات إدارة القرار وتنفيذه.
بدوره، اعتبر الصحفي سيف عزام أن فشل الجهات المعنية في معالجة ملف النفايات يعكس ضعفاً واضحاً في الأداء التنفيذي، مشيراً إلى أن هذا الملف تحديداً يشكل اختباراً مباشراً لمدى قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة لاحتياجات المواطنين اليومية، خاصة في ظل غياب الشفافية حول عدد الآليات العاملة وآلية توزيعها ووتيرة الترحيل.
بالتوازي مع هذا الجدل، برزت آراء أخرى دعت إلى عدم تحميل مجلس مدينة حلب وحده كامل المسؤولية، معتبرة أن الأزمة ذات طابع تراكمي يعود لسنوات طويلة من التراجع في البنية الخدمية والإدارية، إضافة إلى نقص التمويل والآليات.
ووفق هذا الطرح، فإن معالجة الملف تتطلب تنسيقاً أوسع بين مجلس المدينة ومحافظة حلب، إلى جانب إعادة هيكلة شاملة لقطاع الخدمات بما يضمن استمرارية العمل وتحسين الأداء على المدى الطويل.
من جهته، أعلن مجلس مدينة حلب إطلاق حملة نظافة شاملة في مختلف أحياء المدينة، تتضمن استنفاراً كاملاً للآليات والكوادر العاملة في قطاع النظافة، بهدف ترحيل القمامة المتراكمة وتحسين الواقع الخدمي تدريجياً.
وأكد المجلس أن الحملة تأتي ضمن خطة عمل يومية تهدف إلى تعزيز مستوى النظافة العامة وتحسين الواقع البيئي والصحي، مشيراً إلى استمرار الجهود بشكل متواصل في مختلف القطاعات، كما دعا المواطنين إلى التعاون مع فرق النظافة والالتزام بتعليمات رمي القمامة، بما يساهم في دعم الجهود المبذولة والحد من تفاقم المشكلة.
وتجدر الإشارة إلى أنه بين ضغط الحملة الرقمية من جهة، ومحاولات المعالجة الميدانية من جهة أخرى، يبقى ملف النظافة في حلب واحداً من أبرز التحديات الخدمية المطروحة حالياً، في ظل تداخل العوامل الإدارية واللوجستية والمالية، واستمرار الجدل حول طبيعة المسؤولية وسبل الحل الممكنة خلال المرحلة المقبلة.