تقارير تقارير ميدانية تقارير اقتصادية تقارير خاصة
١٥ يوليو ٢٠٢٥
سوريات في الخط الأمامي: بين التوعية وإزالة مخلفات الحرب

خلال سنوات الحرب في سوريا، برزت المرأة السورية كعنصر فاعل في مجالات عدة، بعضها محفوف بالمخاطر، مثل إزالة مخلفات الحرب والتوعية بمخاطرها. ورغم التهديدات الكبيرة التي يشكلها هذا العمل، أصرّت عشرات النساء على خوض هذه التجربة الإنسانية الصعبة حمايةً لأرواح المدنيين.

في هذا التقرير، نسلّط الضوء على ثلاث سوريات يعملن في الدفاع المدني السوري تركن بصمة واضحة في هذا المجال:

إسراء الجرو.. توعية لحماية الأرواح
إسراء الجرو، طالبة في مجال الإرشاد النفسي، بدأت عملها التطوعي في الدفاع المدني السوري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، بعد خضوعها لتدريبات مكثفة حول أنواع الذخائر وطرق التعامل الآمن معها، تقول في تصريح لـ"شبكة شام":

"نركّز على توعية الأهالي بخطر مخلفات الحرب وإزالتها نهائيًا لحماية المدنيين. قبل بدء أي مهمة، نجري استبيانًا مع شخصيات مفتاحية من المنطقة لنعرف تاريخها وما إذا كانت تحوي ألغامًا أو أجسامًا مشبوهة. بعدها نتبع إجراءات العمل المعيارية ونلتزم باللباس الميداني الكامل وقاعدة (رجل واحد.. خطر واحد)".

ولاء دياب.. المرأة عنصر أساسي في فرق المسح
ولاء دياب، قائد فريق مسح الذخائر غير المنفجرة في مركز صوران – حماة، تعمل منذ ثلاث سنوات في مسح المناطق قبل تنفيذ عمليات الإزالة. تؤكد ولاء أن وجود النساء داخل هذه الفرق "ضروري لضمان جمع معلومات دقيقة من المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق المحافظة". وتضيف:
"وجودنا يسهل التواصل مع النساء، ويمنحنا فرصة الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات المجتمعية. أشجع النساء على دخول هذا المجال، فهو يحتاج لشجاعة وصبر، لكنه ينقذ حياة كثيرين".

ديمة السعيد.. دافع إنساني وشخصي
أما ديمة السعيد، القادمة من إدلب، فتعمل منذ ثلاث سنوات في إزالة الذخائر غير المنفجرة والتوعية بمخاطرها. تقول إن دافعها كان إنسانيًا بعد أن شهدت كيف غيّرت قطعة معدنية مصير عائلات بأكملها. وتوضح مهامها:
"أشارك في الكشف عن الذخائر وإزالتها بأمان، وتطهير المناطق الملوثة. كما نقوم بجلسات توعية تستهدف النساء والأطفال لتعليمهم أشكال الذخائر وطرق الوقاية"، موجهة رسالة للأهالي: "لا تقتربوا من أي جسم غريب، والوعي هو سلاحنا الأقوى لحماية أنفسنا وأطفالنا".

 
شجاعة تحدث فرقًا
تجسد قصص إسراء الجرو، وولاء دياب، وديمة السعيد صورة المرأة السورية القوية التي لم تكتفِ بالتوعية فقط، بل تصدّرت الصفوف الأولى في مواجهة الخطر. ورغم التحديات، أثبتت هؤلاء النساء أن الشجاعة والوعي يمكن أن ينقذا أرواحًا ويغيّرا واقع مجتمعات بأكملها.

اقرأ المزيد
١٤ يوليو ٢٠٢٥
تقرير شام الاقتصادي | 14 تموز 2025

استقرت الليرة السورية في افتتاح تعاملات اليوم الإثنين 14 تموز 2025، وسط حالة من الترقب الحذر تسود الأوساط التجارية والمالية، مع استمرار الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تلقي بظلالها على السوق المحلية.

هذا الاستقرار النسبي يأتي في ظل تجاذبات مستمرة بين سعر الصرف في السوق السوداء والسعر الرسمي المعلن من قبل مصرف سوريا المركزي، ما يخلق فجوة سعرية تلقي بثقلها على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية في البلاد.

وسجل الدولار الأميركي في السوق السوداء سعراً موحداً تقريباً في دمشق وحلب وإدلب عند 10,075 ليرة للشراء و10,125 ليرة للمبيع، في حين ارتفع بشكل ملحوظ في مدينة الحسكة حيث بلغ 10,275 ليرة للشراء و10,350 ليرة للمبيع، وفقاً لمنصة "الليرة اليوم".

ويعكس هذا التباين بين المناطق عوامل متعددة، أبرزها تفاوت حجم التداول، وطرق التهريب، ودرجة الاعتماد على الحوالات الخارجية، إضافة إلى الظروف الأمنية والإدارية المختلفة في المحافظات.

وأما السعر الرسمي الذي حدده مصرف سوريا المركزي، فقد بلغ 11,000 ليرة للشراء و11,110 ليرة للمبيع، وهو سعر لا يُعتمد عليه فعلياً في العمليات التجارية اليومية، لكنه يستخدم في بعض المعاملات الرسمية والحوالات الواردة عبر قنوات التحويل النظامية.

في موازاة ذلك، يستمر سوق الذهب السوري في التحرك بتأثير مباشر من سعر الصرف العالمي والمحلي، إلى جانب عوامل داخلية أبرزها تراجع ثقة المواطنين بالعملة المحلية، وارتفاع الطلب على الذهب كمخزن للقيمة.

وخلال النصف الأول من عام 2025، ارتفعت أسعار الذهب في سوريا بنسبة قاربت 8%، حيث بدأ غرام الذهب عيار 21 العام عند 860 ألف ليرة، ليغلق شهر حزيران عند 930 ألف ليرة، في مؤشر واضح على تصاعد الطلب المحلي على المعدن الأصفر.

هذا الارتفاع لم يكن مفاجئاً، إذ جاءت الأشهر الستة الأولى من العام محملة بتقلبات اقتصادية حادة. وسُجل ارتفاع تدريجي لأسعار الذهب خلال شهري كانون الثاني وشباط، متأثراً بصعود الأونصة عالمياً إلى مستويات تجاوزت أحياناً 3300 دولار، وبالإقبال الشعبي على شراء الذهب في الداخل السوري كوسيلة للتحوط من تدهور سعر صرف الليرة.

وقد تراوحت أسعار الأونصة المحلية بين 31 مليون و33.5 مليون ليرة، ما يعكس أيضاً الفروقات في التسعير بين الصاغة والمناطق المختلفة.

شهر نيسان شهد بعض التراجع النسبي بأسعار الذهب، قبل أن تعود إلى الارتفاع مع نهاية حزيران، ويُتوقع أن تستمر هذه التذبذبات خلال النصف الثاني من العام. عوامل التأثير الرئيسية على السوق تتمثل في ثلاثة محاور أساسية تقلبات سعر الأونصة العالمية، تدهور قيمة الليرة، وزيادة الطلب المحلي على الذهب.

وفي سياق اقتصادي متصل، شهدت العاصمة الأردنية عمّان انطلاق الجلسات التخصصية للاجتماعات الفنية الاقتصادية بين سوريا والأردن، بحضور وفود رسمية من كلا البلدين. ترأس الجانب السوري نائب وزير الاقتصاد والصناعة المهندس باسل عبد الحنان، فيما ترأست الجانب الأردني الأمين العام لوزارة الصناعة والتجارة والتموين، الدكتورة دانا الزعبي.

وتتمحور المباحثات حول تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية السابقة، وتسهيل التبادل التجاري عبر المعابر الحدودية، بالإضافة إلى بحث معوقات العمل الجمركي واللوجستي. كما ناقش المشاركون فرص تطوير المناطق الحرة والمشاريع الزراعية والصناعية المشتركة، في ظل تطلعات لتحسين العلاقات الاقتصادية الثنائية وفتح آفاق جديدة للاستثمار، بما يعزز من التكامل بين القطاعين العام والخاص في البلدين.

وتأتي هذه الجلسات التحضيرية تمهيداً لاجتماع اللجنة العليا السورية الأردنية، والذي من المتوقع أن يتوَّج بتوقيع محضر مشترك يتضمن أبرز التفاهمات الاقتصادية، وآليات المتابعة المستقبلية، بهدف تطوير مسار التعاون الإقليمي وتعزيز المصالح المشتركة بين دمشق وعمّان.

وفي إطار القطاع الصناعي، أعلنت الشركة العامة للأسمدة في حمص عن حاجتها لتوريد كميات من مادة خامس أوكسيد الفاناديوم، في خطوة تستهدف تحسين الإنتاجية ومواكبة متطلبات التشغيل، فيما أجرى مدير الشركة مصطفى علي جولة ميدانية على أقسام ومعامل المنشأة لمتابعة واقع العمل والتأكد من جاهزية الكوادر الفنية والبشرية لمواجهة التحديات.

على صعيد آخر، نفذ فريق من مديرية التجارة الداخلية بمحافظة اللاذقية، برئاسة عبد الوهاب السفر، جولة تفقدية إلى عدد من القرى المتضررة من الحرائق، وذلك للاطلاع على واقع الأهالي وتقييم احتياجاتهم الخدمية والمعيشية. وشارك في الجولة مدير المنطقة الشمالية مصطفى جولحي، حيث تم الاستماع لشكاوى السكان، تمهيداً لمعالجتها بالتعاون مع الجهات المعنية.

وكان أصدر البنك الدولي تقريراً جديداً تضمن مراجعة إيجابية لتوقعات النمو الاقتصادي في ثماني دول عربية، من بينها سوريا، التي ظهرت مجدداً في بيانات البنك للمرة الأولى منذ أكثر من 12 عاماً.

يشار أن خلال الفترة الماضية أصدرت القيادة السورية الجديدة قرارات عدة لصالح الاقتصاد السوري، أبرزها السماح بتداول العملات الأجنبية، والدولار في التعاملات التجارية والبيع والشراء، وحتى الأمس القريب، وكان النظام البائد يجرّم التعامل بغير الليرة ويفرض غرامات وعقوبات قاسية تصل إلى السجن سبع سنوات.

اقرأ المزيد
١٤ يوليو ٢٠٢٥
تدخين الأطفال في سوريا: ظاهرة تهدد جيل المستقبل

أصبحت ظاهرة تدخين الأطفال في سوريا أمراً مألوفاً في الآونة الأخيرة، في ظلّ غياب الرادع القانوني أو الخوف من العقاب. والأخطر من ذلك، هو توجه عدد متزايد منهم نحو استخدام جهاز التدخين الإلكتروني المعروف بـ(الفايب - Vape)، رغم ما يحمله من أضرار صحية جسيمة. 

هذا الانجراف نحو التدخين، سواء التقليدي أو الإلكتروني، يجعل الأطفال عرضة لعدة تداعيات أبرزها الإصابة بأمراض مزمنة وسلوكيات سلبية قد تتطور مع الوقت، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً من الأسرة والمجتمع والجهات المعنية.

غياب الرقابة

تعددت الأسباب التي دفعت الأطفال نحو التدخين، إلا أن أبرزها، بحسب القصص التي رُصدت خلال العمل على هذا الموضوع، يتمثل في غياب الرقابة الأسرية والمدرسية في آنٍ معاً. فالأطفال غالباً ما يجدون أنفسهم في بيئة محفزة على تبني سلوكيات ضارة، دون توجيه أو متابعة حقيقية من الأهل أو المدرسة.

كما يُعد غياب القدوة الحسنة عاملاً جوهرياً، حيث يتأثر الطفل بسلوك من حوله، سواء في الأسرة أو بين الأصدقاء. كثير من الأطفال تعلّموا التدخين مباشرة من الآباء المدخنين، فقلّدوهم دون وعي، معتقدين أن هذا السلوك طبيعي أو حتى "دليل على الرجولة".

سهولة الحصول على السجائر

إضافة إلى ذلك، يلعب رفاق السوء دوراً كبيراً في دفع الطفل نحو التجربة الأولى، في ظل غياب التوعية والمراقبة. وفي الوقت ذاته كان للعوامل الاقتصادية في تعزيز هذه الظاهرة، إذ أن سهولة حصول الأطفال على السجائر أو أجهزة التدخين الإلكتروني من المحلات التجارية، دون أي رقابة أو التزام بالقوانين التي تمنع بيعها للقاصرين، تُعد سبباً رئيسياً في استفحال المشكلة.

كما أن توفر المال في أيدي الأطفال، سواء من مصروفهم اليومي أو بطرق أخرى، يمنحهم القدرة على شراء منتجات التبغ دون صعوبة، خاصة في ظل غياب رقابة حقيقية من الأهل على كيفية إنفاق أبنائهم. هذه السهولة في الوصول والشراء تجعل التجربة الأولى أقرب مما يُتصوّر، وتمهّد الطريق للإدمان المبكر.

بحسب الدراسات الطبية، فإن التدخين يُعدّ شديد الضرر على صحة الأطفال، إذ يؤثر بشكل مباشر على الجهاز التنفسي، ويتسبب في ضعف نمو الرئتين. ولا يقتصر الخطر على ذلك، بل يمتد ليشمل ارتفاع احتمال الإصابة بأمراض مزمنة، مثل الربو، والتهاب الشعب الهوائية، وربما في المستقبل أمراض القلب والرئة.

كما يُظهر النيكوتين تأثيراً كبيراً على الجهاز العصبي للطفل، إذ يغيّر من كيمياء الدماغ ويؤثر على التركيز والانتباه. أما الإدمان المبكر، فهو من أخطر النتائج، لأن الطفل يصبح أسيراً للعادة في سن صغيرة، ما يصعّب عليه الإقلاع عنها لاحقاً، ويفتح المجال أمام سلوكيات أكثر خطورة.

وبحسب ما أوضحه أخصائيين نفسيين قابلناهم، فإن الأثر السلبي للتدخين لا يقتصر على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد إلى السلوك النفسي والاجتماعي أيضاً. فالطفل المدمن على التدخين قد يلجأ إلى سلوكيات خاطئة وخطرة في حال لم يتمكن من تأمين المال اللازم لشراء السجائر أو جهاز الفايب.

من بين هذه السلوكيات: السرقة من الآخرين، أو إيذاء أصدقائه وسلبهم المال بالقوة، بل وقد يتطور الأمر إلى تبني سلوكيات عدوانية أو حتى التنمر على من حوله. هذا التدهور في السلوك يحدث نتيجة حاجة الطفل الشديدة للنيكوتين، في ظل غياب وعيه الكامل بمخاطر ما يقوم به، وافتقاره للتوجيه والدعم النفسي السليم.

اقترح ناشطون مجموعة من الحلول التي قد تسهم في مكافحة ظاهرة التدخين بين الأطفال، من بينها توعية الأهالي بأهمية مراقبة سلوكيات أبنائهم وتصرفاتهم، وضرورة فتح قنوات حوار صادقة معهم تساعدهم على الإقلاع عن هذه العادة السيئة.

 كما شدد الناشطون على أهمية نشر التوعية حول أضرار التدخين في المدارس، من خلال برامج تستهدف الطلاب والمعلمين على حد سواء، لضمان وصول الرسالة لأكبر عدد ممكن من الأطفال. ومن جهة أخرى، دعوا إلى تدخل الحكومة بشكل فعال، عبر فرض قوانين تمنع بيع السجائر وأجهزة الفايب للأطفال، ومراقبة تطبيق هذه القوانين بدقة في المحلات التجارية.

تُعدّ ظاهرة انتشار التدخين بين الأطفال واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية، لما تشكله من تهديد مباشر لجيل كامل. فالأطفال الذين يبدأون بالتدخين معرضون ليس فقط لمخاطر صحية جسيمة، بل أيضاً لسلوكيات خاطئة قد تؤثر سلباً على أنفسهم، وعائلاتهم، والمجتمع بأسره.

 لذلك، يتطلب الأمر تدخلاً عاجلاً وفعّالاً من جميع الجهات المعنية، بدءاً من الأسرة، مروراً بالحكومة، ووصولاً إلى المجتمع المدني، لضمان حماية أجيال المستقبل من هذه العادة الضارة.

اقرأ المزيد
١٤ يوليو ٢٠٢٥
قصة سوري خسر كل شيء ويعيش بجسد ناقص وحلمٍ بسيط

تعرّض آلاف الأشخاص للإصابة بإعاقات مختلفة جراء القصف الذي طال قراهم ومدنهم خلال الحرب الممتدة لـ 14 عاماً، لتتغيّر حياتهم بشكل كلي، وتخلق أمامهم عقبات جديدة تُعيقهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وتترك في داخلهم جرحاً نفسياً عميقاً لخسارتهم جزءاً من جسدهم، ومرورهم بمواقف قاسية في حياتهم اليومية.

من بين أولئك الأشخاص، الشاب يونس الزعبي، الذي فقد في إحدى الليالي كافة أفراد عائلته وبُترت قدمه، جراء قصف طال حي جوبر الذي يعيش فيه، ليصطدم بعد الإصابة بواقع قاسٍ، ويصبح سقف أحلامه أن يحصل على طرف صناعي يُمكّنه من المشي بشكل طبيعي كبقية الناس.

وروى الشاب يونس تفاصيل الحادثة، الواقعة في اليوم الأول من كانون الأول عام 2012، لصحيفة زمان الوصل، فقال إنهم تعرّضوا للقصف بالهاون الساعة السادسة مساءً، فاستشهد والده ووالدته وأخته. قبل التعرض لتلك الكارثة، كانت الأم تُحضّر العشاء، وكان الوالد مريضاً، وكانوا ينتظرون قدوم الأخ الأصغر كي يتناولوا العشاء سوية.

تناول يونس عشاءه ثم نام، ليستيقظ على صوت شقيقه الذي أخبره بأنهم قُصفوا، فصار يزحف لأن بطنه أُصيب وقدمه أيضاً، ولم يشعر بشيء حينها، وكان وجهه مملوءاً بالتراب. نقله الأهالي بسيارة إلى الهلال الأحمر، ومنه أُسعف إلى مشفى ابن النفيس في مساكن برزة، وهناك أدخلوه إلى غرفة العمليات، وبعد أن استفاق وجد ساقه قد بُترت، ولديه تشوهات بسبب الإصابة.

والآن، جُلُّ ما يتمناه يونس هو تأمين طرف صناعي له، وأن يعتمد على نفسه دون أن يُثقل على أحد، فمن الصعب عليه أن يمشي بهذه الحالة، عدا عن كونه بكلية واحدة ولديه إصابة في بطنه وظهره. وأعرب ذلك الشاب عن أمنيته باستئجار منزل يعيش فيه، خاصةً أنه يقطن حالياً في غرفة بسيطة داخل معمل المنظفات الذي يعمل فيه.

آلاف المصابين في سوريا من الرجال والنساء يعيشون ظروفاً قاسية مشابهة إلى حدٍّ ما لوضع يونس، ولم تتوقف معاناتهم عند الإصابة فقط، بل خسروا أيضاً أفراداً من عائلاتهم، مما ساهم في تعميق المأساة في حياتهم.

ازدادت نسبة الإعاقات في ظل الحرب، وفرضت على أصحابها أعباء إضافية وعقبات يومية، وفي ظل هذا الوضع، فهم بحاجة ماسة إلى دعم من المجتمع المحيط والمؤسسات الحكومية لتلبية متطلباتهم، كي يتجاوزوا محنتهم ويواصلوا حياتهم بشكل طبيعي.

اقرأ المزيد
١٣ يوليو ٢٠٢٥
آباء في زمن الحرب: صناع الأمل الذين حملوا بناتهم إلى المستقبل

رغم سنوات الحرب والنزوح والخسارات المتتالية، لم يتخلّ آلاف الآباء السوريين عن إيمانهم بحق بناتهم في التعليم، فواجهوا التحديات بلا تردد، وضحّوا بالكثير من أجل أن يروا ابتسامة الفخر على وجوه بناتهم يوم تخرّجهن.

في مشهد بات يتكرر كل عام، تسير الفتيات السوريات في حفلات التخرّج وهنّ يرتدين قبعات العزّ، يحملن شهادات تعبهن، وفي أعينهن بريق الأمل والانتصار. لكن خلف هذه الصورة يقف آباء حملوا العبء، وواجهوا الفقد والفقر، ولم يبخلوا بالجهد أو المال.

تعليم الفتيات... أولوية رغم النزوح
آباء نزحوا من قراهم ومدنهم بعد قصف النظام المخلوع، خسروا منازلهم وأراضيهم، وتغيرت حياتهم من الاعتماد على الأرض إلى البحث عن عمل يومي في مناطق النزوح، لكنهم لم يترددوا في الاستمرار بدعم تعليم بناتهم، رغم الفقر والعوز.

بعضهم باع ممتلكاته، آخرون استدانوا، أو عملوا في مهن شاقة مقابل أجر زهيد، فقط ليضمنوا أن لا تقف الظروف في وجه مستقبل بناتهم. فقد كان همّهم الأول: أن يَرَين بناتهم على مقاعد الدراسة، لا خلف الجدران.

"قالوا لهم إن تعليم البنات لا يُجدي.. لكنهم لم يستسلموا"
روت العديد من الفتيات أن آباءهن سمعوا كثيراً من النصائح بالتخلّي عن فكرة التعليم في ظل الحرب، وأن الفتاة "لن تنفع أهلها"، بل "تتزوج ويذهب جهد تعليمها لبيت زوجها"، لكنّ أولئك الآباء تجاهلوا هذه الأصوات، وواصلوا رسالتهم بعزيمة لا تلين.

في عيونهم، كانت كل شهادة فوزًا شخصيًا، وكل نجاح انتصارًا على الحرب، وكل حلم يتحقق هو صفعة في وجه الدمار.

 من قلب الحرب.. إلى قلب الحياة
لم تكن التضحيات مادية فقط. فقد عاش هؤلاء الآباء فواجع فقد الأبناء والأصدقاء والأهل، ومع ذلك ظلوا على موقفهم، يواجهون الحزن بالقوة، ويحثّون بناتهم على الاستمرار. لم يشأ أحدهم أن يرى ابنته تنكسر، فكان هو من يتماسك كي لا تنهار العائلة.

الفتيات اللواتي أنهين دراستهن، اليوم يعملن في المشافي كطبيبات وممرضات، أو في المدارس كمعلمات، أو في الصيدليات، ودوائر الهندسة، والمكاتب الإدارية، وكل ذلك ما كان ليتم لولا عزيمة الآباء ودعمهم المستمر.

شهادة حبّ وصبر
من الميدان، من الخيمة، من الغربة، خرج الآباء السوريون ليكتبوا درساً لا يُنسى في التربية والوفاء. هم لم ينتظروا مقابلاً من بناتهم، ولم يطلبوا عرفاناً، بل اعتبروا نجاح بناتهم هو النجاح الأكبر الذي يستحقه وطنهم الذي يحلمون بعودته من تحت الركام.

وفي بلد يعاني من الجراح والانقسامات، كانت هذه القصص الإنسانية خير دليل على أن الأمل لا يزال حيًا، وأن التضحية لا تموت، وأن من صبر اليوم على الحرب سيحصد غدًا ثمار السلام.

 

اقرأ المزيد
١٢ يوليو ٢٠٢٥
تقرير شام الاقتصادي | 12 تموز 2025

شهدت الليرة السورية اليوم السبت 12 تموز 2025 استقراراً نسبياً في قيمتها مقابل الدولار، وسط تداولات تراوحت حول حاجز الـ10 آلاف ليرة في معظم المحافظات، أما السعر الرسمي المعتمد من مصرف سوريا المركزي فبقي عند 11000 ليرة للشراء و11110 ليرة للمبيع.

ففي دمشق وحلب وإدلب، استقر سعر الصرف عند 10025 ليرة للشراء و10075 للمبيع، بينما سجل في الحسكة ارتفاعاً طفيفاً ليبلغ 10200 ليرة للشراء و10250 للمبيع.

وتأثرت أسعار الذهب في سوريا اليوم بارتفاع السعر العالمي للأونصة الذي وصل إلى 3354.75 دولار، وتجاوز سعر صرف الدولار محلياً حاجز 10 آلاف ليرة، ما دفع بأسعار المعدن الأصفر نحو مزيد من الارتفاع في الأسواق المحلية.

وبلغ سعر غرام الذهب من عيار 21 قيراط 935,000 ليرة سورية، بينما سجل عيار 18 قيراط 805,000 ليرة. أما الليرة الذهبية من عيار 21 فقفزت إلى 7,480,000 ليرة، وليرة 22 قيراط إلى 7,800,000 ليرة، في حين بلغ سعر الأونصة الذهبية محلياً 33,800,000 ليرة سورية، ما يعكس تزايد الإقبال على الذهب كمخزن للقيمة في ظل تذبذب السوق النقدية.

في خطوة تنظيمية جديدة، أصدرت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة تعميماً يمنع الصاغة من العمل في مجال الصرافة تحت أي شكل. وأكدت الهيئة أن مهنة الصرافة حصرية بشركات مرخصة من مصرف سوريا المركزي، مشددة على ضرورة الفصل الكامل بين نشاطي الصياغة والصرافة في أي محل تجاري مرخص.

التعميم الذي دخل حيّز التنفيذ مباشرة، يشكّل بحسب مراقبين خطوة لضبط الأسواق النقدية ومنع التلاعب بأسعار الصرف، لا سيما في ظل اتساع نشاط بعض الصاغة غير المرخصين في تحويل الأموال والاتجار بالعملات الأجنبية بطرق غير قانونية.

وشهدت سوق دمشق للأوراق المالية نشاطاً لافتاً خلال الأسبوع الثاني من شهر تموز، مع تسجيل ارتفاعات جماعية في المؤشرات الرئيسية. فقد صعد مؤشر DWX بنسبة 19.81% مسجلاً 174,592.61 نقطة، في حين ارتفع مؤشر DLX بنسبة 21.21% إلى 19,239.30 نقطة، وقفز مؤشر DIX بنسبة 27.31% ليبلغ 3,302.01 نقطة، ما يعكس تحسناً في المزاج الاستثماري وزيادة في شهية التداول.

بلغت قيمة التداولات خلال الأسبوع أكثر من 21 مليار ليرة سورية عبر نحو 8.2 مليون سهم موزعة على 919 صفقة، فيما لم تسجّل أي صفقات ضخمة. وتركّز النشاط بشكل رئيسي في القطاع المصرفي، الذي استحوذ على تداولات بقيمة 18.8 مليار ليرة. وتصدّر بنك بيمو السعودي الفرنسي المشهد بقيمة تداول تجاوزت 13.7 مليار ليرة، تلاه بنك البركة وبنك الائتمان الأهلي.

في المقابل، شهد القطاع الصناعي تداولات بقيمة 1.58 مليار ليرة، كان أبرزها سهم إسمنت البادية الذي ارتفع بنسبة 27.62%، لتبلغ قيمته السوقية أكثر من 1.53 مليار ليرة. أما قطاع التأمين فسجل تراجعاً لافتاً في الأداء بتداولات بلغت 358 مليون ليرة، وسط انخفاض في أسعار بعض الشركات.

كما شهد قطاع الخدمات حركة جيدة بتداولات تخطت 312 مليون ليرة، ساهم فيها سهم الأهلية للنقل بصعود نسبته 27.30%. ومع ذلك، بقي قطاع الاتصالات وسندات الخزينة خارج دائرة التداول، ما يُعد مؤشراً على الحاجة لتنشيط أدوات استثمارية أوسع وأكثر تنوعاً.

وفي مؤشر جديد على تحسّن المناخ التجاري، عاد "برج دمشق"، المعلم الأبرز في تجارة الإلكترونيات بالعاصمة، ليشهد أكبر حركة انتعاش منذ سنوات، بعد تراجع القيود الجمركية وعودة تدفق البضائع بشكل منتظم وعلني.

و رصدت مصادر اقتصادية ما قالت إنه مشهداً غير معتاد داخل البرج حيث وجدت محال مكتظة بالبضائع، زبائن يبحثون عن أحدث التقنيات، وتجار يبيعون من دون خوف من الجمارك أو من ملاحقة التعامل بالقطع الأجنبي التقنيات الجديدة وصلت، والأسعار انخفضت، والمنافسة على أشدّها.

أحد التجار قال: "كنا نبيع الشاحن بـ50 ألف، اليوم صار بـ20 ألف فقط مع كفالة... والموبايل كان يدخل تهريب بـ150 دولار، صار بـ75 دولار فقط مع فاتورة"وأكد أن المنافسة بين الطوابق داخل البرج باتت تؤثر في التسعير بنسبة تصل إلى 3 دولارات لكل جهاز.

كما أشار تجار آخرون إلى أن الموبايلات المستعملة شهدت انخفاضات كبيرة في أسعارها، والقطع متوفرة لجميع أنواع الأجهزة، وسط سباق بين الشركات على تقديم خدمات صيانة مبتكرة، هذه العودة القوية للأسواق المحلية تفتح الباب أمام تحسّن تدريجي في قطاع التجزئة والتجارة الإلكترونية، وربما تسهم في تعزيز الثقة بالأسواق وتحسين بيئة الأعمال في العاصمة.

وكان أصدر البنك الدولي تقريراً جديداً تضمن مراجعة إيجابية لتوقعات النمو الاقتصادي في ثماني دول عربية، من بينها سوريا، التي ظهرت مجدداً في بيانات البنك للمرة الأولى منذ أكثر من 12 عاماً.

يشار أن خلال الفترة الماضية أصدرت القيادة السورية الجديدة قرارات عدة لصالح الاقتصاد السوري، أبرزها السماح بتداول العملات الأجنبية، والدولار في التعاملات التجارية والبيع والشراء، وحتى الأمس القريب، وكان النظام البائد يجرّم التعامل بغير الليرة ويفرض غرامات وعقوبات قاسية تصل إلى السجن سبع سنوات.

اقرأ المزيد
١٢ يوليو ٢٠٢٥
أب سوري يواصل بحثه عن ابنته المعتقلة منذ سنوات: باع أرضه وواجه الاستغلال... ولا إجابة حتى اليوم

رغم سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، لا تزال آلاف العائلات السورية تعيش على أمل كاذب أو مجهول، بانتظار بصيص خبر عن مصير أبنائها المغيبين قسرًا. عبد اللطيف متعب، والد الشابة المعتقلة منى نسب، هو أحد هؤلاء الآباء الذين أنهكتهم سنوات البحث والاستنزاف، دون أن يجدوا ما يطفئ ألم الانتظار أو يضع نهاية لمأساتهم.

يقول عبد اللطيف في مقطع مصوّر نشرته صحيفة "زمان الوصل"، إن ابنته اعتُقلت منذ سنوات بينما كانت متجهة إلى دمشق برفقة خطيبها، الذي كان يسعى لإتمام معاملة تأجيل الخدمة العسكرية. اتصلت به من "كراجات" العاصمة، وأبلغته أنها في طريق العودة، لكن الاتصال انقطع ولم تعد إلى المنزل.

مرت الساعات وأُغلِق هاتفها، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من الأسئلة والإنكار والتضليل. علم الأب لاحقًا من أحد ركاب الحافلة أن ابنته وخطيبها أُنزلا منها عند حاجز يتبع الفرقة الأولى التابعة للنظام المخلوع، إلا أن مسؤولي الفرقة أنكروا وجودها لديهم.

ورغم ذلك، استمرت "إشارات الحياة" تظهر بين الحين والآخر. فقد أكدت مصادر من داخل وزارة الدفاع، بحسب رواية الأب، أن منى لا تزال على قيد الحياة، مستندين إلى عمليات "تفييش أمني" أظهرت اسمها في عدة مرات، كان آخرها عام 2022. هذه المعلومات المضللة فتحت أبواب الاستغلال على مصراعيها، حيث دفع الأب مبالغ طائلة بحثًا عن وسطاء أو محامين يعدونه بسماع صوت ابنته أو المساعدة في الإفراج عنها.

في إحدى المحاولات، لجأ إلى محامية تعمل في شارع بغداد بالعاصمة دمشق، طلبت منه 3.5 ملايين ليرة سورية مقابل وعود برؤية أو سماع صوت ابنته، لكنه لم يجد منها سوى وعود كاذبة. اضطر عبد اللطيف في نهاية المطاف إلى بيع قطعة من أرضه، واستدان أموالًا من الآخرين في سبيل مواصلة رحلة البحث المرهقة، والتي شملت زيارة أماكن احتجاز سرية مثل مساكن الضباط ومراكز الأمن.

ورغم كل المحاولات، لم يصل عبد اللطيف إلى أي نتيجة مؤكدة. يقول بمرارة: "بدنا نعرف إذا كانت عايشة ولا ميتة، وإذا ماتت، بدنا قبر ندفنها فيه".

قضية منى ليست استثناءً، بل تمثل جرحًا جماعيًا في جسد المجتمع السوري، حيث تشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من 177 ألف شخص لا يزالون في عداد المختفين قسرًا. ورغم انهيار النظام الذي كان السبب الرئيسي في هذه الجريمة الممتدة، لا تزال الحقيقة غائبة، والمسؤولون عن هذه الانتهاكات بعيدون عن المحاسبة.

ومع كل وقفة احتجاجية تنظمها عائلات المفقودين، يرتفع الصوت نفسه: "لن نسامح، ولن نصمت"، مؤكدين أن العدالة هي الطريق الوحيد لإنصاف أبنائهم، وأن الغياب لا يجب أن يتحوّل إلى نسيان، ولا إلى عفو مجاني عن الجناة.

اقرأ المزيد
٩ يوليو ٢٠٢٥
تقرير شام الاقتصادي | 9 تموز 2025

شهد سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء السورية تراجعاً طفيفاً أمام الليرة خلال تعاملات اليوم الأربعاء، 9 تموز 2025، وسط استقرار في السعر الرسمي المعتمد من مصرف سوريا المركزي.

وفي التفاصيل سجّل الدولار الأميركي في أسواق دمشق، حلب، وإدلب سعر 9950 ليرة للشراء و10 آلاف ليرة للبيع، في حين بلغ في مدينة الحسكة 10 آلاف ليرة للشراء و10,075 ليرة للبيع.

وبذلك، تُقدّر قيمة 100 دولار اليوم بنحو 995 ألف ليرة سورية في السوق الموازية، في المقابل، أبقى مصرف سوريا المركزي سعر الصرف الرسمي دون تغيير عند 11 ألف ليرة للشراء و11,055 ليرة للبيع، وفق نشرة أسعار الصرف الصادرة عنه اليوم، والتي تشمل أكثر من 30 عملة بينها اليورو والليرة التركية.

وعلى صعيد المعادن الثمينة، سجّل سعر الذهب انخفاضاً ملحوظاً بالتزامن مع تحسن نسبي في قيمة الليرة، حيث تراجع سعر غرام الذهب عيار 24 إلى نحو 1.05 مليون ليرة للشراء والبيع، فيما بلغ غرام الذهب عيار 22 حوالي 964 ألف ليرة للشراء و969 ألفاً للبيع.

أما غرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولاً في السوق، فقد سجّل 926 ألف ليرة للشراء و921 ألفاً للبيع، بينما انخفض سعر غرام الذهب عيار 18 إلى 794 ألف ليرة للشراء و790 ألفاً للبيع.

وسط تحركات طفيفة في سعر اليورو والليرة التركية حيث سجّل اليورو اليوم في السوق السوداء 11,633 ليرة للشراء و11,697 ليرة للبيع، بينما بلغ سعر صرف الليرة التركية 247 ليرة للشراء و250 ليرة للبيع.

بالمقابل انطلقت فعاليات "معرض سوريا الدولي السادس للبترول والطاقة والثروة المعدنية – سيربترو 2025" على أرض مدينة المعارض الجديدة بدمشق، بمشاركة قرابة 100 شركة من سوريا ودول عربية وأجنبية، تمثل أكثر من 10 دول.

وتغطي الشركات المشاركة مجالات متعددة تشمل التنقيب والإنتاج والاستشارات والتكرير والتسويق النفطي، واعتبر وزير الطاقة، محمد البشير، أن المعرض يشكل منصة جامعة للمهتمين والمختصين في مجالات الطاقة، كما يتيح الفرصة لتبادل الرؤى حول مستقبل القطاع في سوريا، في وقت تسعى فيه البلاد لإعادة هيكلة بنيتها النفطية والانفتاح على الاستثمارات الدولية.

في تطور لافت ضمن قطاع النقل البحري، استقبل مرفأ طرطوس الباخرة "CMA CGM Sahara"، والتي تعد من بواخر الحاويات الكبيرة بطول 200 قدم وتحمل على متنها 45 حاوية متنوعة. وتُعد هذه أول زيارة لسفينة بهذا الحجم إلى المرفأ.

وأكد مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ، "مازن علوش"، أن هذه الخطوة تعكس جاهزية مرفأ طرطوس لتقديم خدمات شحن وتفريغ احترافية على مدار الساعة، كما تفتح الباب أمام استقطاب خطوط ملاحية عالمية وتعيد التموضع البحري لسوريا كمركز لوجستي في شرق المتوسط.

وقال الباحث في الاقتصاد السياسي، الدكتور "حسن عبيد"، إن سوريا تحتاج إلى إصدار حزمة تشريعات اقتصادية جديدة تشمل قطاعات التمويل والضرائب والتجارة الخارجية، بالتوازي مع ضمانات تنفيذ شفافة وفعالة.

وأشار إلى أن البلاد بدأت فعليًا مرحلة جديدة مع رفع العقوبات الأميركية، وهو ما يتطلب خطوات عملية لطمأنة المستثمرين، خاصة في المناطق الأقل استقرارًا. ولفت إلى ضرورة استثمار الدعم السياسي في تحفيز بيئة الأعمال، بالتزامن مع توقع البنك الدولي لنمو اقتصادي طفيف نسبته 1% خلال العام 2025، بعد انكماش 1.5% العام السابق.

وكشف تقرير صادر عن منظمة "أونكتاد" أن التجارة العالمية نمت بنحو 300 مليار دولار في النصف الأول من 2025، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية. وساهمت الاقتصادات المتقدمة، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بشكل كبير في هذا النمو، بينما سجلت اقتصادات الجنوب العالمي أداءً أقل، باستثناء القارة الإفريقية التي حققت نتائج تصديرية جيدة.

وسجل سعر صرف الليرة السورية استقرارًا ملحوظًا في السوق الموازية، في حين حافظ مصرف سوريا المركزي على تثبيت السعر الرسمي عند 11 ألف ليرة للشراء و11,100 للبيع.

وأعلن الحاكم عبد القادر حصرية عن تأسيس مؤسسة لضمان الودائع، مؤكدًا عدم وجود نية لربط الليرة بالدولار أو اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، و أشار إلى أن سعر الصرف شهد تحسنًا بنسبة 30% خلال الأشهر الأخيرة، متوقعًا إنهاء "التشوهات" السعرية قريبًا.

وذكر حاكم مصرف سوريا المركزي أن البلاد بدأت رسميًا إعادة تفعيل حساباتها المصرفية المجمدة في بعض البنوك الغربية، إضافة إلى استعادة خدمات نظام "سويفت"، ما يفتح الباب أمام التحويلات المالية المباشرة مع الخارج.

وبحسب تصريحات الحاكم، فإن هذه الخطوة تعد تحولاً جذريًا في السياسة النقدية، وتُنهي هيمنة مكاتب الوساطة على التحويلات، كما تعزز انفتاح سوريا مجددًا على المؤسسات المالية الدولية، في ظل بداية تواصل مباشر مع البنك الدولي.

أثارت التصريحات آمالًا بالإفراج عن الأرصدة السورية المجمدة في الخارج، والتي لم يُعلن رسميًا عن قيمتها الدقيقة. غير أن بعض التقديرات تشير إلى وجود ما بين 112 و500 مليون دولار في حسابات مختلفة.

وقال الخبير المصرفي "إبراهيم قوشجي"، إن هذه الأموال قد تُوظف في تنشيط القطاع المالي، لا سيما على صعيد تمويل التجارة الخارجية وشراء المواد الأولية، في حال تم الإفراج عنها بشكل فعلي.

سياسيًا، قررت بريطانيا إعادة علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، في خطوة مفاجئة ترافقت مع زيارة وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إلى دمشق، حيث تعهد بتقديم دعم مالي قدره 129 مليون دولار للمساعدة في إعادة الإعمار.

وتزامن ذلك مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يوقف العقوبات المفروضة على سوريا، ما يمهّد الطريق لعودتها إلى النظام المالي العالمي، ويفتح صفحة جديدة من الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي.

وكان أصدر البنك الدولي تقريراً جديداً تضمن مراجعة إيجابية لتوقعات النمو الاقتصادي في ثماني دول عربية، من بينها سوريا، التي ظهرت مجدداً في بيانات البنك للمرة الأولى منذ أكثر من 12 عاماً.

يشار أن خلال الفترة الماضية أصدرت القيادة السورية الجديدة قرارات عدة لصالح الاقتصاد السوري، أبرزها السماح بتداول العملات الأجنبية، والدولار في التعاملات التجارية والبيع والشراء، وحتى الأمس القريب، وكان النظام البائد يجرّم التعامل بغير الليرة ويفرض غرامات وعقوبات قاسية تصل إلى السجن سبع سنوات.

اقرأ المزيد
٨ يوليو ٢٠٢٥
هربت من الحرب في سوريا فماتت تحت أنقاض الزلزال

لا تغيب عن بالي صديقتي ريحانة، كانت فتاة مفعمة بالحيوية حين نزحت من حمص وجاءت إلى قريتنا في عام 2012. كانت حزينةً، ومثقلةً بالفقد، بعد أن اضطرت لمغادرة المدينة التي أحبتها وترعرعت فيها. كانت فتاة لطيفة ولها من اسمها نصيب.

بعد عام واحد من نزوحها من حمص، عُقد قرانها على ابن عمها، وكانت فرحتها لا توصف بزواجها من الشخص الذي أحبته. في العام التالي، 2013، هاجرت إلى تركيا هرباً من القصف وأهوال الحرب، وبعد سنة واحدة رُزقت بطفلتها الأولى.

عاشت هناك أكثر من عشر سنوات، لم تستطع خلالها أن تعود، لا زيارة ولا إجازة. قبل وقوع زلزال شباط عام 2023، كانت حاملاً بطفلها الثاني بشهرها التاسع، الذي ظلّت تنتظره سنوات، إذا صادفت مشاكل طبية كانت تمنعها من الحمل خلال السنوات الماضية، جعلتها تنتظر وترتاد المراكز الطبية بشكل دوري.

كانت سعيدة جداً بالحمل الجديد، وكانت كلما اشترت قطعة من ملابس الطفل المرتقب، ترسل لي صورها لتأخذ رأيي. كانت تنتظر لحظة الولادة بفارغ الصبر، تلك اللحظة التي تحتضن فيها طفلها بعد طول انتظار.

وقبل الزلزال بأيامٍ قليلة، كنا نتواصل كالمعتاد. كانت متحمسة، مشعة بالأمل، فرِحةً بالطفل الذي طال انتظاره. ثم جاء اليوم المشؤوم، في السادس من شباط عام 2023، ضرب زلزالٌ مدمّر سوريا وتركيا. كان يوماً مرعباً، ضاعت أخبار العائلات في مناطق من سوريا وتركيا.

انهار المبنى الذي كانت تسكن فيه ريحانة في كهرمان مرعش. نجا زوجها ووالد زوجها من تحت الأنقاض، لكن ريحانة وحماتها، بقين عالقات تحت الركام. ثلاثة أيامٍ كاملة، 72 ساعة من الصمت، لا خبر ولا صوت. حاولتُ التواصل مع أهلها في سوريا، لكنهم كانوا قد بدأوا يفقدون الأمل، فالوقت يمضي، والنفَس مقطوع، وكل من يُنتشل بعد هذه المدة يكون غالباً قد فارق الحياة.

وفي اليوم الثالث، أخرجوها من تحت الأنقاض، كانت ريحانة قد فارقت الحياة، هي وحماتها. وقع الخبر علينا كالصاعقة، أما والدتها، التي لم ترها منذ أكثر من عشر سنوات، فقد كانت في حالٍ يُرثى لها. لم يتحمل قلبها هذا الفقد، وهي التي كانت تحلم باحتضان ابنتها من جديد.

ريحانة، التي طالما خافت من الطيران الحربي، وكانت تمضي أيامها مختبئة في الكهوف التي حفرها الأهالي في أرياف إدلب لاستخدامها كملجأ للاختباء من القصف، رحلت بطريقة لم تخطر ببالها يوماً. هربت من الموت في سوريا، وصبرت في تركيا عقداً من الزمن، لتموت تحت أنقاض زلزال لم نكن نتوقعه، ماتت ريحانة هي ومولودها الذي في بطنها.

اقرأ المزيد
٥ يوليو ٢٠٢٥
تقرير شام الاقتصادي | 5 تموز 2025

سجّلت الليرة السورية خلال افتتاح الأسبوع اليوم السبت، 5 تموز 2025، تحسناً طفيفاً في قيمتها أمام الدولار الأميركي، وسط حالة من الترقب في الأسواق المحلية مع استمرار التغيرات في السياسة النقدية والانفتاح الخارجي.

في السوق الموازية، بلغ سعر صرف الدولار في دمشق وحلب وإدلب 9900 ليرة للشراء و10000 ليرة للمبيع، بينما ارتفع قليلاً في الحسكة مسجلاً 9950 ليرة للشراء و10050 للمبيع، في المقابل، حافظ مصرف سوريا المركزي على سعره الرسمي عند 11000 ليرة للشراء و11110 ليرة للبيع.

التحسن الأخير يأتي في إطار مسار تصاعدي شهدته الليرة منذ مطلع العام، مدعومة بجملة عوامل أبرزها رفع العقوبات الغربية عن سوريا، والتحسن النسبي في مؤشرات التجارة والقطاع المصرفي إذ سجلت العملة السورية أفضل أداء لها منذ أكثر من عقد، بعد أن فقد الدولار نحو 26% من قيمته مقابل الليرة خلال النصف الأول من 2025.

في كانون الثاني، بدأ التراجع المفاجئ في السوق الموازية مع بلوغ الدولار مستوى 13,400 ليرة، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى ما دون 10,400 ليرة. وجاء شباط ليحمل ذروة التراجع الدراماتيكي، حيث لامس الدولار حدود 9800 ليرة، في ظل غياب أي تعديل على السعر الرسمي من جانب المصرف المركزي.

وشهد آذار الفائت أول تدخل رسمي بخفض السعر إلى 12,000 ليرة، فيما واصلت السوق الموازية تقلبها الطفيف دون تجاوز حواجز جديدة، خلال نيسان، ارتفع الدولار مجدداً قبل أن ينخفض في نهاية الشهر إلى نحو 10,800 ليرة، بينما تراجع في أيار إلى 9875 ليرة ثم عاد للارتفاع تدريجياً، أما في حزيران، فقد ساد استقرار نسبي، واختُتم الشهر بكسر الدولار لحاجز الـ10 آلاف نزولاً، في سابقة لم تحدث منذ بداية العام.

هذا الأداء يعود بدرجة كبيرة إلى المتغيرات الدولية، أبرزها قرار الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية في 30 حزيران، مع الإبقاء على قيود محددة على بعض الأفراد، في خطوة جاءت استكمالاً لقرار الاتحاد الأوروبي في أيار برفع الحظر عن قطاعات النقل والطاقة والتحويلات المالية. هذه التطورات ساهمت في إعادة الثقة بالسوق السورية، وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وفتح الباب أمام استثمارات جديدة وتعزيز حركة التجارة.

فيما دعا المصرف التجاري السوري جميع المقترضين إلى مراجعة فروعه في المحافظات لتسديد الأقساط المستحقة قبل موعد 15 تموز الجاري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالمهلة تجنباً لأي تبعات قانونية بحق المتأخرين عن سداد ستة أقساط أو أكثر.

وأوضح المصرف أنه يُتيح للمقترضين إمكانية التسديد بما يعادل الأقساط بالعملة الأجنبية، وفق نشرة مصرف سوريا المركزي، مما يمنح مرونة أكبر للمتعثرين.

اقتصادياً، شهدت البلاد خلال الأيام الماضية سلسلة مؤشرات على انفتاح جديد. فقد أُعلن عن إطلاق مجلس الأعمال السوري الكندي لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين دمشق وأوتاوا، كما بدأت عمليات صرف مستحقات القمح بالدولار عبر "شام كاش"، في خطوة نوعية لدعم القطاع الزراعي وتحسين القوة الشرائية للمزارعين.

التقارير التجارية أظهرت أيضاً نشاطاً متزايداً في حركة التبادل مع دول الجوار، حيث دخل أكثر من 31 ألف شاحنة أردنية الأراضي السورية خلال النصف الأول من العام، واحتلت مستلزمات البناء والقطاع الإنشائي الحصة الكبرى من الواردات.

في ملف ريادة الأعمال، وقّعت غرفة صناعة دمشق اتفاق شراكة مع منظمة العمل الدولية لتعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فيما شهدت العاصمة مؤخراً قمة وطنية جمعت رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا والبرمجيات، في إشارة إلى رغبة حكومية بدفع القطاع التقني نحو واجهة الاقتصاد.

عالمياً، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عن ارتفاع طفيف في مؤشر أسعار الغذاء بنسبة 0.5% في حزيران، مدفوعاً بارتفاع أسعار اللحوم التي سجلت أعلى مستوى في تاريخ المؤشر، إلى جانب الزيوت النباتية ومنتجات الألبان، في حين تراجعت أسعار الحبوب والسكر. وتوقعت المنظمة إنتاجاً قياسياً للحبوب خلال عام 2025، ما لم تؤثر التغيرات المناخية السلبية على المحاصيل.

وبين الانفراجات الخارجية، والتحركات المحلية الحذرة، يقف الاقتصاد السوري أمام مفترق طرق حاسم، قد يحدد شكل المرحلة المقبلة ومستوى قدرة البلاد على استعادة ثقة السوق والمجتمع الدولي، في آنٍ معاً.

وكان أصدر البنك الدولي تقريراً جديداً تضمن مراجعة إيجابية لتوقعات النمو الاقتصادي في ثماني دول عربية، من بينها سوريا، التي ظهرت مجدداً في بيانات البنك للمرة الأولى منذ أكثر من 12 عاماً.

يشار أن خلال الفترة الماضية أصدرت القيادة السورية الجديدة قرارات عدة لصالح الاقتصاد السوري، أبرزها السماح بتداول العملات الأجنبية، والدولار في التعاملات التجارية والبيع والشراء، وحتى الأمس القريب، وكان النظام البائد يجرّم التعامل بغير الليرة ويفرض غرامات وعقوبات قاسية تصل إلى السجن سبع سنوات.

اقرأ المزيد
٥ يوليو ٢٠٢٥
ما بين الحزن على وفاة أبناء والبحث عن مفقودين.. قصة الأم المكلومة "آمنة"

منذ أكثر من عشر سنوات، وآمنة محيي الدين تبحث عن أطفالها المعتقلين. تحلم بلحظة اللقاء والعناق الدافئ لتضع حدّاً لانتظار طويل أتعبها وسرق من وقتها وجهدها، كيف يسع لقلب تلك السيدة أن يحتمل فراق ستة من أبنائها في عام واحد؟

بدأت معاناة الفقد عند آمنة في اليوم الخامس من شهر كانون الثاني عام 2014، حين فقدت أطفالها الأربعة مع زوجها على حاجز "علي الوحش". كانوا لا يزالون صغاراً جداً: محمد عمره تسع سنوات، فاطمة سبع سنوات، مريم سنتين، وميمونة الشام عشرة أشهر.

لم تتوقع آمنة أن يحصل معها ذلك، فالمكان الذي فقدت فيه أطفالها يُفترض أنه معبر إنساني خُصص للعائلات كي تخرج منه بعد ظروف فقر وجوع وحصار.

توقفت حياة آمنة عند لحظة الفقد، وصارت جميع تفاصيل حياتها مرهونة بالبحث عنهم. تقول في شهادة صوتية نشرتها صحيفة "زمان الوصل": "منذ تلك اللحظة وأنا أبحث عن أولادي، لم أدع مكاناً إلا وبحثت فيه: في دور الأيتام، وزارة الشؤون الاجتماعية، الهلال الأحمر، الصليب الأحمر، السفارات، محكمة الإرهاب، القابون، القضاء العسكري، ولم أعثر عليهم."

ولم تتوقف مأساتها عند هذا الحد، بل فقدت اثنين آخرين من أولادها: شاب يدرس الطب في سنته الأولى استُشهد بقذيفة، وابنة عمرها 19 عاماً كانت مريضة وأُصيبت بحرارة داخلية. حينها كانوا محاصرين، ولا يوجد إمكانية للخروج أو دخول أطباء أو الحصول على علاج.

آمنة، مثلها مثل آلاف الأمهات في سوريا، اجتمعت العديد من المآسي في قصتها. فقدت الاستقرار والشعور بالأمان، ثم فقدت أبناءها بين من تأكدت وفاتهم ومن لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم، مما دفعها للبحث والانتظار والتمسك بالأمل رغم مرور أكثر من عقد.

وبعد أن تحررت سوريا من النظام البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، استأنفت آمنة رحلة البحث عن أولادها من جديد. واختصرت معاناتها ومأساتها بعبارة مؤلمة: "عجزت، لا أعرف ماذا أفعل؟"

اقرأ المزيد
٤ يوليو ٢٠٢٥
انتهت مآسي الحرب.. لكن من يُعيد الأحبة ويُنسينا الألم

انتهت الحرب في سوريا، وسقط بشار الأسد الذي كان سبباً في نزوحنا واغترابنا عن وطننا لسنوات طويلة. ابتعدنا عن أرضنا وأهلنا وأحبتنا، وتجرعنا مرارة الغربة في كل لحظة. ورغم أن المآسي قد انتهت، ولن تعود بإذن الله، فإن الظروف والذكريات ما تزال محفورة في الذاكرة، عصيّة على النسيان.

أنا واحدة من النساء اللواتي ذقن مرارة الغربة. غادرت إلى تركيا في عام 2013، حين كنت حاملاً بطفلي الأول. لم نعد قادرين على احتمال الخوف الذي كنا نعيشه يومياً؛ قصف الطيران الحربي، والمدفعية، وانفجار القذائف في كل مكان. انقطعت الكهرباء، ونزح معظم سكان القرية، وأصبح تأمين أبسط الاحتياجات أمراً شبه مستحيل.

قبل سفري بعام، فُجعت عائلتنا بفقد اثنين من أعمامي، أحدهما في حلب والآخر في معرة النعمان. كانت تلك أول مرة نخسر فيها أحبة منذ بداية الثورة. نعم، كنا نتوقع كل شيء مع اشتداد الحرب، لكن أن نعيش الفقد واقعًا كان أمرًا يفوق التصور. 

لا أنسى دموع جدتي وجدي وهما يبكيان ولديهما بحرقة، ولا تلك البيوت التي غمرها الحزن، ولا السكون الثقيل الذي خيّم على الحارة بأكملها. ومع مرور الوقت، أصبحت حكايات الفقد مألوفة، تتكرر مع كل تصعيد جديد في البلاد، حتى صار الحزن جزءاً من يومياتنا.

وفي تركيا، كثيراً ما مررت بظروف ومواقف شعرت فيها أنني بأمسّ الحاجة إلى والدتي وأهلي، خاصة حين أنجبت ابني. في كل لحظة كنت أشتاق إلى منزلنا، إلى الحارة، إلى الجيران الذين كبرنا بينهم. كانت حياتنا كلها قائمة على الانتظار؛ انتظار فتح باب الإجازات، انتظار خبرٍ مفرح، انتظار أن تتحسن الأوضاع في البلاد. لكن هذا الانتظار طال... واستمر لأكثر من عشر سنوات.

لكن المآسي لم تتوقف عند هذا الحدّ. خلال تلك السنوات، فُجعت بوفاة أشقائي الثلاثة، كل واحدٍ منهم رحل في وقت مختلف: الأول استُشهد في قصف جوي، والثاني قضى في حادث سير، أما الثالث فاستُشهد أثناء الرباط. 

احترق قلبي لغيابي عن عائلتي في تلك اللحظات القاسية، لعدم قدرتي على الوقوف إلى جانب أمي وأبي، أو أن أواسيهما، أو أن أُلقي على إخوتي نظرة الوداع الأخيرة. كل ما استطعت فعله أن أراهم عبر مكالمات الفيديو، ملفوفين بالكفن، وسط نحيب الحاضرين وبكاء القلوب... كان مشهداً لا يُحتمل.

أما والدي، فقد ألمّ به المرض وبدأت صحته تتدهور شيئاً فشيئاً، حتى اضطر لإجراء عملية في القلب. كان وضعه يزداد سوءاً مع مرور الأيام، وأكثر ما كان يؤلمني هو شدة تعلّقه بالقرية، كان يحلم بتحرّرها، ويتمنى أن يراها مرة أخرى، أن يمشي في أزقتها ويتأمل تفاصيلها التي لم تغب عن قلبه. 

كثيراً ما كان يطلب من من حوله أن يدعوا له بطول العمر، حتى يأتي يوم النصر، ويعود إليها حرّاً كما كان يتمنى، توفي قبل التحرير بعام وثلاثة أشهر، لم أودعه أيضاً، كنت أتمنى أن أقبل يده التي لطالما مسح بها على رأسي برحمة. الآن نتجهز للعودة، ووضع حدّ للغربة الطويلة، سنعود إلى قرانا وأراضينا، لكن من يُعيد لنا الذكريات والأحبة.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٠ أغسطس ٢٠٢٥
المفاوضات السورية – الإسرائيلية: أداة لاحتواء التصعيد لا بوابة للتطبيع
فريق العمل
● مقالات رأي
١٣ أغسطس ٢٠٢٥
ازدواجية الصراخ والصمت: استهداف مسجد السويداء لم يُغضب منتقدي مشهد الإعدام في المستشفى
أحمد ابازيد
● مقالات رأي
٣١ يوليو ٢٠٢٥
تغير موازين القوى في سوريا: ما بعد الأسد وبداية مرحلة السيادة الوطنية
ربيع الشاطر
● مقالات رأي
١٨ يوليو ٢٠٢٥
دعوة لتصحيح مسار الانتقال السياسي في سوريا عبر تعزيز الجبهة الداخلية
فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان
● مقالات رأي
٣٠ يونيو ٢٠٢٥
أبناء بلا وطن: متى تعترف سوريا بحق الأم في نقل الجنسية..؟
سيرين المصطفى
● مقالات رأي
٢٥ يونيو ٢٠٢٥
محاسبة مجرمي سوريا ودرس من فرانكفورت
فضل عبد الغني
● مقالات رأي
٢٥ يونيو ٢٠٢٥
استهداف دور العبادة في الحرب السورية: الأثر العميق في الذاكرة والوجدان
سيرين المصطفى