كسوة العيد خارج حسابات كثير من الأسر السورية
كسوة العيد خارج حسابات كثير من الأسر السورية
● مجتمع ١٨ مايو ٢٠٢٦

كسوة العيد خارج حسابات كثير من الأسر السورية

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، استعادت أسواق الملابس في سوريا جزءاً من حركتها الموسمية المعتادة، حيث امتلأت الشوارع التجارية بالمحال التي علقت لافتات العروض والتنزيلات، في محاولة لجذب الزبائن وتحريك حالة الجمود التي سيطرت على الأسواق خلال الفترة الماضية.

إلا أن الحركة الظاهرة في الأسواق لا تعكس بالضرورة قدرة شرائية حقيقية، إذ يؤكد كثير من الأهالي أن شراء ملابس العيد بات يشكل عبئاً مالياً ثقيلاً، في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وتراجع الدخل الشهري لمعظم العائلات السورية.

وفي جولة ضمن أسواق دمشق وحلب واللاذقية، برز تفاوت كبير بين أسعار الألبسة المحلية والمستوردة، مع استمرار بعض المحال بعرض الأسعار بالدولار بالنسبة للقطع الأجنبية، خاصة في الأسواق التجارية المعروفة.

ففي سوق باب توما بدمشق، وصل سعر الحذاء المستورد إلى نحو 25 دولاراً، بينما سجلت بدلات الكتان أسعاراً مشابهة، في حين تراوحت أسعار البلوزات والبجامات بين 10 و25 دولاراً بحسب النوع والجودة.

أما الألبسة المسعّرة بالليرة السورية الجديدة، فقد شهدت هي الأخرى ارتفاعات ملحوظة، حيث بلغ سعر الطقم الرجالي نحو 15 ألف ليرة، والبنطال التركي حوالي 4500 ليرة، والقميص القطني نحو 3000 ليرة، بينما سجلت الفساتين النسائية أسعاراً وصلت إلى 6000 ليرة.

في حين تراوحت أسعار البلوزات الصيفية للأطفال بين 1300 و1700 ليرة، ووصل سعر الفستان البناتي إلى قرابة 4900 ليرة، والطقم الولادي إلى نحو 3950 ليرة، وهي أرقام يعتبرها كثير من الأهالي أعلى من قدرتهم الفعلية على الشراء.

وخلال استطلاع أجرته شبكة شام الإخبارية داخل عدد من الأسواق الشعبية، عبّر مواطنون عن قلقهم من اقتراب العيد في ظل الارتفاع المستمر بأسعار الملابس والأحذية، مؤكدين أن تأمين كسوة العيد أصبح تحدياً حقيقياً للأسر، خاصة العائلات التي لديها أكثر من طفل.

وذكر (ي . م) وهو موظف حكومي من مدينة حمص، في حديثه لشبكة شام، أن دخله الشهري بالكاد يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وفواتير، مضيفاً أن شراء ملابس جديدة لأطفاله الثلاثة “أصبح يحتاج ميزانية مستقلة.

وأوضح أنه تفاجأ خلال جولته في الأسواق بأن سعر الحذاء الواحد للأطفال يتجاوز أحياناً 2500 ليرة، بينما يصل سعر الطقم الكامل إلى أكثر من 5000 ليرة، ما دفعه للتفكير باللجوء إلى أسواق البالة هذا العام.

ولفتت أم عبد الرحمن، وهي أم لأربعة أطفال من دمشق، فقالت إن أكثر ما صدمها هو ارتفاع أسعار الملابس الولادية موضحة أنها دخلت عدة محال بحثاً عن خيارات اقتصادية، لكنها وجدت أن أقل تكلفة لطفل واحد قد تتجاوز 7000 ليرة بين حذاء وملابس بسيطة.

وأضافت أن كثيراً من العائلات أصبحت تعتمد على شراء قطعة أو قطعتين فقط لكل طفل، أو تأجيل شراء الملابس الجديدة بالكامل وفي حماة، قالت سيدة تدعى منى لشبكة شام إن البالة أصبحت الخيار الواقعي لغالبية الأسر، مؤكدة أن الملابس المستعملة المستوردة أحياناً تكون أفضل جودة من بعض المنتجات الجديدة، رغم أن أسعارها ارتفعت أيضاً خلال الفترة الأخيرة.

وأشارت إلى أنها كانت سابقاً تعتبر شراء الملابس المستعملة أمراً استثنائياً، أما اليوم فأصبح جزءاً من خطة الإنفاق الأساسية للعائلة ويؤكد باعة في أسواق الملابس أن الإقبال لا يزال محدوداً مقارنة بالمواسم السابقة، رغم كثافة العروض والإعلانات.

ويقول أحد أصحاب المحال في دمشق إن كثيراً من الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار أو شراء القطع الأرخص فقط، مشيراً إلى أن الحركة الحقيقية تتركز حالياً في الأسواق الشعبية ومحال البالة، بينما تعاني المحال التجارية من ضعف واضح في المبيعات.

وفي ظل هذا الواقع، توسعت تجارة البالة بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، لتتحول من سوق مخصص لذوي الدخل المحدود إلى خيار يعتمد عليه موظفون وطبقة متوسطة وحتى بعض المقتدرين نسبياً، بحثاً عن جودة أفضل وأسعار أقل.

وتُباع الملابس المستعملة في بعض الأسواق بالكيلو، حيث يتراوح سعر كيلو الألبسة بين 3000 و3500 ليرة، بينما يصل كيلو الأحذية إلى نحو 10 آلاف ليرة بحسب النوع والحالة.

كما ظهرت مبادرات مجتمعية لإعادة تدوير الملابس وتبادلها بين العائلات، خاصة مع قرب العيد، حيث يتم جمع الملابس الجيدة وإعادة توزيعها على الأسر المحتاجة أو عرضها مجاناً عبر مجموعات محلية ومبادرات تطوعية ويرى ناشطون أن هذه المبادرات باتت ضرورة اجتماعية في ظل اتساع الضغوط الاقتصادية على معظم العائلات السورية.

في المقابل، تؤكد مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك استمرار حملات الرقابة على الأسواق، لضبط الأسعار ومراقبة الإعلانات والفواتير ومنع حالات الاستغلال، إلا أن تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى واستمرار بعض المخالفات يجعل السوق في حالة اضطراب دائم، خاصة مع غياب تسعيرة موحدة وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد.

وخلال الفترة الأخيرة ازدادت شعبية الألبسة المستعملة "البالة" التي تباع بأسعار تتراوح بين 40 و100 ألف (بالعملة القديمة) ليرة للقطعة، ما يجعلها خياراً بديلاً للكثيرين، رغم غياب الرقابة على مصدرها وجودتها.

وذكر الخبير الاقتصادي "شادي سليمان"، أن تراجع الأجور وتفاقم التضخم دفعا المستهلكين لإعادة ترتيب أولوياتهم، مشيراً إلى أن الملابس لم تعد بنداً أساسياً في إنفاق الأسر، بينما بات الكثيرون يلجؤون إلى إعادة تدوير الملابس أو شراء المستعمل في محاولة لتقليل النفقات.

ومع استمرار تراجع القدرة الشرائية وغياب حلول اقتصادية ناجعة، تبقى الألبسة هذا العام عنواناً لأزمة تتقاطع فيها معاناة المواطن مع ضغوط الأسواق، ضمن مشهد اقتصادي يرجح أن يستمر تأثيره طوال الموسم.

هذا ويعكس مشهد أسواق الملابس السورية قبيل عيد الأضحى صورة أوسع عن الواقع الاقتصادي والمعيشي في البلاد، حيث تحاول العائلات الحفاظ على الحد الأدنى من فرحة العيد للأطفال، بينما تفرض الأسعار المرتفعة حسابات قاسية تدفع كثيرين إلى التخلي عن خيارات كانوا يعتبرونها بديهية قبل سنوات قليلة فقط.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ